كيف نفهم مصطلح الحديث؟
١٦٢ فقرة، ج ١ ص ٢٤٥
الصفحة ١ من ٥
- ج ١ ص ٢٤٥
لقد كاد هذا العنوان (كيف نفهم مصطلح الحديث؟) يكون عنواناًلهذا البحث كله، وهو أهل لذلك، لأنه خاتمة المطاف، وخلاصة بحثنا، ونتيجة دراستنا كلها.
-
وقد سبقت الإجابة عن بعض هذا السؤال، في فصل كلامنا عن المنهج النظري السليم في فهم مصطلح الحديث (١) . ونزيد الأمر هنا إيضاحاً، ونكمل الجواب، بما يكفي ـ إن شاء الله تعالى ـ لإيصالنا إلى الغاية المبتغاة والضالة المنشودة، وهي: فهم مصطلح الحديث!
- (١)انظر (ص ١٧١- ١٨٠) .
- وسنسير في جوابنا على سؤالنا هذا على خطوزات:
-
الخطوة الأولى: الاستقراء التام لكتب الحديث ومصنفات السنة، على اختلاف طرائق تصنيفها وأغراضها، وخاصةً كتب أهل الاصطلاح (وهم محدثو القرن الثالث فما قبله، وأئمة المحدثين في القرن الرابع) (٢) ، أو الكتب التي تعني بنقل كلام أهل الاصطلاح هؤلاء.
- (٢)انظر (ص ١٧٥- ١٧٦) .
-
ونقوم خلال هذا الاستقراء بجمع الألفاظ التي تتكرر على ألسنة أهل الاصطلاح وفي كتبهم، للتغبير بها عن حال الراوي أو
ج ١ ص ٢٤٦المروي. مع جمع مسائلهم الجزئية وصورها الفردية، التي استخدمت تلك الألفاظ في التعبير عن حالها وفي الحكم عليها.
-
مثلاً: إن قال أحد الأئمة من أهل الاصطلاح عن حديثٍ ما: ((منكر) ) ، قيدت هذا اللفظ، مع الحديث الذي أطلق به عليه أيضاً.
-
ثم لهذا الاستقراء وجهان، لكل واحدٍ منهما دوائر متعددة.
- فالوجه الأول: استقراء الألفاظ كلها أو بعضها:
-
وأوسع دوائر هذا الاستقراء: استقراء جميع مصطلحات وألقاب علم الحديث في عبارات أهل الاصطلاح. وهذه الدائرة لا يستطيع القيام بها فرد، بل ولا أفراد، ولا بد للقيام بها من تنظيمٍ يتكون من لجان متعددة الوظائف، متفرغة لمثل هذا العمل العظيم، لتقوم به خلال سنوات أو عقود!
-
فمن يقوم بمثل هذا العمل العلمي الجبار؟!!
-
وأضيق هذه الدوائر: استقراء مصطلح واحد في استخدامات أهل الاصطلاح. وهذه الدائرة يمكن لبعض ذوي القدرة العلمية والجلد في البحث والتفرغ لذلك، من القيام بها خلال بعض سنوات في أقل تقدير.
-
وبين هذه وتلك: دوائر أخرى، تتسع وتضيق، بحسب سعة استقراء المصطلحات وضيق استقرائها.
-
الوجه الثاني: استقراء المصطلحات في استخدامات جميع أهل الاصطلاح أو بعضهم:
وأضيق دوائر هذا الاستقراء: استقراء مصطلح أو مصطلحات إمام واحدٍ من أهل الاصطلاح. ومن ميزة هذا الاستقراء أنه دقيق النتائج، خاصةً فيما لو كان لذلك الإمام اصطلاحات خاصة به. ومن عيوبه أنه قد لا تتضح فيه الرؤيا، بسبب قلة المسائل الجزئية التي أطلق عليها ذلك الإمام أحد الألقاب أو الأحكام، مما يصعب معه الجزم بمعنى تلك الألقاب أو الأحكام.
-
وأوسع دوائر هذا الاستقراء: استقراء مصطلح أو
ج ١ ص ٢٤٧مصطلحات جميع أهل الاصطلاح. وهي تقوم في الحقيقة على احتواء أضيق الدوائر جميعها، بجمع مصطلح أو مصطلحات أحد الأئمة من أهل الاصطلاح وحده، وهكذا غيره، إلى أن تجمع الألفاظ المعنية بالدراسة في استخدامات جميع أهل الاصطلاح، مقسمةً على مستخدميها كل واحدٍ منهم وحده. وبعد دراسة ألفاظ كل إمام، نقوم بالجمع بين النتائج، لاستخلاص نتيجةٍ واحدة.
-
وهذه الدائرة في ضخامتها وعظيم ما تحتاجه لتنفيذها، يمكن أن تتحد في مشروع واحدٍ جليلٍ تاريخي، مع الدائرة الأولى من الوجه الأول للاستقراء.
-
وبين هذه الدائرة وتلك: دوائر أخرى، تتسع وتضيق، بحسب سعة الاستقراء للأئمة من أهل الاصطلاح في استخداماتهم، أو ضيقه كذلك.
-
ويمكن أن تضبط هذه الدائرة الوسطى بضابط (الطبقة) ، وإن كانت (الطبقة) أيضاً يمكن أن تتسع وتضيق. لكن الانضباط بالطبقة، مهما كانت، أسلم في المنهج، وأدق في النتيجة. إذ من غير المعقول أن أجمع في دراسةٍ واحدةٍ مثلاً بين محمد بن سيرين من التابعين وابن حبان من علماء القرن الرابع، فما فائدة هذا الجمع حينها؟! وما مدى مصداقية نتائجه؟!
- ج ١ ص ٢٤٨
وأذكر هنا ما يقوم به غالب الدارسين في مرحلتي (الماجستير) و (الدكتوراه) ، من موازنة أقوال إمامٍ في الجرح والتعديل من أهل الاصطلاح مثل (شعبة بن الحجاج) ، بأقوال الحافظ ابن حجر في (التقريب) مثلاً. فلا أدري! ولست إخال أدري! كيف انطلى هذا المنهج (الذي لا ينطوي على منهج) على المجالس العلمية والأساتذة الأكادميين في جامعتنا الإسلامية؟!!
-
فهل المنهج بين الإمامين واحد؟! وهل مصطلحهما واحد؟! وهل مصادر العلم وموارد المعرفة بين الإمامين وبين المعصرين واحدة أيضاً؟! ثم هل فهمنا ـ قطعاً ـ كل مصطلحات الحافظ؟ حتى نقيس عليها!! ثم هل يصح أن نجعل اجتهاد الحافظ مقياساً في الخطأ والصواب علم شعبة؟ مع ذلك الفارق الكبير والبون الشاسع بين الرجلين: في العصر، والاصطلاح، بل والعلم أيضاً!!!
-
ولو تنبه القائمون بتلك الدراسات، إلى ميزة الاصتقراء في دائرة (الطبقة) ، لما رضوا عنها بديلاً!!
-
إذ إن (المصطلح) ، غير المترجم عن علم متكامل، وهو النشىء من خلال التواضع والعارف، لا بد أن يمر بمراحل، قبل اكتمال ذلك العلم. وإن كانت هذه المراحل قد يكثر تتابعها وقد يقل، تطول المرحلة الواحة زمناً وقد تصر، وقد تنتهي المراحل من زمنٍ متقدمٍ باستقرار الصمطلح، وقد لا تنتهي إلا مع انتهاء تكامل ذلك العلم كله.
-
ولما كان أهل الطبقة الواحدة (وكلما ضاقت كان ذلك أدق) يعيشون زمناً واحداً، ومرحلة ً معينة ً متفقةً من مراحل علمهم؛ ومصطلحه؛ ولما كان من غير المعقول أن يكون أحمد بن حنبل لا يعرف ابن معين، ومن غير المتصور أن علي بن
ج ١ ص ٢٤٩المدني لا يفهم تعليل أحمد= لذلك كان لاستقراء مصطلح أهل طبقةٍ واحدة له ميزة عظمى، في قوة الدراسة التالية لذلك الاستقراء، وفي دقة نتائج هذه الدراسة بعد ذلك.
-
وأومأ إلى ذلك إيماءةً لطيفة، الإمام أبو محمد ابن أبي حاتم، في كتابه (الجرح والعديل) . حيث ذكر روايات مختلفة عن يحيى بن معين في تعديل المبارك بن فضالة وتجريحه، ثم علق على ذلك بقوله: ((اختلفت الرواية عن يحيى بن معين في مبارك بن فضالة والربيع بن صبيح، وأولاهما أن يكون مقبولاً منهما محفوظاً عن يحيى، ما وافق أحمد وسائر نظرائه) ) (١) !!
- (١)الجرح والعديل (٨/ ٣٣٩) .
-
وعلى كل حال، فإن الاستقراء في دائرة الطبقة له ميزات متعددة كثيرة، خاصةً إذا ضيقت الطبقة. أما إذا وسعت الطبقة، فيجب مراعاة الفروق المؤثرة بين افراد هذه الطبقة الواسعة. وربما بلغت مراعاة الفروق إلى فصل كل إمامٍ على حدة، لبالغ سعة الطبقة، والقيام بدراسة تشبه الدراسة التي ذكرناها في أوسع دوائر هذا الوجه من وجهي الاستقراء!
-
هذه هي الخطوة الأولى.
-
والخطوة الثانية: تفنيد كل لفظٍ على حدة، فيما لو كان استقرائي لأكثر من لفظ، أو تفنيد اللفظ الواحد الذي أقوم بدراسته عن بقية الألفاظ غير الداخلة في الدراسة.
-
بدراسته عن بقية الألفاظ غير الداخلة في الدراسة.
-
ويجب التنبه في خطوة التفنيد هذه، إلى ضرورة تنفيذها بدقة متناهية.
-
فلا أعتبر الألفاظ المختلفة، ذات المعنى المترادف لغةً،
ج ١ ص ٢٥٠مجموعة واحدة. فلا أجمع ـ مثلاً ـ مصطلح (الصحيح) بـ (القوي) بـ (الثابت) بـ (الجيد) ، حتى يثبت عندي، بعد نهاية الخطوات في كل واحدٍ منها، أنها بمعنى واحد.
-
ولا اقوم بفصل المصطلح المركب، كل لفظٍ منه مع نظرائه. مثل مصطلح (حسن صحيح) ، فلا أفصل فيه لفظ (حسن) عن (صحيح) ، وأضع كل لفظٍ منهما مع نظرائه المفردين. بل أدرس المصطلح المركب وحده، باعتباره مجموعة منفصلة
فإذا اشتبه عندي مصلطح مكون من لفظين، هل هو مركب؟ أو لا؟ مثل (حين غريب) أو (صحيح شاذ) . فيجب علي أولاًُ أن أدرس المصطلحات التي جاءت مفردةً مما تركب منه هذا الإطلاق، فأدرس (الحسن) الذي أطلق مفرداً دون تركيب، وكذا (الغريب) . حتى إذا استقر عندي معناهما مفردين، درست ذلك المصطلح المجموع فيه اللفظان: مثل (حسن غريب) ؛ فإذا ظهر أن مدلول كل لفظٍ وحده لم يتغير بهذا التركيب، علمنا أن هذا المصطلح ليس مركباً، ويصح حينها فك تركيبه، ووضع كل لفظةٍ منه مع نظرائها. أما إن ظهر أن مدلول أحدهما أو كليهما تأثر بهذا التركيب، فحينها نعتبر هذا المصطلح مصطلحاً مركباً، ولا يصح حينها فك تركيبه، ولا دراسة كل لفظة منه مع نظرائها المفردات.
-
ونحو ذلك كثير، خاصةً في ألفاظ الجرح والتعديل. مثل: (ثقة صدوق) ، و (صدوق فيه لين) و (صالح فيه ضعف) ، ونحوها كثير.
-
أما إذا أيقنت إيقاناً تاماً أن المصطلحين ليسا مركبين، غير معتمدٍ في يقينك على إلفٍ سابق أو نشأةٍ علمية، فحينها لا بأس
ج ١ ص ٢٥١بفك ذلك التركيب، ووضع كل لفظةٍ منه مع نظرائها. وذلك أمثلة (صحيح مرفوع) ، و (حافظ عابد) .
-
ولا بد أيضاً في هذه الخطوة من أن تقسم المجموعة الواحدة المكونة من لفظٍ واح إلى مجموعات فرعيه، هذه المجموعات الفرعية مبنية في تقسيمها على اختلاف اشتقاق اللفظ الواحد، من أسم، وفعل، ومصدر. إذ قد يختلف معنى المصطلح، لا باختلاف لفظه، لكن باختلاف اشتقاقه؛ كما قالوا في (المنقطع)
-
و (المقطوع) (١) ، وكما سبق عن الحافظ ابن حجر في (أرسل) و (مرسل) (٢) .
- (١)انظر علوم الحديث لابن الصلاح (٤٧) .
- (٢)انظر (ص ٢٣٠) .
-
لكن يجب عليك أن لا تدرس تلك المجموعات الفرعية المبنية على اختلاف الاشتقاق دراسةً منفصلةً لكل واحدةٍ منها، لأن احتمال اختلاف المعنى باختلاف الاشتقاق ليس كبيراً، ولأن ذلك قد يجعل عدد المسائل الجزئية في كل مجموعة ضئيلاً لا نخرج معه بنتيجة، ولأن في ذلك تعسيراً بالغاً لا طائل تحته. ويكفي في دراسة هذه المجموعات، أن تجعل كل اشتقاق تحت نظيره متوالياً، ثم الاشتقاق الآخر كذلك؛ وبعد ذلك تدرس
المسائل الجزئية، فإذا ظهر لك أن لمجموعةٍ ما معنى مختلفاً عن غيرها، فصلته، وإلا بقي ضمن مجموعته الأساسية.
-
وأعود أخرى مؤكداً إلى ضرورة الدقة المتناهية في هذه الخطوة: خطوة التفنيد، لأن الخطأ فيها قد يهدم النتيجة قبل الوصول إليها، ولأن الخطأ فيها أضر من التقصير في الاستقراء. فقد أصل إلى النتيجة الصحيحة مع نقص الاستقراء، في حين أنه
ج ١ ص ٢٥٢يبعد أن أصل إلى النتيجة الصحيحة فيما إذا خلطت بين الألفاظ ولم أتقن التفنيد.
-
والخطوة الثالثة: دراسة المسائل الجزئية في المجموعة الواحدة، تحت الإطلاق الواحد.
-
وتتم هذه الدراسة بفحص كل مسألة جزئية فحصاً دقيقاً، ليمكنني ـ فيما بعد ـ إيجاد رابطٍ واضح بين ذلك الإطلاق وتلك المسألة الجزئية التي أطلق عليها.
-
فإن كانت المسألة الجزئية حديثاً: درست إسناده دراسةً وافية، وخرجته تخريجاً كافياً، وتظرت في أحكام الأئمة الأخرى على الحديث.
-
وإن كنت المسألة الجزئية جرحاً أو تعديلاً: اجتهدت غاية الاجتهاد في معرفة المرتبة الدقيقة لذلك الراوي من مراتب الجرح والتعديل، وذلك من خلال دراسةٍ وافية كثيرة التشعبات دقيقة المسالك. وبعد أن أعرف الراجح في ذلك الراوي، أوازن الراجح فيه بالحكم الذي أصدره ذلك الإمام. وإن أضفت إلى ذلك أحكاماً لأئمة آخرين من طبقة الإمام الذي أدرس مصطلحه، كان ذلك أثرى وأوثق وآمن، لكن يجب أن يكونوا أئمةً عينتهم للدراسة كلها، فلا تختار لكل مسألة أئمة سوى من ذكرتهم في سابقتها.