المسألة الخامسة من مسائل المد الفرعي وهي مراتبة وما ينشأ عن هذه المراتب من أحكام
٧٧ فقرة، ج ١ ص ٣٥٠
الصفحة ١ من ٢
- ج ١ ص ٣٥٠
الكلام على المسألة الخامسة في مراتب المد الفرعي وما يترتب عليها
تقدم أن للمد الفرعي سببين لفظيين هما: الهمز والسكون كما تقدم أن الهمز سبب لأنواع ثلاثة وهي: المد المتصل والمنفصل والبدل وأن السكون سبب لنوعين هما: المد اللازم والعارض للسكون.
-
وقد مر توضيح ذلك والتمثيل بما فيه الكفاية. وأسباب هذه المدود تتفاوت قوة وضعفاً فأقواها السكون الأصلي الذي هو سبب للمد اللازم ويليه الهمز الذي هو سبب المد المتصل ويليه السكون العارض في الوقف الذي هو سبب للمد العارض للسكون. ويليه الهمز الذي هو سبب المد المنفصل ويليه الهمز المتقدم على حرف المد وهو المسمى بعد البدل وهو أضعفها.
-
ومن ثم يعلم أن مراتب المد الفرعي خمس وهي في الترتيب كما يلي:
المد اللازم فالمتصل فالعارض للسكون فالمنفصل فالبدل. ولا يجوز بحال تقديم مرتبة منها على الأخرى أو تأخير واحدة عن مكانها.
-
وقد أشار إلى هذه المراتب على هذا الترتيب غير واحد من شيوخنا وإليك أخصرها لصاحب لآلىء البيان. قال:
أقوى المدُودِ لازمٌ فما اتَّصَلْ ... فعارضٌ فذُو انْفِصالٍ فبَدَلْ اهـ
فائدة: يترتب على معرفة هذه المراتب على هذا النسق قاعدتان كليتان يحب مراعاتهما والإخلال بشيء منهما مفسد للقراءة وفيما يلي الكلام عليهما:
القاعدة الأولى: إذا اجتمع مدان مختلفان في النوع فلا يخلو حالهما من أن يكون أحدهما ضعيفاً والآخر قويّاً فإن تقدم القوي على الضعيف ساوى الضعيف القوي ونزل عنه وفي العكس يساوي القوي الضعيف ويعلو عنه وهذا هو
ج ١ ص ٣٥١الضابط في هذه القاعدة وإليك مثالاً من مثلها وهو تقدم المد الجائز العارض للسكون وهو القوي على المد الجائز العارض للسكون الذي سكونه العارض بعد حرف اللين فقط وهو الضعيف مثاله قوله تعالى: {لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ قَالُواْ لاَ ضَيْرَ} [الشعراء: ٤٩-٥٠] بأن وقفت على "أجمعين" وعلى "لا ضير" فعلى القصر في "أجمعين" القصر في اللين "لا ضير" فقط: وعلى التوسط في "أجمعين" التوسط في اللين للتساوي ثم القصر بقدر حركتين نزولاً عن الأول لضعفه ثم المد في الأول وعليه الثلاثة في اللين فالمد للتساوي بالأول والتوسط والقصر للنزول عنه لضعفه.
-
وإنما لم يؤت بأقل من القصر في الثاني على قصر الأول للنزول كما هي القاعدة لأنه ليس هناك مرتبة أقل من القصر حينئذ فالمساواة هنا واجبة فتأمل.
-
ومثال تقدم الضعيف على القوي نحو قوله سبحانه {ذَلِكَ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: ٢] بأن وقف على "لا ريب" وعلى "المتقين" فعلى قصر "لا ريب" المدود الثلاثة في "المتقين" فالقصر للتساوي بالأول والتوسط والمد لأنه أقوى من اللين وهذا هو المعبر عنه بالعلو. وعلى توسط "لا ريب" عليه في "المتقين" وجهان هما التوسط تساوياً بالأول والإشباع لأنه أقوى من اللين وهذا هو المعبر عنه بالعلو كما مر.
-
وعلى الإشباع في "لا رَيْبَ" الإشباع في "المُتَّقينَ" فقط ولا يجوز فيه التوسط ولا القصر لأنه يعتبر نزولاً عنه وهو ممنوع حينئذ بالإجماع فالأوجه ستة في كلتا الحالتين وهي لكل القراء بالإجماع وقد تقدم الكلام على ذلك مع شواهد له من المنظوم وهذا توجيهه كما وعدنا هناك فتأمله والله يرشدك ولنكتفي بهذا المثال لهذه القاعدة وإلا فهناك أمثلة لمدود أخرى تركنا ذكرها رغبة في الاختصار ومراعاة لحال المبتدئين.
-
القاعدة الثانية: إذا اجتمع سببان للمد الفرعي في كلمة واحدة فلا يخلو الأمر من أن يكون أحدهما ضعيفاً والآخر قويّاً وحينئذ يعمل بالسبب القوي ويلغى
ج ١ ص ٣٥٢العمل بالسبب الضعيف وهذا أمر متفق عليه.
-
ومن أمثلة ذلك كلمة {آمِّينَ} [المائدة: ٢] فقد اجتمع فيها سببان للمد:
الأول: سبب المد البدل وهو تقدم الهمز على حرف المد.
-
والثاني: سبب المد اللازم وهو السكون الأصلي المدغم الواقع بعد حرف المد وهنا يلغى الضعيف وهو المد البدل ويعمل بالقوي وهو المد اللازم وحينئذ يجب الإشباع وصلاً ووفقاً عملاً بأقوى السببين.
-
وكذلك كلمة {بُرَءآؤاْ} [لممتحنة: ٤] فقد اجتمع فيها سببان سبب المد البدل وهو الهمز المتقدم على حرف المد وسبب المد المتصل وهو الهمز الواقع بعد حرف المد في كلمة وهنا يلغى سبب مد البدل لضعفه ويعمل بسبب المد المتصل لقوته عملاً بأقوى السببين كذلك.
-
وكذلك كلمة {الدعآء} [إبراهيم: ٣٩] فقد اجتمع فيها سببان الأول سبب المد المتصل وهو الهمز الذي يعد حرف المد في كلمة والثاني السكون العارض الذي في الهمز والذي هو سبب المد العارض للسكون وهنا يلغى سبب المد العارض للسكون لضعفه فيمتنع فيه القصر ويعمل بسبب المد المتصل لقوته فتعين مده عملاً بأقوى السببين أيضاً.
-
ومن ذلك كلمة {صَوَآفَّ} [الحج: ٣٦] فقد اجتمع فيها سبب المد اللازم وهو السكون الأصلي المدغم بعد حرف المد كما اجتمع فيها سبب مد العارض للسكون وهو السكون العارض في الوقف وهنا يعمل بسبب المد اللازم لقوته فيمد طويلاً ويلغى سبب المد العارض للسكون فيمتنع قصره وتوسطه عملاً بأقوى السببين أيضاً.
-
ومن ذلك كلمة {المآب} [آل عمران، الآية: ١٤] فقد اجتمع فيها سببان:
ج ١ ص ٣٥٣الأول: سبب مد البدل وهو الهمز المتقدم على حرف المد.
-
الثاني: سبب المد الجائز العارض للسكون وهو السكون العارض للوقف فيعمل بسبب المد العارض لقوته ويلغى سبب المد البدل لضعفه عملاً بأقوى السببين.
-
وكذلك كلمة {رَأَى أَيْدِيَهُمْ} [هود: ٧٠] عند الوصل فقد اجتمع هنا سببان للمد:
أحدهما: سبب المد البدل وهو تقدم الهمز على حرف المد.
-
وثانيهما: سبب المد المنفصل وهو الهمز الواقع بعد حرف المد في كلمة أخرى وهنا يلغى سبب المد البدل لضعفه ويعمل بسبب المد المنفصل لقوته عملاً بأقوى السببين كذلك وأما عند الوقف على "رأى" فيتعين سبب مد البدل لا غير وهكذا دواليك.
-
وقد أشار إلى قاعدة العمل بأقوى السببين الحافظ ابن الجزري في الطيبة بقوله:
" ... ... ... ... ... وأقْوَى السَّبَبَيْن يَسْتَقِلْ" اهـ
كما أشار إليها صاحب لآلىء البيان بقوله:
وسَبَبا مدٍّ إذا ما وُجدَا ... فإنَّ أقْوَى السَّبَبَين انْفَرَدا اهـ
والله أعلم.
-
فصل في بيان مد اللين وحكمه في الوصل والوقف
تقدم في صدر الباب أن حرفي اللين هما الواو والياء الساكنتان المفتوح ما قبلهما نحو {القول} [سبأ: ٣١] {والصيف} [قريش: ٢] ولهذين الحرفين حالتان:
الأولى: أن يقع بعدهما همز متصل بهما في كلمة واحدة نحو {شَيْءٍ} [البقرة: ٢٠] {
ج ١ ص ٣٥٤سَوْءٍ} [مريم: ٢٨] .
-
الثانية: ألا يقع بعدهما همز نحو {السير} [سبأ: ١٨] {فَلاَ خَوْفٌ} [البقرة: ٣٨] {الموتة} [الدخان: ٥٦] {فَأَحْيَيْنَا} [فاطر: ٩] .
-
فأما اللذان بعدهما همز متصل بهما في كلمة واحدة نحو {سَوْءَةَ} [لمائدة: ٣١] {كَهَيْئَةِ} فقرأ ورش من طريق الأزرق فيهما بوجيهن هما التوسط والإشباع ويستوي في ذلك عنده الوصل الوقف وهنا كلام خاص لورش يطلب من مضانه في كتب الخلاف تركنا ذكره هنا طلباً للاختصار فليراجعه من شاء.
-
أما باقي القراء غيره ومن بينهم حفص فليس لهم فيه إلا القصر ونعني به هنا المد نوعاً ما كما تقدم وهذا في حالة الوصل أما في حالة الوقف فيدخل في حكم المد العارض للسكون ويكون لهم فيه حنيئذ القصر والتوسط والإشباع بالسكون المجرد أو بالسكون مع الإشمام أو بالروم حسب نوع العارض. ولا نغفل عن الوقف بالروم فإنه يكون على القصر الذي هو بمعنى مد ما كحالة الوصل وقد تقدم الكلام على ذلك مستوفياً باستنثاء الأزرق عن ورش كما مر وأما اللذان ليس بعدهما همز فللقراء فيهما تفصيل: حاصله أن نحو {لَوْمَةَ} [المائدة: ٥٤] {وَأَحْيَيْنَا} [ق: ١١] فيه القصر في الحالين على نحو ما مر أي بمد ما للأئمة العشرة لا
ج ١ ص ٣٥٥فرق بين حفص وغيره وكذلك الحكم بعينه للقراء العشرة في حرفي اللين اللذين بعدهما الهمز المنفصل عنهما أي أن حرفي اللين في آخر كلمة والهمز في أول الكلمة الثانية نحو {ابنيءَادَمَ} [المائدة: ٢٧] {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ} [الأنعام: ١١١] .
-
وأما نحو {لاَ خَوْفٌ} [يونس: ٦٢] {فَلاَ فَوْتَ} [سبأ: ٥١] فقد أجمع القراء العشرة على القصر في الوصل كما مر في غير مرة.
-
وأما في حالة الوقف ففيه المدود الثلاثة التي تقدم ذكرها مراراً لجميع القراء لا فرق بين حفص وغيره ويدخل حينئذ في حكم المد الجائز العارض للسكون وقد تقدم الكلام عليه مستوفياً في محله والله أعلم.
-
فصل في بيان حكم هاء الضمير ما ألحق بها من حيث المد والقصر
ونعني بهذا الفصل بيان حكمها عند الوصل من حيث المد والقصر لا من حيث الوقف عليها فقد تقدم الكلام عليه ولذا ختمنا بها باب المد والقصر ونرجوا الله سبحانه وتعالى أن يختم لنا جميعاً بالحسنى. وأن يجعلنا من المنضويين تحت قوله سبحانه: {* لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أولائك أَصْحَابُ الجنة هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [يونس: ٢٦] إنه سميع مجيب.
- هذا: وكلامنا في هاء الضمير هنا على مسألتين:
-
الأولى في تعريفها. والثانية في حالاتها في تلاوة القرآن الكريم.
-
أما تعريفها: فهي الهاء الزائدة عن بنية الكلمة الدالة على المفرد المذكر الغائب. وأصلها الضم إلا أن يقع قبلها كسر أو ياء ساكنة مطلقاً فتكسر حينئذ.
- ج ١ ص ٣٥٦
فقولنا: "هي الهاء الزائدة عن بنيه الكلمة" خرج به الهاء الأصلية كالهاء في نحوة {مَا نَفْقَهُ} [هود: ٩١] {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ} [الأحزاب: ٦٠] {وَجْهُ أَبِيكُمْ} [يوسف: ٩] {وانه عَنِ المنكر} [لقمان: ١٧] {وَلَمَّا تَوَجَّهَ} [القصص: ٢٢] فكل هذه الهاءات وما مائلها أصلية مقصورة في التلاوة والقصر هنا معناه حذف المد نهائيّاً كما سيأتي بيانه في التنبيهات آخر الفصل.
-
وقولنا "الدالة على المفرد المذكر الغائب" خرج به الدالة على الواحدة المؤنثة في نحو {مِّنْ أَهْلِهَآ} [النساء: ٣٥] والدالة على التثنية نحو {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ} [البقرة: ٢٣٠] والدالة على الجمع مطلقاً نحو {عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: ٧] {عَلَيْهِنَّ} [الفاتحة: ٧] .
-
وتتصل هاء الضمير بالاسم نحو {إلى أَجَلِهِ} [البقرة: ٢٨٢] بالفعل نحو {قُلْتُهُ} [المائدة: ١١٦] {وَيُعَلِّمُهُ} [آل عمران: ٤٨] {أَوْ حَرِّقُوهُ} [العنكبوت: ٢٤] وبالحرف نحو {
ج ١ ص ٣٥٧إِلَيْهِ} [البقرة: ٢٨] .
-
وكما تسمى بهاء الضمير تسمى بهاء الكناية أيضاً لأنها يكنى بها عن المفرد المذكر الغائب.
-
وأما حالاتها في التلاوة فأربع يجب على القارىء معرفتها جيدّاً وهي كما يلي:
الحالة الأولى: أن تقع بين ساكنين نحو {آتَاهُ الله الملك} [البقرة: ٢٥٨] {وَآتَيْنَاهُ الإنجيل} [المائدة: ٤٦] .
-
الحالة الثانية: أن يقع قبلها محرك وبعدها ساكن نحو {لَهُ الملك وَلَهُ الحمد} [التغابن: ١] ولا خلاف بين القراء العشرة في قصر هذه الهاء أي عدم صلتها في هاتين الحالتين لئلا يجتمع ساكنان على غير حدهما.
-
الحالة الثالثة: أن تقع بين محركين نحو قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً} [الانشقاق: ١٥] ولا خلاف بين عامة القراء في هذه الحالة في صلة هذه الهاء بواو لفظية في الوصل إذا كانت مضمومة بعد ضم أو بعد فتح كقوله سبحانه: {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} [المائدة: ١١٦] وبياء لفظية في الوصل أيضاً إذا كانت مكسورة ولا يكون قبلها إلا مكسور حينئذ نحو قوله عز من قائل: {وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً} [الكهف: ٢٦] .
-
ويستثنى من هذه الحالة اثنتا عشرة كلمة وقعت في واحد وعشرين موضعاً
ج ١ ص ٣٥٨من القرآن الكريم وقد وقع فيها خلاف بين القراء وهذا الخلاف دائر بين الصلة والقصر والإسكان والكلمات هي:
"بيده، يؤده، نؤته، نوله، ونصله، أرجه، ترزقانه، يأته، ويتقه، فألقه، يرضه، يره" .
-
أما كلمة "بيده" فوقعت في أربعة مواضع: موضعان بالبقرة في قوله تعالى: {أَوْ يَعْفُوَاْ الذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح} [البقرة: ٢٣٧] وقوله سبحانه: {إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ} [البقرة: ٢٤٩] وموضع في كل من المؤمنون ويس في وقوله تعالى: {بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} [الآية: ٨٨] [الآية: ٨٣] .
-
وأما كلمة "يؤده" فوقعت في موضعين بآل عمران في قوله تعالى: {يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران: ٧٥] {لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران: ٧٥] .
-
وأما كلمة "نؤته" فوقعت في ثلاثة مواضع منها موضعان بآل عمران في قوله تعالى: {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخرة نُؤْتِهِ مِنْهَا} [آل عمران: ١٤٥] والثالث في سورة الشورى في قوله سبحانه: {وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا} [الشورى: ٢٠] .
-
وأما كلمتا "نوله ونصله" فوقعتا في سورة النساء في قوله تعالى: {نُوَلِّهِ مَا تولى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ} [النساء: ١١٥] .