الفصل الثالث في اجتماع همزتي القطع والوصل معا في كلمة واحدة وبيان حكمها وصلا وابتداء.

٣١ فقرة، ج ١ ص ٤٩٨

  1. لاجتماع هاتين الهمزتين صورتان:
  2. الأولى: أن تتقدم همزة الوصل على همزة القطع الساكنة.

  3. الثانية: أن تتقدم همزة القطع التي للاستفهام على همزة الوصل.

  4. ولكل من هاتين الصورتين كلام خاص نوضحه فيما يلي:

    الكلام على الصورة الأولى وهي تقدم همزة الوصل على همزة القطع الساكنة

    وذلك لا يكون إلا في الأفعال خاصة نحو "اؤتمن وائتذن وائتوا وائتنا وائتوني" في قوله تعالى: {فَلْيُؤَدِّ الذي اؤتمن أَمَانَتَهُ} [البقرة: ٢٨٣] ، وقوله سبحانه: {وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ائذن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي} [التوبة: ٤٩] ، وقوله عز وجل: {ثُمَّ ائتوا صَفّاً} [طه: ٦٤] ، وقوله عز من قائل: {وَقَالُواْ يَاصَالِحُ ائتنا بِمَا تَعِدُنَآ} [الأعراف: ٧٧] ، وقوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السماوات ائتوني بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هاذآ} [الأحقاف: ٤] وما إلى ذلك.

  5. ثم لهذه الصورة حالتان:

    الحالة الأولى: وصل كلمة من هذه الكلمات ونحوها بما قبلها وحينئذ

    ج ١ ص ٤٩٩تسقط همزة الوصل في الدرج وتثبت همزة القطع ساكنة نحو "الذي اؤتمن" بأن وصل لفظ "الذي" بلفط "اؤتمن" وهنا نجد أن همزة الوصل سقطت في الوصل وبقيت همزة القطع ساكنة وذلك عند من قرأ بتحقيقها كحفص عن عاصم. وهكذا الحكم في بقية الأمثلة المذكورة وشبهها.

  6. الحالة الثانية: الابتداء بكلمة من هذه الكلمات ونحوها كالابتداء بكلمة "ائتنا" وحينئذ ثبتت همزة الوصل وتبدل همزة القطع الساكنة حرف مد من جنس حركة ما قبلها وذلك بإجماع القراء.

  7. وأما حركة الابتداء بهمزة الوصل في هذه الحالة فخاضع لحركة ثالث الفعل كما تقدم.

  8. فإن كان ثالثه مضموماً ضمًّا لازماً فحركة الابتداء بهمزة الوصل تكون بالضم وذلك لضم ثالث الفعل كما لو ابتدئ بكلمة "اؤتمن" وهنا تبدل الهمزة الساكنة واواً مدية لوقوعها إثر ضم.

  9. وإن كان ثالث الفعل مفتوحاً كانت حركة الابتداء بهمزة الوصل بالكسر وذلك لفتح ثالث الفعل كما لو ابتدئ بكلمة "ائذن لي" وهنا تبدل الهمزة الساكنة ياء مدية لوقوعها إثر كسر.

  10. وإن كان ثالث الفعل مضموماً ضمًّا عارضاً كانت حركة الابتداء بهمزة الوصل بالكسر على الأصل ولا التفات إلى الضم الموجود حالياًّ لثالث الفعل فإنه عارض كما مر: ومثاله: الابتداء بكلمة "ائتوني" ونحوها وهنا تبدل الهمزة الساكنة ياء مدية لوقوعها إثر كسر باعتبار الأصل.

  11. هذا: ولم أجد من نبه على حكم اجتماع الهمزتين في هذه الصورة فيما وقفت عليه من مراجع هذا الفن ولا بد من بيان ذلك لأن بعض المبتدئين أو من لا علم عنده يخفى عليه الحكم في هذه المسألة فيقرأ بهمزتين محققتين في الوصل والابتداء وهذا خطأ قبيح وتحريف صريح لا يجوز في كتاب الله تعالى.

  12. الكلام على الصورة الثانية وهي تقدم همزة القطع التي للاستفهام على همزة الوصل

    وهذا وارد في الأفعال والأسماء: ولهذه الصورة حالتان أيضاً:

    الحالة الأولى: حذف همزة الوصل وبقاء همزة الاستفهام مفتوحة وذلك خاص بالأفعال بالنسبة لما جاء في القرآن الكريم وفي مواضع معدودة كما سيأتي:

    الحالة الثانية: بقاء الهمزتين مجتمعتين معاً في الكلمة وذلك خاص بالأسماء وفيما يلي توضيح كلتا الحالتين.

    ج ١ ص ٥٠٠
  13. أما حالة حذف همزة الوصل وإبقاء الاستفهام مفتوحة فذلك إذا كانت همزة الوصل في فعل وكانت مكسورة في الابتداء لو تجردت عنها همزة الاستفهام وابتدئ بها. والوارد من ذلك في القرآن الكريم سبعة مواضع: منها خمسة متقف عليها بين القراء العشرة. والموضعان الآخران مختلف فيهما بينهم.

  14. أما الخمسة المتفق عليها:

    فأولها: قوله تعالى: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ الله عَهْداً} [الآية: ٨٠] بسورة البقرة.

  15. ثانيها: قوله تعالى: {أَطَّلَعَ الغيب أَمِ اتخذ عِندَ الرحمان عَهْداً} [الآية: ٧٨] بسورة مريم.

  16. وثالثها: قوله تعالى: {أفترى عَلَى الله كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ} [الآية: ٨] بسورة سبأ.

  17. ورابعها: قوله سبحانه: {أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العالين} [الآية: ٧٥] بسورة ص.

  18. وخامسها قوله سبحانه: {أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} [الآية: ٦] بسورة المنافقون.

    ج ١ ص ٥٠١
  19. وأما الموضعان المختلف فيهما:

    فأولهما: قوله تعالى: {أَصْطَفَى البنات على البنين} [الآية: ١٥٣] بسورة الصافات.

  20. وثانيهما: قوله سبحانه: {أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبصار} [الآية: ٦٣] بسور ص.

  21. فقد قرأ بعضهم بوصل الهمزة فيهما على الإخبار ويبتدئ بكسر الهمزة على القاعدة السابقة. وبعضهم بقطع الهمزة فيهما مفتوحة على الاستفهام وحذف همزة الوصل وبالنسبة لحفص عن عاصم في هذين الموضعين فإنه قرأ فيهما بقطع الهمزة مفتوحة على الاستفهام وصلاً وابتداء. وبذلك تكون المواضع السبعة كلها مقطوعة الهمزة على روايته: فتأمل.

  22. ووجه حذف همزة الوصل في هذه الأفعال أن الأصل فيها "أإتخذتم. أإطلع أإفترى. أإستكبرت. وأإستغفرت. أإتخذناهم. أإصطفى" بهمزتين:

    أولاهما: همزة الاستفهام ولا تكون إلا مفتوحة كما مر.

  23. وثانيهما: همزة الوصل وهي مكسورة لوجودها في الماضي السداسي في "استكبرت. واستغفرت" وفي الماضي الخماسي في الباقي. فخذفت همزة الوصل في جميعها استغناء عنها بهمزة الاستفهام ولا يترتب على حذفها التباس الاستفهام بالخبر. لأن همزة الاستفهام إحدى همزات القطع المفتوحة أبداً وهي ثابتة في الوصل والابتداء كما مر بخلاف همزة الوصل فإنها ثابتة في الابتداء ساقطة في الوصل وهي في هذه الأفعال مكسورة في الابتداء لفتح ثالثها كما تقدم وبالله التوفيق.

  24. وأما حالة بقاء همزة الاستفهام مفتوحة مع همزة الوصل في كلمة واحدة فالشرط أن تكون همزة الوصل مفتوحة في البدء وواقعة في اسم محلى بأل وحينئذ

    ج ١ ص ٥٠٢لا يجوز حذفها بالإجماع لئلا يلتبس الاستفهام بالخبر فيتغير المعنى تبعاً لذلك والجائز فيها حينئذ وجهان:

    الأول: إبدالها ألفاً مع المد الطويل لملاقاتها بالساكن الأصلي.

  25. الثاني: تسهيلها بين بين أي بين الهمزة والألف مع القصر والمراد به هنا عدم المد مطلقاً، والوجهان صحيحان مقروء بهما لكل القراء ووجه الإبدال هو المقدم في الأداء والوارد من ذلك في التنزيل ستة مواضع باتفاق القراء العشرة وموضع مختلف فيه بينهم.

  26. أما المواضع الستة المتفق عليها:

    فأولها وثانيها: "آلذكرين" في قوله تعالى: {قُلْءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأنثيين} [الآيتان: ١٤٣، ١٤٤] بموضعي الأنعام.

  27. وثالثها ورابعها: "آلآن" في قوله تعالى: {الآنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ} [الآية: ٥١] ، وقوله سبحانه: {آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ المفسدين} [الآية: ٩١] الموضعان بسورة سيدنا يونس عليه السلام.

  28. وخامسها وسادسها: "آلله" في قوله تعالى: {ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ} [الآية: ٥٩] بسورة سيدنا يونس عليه الصلاة والسلام وفي قوله سبحانه: {ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [الآية: ٥٩] بالنمل.

  29. وأما الموضع السابع المختلف فيه فهو كلمة "ءالسحر" في قوله تعالى: {قَالَ موسى مَا جِئْتُمْ بِهِ السحر} [الآية: ٨١] بسورة سيدنا يونس عليه الصلاة والسلام فقد قرأ أبو عمرو البصري وأبو جعفر المدني بإبدال همزة الوصل ألفاً مع المد الطويل وبتسهيلها بين بين من غير مد كما تقدم.

  30. وقرأ الباقون بهمزة وصل على الخبر مفتوحة في الابتداء لوجودها في "ال" .

    ج ١ ص ٥٠٣
  31. وقد أشار إلى هذه الحالة الإمام الشاطبي رحمه الله في الشاطبية بقوله:

    وإنْ همزُ وصلٍ بين لام مسكنٍ ... وهمزة الاستفهامِ فامدده مُبْدِلا

    فللكلِّ ذا أولى ويقصرُهُ الذي ... يسهِّل عن كل كآلان مُثِّلا اهـ

    كما أشار العلامة الطيبي إلى حالتي همزة الوصل حذفاً وبقاء بقوله رحمه الله تعالى:

    وهمزُ وصل إنْ عليه دخلا ... همزة الاستفهام أبدل سهِّلا

    إن كان همز ألْ وألا فاحْذِفا ... كأتخذتم أفترى أصطفى اهـ