الباب الثاني التعريف بكتاب «الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة»

٥٦ فقرة، ج ١ ص ١٣

الصفحة ١ من ٢

  1. للحافظ ابن قطلوبغا من خلال مقدمة مصنفه عليه

    يلحظ المتأمِّل في تراث أمتنا بجلاء مدى اعتناء المصنفين ببيان مناهجهم وشروطهم في مقدمات مصنفاتهم والتي تعين الناظر فيها على تلمُّس أسلوب المصنف وطريقته في كتابه.

    ج ١ ص ١٣
  2. بَيْد أن المصنفين يختلفون في كمية المعلومات التي يطرحونها للقارئ في مقدمات أعمالهم، فَمِن مُقِلٍّ ينبه على نزر يسير من ذلك، وبين مستكثر يأتي في مقدمته على جُلِّ المسائل التي تبين شرطه ومنهجه في كتابه، وبين متوسط يذكر شيئاً من ذلك في مقدمته تاركاً الفرصة للقارئ في تلمس ما تبقَّى من ملامح منهجه في كتابه، وعلى هذا النسق الأخير جاء كتاب «الثقات» للحافظ ابن قطلوبغا حيث وضع لنا في مقدمة كتابه خطوطاً عريضة حول شرطه ومنهجه في كتابه تُعيننا على الولوج إلى خبايا زواياه واكتشاف مكنونه.

  3. لذا فقد رأيت أن الطريق الأنسب للتعريف بهذا الكتاب هو البدء بالكلام على المسائل التي طرقها المصنف نفسه في مقدمة كتابه وتفصيل الكلام عليها ومن ثَمَّ الانتقال من خلالها إلى تلك التي لم يطرقها ولم يبينها في كلامه.

  4. فأقول مستعيناً بالله:
  5. قال الحافظ ابن قطلوبغا في مقدمته على كتاب «الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة» بعد البسملة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم:

    «فيقولُ الفقيرُ إلى اللهِ تعالَى قاسم بن قُطْلُوْبُغَا الحنفيُّ:

    إني قد استخرتُ الله سبحانَه وتعالىَ في أن أُفْرِدَ من الطبقةِ الثانيةِ وما بعدَهَا من كتاب «الثقات» للشيخ الإمام العلامَّة الحافظ أبي حاتم محمد بن حِبَّان مَنْ ليس في «تهذيب الكمال» مرتِّباً ذلك ترتيبَ «التهذيب» ، وأُرَقِّمُ على الاسمِ عدَدَ الطبقةِ اختصاراً.

  6. وأضيف إلى ذلك مِنْ كتاب «الجرح والتعديل» للحافظ العلامة أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم مَنْ ذُكِرَ بنوع تعديلٍ ممن ليس في «التهذيب» أيضاً.

  7. فإن اتَّفقا على ترجمة؛ بدأتُ بعبارةِ ابن حبان ثم بما عند ابن أبي حاتم ملخَّصًا، وما تفرد به ابن حبان يُعْرَفُ بالرقم، وما يتفرد به ابن أبي حاتم يُعرف بِصَرِيح التعديل.

  8. فإن حَضَرَني تعديلٌ أو تجريحٌ لغيرهما ذكرته مصرِّحًا بقائله.

  9. وأُضِيف إلى ذلك -على الترتيب المذكور- مَنْ تيسر لي ذكره ممن عَدَّلَه غيرُهُما من أئمةِ هذا الشأن، وإن كان مختلفاً فيه، وإنما زدتُ من تأخر للفائدة.

  10. واعتمدت من «الثقات» على نسخةٍ بخطِّ الحافظ: الحسن بن محمد بن محمد بن محمد التيمي (١) ، وأخرى رَتَّبَهَا الحافظ أبو الحسن الهيثمي، وربما

    ج ١ ص ١٥وقع لهما ما يحتاج إلى التنبيه عليه فأذكر ذلك لدفع الاغترار بخطهما.

  11. وقد قال الحافظ أبو حاتم في مقدمة كتابه: إني أملي في ذكر من حمل عنه العلم كِتَابَيْن: كتاباً أذكُرُ فيه الثقات من المُحَدِّثين، وكتاباً أُبَيِّن فيه الضعفاء والمتروكين، وأبدأ منهما بالثقات ... نَذْكُرُ مَنْ صَحِبَ رسول الله صلى الله عليه وسلم واحداً واحداً على المعجم؛ إذ هم خير الناس قرناً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نذكر بعدهم التابعين الذين شافهوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأقاليم كلها على المعجم؛ إذ هم خير الناس بعد الصحابة قرناً، ثم نذكر القرن الثالث الذين رأوا التابعين، فأذكرهم على نحو ما ذكرنا الطبقتين الأولتين، ثم نذكر القرن الرابع الذين رأوا أتباع التابعين على سبيل من قبلهم، وهذا القرن ينتهي إلى زماننا هذا.

  12. ولا أذكر في هذا الكتاب الأول إلا الثقات الذين يجوز الاحتجاج بأخبارهم، وأقتنع بهذين الكتابين المختصرين عن كتاب «التاريخ الكبير» الذي خرَّجناه؛ لعلمي بصعوبة حفظ كل ما فيه من الأسانيد والطرق والحكايات ...

  13. فكلُّ من أذكُرُ في هذا الكتاب الأول فهو صدوق، يجوز الاحتجاج بخبره إذا تعرَّى خبرُه عن خصالٍ خمس، فإذا وُجِدَ خبرٌ منكرٌ عن واحد ممن ذكرته في كتابي هذا، كان ذلك الخبر لا ينفك من واحد من خمس خصال:

    إما أن يكون فوق الشيخ الذي ذكرتُ اسمَه في كتابي هذا في الإسناد أحدٌ ضعيف، لا يحتج بخبره.

  14. أو يكون دونه أحد واهٍ لا يحتج بخبره.

  15. أو الخبر يكون مرسلاً لا تلزمنا به الحجة.

  16. أو يكون منقطعاً لا تقوم بمثله الحجة.

    ج ١ ص ١٦
  17. أو يكون في الإسناد رجلٌ مدلسٌ لم يُبَيِّنْ سماعَه في الخبر مِن الذي سمعه منه، فإن المدلِّسَ -وإن كان ثقة- ما لم يُبَيِّنْ سماعَه، لا يجوز الاحتجاج بذلك الخبر.

  18. وربما أذكر في هذا الكتاب الشيخ بعد الشيخ وقد ضعفه بعض أئمتنا ووثقه بعضهم، فمن صَحَّ عندي منهم أنه ثقة بالدلائل النيِّرة التي بينتُها في كتاب «الفصل بين النقلة» أدخلته في هذا الكتاب؛ لأنه يجوز الاحتجاج بخبره، ومن صح عندي منهم أنه ضعيف بالبراهين الواضحة التي ذكرتها في كتاب «الفصل بين النقلة» ، لم أذكره في هذا الكتاب، لكني ذكرته في كتاب «الضعفاء» [٢ - أ] ؛ لأنه لا يجوز الاحتجاج بخبره.

  19. فكل من ذكرته في كتابي هذا إذا تعرَّى خبرُه عن الخصال التي ذكرتها فهو عَدْل يجوز الاحتجاج بخبره؛ لأن العَدْلَ مَنْ لم يُعرف منه الجرح؛ إذ الجرح ضد التعديل، فمن لم يُعرف بجرحٍ فهو عدل حتى يبين ضده؛ إذ لم يكلَّف الناس من الناس معرفة ما غاب عنهم، وإنما كُلِّفوا الحكم بالظاهر من الأشياء عند المغيَّب عنهم. انتهى.

    قلت: فعن هذا تَصَدَّيْتُ لكتابه، وعن هذا قيل: إنه قد يذكر المجهول إذا روى عنه ثقة ولم يُجرح، ولم يكن الحديث منكراً، وقيل: إن مَنْ كان بهذه الصفة فهو حجة عند النسائي أيضاً، وإن من ارتفع عنه اسم الجهالة برواية اثنين عنه ولم يُعرف فيه مقالٌ يكون حديثه حسناً.

  20. وقال ابن حبان أيضاً في ترجمة معقل بن عبيد الله الجزري (١) : كان يخطئ، ولم يَفْحُش خطؤه فيستحق الترك، وإنما كان ذلك منه على حسب ما لا ينفك عنه البشر، ولو تُرك حديث كل من أخطأ من غير أن يَفْحُشَ ذلك منه، لوجب ترك حديث كل عَدْل في الدنيا لأنهم كانوا يخطئون، ولم يكونوا معصومين، بل يُحتج بخبر من ُيخطئ ما لم يَفحش ذلك منه، فإذا فَحُشَ حتى غَلَبَ على صوابه تُرِكَ حديثُه، ومن عَلِم الخطأ بعينه وأنه خالف فيه الثقات تَرَكَ ذلك الحديث بعينه واحتَجَّ بما سواه، هذا حُكْمُ المحدثين الذين كانوا يخطئون ولم يَفْحُشْ ذلك منهم.

    قلتُ: فإذا اختلف قولُه في رجلٍ ذكرَه تارةً في الثقات وتارةً في المجروحين بَيَّنْتُ ذلك ليكونَ تنقيباً عليه، وإن لم يكن من أهل هذا الكتاب، ويكون ذلك كالتلخيص لكتاب آخر أكتبه بعد إن شاء الله.

    ج ١ ص ١٧
  21. والله -سبحانه- أسألُ أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، إنه غفور رحيم، وهو حسبي ونعم الوكيل».

  22. ونستطيع أن نلخص المسائل التي طرقها الحافظ ابن قطلوبغا في مقدمته في التالي:

    [١ - موارد الكتاب]

  23. تكلم الحافظ ابن قطلوبغا في مقدمته على الموارد التي أفاد منها في تصنيف كتابه هذا، إلا أنه لم يصرِّح إلا بالمصدرين الرئيسين اللذين بنى عليهما كتابه،

    ج ١ ص ١٨وهما كتاب الحافظ أبي حاتم ابن حبان «الثقات» ، وكتاب الحافظ أبي محمد ابن أبي حاتم «الجرح والتعديل» .

  24. وأبهم الحافظ ابن قطلوبغا ما سوى ذلك من الموارد وإنما أشار إليها إشارة فقط بقوله: «فإن حضرني تعديل أو تجريح لغيرهما ذكرته مصرحاً بقائله. وأضيف إلى ذلك على الترتيب المذكور مَنْ تيسر لي ذكره ممن عَدَّله غيرهما من أئمة هذا الشأن» .

  25. [٢ - منهجه في النقل من كتاب «ثقات ابن حبان» ]

  26. نبه الحافظ ابن قطلوبغا على أهم الشروط المعتبرة عنده في استخراج التراجم من كتاب ابن حبان ومنهجه في التعامل معها، وتتلخص في التالي:

    أ- ألا يكون الرجل مترجما في كتاب «تهذيب الكمال» -وهذا شرط عام في جميع تراجم الكتاب-.

  27. ب-أن يكون الرجل من الطبقة الثانية-وهي طبقة التابعين-فما بعدها، فأغفل الطبقة الأولى-طبقة الصحابة- فلم ينقل منها شيئاً لعدالة أربابها.

  28. جـ-فإذا جُرِّد كتاب ابن حبان ممن له ترجمة في «تهذيب الكمال» ومِن طبقة الصحابة، فكل مَنْ تبقى كان على شرطه، فإن شرطه أن يذكر في كتابه كل مَنْ تُرْجِم في ثقات ابن حبان ممن تجرد عن هاتين الصفتين. وهذا ظاهر من إتيانه بـ «مَنْ» التي تفيد العموم في قوله: «مَنْ ليس في تهذيب الكمال» (١) .

  29. د-ثم يضع رقماً على اسم المترجم ينبئ عن طبقته في كتاب ابن حبان، ولما كانت الطبقات في كتاب ابن حبان أربع، فقد جاءت هذه الأرقام إما (٢) أو (٣) أو (٤) ، لإغفاله للطبقة الأولى كما تقدم.

    ج ١ ص ١٩
  30. [٣ - منهجه في النقل من كتاب «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم]

  31. نبه الحافظ ابن قطلوبغا على أهم الشروط المعتبرة عنده في استخراج التراجم من كتاب ابن أبي حاتم، وتتلخص في التالي:

    ١ - ألا يكون الرجل مترجما في «تهذيب الكمال» -وهذا شرط عام كما تقدم-.

  32. ٢ - أن يُذكر هذا الراوي بنوع تعديل.

  33. ٣ - يظهر مِنْ إتيانه بـ «مَنْ» التي تفيد العموم في قوله «وأضيف إلى ذلك من كتاب «الجرح والتعديل» .. مَنْ ذكر بنوع تعديل»، أنه شرط على نفسه استقصاء هذا الصنف من الرواة.

  34. [٤ - منهجه في التلفيق بين التراجم المشتركة عندهما]

  35. إذا اشترك ابن حبان وابن أبي حاتم في الترجمة لراوٍ ما، فقد نبه ابن قطلوبغا على منهجه في التلفيق بين ذلك بما يتلخص في التالي:

    ١ - يبدأ بعبارة ابن حبان.

  36. ٢ - يُثَنِّي بما عند ابن أبي حاتم مُلَخَّصاً.

  37. ٣ - ثم نبه على أن ما تفرد به ابن حبان فإنه يعرف بالرقم، وما يتفرد به ابن أبي حاتم يعرف بصريح التعديل.

    ج ١ ص ٢٠
  38. [٥ - شروطه العامة في تراجم كتابه]

  39. ذكر ابن قطلوبغا في مقدمته شرطين رئيسين قامت عليهما تراجم كتابه، يختص الشرط الأول بموضع رواية الراوي، والشرط الثاني بحال الراوي جرحاً وتعديلا.

  40. ١ - فأما الشرط الأول: فألا يكون هذا الراوي مترجَماً في «تهذيب الكمال» .