الفصل الثاني: الطور الثاني لكتب علوم الحديث (كتاب ابن الصلاح فما بعده)

١٥٢ فقرة، ج ١ ص ٢١١

الصفحة ١ من ٤

  1. وكلامنا عن هذا الطور سيختلف في منهجه عن كلامنا في سابقه، لطول زمن هذا الطور، وكثرة المصنفات فيه، ولأن غرضنا الاختصار وضرب الأمثلة فقط، دون استيعاب الكلام عن مناهج المصنفين.

    ج ١ ص ٢١١
  2. لكن لما جعلنا كتاب ابن الصلاح حداً وقاسماً، وجب علينا تمييزه بمزيد إيضاح وبيان.

  3. إن (معرفة أنواع علم الحديث) لا بن الصلاح (ت ٦٤٣هـ) من الكتب النادرة في العلوم الإسلامية، التي ما أن صنفت حتى أصبحت إماماً لأهل فنها، وهماً لطلاب ذلك العلم ولعلمائه، وأصلاً أصيلاً يرجعون إليه، ومورداً لا يصدرون إلا عنه ولا يحومون إلا عليه.

  4. يقول الحافظ ابن حجر في وصفه: ((فهذب فنونه، وأملاه شيئا بعد شئ، فلهذا لم يحصل ترتيبه على الوضع المتناسب٠

    واعتنى بتصانيف الخطيب المتفرقة، فجمع شتات مقاصدها، وضم اليها نخب فوائدها، فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره٠

    فلهذا عكف الناس عليه، وساروا بسيره٠ فلا يحصى كم ناظم له

    ج ١ ص ٢١٢مختصر،

    مستدرك عليه ومقتصر، ومعارض له ومنتصر!!)) (١) .

    1. (١)نزهة النظر لابن حجر (٥١) .
  5. وقد ذكر الحافظ ابن حجر في وصفه هذا احد أهم مميزات كتاب ابن الصلاح،

    وهي تعويله واعتماده في جل كتابه على كتب الخطيب البغدادي: (الكفاية) وغيرها

    من مصنفات الخطيب الكثيرة التي أفردها لأنواع وعلوم من علوم الحديث٠

    وللدكتور محمود الطحان مبحث خاص في كتابه (الحافظ الخطيب البغدادي وأثره في علوم الحديث) ، يثبت فيه بالموازنة أن ابن الصلاح- كما يقول-: ((كان عالة على كتب الخطيب عامة، وكتابيه (الكفاية) و (الجامع) خاصة)) (٢) .

    1. (٢)الحافظ الخطيب البغدادي وأثره في علوم الحديث للطحان (٤٨١-٤٨٦) .
  6. ونخرج من هذا بنتيجة واضحة، وهي أن كثيرا من آراء الخطيب في تفسير مصطلح الحديث وتقرير قواعده سوف تنتقل الى ابن الصلاح، بما في تلك الآراء من صواب (وهي غالبها) ، ومن خطأ (وهي أقلها) ، من آثار اقتباس الخطيب من الفقة٠

    والآراء وان اتفقت أحيانا كثيرة، بسبب ذلك التعويل والاعتماد على كتب الخطيب،

    الا أن منهج تقريرها قد بدا فيه بعض الاختلاف٠

    وليس اختلاف المنهج أمرا غريبا، بعد تذكر ما سبق تقريره، من ضعف تلقي العلوم النقلية، وقوة تأثير العلوم العقلية على علوم السنة، وازدياد ذلك بالتدريج عبر العصور٠ وقد عبر ابن الصلاح نفسه عن حاله عصره وأهله تجاه

    ج ١ ص ٢١٣علوم السنة، مبينا سبب تأليفه لكتابه (معرفة أنواع علم الحديث) ، حيث قال في مقدمته: ((ولقد كان شأن الحديث فيما مضى عظيماً، عظيمة جموع طلبته، رفيعة مقادير حفاظه وحملته. وكانت علومه بحياتهم حيةً، وأفنان فنونه ببقائهم غضةًً، ومغانيه بأهله آهلةً. فلم يزالوا في انقراض، ولم يزل في اندراس، حتى آضت به الحال: على أن صار أهله إنما هم شرذمة قليلة العدد ضعيفة العدد. لا تغني على الأغلب في تحمله بأكثر من سماعه غفلاً، ولا تتعنى في تقييده بأكثر من كتابته عطلاً، مطر حين علومه التي بها جل قدره، مباعدين معارفه التي بها فخم أمره. فحين كاد الباحث عن مشكله لا يلفي له كاشفاً، والسائل عن علمه لا يلقى به عارفاً، من الله الكريم تبارك وتعالى وله الحمد أجمع بكتاب (معرفة أنواع علم الحديث)

    هذا ... )) (١) .

    1. (١)علوم الحديث لابن الصلاح (٥- ٦) .
  7. أما تأثير العلوم العقلية على علوم السنة، فإضافةً إلى أن ابن الصلاح قد نقل بعض ذلك الأثر عن الخطيب البغدادي، فإن ابن الصلاح فوق ذلك جاء بعد الخطيب بما يقارب القرنين من الزمان، فالأثر ازاداد في عصره عن عصر الخطيب، والمرء ابن زمانه، فلا بد أن يزداد الأثر على ابن الصلاح أيضاً.

  8. ولئن كان لابن الصلاح تلك الفتوى القوية في ذم علم المنطق والحط منه (٢) ، فإنه من جهةٍ أخرى اصولي متبحر فيه معدود في (طبقات الأصوليين) (٣) .

    1. (٢)انظر (ص ١٦٠- ١٦١) .
    2. (٣)الفتح المبين في طبقات الأصوليين للمراغي (٢/٦٣- ٦٤) .
  9. يقول محقق كتاب ابن الصلاح، الدكتور نور الدين عتر في مقدمة تحقيقه: ((فأكب ابن الصلاح على هذه الذخائر يفحصها

    ج ١ ص ٢١٤بعين الفقيه المتعمق في الفهم والاستنباط، ويزن عباراتها بميزان الأصول الضابط للحدود والتعاريف، وحسبك به فقيهاً، وأصولياً محققاً)) (١) .

    1. (١)مقدمة تحقيق نور الدين عتر لعلوم الحديث لابن الصلاح (١٨) .
  10. وبعض النظر عن صحة هذه العبارة، القائلة إن: ابن الصلاح ضبط حدود المصطلحات وتعريفاتها بميزان الأصول، غلا أن هذا الميزان ـ في الحقيقة ـ هو الذي منه نفر (٢) !! وإن كنت أوافق أن بعض ذلك قد وقع من ابن الصلاح، غلا أنه أقل ممن جاء بعده في ذلك!

    1. (٢)انظر (ص ١٦٤ـ ١٦٥) .
  11. لكن لما كان كتاب ابن الصلاح إماماً وقدوةً لمن بعده، وسن كتابه هذا المهج، وعمق أثر الأصول فيه، تدافع القوم على الاستنان بمنهجه، والاقتداء بطريقته!!

  12. وأدلة ذلك تظهر من نواحي عدة:

    من كثرة نقوله عن الأصوليين (٣) .

    1. (٣)انظر مثلاً في علوم الحديث (ص ٥٦، ٨٥، ١٤١، ١٤٣، ١٥١، ١٥٢، ١٥٤، ١٥٥، ١٦٨، ١٧٣- ١٧٤، ١٨٠- ١٨١) .
  13. ومن دمجه لآراء المحدثين والفقهاء والأصوليين (٤) .

    1. (٤)انظر علوم الحديث (١٤٣، ١٧٣- ١٧٤) .
  14. ومن نقله مع رأي المحدثين الرأي المخالف له للفقهاء والأصوليين، دون ترجيح، ومع وضعه لكلا الرأيين في ميزان واحد (٥) .

    1. (٥)انظر علوم الحديث (١٦٨) .
  15. بل ربما مال إلى ترجيح رأي الأصوليين على رأي المحدثين!

  16. كما فعل في صور المرسل المختلف فيها، حيث قال: ((إذا انقطع الإسناد قبل الوصول إلى التابعي، فكان فيه رواية واوٍ لم يسمع من المذكور فوقه. فالذي قطع به الحاكم الحافظ أبو عبد الله وغيره من أهل الحديث أن ذلك لا يسمى مرسلاً ... والمعروف في الفقه واصوله أن كل ذلك يسمى مرسلاً، وإليه ذهب من أهل الحديث أبو بكر الخطيب وقطع به) ) (١) .

    وقال أيضا في الموضوع نفسه: ((اذا قيل في الا سنا د: فلان عن رجل أو ن عن شيخ عن فلان، أو نحو ذلك: فالذي ذكر الحاكم في (معرفة علوم الحديث) انه لا يسمى مرسلا، بل منقطعا٠ وهو في بعض المصنفات المعتبرة في أصول الفقه معدود من أنواع المرسل)) (٢) .

    1. (١)علوم الحديث لابن الصلاح (ص ٥١) .
    2. (٢)علوم الحديث لابن الصلاح (ص٥٢) .
    ج ١ ص ٢١٥
  17. تنبه الى تعبيره: ((والمعروف في الفقه وأصوله..) ) و ((وهو في بعض المصنفات المعتبرة في أصول الفقه) ) .

  18. وأنبه هنا أيضاً إلى أنه ليس من غرضي تأييد هذه المسائل الجزئية أو معارضتها (٣) ، إنما غرضي بيان أثر الأصول وعمق هذا الأثر على ابن الصلاح.

    1. (٣)لكن انظر (ص ٢٣٠- ٢٣٤) .
  19. ثم تابع معي في هذه المسألة الآتية (مسألة تعارض الوصل والإرسال) :

    لما ذكر الخطيب البغدادي الاختلاف في هذه المسألة، قال: ((ومنهم من قال: الحكم للمسند إذا كان ثابت العدالة ضابطاً للرواية، فيجب قبول خبره ويلزم العمل به، وإن خالفه

    ج ١ ص ٢١٦غيره، وسواء كان المخالف له واحداً أو جماعةً)) . ثم أيد الخطيب هذا القول، وصححه على غيره. ودلل عليه بتصرفات لبعض المحدثين، منهم الإمام البخاري (١) .

    1. (١)الكفاية للخطيب (٤٥١-٤٥٢) .
  20. ففهم ابن الصلاح من كلام الخطيب هذا، أنه يقول بأن وصل الثقة مقدم على إرسال غيره من الثقات مطلقاً. وسوف نعود إلى كلام ابن الصلاح، بعد تقرير مذهب الخطيب من هذه المسألة أولاً.

  21. والذي أراه أن الخطيب لم ير ذلك الرأي الذي ظن ابن الصلاح أنه رأيه! فالخطيب قال بتقديم رواية المسند بشرطٍ لا يخالف فيه أحد، وهو (إذا كان (الراوي) ثابت العدالة ضابطاً للرواية)) . فالذي يقدم قوله بالوصل عند الخطيب إذن، هو الراوي الذي ضبط روايته، ولا يضره بعد ضبطه لروايته من خالفه وكم خالفه!

  22. فالخطيب لم يقدم الوصل على الإرسال مطلقاً، كيف وقد اشترط شرطاً واضحاً، كما سبق؟!

  23. نعم.. هو لم يذكر الميزان الذي نعرف به ضبط الراوي لروايته، لكنه أشار إلى ملامحه في أمثلته التي ساقها بعد ذلك.

  24. ويدل على ذلك أيضاً، هو أن الخطيب عارض ذلك الفهم الذي فهمه ابن الصلاح من كلامه، معارضة صارخةً، في كتابه (المزيد في متصل الأسانيد) . حيث قسم كتابه هذا إلى قسمين:

    الأول: ما حكم فيه بصحة ذكر الزيادة في الإسناد، والثاني: ما حكم فيه برد الزيادة وعدم قبولها (٢) . مما يدل دلالة صريحة أن

    ج ١ ص ٢١٧الخطيب لا يقدم الوصل على الإرسل مطلقاً، كما فهم من كلامه.

    1. (٢)انظر شرح علل التر مذ ي لابن رجب (٢/٦٣٧-٦٣٨) .
  25. بل وفي (الكفاية) للخطيب ما يدل على عدم صحة نسبة ذلك القول إليه، بتقديم الوصل على الإرسال مطلقاً. إذ بين الخطيب أسباب كتابة المحدثين للمراسيل من الأحاديث، فقال خلال ذلك: ((ومنهم من يكتبها على معنى المعرفة، ليعل المسندات بها. لأن في الرواة من يسند حديثاً يرسله غيره، ويكون الذي أرسله أحفظ وأضبط، فيجعل الحكم له) ) (١) .

    1. (١)الكفاية للخطيب (٤٣٤) .
  26. وهذا كله كما ترى، واضح من القول، في بيان مذهب الخطيب من هذه المسألة.

  27. ثم جاء ابن الصلاح، ونظر في القول الذي رجحه الخطيب، فحمله على غير ظاهره، وبما يناقض به تصرفات الخطيب وأقواله الأخرى، مبيناً سبب اختياره له وموافقته عليه، فقال: ((وما صححه (يعني الخطيب) هو الصحيح في الفقه وأصوله)) ، ثم ذكر ابن الصلاح النقل الذي كان احتج به الخطيب لمذهبه (٢) .

    1. (٢)علوم الحديث لابن الصلاح (٧٢) .
  28. مع أن مذهب الخطيب واستدلاله له مختلف عن المذهب الذي اختاره ابن الصلاح واستدلاله!!

  29. وقد بين الحافظ ابن رجب والحافظ ابن حجر وغيرهما أن كلام البخاري، الذي نقله الخطيب وتبعه ابن الصلاح، لا يدل على قبول الزيادة في لإسناد مطلقاً (٣) . وهذا وحده ينفع أن

    ج ١ ص ٢١٨يكون دليلا جديداً، على عدم صحة فهم كلام الخطيب على ما فهم به، لأن دليله على قوله لا يصلح دليلاً لما فهم من قوله!!

    1. (٣)انظر شرح العلل لابن رجب (٢/ ٦٣٨) ، والنكت على كتاب ابن الصلاح (٢/ ٦٠٧- ٦٠٨) ، وفتح المغيث للسخاوي (١/٢٠٣) .
  30. ولما فهم ابن الصلاح ذلك الفهم عن الخطيب، عاب تصرفه في كتابه (المزيد في متصل الأسانيد) (١) ، لأنه في رأيه ناقض به القول الذي في (الكفاية) ، ذلك القول الذي صححه الأصوليون أيضاً!!

    1. (١)انظر علوم الحديث لابن الصلاح (٢٨٧) .
  31. ثم لما وقف ابن رجب على ذلك كله، من كلام الخطيب وابن الصلاح، فهم كلام الخطيب على فهم ابن الصلاح، فلم يرض قوليهما. وقال بعد ذكره تصرف الخطيب في كتابه (المزيد في متصل الأسانيد) : ((ثم إن الخطيب على تناقض، فذكر في كتاب (الكفاية) للناس مذاهب في اختلاف الرواة في إرسال الحديث ووصله، كلها لا تعرف عن أحد من متقد مي الحفاظ، إنما هي مأخوذة من كتب المتكلمين. ثم إنه اختار أن الزيادة من الثقة تقبل مطلقاً, كما نصره المتكلمون وكثير من الفقهاء.

  32. وهذا يخالف تصرفه في كتاب (تمييز المزيد) .

  33. وقد عاب تصرفه في كتاب (تمييز المزيد) بعض محدثي الفقهاء، وطمع فيه لموافقته لهم في كتاب (الكفاية) ..)) (٢) .

    1. (٢)شرح علل الترمذي لابن رجب (٢/٦٣٨) .
  34. ولا أشك أن مراد ابن رجب بـ (بعض محدثي الفقهاء) ابن الصلاح لأنه هو الذي عاب تصرف الخطيب، وطمع في قوله في (الكفاية) ، ولأن ابن الصلاح من (محدثي الفقهاء) !!

  35. وأهم ما في كلام ابن رجب هذا، عندي هنا، هو أنه بين منشأ هذا الاختيار الذي رضيه ابن الصلاح، وأنه مذهب

    ج ١ ص ٢١٩المتكلمين من الأصوليين والفقهاء.

  36. أما كلام ابن رجب عن الخطيب، فبينا أن الخطيب على خلاف ما فهم من كلامه. ثم الأقوال التي ذكرها الخطيب في هذه المسألة، وإن كانت مأخوذةً عن كتب المتكلمين كما قال ابن رجب، إلا أن ظواهر أقوال وتصرفات كثير من المحدثين تدل عليها، ولذلك ذكرها الخطيب، ثم رجح الراجح الصواب مما يدل عليه باطن علم المحدثين وحقيقة مذهبهم.

  37. ومع هذا التأثر الكبير بالأصول عند ابن الصلاح، إلى درجة ترجيح رأي الأصوليين، على رأي أهل الفن من المحدثين؛ إلا أنه زاد في بيان عمق هذا الأثر، وأنه تعمد مخالفة المحدثين إلى رأي الأصوليين، عندما قال في نوع (العمل) : ((وكثيراً ما يعللون (يعني المحدثين) الموصول بالمرسل، مثل أن يجيء الحديث بإسناد موصول، ويجيء أيضاً بإسناد منقطع أقوى من إسناد الموصول، وهذا اشتملت كتب علل الحديث على جمع طرقه)) (١) .

    1. (١)علوم الحديث لابن الصلاح (٩٠) .
  38. إذن فابن الصلاح كان على علم بحقيقة رأي المحدثين من هذه المسألة، وأنهم كانوا كثيراً ما يقدمون المرسل على الموصول، مع ذلك رجح قول الأصوليين على قولهم!!!

  39. فهذا المثال وما سبقه يكفي لإثبات عمق أثر أصول الفقه على كتاب ابن الصلاح، ولذلك أمثلة أخرى ليس هذا موطن استقصائها.

  40. لكن زاد الأمر خطورةً في كتاب ابن الصلاح، بظهور بوادر (فكرة تطوير المصطلحات) السابق شرحها وبيان خطرها على

    ج ١ ص ٢٢٠السنة وعلومها (١) . وهي تتلخص في تغيير مدلولات المصطلحات عما كانت عليه عند (أهل الاصطلاح) من المحدثين، إما بتضييق مدلول المصطلح، أو بتوسيعه!

    1. (١)انظر (ص١٧٦-١٧٨) .