كيف نفهم مصطلح الحديث؟

١٦٢ فقرة، ج ١ ص ٢٤٥

الصفحة ٣ من ٥

  1. ـ ثم ذكر الحاكم بعد ذلك ثلاثة أمثلة للشاذ عنده.

    ج ١ ص ٢٦٢
  2. وعبارة الإمام الشافعي هذه جاءت عنه بألفاظٍ أخرى أكثر وضوحاً، فقال في بعضها: ((ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة حديثاً لم يروه غيره، إنما الشاذ من الحديث: أن يروي

    ج ١ ص ٢٦٣الثقات حديثاً: على نص؛ ثم يرويه ثقة: خلافاً لروايتهم ز فهذا الذي يقال: شذ عنهم)) (١) .

    ثم قال تلميذ الحاكم أبو يعلى الخليلي في (الإرشاد) : ((أما (الشواذ) : فقد قال الشافعي وجماعة من أهل الحجاز: (الشاذ) عندنا: ما يرويه الثقات على لفظٍ واحدٍ، ويرويه ثقة خلافه، زائداً أو ناقصاً. والذي عليه حفاظ الحديث: (الشاذ) : ما ليس له إلا إسناد واحد، يشذ بذلك ك شيخ ثقة كان، أو غير ثقة؛ فما كان عن غير ثقة: فمتروك لا يقبل، وما كان عن ثقة: يتوقف فيه، ولا يحتج به)) (٢)

    1. (١)آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم (٢٣٣- ٢٣٤) ، والكامل لابن عدي (١/١١٥) ، ومناقب الشافعي للبيهقي (٢/ ٣٠) ، ومعرفة السنن والآثار له (١/ ١٤٣- ١٤٤) ، والكفاية للخطيب (١٧١) .
    2. (٢)منتخب الإرشاد لخليلي، بانتخاب السلفي، المطبوع باسم الإرشاد (١/ ١٧٤- ١٧٧) .
  3. فواضح من تصرف الخليلي، أنه اعتبر كلام الإمام الشافعي ومن وافقه من أهل الحجاز مذهباً خاصاً بهم واصطلاحاً لهم، فلم يعترض على الاصطلاح بشيء.

  4. ولعل الحاكم يكون هذا هو موقفه، فيكون الخليلي قد ترجم لنا موقف شيخه الحاكم بعبارته الصريحة السابقة الذكر.

  5. وقبل أن أنتقل إلى مواقف المتأخرين من هذه المسألة، أشرح مذهب الحاكم والخليلي في تفسيرهما للشاذ.

  6. فظاهر أنهما اتفقا أن من شروط (الشذوذ) أن يتفرد به راوٍ، دون أن يكون له متابع.

  7. ثم قد يظن أنهما اختلفا في أمرين اثنين، هما:

    ج ١ ص ٢٦٤الأول: أن الحاكم ذكر أن المتفرد بالشاذ ثقة، وأما الخليلي فالشاذ عنده ما تفرد به ثقة أو غير ثقة. وهذا إنما ظنناه اختلافاً بين الحاكم والخليلي (١) بتسليط معايير الحدود المنطقية على كلام الحاكم، باعتبار أن ما ذكره من شرحه للشاذ تعريفاً جامعاً منعاً. لكن لو عاملناه على غير ذلك، وأخذنا بمنطوقه دون مفهومه، لعرفنا أن الحاكم إنما ذكر أدق نوعي الشاذ، وأشدهما خفاءً، وأحوجهما إلى البيان.

    1. (١)انظ علوم الحديث لابن الصلاح (٧٦- ٧٧) ، والنكت لابن حجر (٢/٦٥٢- ٦٥٣) ، وفتح المغيث للسخاوي (١/٢٣١- ٢٣٢) ، وتدريب الراوي للسيوطي (١/٢٠٥) .
  8. والدليل القاطع بأن الحاكم لا يعارض في تسمية تفرد غير الثقة بالشاذ، هو تصرفه وتطبيقه. ففي (المستدرك) أخرج حديثاً من طريق إسحاق بن بشر الكاهلي الكوفي (ت ٢١٨هـ) ، وهو كذاب (٢) ، يرويه هذا من طريق جميع بن عمير التيمي الكوفي وهو مختلف فيه (٣) ، قال عنه الحافظ في (التقريب) : ((صدوق يخطىء ويتشيع) ) (٤) . ثم قال الحاكم عقب هذا الإسناد: ((هذا حديث شاذ، والحمل فيه على جميع بن عمير، وبعده إسحاق بن بشر) ) (٥) . فتعقبه الذهبي بقوله في (تلخيص المستدرك) : ((فلم يورد الموضوع هنا؟!!) ) (٦) .

    1. (٢)انظر لسان الميزان لابن حجر (١/ ٣٥٥- ٣٥٨) .
    2. (٣)انظر تهذيب التهذيب لابن حجر (٢/١١١- ١١٢) .
    3. (٤)التقريب (رقم٩٦٧) .
    4. (٥)المستدرك للحاكم (٣/ ٥) .
    5. (٦)تلخيص المستدرك للذهبي: في حاشية المستدرك، الموضوع السابق.
  9. فهذا تصرف قاطع على أن الحاكم يسمي تفرد غير الثقة شاذاً، كما يسميه به الخليلي أيضاً.

  10. وبهذا تعلم جور تسليط معايير الحدود المنطقية على كلام أهل الاصطلاح وشرحهم لمصطلحهم، لأن كلامهم لم يوزن منهم بتلك المعايير!

    ج ١ ص ٢٦٥
  11. الأمر الثاني الذي يظن أن الحاكم والخليلي اختلفا فيه: هو أن الحاكم لا يرى الوصف بالشذوذ مانعاً من تصحيح الحديث، ويظن أن الخليلي يخالف الحاكم في ذلك، لأنه ذكر تفرد الشيخ الثقة يتوقف فيه ولا يحتج به.

  12. أما أن الحاكم لا يرى الوصف بالشذوذ مانعاً من وصفه بالصحة، فذلك قد أخذوه من إطلاق الحاكم على تفرد الثقة بأنه شاذ (١) .

    1. (١)انظر النكت على كتاب ابن الصلاح لا بن حجر (٢/٦٥٢- ٦٥٣) .
  13. وأصرح من ذلك كله في أن الحاكم لا يرى الوصف بالشذوذ مناقضاً تصحيح الحديث والاحتجاج به أيضاً، هو أنه في كتابه (المدخل إلى الإكليل) ، ذكر أقسام الحديث الصحيح المتفق عليه (٢) ، فقال في (القسم الرابع من الصحيح المتفق عليه) : ((هذه الأحاديث الفراد والغرائب ن التي يرويها الثقات العدول، تفرد بها ثقة من الثقات، وليس لها طرق مخرجة في الكتب ... ) ) (٣) ، ثم

    ج ١ ص ٢٦٦ضرب لهذا القسم أمثلة، منها حديث اتفق على إخراجه الشيخان، وهو حديث عائشة رضي الله عنها في سحر النبي صلى الله عليه وسلم (١) ، ثم قال الحاكم: ((هذا الحديث مخرج في الصحيح، وهو شاذ بمرة) ) (٢) .

    1. (٢)الظاهر أن الحاكم يريد بـ (الصحيح المتفق عليه) ، أي على الاحتجاج به، لا أنه الصحيح الذي اتفق على إخراجه الشيخان. ولذلك مكان سوى هذا، لبسطه والتدليل عليه.
    2. (٣)المدخل إلى الإكليل للحاكم (٣٩) .
    3. (١)صحيح البخاري (رقم ٥٧٦٦) ، وصحيح مسلم (رقم ٢١٨٩) .
    4. (٢)المدخل إلى الإكليل للحاكم (٣٩) .
  14. فالحاكم موافق على أنه صحيح حجة، لكنه يصفه بالشذوذ باعتبار التفرد فقط.

  15. ولذلك أمثلة متعددة من تصرفات الحاكم!

  16. فمن ذلك قوله عقب حديث في (المستدرك) : ((ولعل متوهماً يتوهم أن هذا متن شاذ، فلينظر في الكتابين (يعني صحيح البخاري ومسلم) ، ليجد من المتون الشاذ، التي ليس لها إلا إسناد واحد، ما يتعجب منه، ثم ليقس هذا عليها)) (٣) .

    وقال عن حديث آخر في (المستدرك) : ((إسناد صحيح، رواته عن آخرهم ثقات، إلا أنه شاذ بمرة) ) (٤) .

    وقال عن آخر: ((هذا حديث شاذ صحيح الإسناد) ) (٥) .

    وقال كذلك: ((هذا متن شاذ، وإن كان كذلك، فإن إسحاق الدبري صدوق ... ـ ووثق بقية رجال إسناده قبل الدبري ـ) ) (٦) .

    وقال الحاكم أيضاً في (سؤالات السجزي له) : ((بهز بن حكيم: من ثقات البصريين، ممن يجمع حديثه. وإنما أسقط من

    ج ١ ص ٢٦٧الصحيح: روايته عن أبيه عن جده، لنها شاذة لا متابع لها في الصحيح)) (١) . ومع ذلك فقد أكثر الحاكم الإخراج في (المستدرك) لبهز بن حكيم، مصححاً لحديثه عن أبيه عن جده (٢) .

    1. (٣)المستدرك (١/٢١) .
    2. (٤)المستدرك (١/١٨١) .
    3. (٥)المستدرك (١/ ٢٧٧) .
    4. (٦)المستدرك (٣/١٦٠) .
    5. (١)سؤالات السجزي (رقم ١٥٠) .
    6. (٢)انظر مثلاً المستدرك (١/٤٦، ١٢٥، ٣٩٧- ٣٩٨) (٤/٨٤، ١٠٢، ١٧
  17. وبذلك لا يبقى عندك شك في أن الشذوذ عن الحاكم ليس وصفاً مناقضاً للصحة، بل هو عبارة عن وصف الحديث بالتفرد بأصلٍ لا متابع له فيه، بغض النظر عن قبوله أو رده.

  18. ثم وازن بين كلام الحاكم وتصرفه هذا، وهو من أهل الاصطلاح، بما استقر عند المتأخرين من أن الشذوذ قسم من أقسام الضعيف ‍‍

    وما أحسن احتراز ابن الصلاح وإشارته الدقيقة إلى ذلك ن عندما قال: ((الشاذ المردود قسمان..) ) ، فقوله (المردود) ، فيه إشارة إلى أن من الشاذ ما هو مقبول غير مردود. وإن كان كلام ابن الصلاح قبل كلامه هذا، في الموطن نفسه: (نوع معرفة الشاذ) ن يوحي إيحاءً يكاد يكون تصريحاً بخلاف ذلك الاحتراز الحسن وبغير تلك الإشارة الدقيقة ‍‍

    فانتهينا إذن إلى أن من الشاذ ما هو صحيح محتج به عند الحاكم، فهل الخليلي يخالفه؟

  19. إن ظاهر كلام الخليلي في هذا الموطن: أن الحديث الفرد، سواء كان من رواية ثقة أو غير ثقة، فهو حديث لا يحتج

    ج ١ ص ٢٦٨به. لكن هذا الظاهر لا يتبادر إلى ذهن أحدٍ من له أدنى علمٍ بعلم الحديث، لن رد الغرائب والأفراد كلها لا يقول به أحد من أهل الحديث. وإذا كان هذا الظاهر على هذه الدرجة من ظهور رده ووضوح بطلانه، فلا يمكن أن نظن بأحد حفاظ الحديث ونقاده أنه يقول به ‍وعلى هذا بلا بد من تفسير كلام الخليلي بما لا يخالف البدهيات، وتأويله بما لا يناقض الإجماع ‍‍وهذا أباح للخليلي التعبير بمثل هذا التعبير، وهو الذي رخص له عند نفسه أن لا يعقد عبارته بما البدهي كافٍ فإفهامه والإجماع كفيل بتقييده. وهذا مثال آخر وجديد، على سهولة عبارات أئمة الحديث، وخروجها على سليقة العرب: في صفائها ن ووضوحها، وبعدها عن تطويل العبارة أو تعيدها، بما العقول السليمة تعقله، والأفهام الصحيحة تدركه.

  20. ولك أن تعجب بعد ذلك من مواقف بعض المتأخرين من عبارة الخليلي تلك‍والتي جاء أمثلها قول من فهم كلام الخليلي بناءً على تصريح الخليلي في موطن آخر م (الإرشاد) ، بأنه يصحح افراد الحفاظ الثقات. وهذا وإن كان دليلاً صحيحاً على عدم جواز فهم كلام الخليلي السابق على إطلاقه، من أنه يرد الأفراد ولا يحتج بها مطلقاً= إلا أنه استدلال حاجة لنا فيه، بعد أن فهمناه بداهةً، وعلمناه بالإجماع ‍‍

    وإذا كان الخليلي لم يشذ عن الإجماع ولم يخالف البدهيات، في أن أفراد الحفاظ صحيحة محتج بها اتفاقاً، فما هو

    ج ١ ص ٢٦٩معنى قوله عن الشاذ: ((يشذ بذلك: شيخ ثقة كان، أو غير ثقة ... وما كان عن يتوقف فيه ولا يحتج به) ) ؟

  21. أجاب عن ذلك ابن رجب الحنبلي في (شرح علل الترمذي) ، حيث قال: ((لكن كلام الخليلي في تفرد الشيوخ، والشيوخ في اصطلاح أهل هذا العلم: عبارة عمن دون الأئمة الحفاظ، وقد يكون فيهم الثقة وغيره ... وفرق الخليلي بين ما ينفرد به شيخ من الشيوخ الثقات، وما ينفرد به إمام أو حافظ؛ فما انفرد به إمام حافظ: قبل واحتج به، بخلاف ما تفرد به شيخ من الشيوخ ن وحكى ذلك عن حفاظ الحديث) ) .

  22. إذن فالقسم المردود من أفراد الثقات عند الخليلي: هو الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابراً لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف. وما سوى هذا القسم من أفراد الثقات، فهو مقبول محتج به، وهو انفراد من كان يحتمل التفرد بما تفرد به.

  23. وهذا كله في معرفة ما يقبله وما لا يقبله الخليلي من أفراد الثقات، ويحكيه عن أهل الحديث. لكن مسألتنا ك هل الشاذ عند الخليلي هو هو عند الحاكم؟

  24. أما حكم انفراد الثقات، فاتفق عليه الحاكم والخليلي، كما سبق عنهما. بتقسيمه إلى انفراد من يحتمل ذلك التفرد ن ومن لا يحتمله.

  25. واتفق والحاكم والخليلي على تسمية ما لا يحتمل من التفرد بـ (الشاذ) ، ونص الحاكم على تسمية ما يحتمل من التفرد بـ (الشاذ)

  26. أيضاً ن ولم ينص الخليلي على هذا في ذلك الموطن.

    ج ١ ص ٢٧٠
  27. فإذا أردنا وزن كلام الخليلي بمعايير المناطقة، باعتباره أن حده لا بد أن يكون جامعاً مانعاً لصفات (الشاذ) ، بعدما شرحانه من كلامه= يكون تفرد من يحتمل ذلك التفرد ليس بـ (شاذ) عند الخليلي.

  28. لكن سبق أن تلك المعايير أجنبية عن علوم الحديث، غريبة على علمائه، فلا يصح أن يوزن كلامهم بها.

  29. ويكون الخليلي بذلك الشرح للشاذ، إنما أراد بيان قسمه المردود، لأنه هو القسم الذي كان وصفه بـ (الشذوذ) سبباً لرده وعدم الاحتجاج به. فهو لذلك، وبملاحظة منطوق كلامه وحده، غير مخالفٍ للحاكم، وليس عندنا ـ إلى الآن ـ ما يدل على أنه موافق له أيضاً. وإن كانت موافقته له هي الأقرب والأصل، لأن اصطلاحهما اصطلاح علمٍ واحدٍ، ولأن الحاكم شيخ الخليلي.

  30. غير أني وجدت تطبيقاً عملياً للخليلي، يدل على أنه موافق لشيخه الحاكم، على تسيمة تفرد من يحتج بتفرده بـ (الشاذ) ‍

    حيث قال في (الإرشاد) عن العلاء بن عبد الرحمن الحرقي: ((وقد أخرج مسلم في (الصحيح) : المشاهير من حديثه، دون هذا (١) والشواذ)) (٢) .

    1. (١)يعني دون حديث العلاء بين عبد الرحمن الذي أنكره عليه جماعة من العلماء، وهو حديثه عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً في تركه صلى الله عليه وسلم الصيام في النصف الثاني نم شعبان. حيث ذكره الخليلي، وضرب به مثلاً لما لم يتابع عليه العلاء، وكان سبباً في تضعيفه عند من ضعفه.
    2. (٢)الإرشاد (١/٢١٩) .
  31. فها هو يطلق على مفاريد العلاء بن عبد الرحمن في

    ج ١ ص ٢٧١(صحيح مسلم) : أنها شواذ‍

    ونخرج من هذا كله، بأن (الشاذ) عند الحاكم والخليلي معناه واحد، وحكمهما على أنواعه واحد، ورأيهما فيه متطابق تماماً ‍‍

    فالشاذ عندما: هو الأصل الذي انفرد بروايته راوٍ واحد. فإن كان المنفرد به يحتمل التفرد بمثله لحفظه وإتقانه وإمامته: لم يقدح ذلك في الاحتجاج بخبره ولم يمنع من تصحيحه، وإن كان المتفرد به مقبولاً لكنه ليس يحتمل التفرد به: فهو متوقف فيه لا يحتج به، وإن كان المتفرد به ضعيفاً: كان ذلك الحديث شديد الضعف غير نافعٍ للاعتبار.

  32. وبعد هذا الذي استخلصناه من كلام الحاكم والخليلي في تعريفهما لـ (الشاذ) ، نرجع إلى التذكير بموقفهما من كلام الشافعي عنه.

  33. أما الخليلي فالظاهر أنه اعتبر كلام الإمام الشافعي ومن وافقه من أهل الحجاز مذهباً لهم، واصطلاحاً خاصاً بهم، في استعمال مصلطح (الشاذ) .

  34. ولعل موقف الحاكم من كلام الإمام الشافعي مثل موقف الخليلي منه، حيث ذكر الحاكم كلام الشافعي عقب تعريفه هو للشاذ، دون إشارة إلى قبول أو رد، من ظهور اختلاف كلام الشافعي عن كلامه في تعريف الشاذ.

  35. إلا أن موقف الحاكم من كلام الإمام الشافعي يحتمل فيه أيضاً أنه مختلف عن موقف الخيلي، بأن يكون الحاكم فهم كلام الشافعي فهماً لا يعارض شرحه هو لمصطلح الشاذ. وقد يؤيد ذلك: أن الحاكم أورد كلام الشافعي (وهو إمامه) عقب

    ج ١ ص ٢٧٢كلامه دون استدراكٍ أو معارضةٍ أو أي تعقيب، كهيئة المستدل بكلامه المحتج به ‍‍وهذا ظاهر لمن نظر في سياق كلام الحاكم، كما ذكرناه سابقاً (١) .

    1. (١)انظر (ص ٢٦٢) .
  36. فيحتمل أن يكون الحاكم قد فهم من كلام الإمام الشافعي، أن (الشاذ) في كلامه لم يرد بالمعنى الاصطلاحي، وإنما ورد فيه بالمعنى اللغوي. فالشافعي حينها لم يقصد تعريف (الشاذ) اصطلاحاً، وإنما أراد بيان أولى أحوال الرواية وصفاً بالشذوذ لغةً‍‍

    ولا شك أن الوصف بـ (الشذوذ) لغةً يقتضي الانفراد عن جماعةٍ، ويوحي أيضاً بذم هذا المنفرد. وهذا المقتضى والموحى به أوضح وأبين في (مخالفة المقبول لمن هو أولى منه) من (انفراد الراوي بأصلٍ لا متابع له عليه) . وإن كان (انفراد الراوي بأصل لا متابع له عليه) فيه انفراد عن جماعة الرواة بنقل ذلك الأصل أيضاً، وفيه إيحاء بذم المنفرد به كذلك، برد أكثر الشواذ، إلا ما تفرد به إمام حافظ يحتمل ذلك التفرد. لكن تحقق ذلك المقتضى والمحى به من معنى (الشاذ) لغةً في الذي ذكره الشافعي أكثر من اصلاح المحدثين فيه، كما سبق.

  37. وليس في ذلك مشاحة من الإمام الشافعي لاصطلاح المحدثين في (الشاذ) ، لكنه بيان لأحق أحوال الرواية بذلك الوصف لغةً، وإن كان الاصطلاح عند الشافعي على غير ذلك.

  38. وقد يشير على أن مصطلح (الشاذ) عند الشافعي كان معروفاً أنه: (انفراد الراوي باصل لا متابع له عليه) = قوله: ((ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يرويه غيره) ) . فنفيه لهذا المعنى

    ج ١ ص ٢٧٣عن (الشاذ) يدل على علمه به، ويشير إلى إطلاق المحدثين له على هذا المعنى، وأن الشافعي كان يعرف ذلك، ولعله كان يستخدمه على المعنى نفسه أيضاً‍لكنه أراد أن يبين أن الانفراد ليس سبباً للراد مطلقاً، كما يويحي به وصفه بـ (الشذوذ) ، وأن يبين أيضاً أن الشاذ لغةً على الحقيقة، والأولى بهذا الوصف، هو (مخالفة الثقة لمن هو أولى منه) .

  39. وأنا أعلم أن من تمذهب بإلفه العلمي، سوف يعبر هذا التفسير لكلام الإمام الشافعي: تمحلاً في الفهم، وتعسفاً في التفسير. ولو أنه أنصف، ونظر النظر المجرد عما ألفه، وتذكر أن أفمام الشافعي من أهل القرن الهجري الثاني، ومن أهل المراحل المتقدمة لنشأة علوم الحديث ومصلحه، وأنه كان يخاطب أهل عصره، بعملهم وفهمهم واصطلاحهم، وأنه لم يكن يخطر على باله الاحتجاج الملح عندنا لشرح مصطلحاتهم؛ من تذكر ذلك كله= علم أن تفسيري لكلام الإمام الشافعي، بأنه أراد بالشذوذ في كلامه المعنى اللغوي له، ليس فيه تمحل ولا تعسف‍

    وأنا لا أجزم بأن هذا هو معنى كلام الإمام الشافعي، لكني أورد إلى كلامه هذا المعنى ن على أنه احتمال آخر في فهمه. والجزم بمعنى كلامه، إنما يكون باستقراء مصطلحه التطبيقي، ومصطلح أهل عصره، وأهل الحجاز منهم خاصةً لكلمة الخليلي في نسبة تفسير الشافعي للشاذ إلى أهل الحجاز أيضاً.

  40. وما دمنا نتحدث عن كلام أهل الاصطلاح عن (الشاذ) ، والفهوم الجائزة لكالمهم؛ فهذا الإمام أبو بكر أحمد بن محمد بن هانىء الأثرم (ت ٢٧٣هـ) ، لما ذكر (الشاذ) في كلامه. حمل على أنه يريد به (مخالفة الراوي لمن هو أولى منه) ، مع أن كلامه يدل بظاهره على غير ذلك المعنى‍

    ج ١ ص ٢٧٤قال أبو بكر الأثرم: ((والأحاديث إذا كثرت كانت أثبت من الواحد الشاذ، وقد يهم الحافظ أحياناً) ) (١) .

    1. (١)فتح المغيث للسخاوي (١/ ٢٣١) .