الفصل الأول: في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم
٥١ فقرة، ج ١ ص ١٣
الصفحة ٢ من ٢
- ج ١ ص ٢٨
لاشك أن مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه كان ثلمة في حصن الإسلام، فلم تجتمع الأمة بعده على خليفة إلى اليوم. وكان له من الآثار العظيمة، عقب الجريمة مباشرة، وبعدها.. إلى اليوم، ما يكاد يكون بها السبب الأول لما تلاه من نكبات وكبوات في تاريخ هذه الأمة.
-
وكان من أكبر آثار فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه، افتراق الأمة، وظهور بعض الأحزاب، لا سياسية فحسب، بل عقدية سياسية.
-
عندها بدأت دواعي التقول على النبي صلى الله عليه وسلم تظهر، نصرة للمذهب الاعتقادي الذي يتحزب له بعض مرضى النفوس والجهلة.
-
لكن جيل الصحابة رضي الله عنهم كانوا ـ كما رأيت سابقاً ـ قد سبقوا ذلك بالتشديد في الرواية، فما أن لاحت بوادر الفتنة، حتى سابقوها أيضاً بالمبالغة في التشدد للرواية، وبتحصين السنة
ج ١ ص ٢٩بحصن آخر قبل مجيء العدو الضعيف. وبذلك اماتوا الكذب في صدور أصحابه، ولم يستشر داؤه، بل لم يوجد اصلاً إلا من آحادٍ هلكوا فهلك معهم.
-
وقد أعلن عبد الله بن العباس رضي الله عنهما المنهج الذي بدأ يود ذلك العصر في تلقي السنة، عندما قال رضي الله عنه: ((إنا كنا إذا سمعنا رجلاً يقول: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ٩، ابتدرته أبصارنا، وأغينا إليه بآذاننا. فلما ركب الناس الصعب والذلول، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف) ) (١)
- (١)أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه (١/١٢-١٣) ، والدارمي في السنن (رقم ٤٣٢، ٤٣٣) وأبو زرعة الدمشقي في تاريخه (رقم ١٤٨٦) ، وابن حبان في المجروحين (١/١١٢) ، وابن عساكر في تاريخ دمشق ـ المخطوط ـ (٣/٣٨٩) .
-
لقد كان في ذلك التثبت إنشاء لعلم جديد من علوم الحديث، وهو علم الجرح والعديل، الذي كانت قد وضعت أسسه، وأصلت قواعده، في الأصلين: الكتاب والسنة، كما مر بيانه.
-
فابن عباس رضي الله عنه، يعلن هنا عن بداية حقبةٍ جديدةٍ للرواية، تختلف عن الحقبة السابقة لها. حيث لم يكن يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الحقبة السابقة، إلا من زكاهم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم من الصحابة رضي الله عنهم، الذين لم يكن يستلزم قبول ما يروونه إلا سماعه منهم. أما الحقبة التي يتكلم عنها ابن عباس رضي الله عنه، فقد بدأ من لم يكن له لقي بالنبي صلى الله عليه وسلم ولا صحبة، بالحديث عنه صلى الله عليه وسلم. وهؤلاء لم يلقوه، فحديثهم عنه صلى الله عليه وسلم لا بد أن يكون لهم إليه
ج ١ ص ٣٠فيه واسطة؛ ثم إنهم هم أنفسهم ليس لهم شرف الصحبة، ولا نالهم تعديل من الله تعلى أو رسوله صلى الله عليه وسلم؛ ثم بعد أن دبت الفتنة، (وركب الناس الصعب والذلول) ، كان لا بد من معرفة الواسطة المحذوفة في مرسل ذلك التابعي، للتوثق من ثقة تلك الواسطة، وذلك ـ بالطبع ـ بعد التوثق من ثقة ذلك التابعي نفسه الذي أرسل الحديث أولاً.
-
فكان هذا أول تطبيق عملي ظاهر لعلم الجرح والتعديل، وأول السؤال عن الإسناد، ورفض المراسيل. وذلك لظهور علتين اقتضت ذلك، هما علتا: رواية المجروح، والإرسال وعدم الإسناد (١) وفي الحقيقة، فإن علة الإرسال عائدة إلى العلة الأولى، لأن عدم قبول المرسل إنما كان، لا حتمال كون المحذوف مجروحاً.
- (١)وفي ذلك رد على من زعم أن أول من رد الحديث المرسل الإمام الشافعي، فهذا عبد الله ابن عباس رضي الله عنه قد سبقه إلى ذلك!! وتلاه أيضاً محمد بن سيرين، والزهري، كما يأتي (ص ٣٠-٣١، ٣٧) . انظر رسالة أبي دواود إلى أهل مكة (٢٤) ، والتمهيد لابن عبد البر (١/٤) . ثم انظر جامع التحصيل للعلائي (٧٠) ، والنكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر (٢/٥٦٧-٥٦٨) وتهذيب التهذيب (١/٤٧١) ، وفتح المغيث للسخاوي (١/١٦٦) ، وتوضيح الأفكار للصنعاني (١/٢٩٦) ، وإرشاد الفحول للشوكاني (١٢٠) .
-
وقد أرخ بداية نشوء هذين العلمين (علم الإسناد وعلم الجرح والعديل) من علوم الحديث، أحد أئمة التابعين، وهو محمد بن سيرين (ت ١١٠هـ) ، عندما قال: ((لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا: سموا لنا رجالكم. فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر على أهل البدع فلا يؤخذ
ج ١ ص ٣١حديثهم (١) .
- (١)أخرجه الإمام أحمد في العلل (رقم ٣٦٤٠) ، ومسلم في مقدمة صحيحه (١/١٥) ، والدرامي في سننه (رقم ٤٢٢) ، وابن أ [ي حاتم في مقدمة الجرح والتعديل (٢/٢٨) ، والجوزجاني في أحوال الرجال (٣٥ـ ٣٦) ، والعقيلي في الضعفاء (١/١٠) ، وابن عدي في الكامل (١/١٢١) ، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٢/٢٧٨) ، والخطيب في الكفاية (١٥٠، ١٥١) .
-
ومن هنا يظهر أن الصحابة رضي الله عنهم، كانوا هم أول من بدأ بإنشاء ما عرف بعد ب (علوم الحديث ومصطلحه) .
-
ولا غرابة في ذلك، فإن الهدف واحد والغاية معلومة، لهذه الأمة عبر العصور، وهو: التوثق للسنة، وتأديتها للأجيال صافية، من غير نقص أو زيادة. فكل وسيلة تؤدي إلى هذا الهدف سيسلكه ذلك الجيل، وأي سبيل يحقق تلك الغاية فستطرقه الأمة، ولن تواجهها عقبة إلا وكان عندها من العلم والعزيمة ما يقتحم بها العقبات، ولا اعترضها عائق إلا واخترعت ما يجاوزها إياه.