المسألة الرابعة في أحكامه
٣٤٢ فقرة، ج ١ ص ٢٨٠
الصفحة ١ من ٩
- المسألة الرابعة في أحكام المد الفرعي
- أحكام المد الفرعي ثلاثة:
-
أولها: الوجوب وهو خاص بالنوع الأول وهو المد المتصل.
-
ثانيها: الجواز وهو خاص بالأنواع الثلاثة بعد الأول وهي المد المنفصل والعارض للسكون والبدل.
-
ثالثها: اللزوم وهو خاص بالنوع الخامس والأخير وهو المد اللازم وفيما يلي الكلام على كل حكم وما يختص به من الأنواع فنقول وبالله التوفيق.
-
الكلام على الحكم الأول من أحكام المد الفرعي وهو المد الواجب (المتصل) وسبب تسميته واجباً ومتصلاً ومقدار مده ووجهه وضابطه
تقدم أن حكم الوجوب خاص بالنوع الأول من أنواع المد الفرعي وهو المد المتصل.
-
وتعريفه: أن يقع الهمز بعد حرف المد واللين في كلمة واحدة نحو {أولائك على هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وأولائك هُمُ المفلحون} [البقرة: ٥] [لقمان: ٥] {فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} [النساء: ٤] {أَسَاءُواْ السوءى} [الروم: ١٠] ومقدار المد فيه بالنسبة لحفص عن عاصم من الشاطبية أربع
ج ١ ص ٢٨١حركات وهو المعروف بالتوسط ثم المد بقدر خمس حركات أيضاً وهو المعروف بفويق التوسط وصلاً ووقفاً والوجهان صحيحان مأخوذ بهما لفحص من الشاطبية غير أن التوسط هو المشهور والمقدم في الأداء ولم أقرأ بسواه من هذا الطريق وهو الذي ارتضاه إمامنا الشاطبي رحمه الله ولم يقرىء بسواه لأصحاب التوسط فاعلم ذلك.
-
هذا: وما أشرنا إليه من المد بقدر أربع حركات أو خمس إذا كان المد متوسطاً كما مثلنا:
أما إذا كان متطرفاً وموقوفاً عليه كقوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء} [فاطر: ٢٨] ففيه ما تقدم من المد بأربع حركات أو خمس ثم زيادة المد بقدر ست حركات لأجل الوقف كما سيأتي.
-
وسمي متصلاً لاتصال حرف المد بالهمز في كلمة واحدة: أو لاتصال الشرط بالسبب في كلمة واحدة كذلك.
-
وكان حكمه الوجوب لوجوب مده عند كل القراء زيادة على مقدار المد الطبيعي. وإن كانت الزيادة فيه متفاوتة عندهم.
-
ومن ثم يعلم أن للمد المتصل محلين: محل اتفاق ومحل اختلاف.
-
أما محل الاتفاق: فهو أن كل القراء اتفقوا على زيادة مده عن مقدار المد الطبيعي.
-
وأما محل الاختلاف: فهو تفاوتهم في مقدار تلك الزيادة علىحسب مذاهبهم فمنهم من قرأ بمرتبة الإشباع وقدرها ست حركات.
-
ومنهم من قرأ بمرتبة دونه وقدرها خمس حركات وهو الإمام عاصم شيخ حفص. ومنهم من قرأ بمرتبة المتوسط وقدرها أربع حركات ومن بينهم الإمام عاصم كذلك. ومنه من قرأ بمرتبة فويق القصر وقدرها ثلاث حركات ولا أقل
ج ١ ص ٢٨٢من ذلك. ولم نذكر أصحاب هذه المراتب هنا طلباً للاختصار وهي مبسوطة في كتب الخلاف فراجعها إن شئت.
-
ومما تقدم يعلم أن المد المتصل لا يزيد عن الحركات الست ولا ينقص عن الثلاث فمراتبه أربع فقط كما يعلم أيضاً أنه لا يجوز بحال القصر فيه كالطبيعي. قال الحافظ الجزري في النشر: "وقد تتبعته - أي القصر في المتصل - فلم أجده في قراءة صحيحة ولا شاذة بل رأيت النص بمده" أهـ.
-
هذا ما يتعلق بمسألة الوجوب في المد المتصل باختصار.
-
وقد أشار العلامة الجمزوري إلى المد الواجب ونوعه في التحفة بقوله:
فواجبٌ إنْ جاءَ هَمْزٌ بعد مَدْ ... في كلمة وذا بمُتَّصلٍ يُعَدْ اهـ
كما أشار إليه الحافظ ابن الجزري في المقدمة الجزرية بقوله:
وواجبٌ إن جاءَ قبْلَ همزةٍ ... مُتَّصِلاً إن جُمِعَا بكلمةٍ
هذا ووجه المد في المتصل هو أن الهمز ثقيلة في النطق بها لأنها حرف شديد جهري كما تقدم في الصفات فزيد في المد قبلها للتمكن من النطق بها على حقها من شدتها وجهرها. وقيل إن حرف المد ضعيف خفي والهمز قوي صعب فزيد في المد تقوية لضعفه عند مجاورته القوي.
-
الكلام على الحكم الثاني من أحكام المد الفرعي وهو - المد الجائز
تقدم أن حكم الجواز في المد الفرعي يتلعق بثلاثة أنواع منه وهي: المد الجائز المنفصل، والجائز العارض للسكون، والجائز البدل، وفيما يلي تفصيل كل بمفرده.
- ج ١ ص ٢٨٣
الكلام على المد الجائز المنفصل وسبب تسميته جائزاً ومنفصلاً ومقدار مده ووجهه وضابطه
وهذا هو النوع الأول من أنواع المد الجائز.
-
وتعريفه: أن يقع الهمز بعد حرف المد واللين بشرط انفصاله عنه وذلك بأن يكون حرف المد واللين آخر الكلمة والهمز أول الثانية ويستوي في ذلك الانفصال الحقيقي والحكمي.
-
فالانفصال الحقيقي: هو أن يكون حرف المد واللين ثابتاً في الرسم واللفظ نحو {قوا أَنفُسَكُمْ} [التحريم: ٦] {آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ الله مِن كِتَابٍ} [الشورى: ١٥] {وَأُفَوِّضُ أمري إِلَى الله} [غافر: ٤٤] .
-
والإنفصال الحكمي: هو أن يكون حرف المد واللين محذوفاً في الرسم ثابتاً في اللفظ ومنه: ياء النداء نحو {يا إبراهيم} [مريم: ٤٦] {يا أيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ} [النساء: ١] . وها التي للتنبيه نحو {ها أنتم هؤلاء} [آل عمران: ٦٦] وصلة هاء الضمير نحو {أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ} [البلد: ٧] {وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً} [الكهف: ٢٦] وكذلك صلة ميم الجمع عند من وصلها بواو نحو {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ} [البقرة: ٧٨] ما إلى ذلك من كل حرف مد حذف رسماً وثبت لفظاً.
- ج ١ ص ٢٨٤
وسمي منفصلاً لانفصال حرف المد عن الهمز أو لانفصال الشرط عن السبب.
-
وكان حكمه الجواز لجواز قصره ومده عند بعض القراء. فالقصر حركتان كالمد الطبيعي والمد يشمل أربع مراتب وهي: المد ثلاث حركات أو أربع أو خمس أو ست.
-
وعليه فتكون مراتب المد المنفصل خمساً أولها حركتان وآخرها ست وتركنا ذكر أصحاب هذه المراتب هنا طلباً للاختصار ومن أرادها فهي مبسوطة في كتب الخلاف هذا ما يتعلق بمسألة الجواز بالاختصار.
-
وأما مقدار مده بالنسبة لحفص عاصم من الشاطبية فهو أربع حركات وهو المعروف بالتوسط أو خمس حركات أيضاً وهو المعروف بفويق التوسط والوجهان صحيحان مأخوذ بهما لحفص من الشاطبية إلا أن التوسط هو المشهور والمقدم في الأداء ولم أقرأ بسواه من هذا الطريق وهو الذي ارتضاه إمامنا الشاطبي رضي الله عنه ولم يقرىء بسواه لأصحاب التوسط فاعلم ذلك.
-
هذا: ووجه القصر في المنفصل انتفاء أثر الهمزة لعدم لزومها عند الوقف. ووجه مده اعتبار اتصالها لفظاً من الوصل.
-
وقد أشار العلامة الجمزوري إلى المد الجائز المنفصل في تحفته بقوله:
وجائزٌ مدٌّ وقصرٌ إنْ فُصِلْ ... كُلٌّ بكلمة وهذا المُنفَصِل اهـ
- سبعة تنبيهات هامة:
-
الأول: مقدار المد الزائد على القصر في المنفصل يكون في حالة الوصل فقط. أما في حالة الوقف فيصير المد طبيعياً لجميع القراء. لأن انتفاء الهمز عند الوقف موجب للقصر. ووجوده عند الوصل كان سبباً في زيادة المد فلما انعدم الهمز بسبب الوقف انعدمت هذه الزيادة هذا في المد المنفصل الحقيقي نحو قوله تعالى: {وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ العلم إِلاَّ قَلِيلاً} [الإسراء: ٨٥] .
- ج ١ ص ٢٨٥
أما في المنفصل الحكمي في نحو {يَاأَيُّهَا الناس} [البقرة: ٢١] فالمقدار الزائد على القصر ثابت في الوصل والوقف لعدم إمكان الوقف على "يا" من يا أيها ونحوها. وأما في صلة هاء الضمير نحو {وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً} [الكهف: ١١٠] وكذا صلة ميم الجمع نحو {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} [المائدة: ١٠٥] فمقدار المد فيه ثابت في الوصل فقط أما في الوقف فيحذف المد مطلقاً لأن الهاء والميم سكنتا للوقف وبسكونهما انعدمت الصلة التي هي المد فتأمل.
-
الثاني: إذا اجتمع مدان متصلان أو أكثر كما في قوله تعالى: {الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشاً والسماء بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً} [البقرة: ٢٢] الآية، فلا يجوز التفرقة بينهما في المد بحجة جواز الوجهين في كل منها بل تجب التسوية في الكل إما بالحركات الأربع في الجميع أو بالخمس فيها. وكذلك الحكم بعينه فيما اجتمع مدان منفصلان أو أكثر كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَآ الذين أُوتُواْ الكتاب آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ} [النساء: ٤٧] الآية، فلا تجوز التفرقة بين هذه المدود بحجة جواز الوجهين أيضاً بل تجب التسوية بينها بأن يكون المنفصل الثاني وما بعده مساوياً للأول توسطاً كان أو فويقه لأن التسوية في هذا وذاك من جملة التجويد وهذا ما أشار إليه الحافظ ابن الجزري في المقدمة الجزرية بقوله: "واللفظ في نظيره كمثله" .
-
الثالث: زاد الدكتور محمد سالم محيسن في كتابه "الرائد في تجويد القرآن" مرتبة الإشباع وقدرها ست حركات لحفص عن عاصم في المد المتصل على مذكرناه له من مرتبة التوسط وقدرها أربع حركات ومرتبة فويق التوسط التي هي خمس حركات. فيكون لحفص على قوله ثلاث مراتب في المد المتصل هي التوسط وفويق التوسط والإشباع. وكما زاد له في الكتاب نفسه مرتبة القصر في المد المنفصل وقدرها حركتان على ما ذكرناه له من مرتبة التوسط وفويق التوسط
ج ١ ص ٢٨٦كذلك: وعليه فيصير لحفص في المد المنفصل وفق قوله ثلاث مراتب أيضاً هي: القصر والتوسط وفويق التوسط. وقد أطلق هذه الوجوه فقال في المد المتصل - ص (٢٨) من الكتاب المذكور: "واعلم أن المد المتصل يمد أربع حركات أو خمس أو ست" وذلك بعد أن ذكر المد المنفصل وقال فيه: "واعلم أن المد المنفصل يجوز مده حركتين أو أربعاً أو خمساً" أهـ.
-
ولا ريب أن إطلاق الزيادة بالإشباع لحفص في المد المتصل أو بالقصر له في المد المنفصل على هذا النحو الذي تضمنه كلام الدكتور ليس صواباً ذلك أن مرتبة الإشباع هذه التي زادها الدكتور لحفص في المد المتصل لم ترد عنه من طريق الشاطبية الذي هو طريق عامة الناس وإنما تصح له - كبقية القراء العشرة - من طريق طيبة النشر في قول. وكذلك فإن قصر المنفصل لحفص لم ينقل عنه من طريق الشاطبية كذلك ولكن ثبت له من طريق طيبة النشر في قول كذلك.
-
وطريق طيبة النشر هذا سواء أكان في مرتبة الإشباع في المتصل لحفص أم كان في مرتبة القصر له في المنفصل لا يسلكه إلا العارفون من خواص أهل هذا الشأن لدقته وكثرة ما يترتب عليه من الأحكام العلمية والعملية في الأداء. وهي صعبة متعذرة على غير المتخصص الواعي كما سنبينه بعد.
-
وكان الواجب على فضيلة الدكتور أن يوضح تلك الأحكام للقراء ما دام على علم بها كما هو الظن به فإن صاحب العلم لا يسعه كتمانه.
-
لا سيما إذا كان ذلك العلم متعلقاً بالكتاب العزيز، وما دام قد قال بوجهي الإشباع في المتصل والقصر في المنفصل لحفص، فإن عدم إيضاحه ذلك للقراء يوهم أن الإشباع لحفص في المتصل والقصر له في المنفصل يأتيان على ما له من الأحكام المعروفة لدى عامة الناس وليس كذلك. لأن القارىء إذا قرأ بالإشباع
ج ١ ص ٢٨٧في المتصل لحفص أو بالقصر له في المنفصل حسبما ذكر الدكتور لزمه العلم بالأحكام الواجب اتباعها حال الأداء لكونها لا يجوز مخالفتها بحال وهذه الأحكام كثيرة ليس محل ذكرها هنا لأن في ذكرها تشويشاً علىلمبتدئين ولكن لا بأس بذكر شيء منها ليعلم القارىء خطأ إقحام مثل هذا على ما عرفه عامة الناس فيتورع عنه إلا إذا علم ذلك يقيناً كأن يأخذه عن طريق التلقي والرواية والإسناد عن الشيوخ المحققين الآخذين ذلك عن شيوخهم وذلك أعلى درجات العلم متى شهدت لهم بصحته المصادر العلمية المعتبرة وعندئذ فلا حرج على من تحصل له ذلك أن يقرأ بهذا وبغيره مما جاء من طريق طيبة النشر لحفص. وفيما يلي بعض تلك الأحكام:
بعض الأحكام التي تجب لحفص حال الإشباع في المتصل من طريق طيبة النشر
تمهيد: من القواعهد المقررة أن مرتبة الإشباع في المد المتصل لحفص من طريق طيبة النشر يأتي عليها المراتب الأربع التي في المد المنفصل من الطريق المذكور وهي القصر وفويقه والتوسط وفويقه: فالقصر حركتان وفويق القصر ثلاث حركات والتوسط أربعة حركات وفويق التوسط خمس.
-
أما مرتبتا القصر والتوسط في المنفصل فسنتكلم عليهما عند الكلام على قصر المنفصل.
-
وأما مرتبتا فويق القصر وفويق التوسط اللتان في المنفصل أيضاً فسنترك الكلام عليهما وعلى ما يترتب عليهما من أحكام لما وعدنا به هنا من أننا سنذكر بعض الأحكام فقط رغبة في الاختصار ومراعاة لحال المبتدئين. ومما يجب معرفته أيضاً أن من الأحكام التي تختص بها مرتبة الإشباع في المد المتصل بقاء الغنة حال إدغام النون الساكنة والتنوين في اللام والراء. والأخذ بمرتبة السكت
ج ١ ص ٢٨٨العام وهو السكت على الساكن الصحيح وشبهه قبل الهمز. وهو مشروط بعدم التنفس ويشمل أربعة أصول مطردة في التنزيل وهي كما يلي:
الأصل الأول: السكت على "أل" كقوله تعالى: {والأرض وَضَعَهَا لِلأَنَامِ} [الرحمن: ١٠] .
-
الأصل الثاني: السكت علىكلمة "شيء" مطلقاً سواء كانت منصوبة كقوله تعالى: {إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [يس: ٨٢] أم مجرورة كقوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: ٤٩] أم مرفوعة كقوله سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السميع البصير} [الشورى: ١١] .