الفصل الثاني في الوقف على الكلمة المعتلة الآخر. وفيه:

٩١ فقرة، ج ١ ص ٥١٩

الصفحة ١ من ٣

  1. التمهيد للدخول إلى هذا الفصل: تقدم أن الكلمة المعتلة الآخر المعنية هنا هي التي آخرها أحد حروف المد الثلاثة سواء كان ألفاً "كدعا" أم واواً "كيدعو" أم باء "كنقضي" في نحو قوله تبارك وتعالى: {وَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ} [الزمر: ٨] ، وقوله تعالى: {يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ} [الحج: ١٣] ، وقوله سبحانه: {إِنَّمَا تَقْضِي هاذه الحياة الدنيآ} [طه: ٧٢] وحكم الوقف عليها مرتبط بوجود حرف المد وعدمه.

    ج ١ ص ٥١٩
  2. فإن كان حرف المد ثاتباً في الرسم ولم يأت بعده ساكن فالوقف على هذه الكلمة بإثبات حرف المد كإثباته في الوصل تبعاً للرسم وذلك نحو الوقف على قوله تعالى: {ثُمَّ دَنَا فتدلى} [النجم: ٨] ، وقوله سبحانه: {فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي} [القصص: ٢٥] ، وقوله جل وعلا: {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} [الإسراء: ٧١] .

  3. فإن أتى بعده ساكن فيحذف لفظاً لا خطًّا في الوصل لالتقاء الساكنين ويثبت

    ج ١ ص ٥٢٠وقفاً تبعاً للرسم كالوقف على كلمة "ملاقوا" و "يربى" "وقالا" في قوله عز وجل: {قَالَ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ الله} [البقرة: ٢٤٩] ، وقوله سبحانه: {يَمْحَقُ الله الربا وَيُرْبِي الصدقات} [البقرة: ٢٧٦] ، وقوله عز من قائل: {وَقَالاَ الحمد لِلَّهِ الذي فَضَّلَنَا على كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ المؤمنين} [النمل: ١٥] .

  4. وإن كان حرف المد محذوفاً في الرسم فالوقف يكون بالحذف تبعاً لرسمه سواء كان ألفاً أم واواً أم ياء كالوقف على "فتول ويدع واتق" في نحو قوله تعالى: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} [القمر: ٦] ، وقوله سبحانه: {وَيَدْعُ الإنسان بالشر دُعَآءَهُ بالخير} [الإسراء: ١١] ، وقوله جل وعلا: {يا أيها النبي اتق الله وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين} [الأحزاب: ١] .

  5. هذا هو الضابط المتبع في الوقف على الكلمات التى آخرها حروف المد واللين ولا خلاف فيه بين عامة القراء غير أن هناك حروفاً للمد جاءت في آخر الكلمات خرجت عن هذا الضابط.

  6. منها: ما هو محذوف في الوقف مع وجوده في الرسم.

  7. ومنها: ما هو محذوف في الوصل مع وجوده في الرسم، والوقف عليه قد يكون بالإثبات. وقد يكون بالإثبات والحذف معاً.

  8. ومنها: ما هو محذوف في الوقف لعدم رسمه لكنه ثابت في الوصل.

  9. ومنها: ما هو محذوف في الحالين لأسباب كجزم أو بناء أو غيرهما.

  10. وفيما يلي توضيح تلك الصور في كل حرف من حروف المد بانفراد فأقول مستعيناً بالله ومتوكلاً عليه سبحانه.

  11. الكلام على الألف المدية وصورها حذفاً وإثباتاً

  12. للألف المدية أربع حالات وفيما يلي بيانها:
  13. الحالة الأولى: إثباتها في الحالين وذلك في كل ما ثبتت فيه رسماً في المصحف الشريف بشرط ألا يقع بعدها ساكن سواء كانت للمفرد أو للمثنى أو كانت منقلبة عن ياء أو عن غيرها كالوقف على لفظ "لا تخافا ومعكما وأرى وسنا ونجا" في نحو قوله تعالى: {قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وأرى} [طه: ٤٦] ، وقوله سبحانه: {يَكَاُ سَنَا} [النور: ٤٣] ، وقوله جل وعلا: {وَقَالَ الذي نَجَا مِنْهُمَا} [يوسف: ٤٥] وإثبات الألف في الوقف والوصل هنا متفق عليه.

    ج ١ ص ٥٢١
  14. الحالة الثانية: حذفها في الحالين وشرطه إذا كانت غير مرسومة في المصحف الشريف بسبب جزم أو بناء أو غيرهما.

  15. فمثال المحذوفة للجزم الفعل المضارع المجزوم بحذف الألف نحو "تر ويؤت ويخش ويأب" في نحو قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ} [البقرة: ٢٤٣] ، وقوله تعالى: {وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ المال} [البقرة: ٢٤٧] ، وقوله عز من قائل: {وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ الله} [التوبة: ١٨] ، وقوله سبحانه: {وَلاَ يَأْبَ الشهدآء إِذَا مَا دُعُواْ} [البقرة: ٢٨٢] وما إلى ذلك.

  16. ومثال المحذوفة للبناء فعل الأمر المبني على حذف الألف نحو "وانه وفتول" في قوله تعالى: {وانه عَنِ المنكر} [لقمان: ١٧] ، وقوله سبحانه: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} [القمر: ٦] ، والألف هنا وفي المجزوم محذوفة وصلاً ووقفاً بالإجماع

    ج ١ ص ٥٢٢ويوقف بسكون الراء والتاء والشين والباء والهاء واللام في الأمثلة المذكورة وشبهها.

  17. ومثال الألف المحذوفة لغير الجزم والبناء "ما" الاستفهامية المجرورة بحرف الجر المحذوفة الألف وهي في التنزيل في خمسة مواضع:

    الأول: "فيم" نحو قوله تعالى: {فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا} [الآية: ٤٣] بالنازعات وشبهها.

  18. الثاني: "بم" نحو قوله تعالى: {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المرسلون} [الآية: ٣٥] بالنمل ونحوها.

  19. الثالث: "لم" نحو قوله تعالى: {لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا} [الآية: ٢١] بفصلت وما أشبهها.

  20. الرابع: "عم" في قوله سبحانه: {عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ} [الآية: ١] بالنبأ وليس غيرها في التنزيل فيما أعلم.

  21. الخامس: "مم" في قوله جلت قدرته: {فَلْيَنظُرِ الإنسان مِمَّ خُلِقَ} [الآية: ٥] بالطارق ونحوها إن وجد وحكم الوقف على "ما" الاستفهامية مختلف فيه بين القراء. فوقف البزي عن ابن كثير المكي ويعقوب البصري بإلحاق هاء السكت في أحد الوجهين عنهما. ووقف الباقون ومن بينهم حفص عن عاصم بحذف هاء السكت وسكون الميم مع التشديد في "عم ومم" ومع التخفيف في غيرهما فتدبر.

  22. ويلحق بمواضع هذه الحالة لفظ "ثمود" في أربعة مواضع في التنزيل:

    أولها: قوله تعالى: {أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ} [الآية: ٦٨] بسورة سيدنا هود عليه الصلاة والسلام.

    ج ١ ص ٥٢٣
  23. ثانيها: قوله سبحانه: {وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَأَصْحَابَ الرس} [الآية: ٣٨] بسورة الفرقان.

  24. ثالثها: قوله جل وعلا: {وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ} [الآية: ٣٨] بسورة العنكبوت.

  25. رابعها: قوله جلت قدرته: {وَثَمُودَ فَمَآ أبقى} [الآية: ٥١] بسورة النجم. فيوقف عليها بحذف الألف وسكون الدال وإن كانت مرسومة في المصحف الشريف وحذف الألف هذه خاص بمن قرأ بترك تنوين الدال ومن بينهم حفص عن عاصم.

  26. أما من قرأ بالتنوين فيقف بالألف عوضاً منه على القاعدة.

  27. الحالة الثالثة: إثباتها في الوقف وحذفها في الوصل وذلك في ثلاث صور:

    الصورة الأولى: إذا وليها ساكن فتحذف في الوصل للتخلص من التقاء الساكنين وتثبت في الوقف تبعاً للرسم سواء أكانت أصلية أم منقلبة عن ياء أم كانت للمثنى أم لغيره كالوقف على كلمة "قلنا والقتلى وذكرى وذاقا وتلكما ويا أيها" في نحو قوله تعالى: {قُلْنَا اهبطوا مِنْهَا جَمِيعاً} [البقرة: ٣٨] ، وقوله تعالى: {قُلْنَا احمل فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين} [هود: ٤٠] ، وقوله سبحانه: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى الحر

    ج ١ ص ٥٢٤بِالْحُرِّ} [البقرة: ١٧٨] الآية، وقوله تبارك وتعالى: {إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدار} [ص: ٤٦] ، وقوله سبحانه: {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشجرة بَدَتْ} [الأعراف: ٢٢] ، وقوله تعالى: {أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشجرة} [الأعراف: ٢٢] ، وقوله سبحانه: {يا أيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ} [النساء: ١، الحج: ١] ونحوها وهذه قاعدة كل القراء إلا أنه استثنى من لفظ "أيها" ثلاثة مواضع في التنزيل رسمت في المصاحف بغير ألف بعد الهاء وهي قوله تعالى: {وتوبوا إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَ المؤمنون لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: ٣١] ، وقوله سبحانه: {وَقَالُواْ يا أيه الساحر} [الزخرف: ٤٩] ، وقوله جل وعلا: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثقلان} [الرحمن: ٣١] ، وفي الوقف عليها خلاف بين القراء فبعضهم وقف بالألف وبعضهم بحذفها وبالنسبة لحفص عن عاصم فإنه ممن وقف بحذف الألف وسكون الهاء وفاقاً لرسم المصحف الشريف.

  28. الصورة الثانية: وهي في كلمات مخصوصة وقعت في رؤوس الآي وفي أربع كلمات: "الظنونا والرسولا والسبيلا وقواريرا" ومواضعها في التنزيل قوله تعالى: {وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا} [الأحزاب: ١٠] ، وقوله تعالى: {ياليتنآ أَطَعْنَا الله وَأَطَعْنَا الرسولا} [الأحزاب: ٦٦] ، وقوله جل وعلا: {فَأَضَلُّونَا السبيلا} [الأحزاب: ٦٧] وهذه الثلاثة بالأحزاب،

    ج ١ ص ٥٢٥وقوله سبحانه: {كَانَتْ قَوَارِيرَاْ} [الإنسان: ١٥] ، الموضع الأول بالإنسان وهذه المواضع الأربعة قرأ حفص فيها بحذف الألف وصلاً وبإثباتها وقفاً تبعاً للرسم.

  29. وأما لفظ "قواريرا" الثاني من سورة الإنسان فسيأتي ذكره في الحالة الرابعة الآتية بعد.

  30. هذا: ومن مواضع حذف الألف وصلاً وإثباتها وقفاً في غير ما تقدم لفظ "أنا" الضمير المنفصل إذا لم يقع قبل همزة القطع سواء وقع قبل ساكن أو متحرك كما في قوله تعالى: {إنني أَنَا الله لا إلاه إلا أَنَاْ فاعبدني} [طه: ١٤] وهذا باتفاق عامة القراء.

  31. أما لفظ "أنا" الواقع قبل همزة القطع نحو قوله تعالى: {أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ} [يوسف: ٤٥] ، وقوله سبحانه: {وَأَنَاْ أَوَّلُ المسلمين} [الأنعام: ١٦٣] ، وقوله سبحانه: {إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: ١٨٨] فقد اختلف القراء في حذف الألف وإثباتها في الوصل ولكنهم اتفقوا على إثباتها وقفاً تبعاً للرسم وبالنسبة لحفص فإنه ممن قرأ في هذا اللفظ بحذف الألف وصلاً وبإثباتها وقفاً.

  32. الصورة الثالثة: إذا كانت الألف مبدلة من التنوين سواء كان في الاسم المقصور مطلقاً نحو "قرى وعمى وفتى" في قوله تعالى: {فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ} [الحشر: ١٤] ، وقوله سبحانه: {وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} [فصلت: ٤٤] ، وقوله جل وعلا: {قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء: ٦٠] أو كان الاسم المنصوب نحو "حسيباً" في قوله تعالى: {وكفى بالله حَسِيباً} [النساء: ٦] ونحو "ركعاً سجداً مصراً غثاء" في قوله تعالى: {تَرَاهُمْ

    ج ١ ص ٥٢٦رُكَّعاً سُجَّداً} [الفتح: ٢٩] ، وقوله سبحانه: {اهبطوا مِصْراً} [البقرة: ٦١] ، وقوله عز شأنه: {فَجَعَلَهُ غُثَآءً أحوى} [الأعلى: ٥] .

  33. وكذلك الحكم في لفظ "إذاً" المنونة كقوله تعالى: {وَإِذاً لآتَيْنَاهُمْ مِّن لَّدُنَّآ أَجْراً عَظِيماً} [النساء: ٦٧] ، وقوله تعالى: {إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إلى ذِي العرش سَبِيلاً} [الإسراء: ٤٢] .

  34. ومثال ذلك إذا وقف على نون التوكيد الخفيفة الواقعة بعد الفتح في قوله تعالى: {يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّن الصاغرين} [يوسف: ٣٢] ، وقوله سبحانه: {لَنَسْفَعاً بالناصية} [العلق: ١٥] فكل هذا يوقف عليه بالألف وفاقاً للرسم بالإجماع.

  35. الحالة الرابعة: وهي حذف الألف وصلاً وجواز الوجهين وقفاً. أو الحذف فقط أو الإثبات فحسب فتلك صور ثلاث للوقف في هذه الحالة وإليك بيانها وفق رواية حفص عن عاصم رغبة في الاختصار.

  36. أما الصورة الأولى: وهي حذف الألف وصلاً وجواز الوجهين وقفاً أي بإثبات الألف وحذفها مع سكون اللام.

  37. فوقعت في لفظ واحد وهو "سلاسلا" في قوله تعالى: {إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلاَ وَأَغْلاَلاً وَسَعِيراً} [الآية: ٤] ، بالإنسان وإثبات الألف هو المقدم على حذفها إن وقف بها معاً وليس اللفظ بمحل وقف إلا للضرورة أو الاختبار "بالموحدة" .

  38. وأما الصورة الثانية: وهي حذف الألف وصلاً ووقفاً مع وجودها في الرسم فوقعت في لفظ واحد كذلك وهو "قواريرا" الموضع الثاني من سورة الإنسان في قوله تعالى: {قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً} [الآية: ١٦] .

  39. وأما الصورة الثالثة: وهي حذف الألف وصلاً وإثباتها وقفاً تبعاً للرسم فوقعت في لفظ واحد أيضاً وهو "لكنا" في قوله تبارك وتعالى: {لكنا هُوَ الله رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً} [الآية: ٣٨] بالكهف، والله تعالى أعلم.

  40. الكلام على الواو المدية وصورها حذفاً وإثباتاً