فصل في كيفية الوقوف على إعجاز القرآن

٩٤ فقرة، ج ٢ ص ١١٣

الصفحة ٢ من ٣

  1. وفيه ما يقع كل واحد منهما وفقاً للآخر.

    ج ٢ ص ١١٩
  2. ثم ينقسم ما يقع وفقا إلى أنه قد يفيدها على [جملة وقد يفيدها على] (٥) تفصيل.

  3. وكل واحد منهما قد ينقسم إلى ما يفيدها على أن يكون كل واحد منهما بديعاً شريفاً، وغريباً لطيفاَ.

  4. وقد يكون كل واحد منهما مستجلباً متكلفاً، ومصنوعاً متعسفاً، وقد يكون [كل] (٦) واحد منهما حسناً رشيقاً، وبهيجاً نضيراً (٧) .

  5. وقد يتفق أحد الامرين دون الآخر.

  6. وقدر / يتفق أن يسلم الكلام والمعنى من غير رشاقة ولا نضارة في واحد منهما.

  7. [و] (٨) إنما يميز من يميز، ويعرف من يعرف.

  8. والحكم في ذلك صعب شديد، والفصل فيه شأو بعيد.

  9. وقد قل من

    ج ٢ ص ١٢٠يميز أصناف الكلام، فقد حكي عن طبقة أبى عبيدة وخلف الاحمر وغيرهما في زمانهما (١) ، أنهم قالوا: ذهب من يعرف نقد (٢) الشعر.

  10. وقد بينا قبل هذا اختلاف القوم في الاختيار، وما يجب أن يجمعوا عليه، ويرجعوا عند التحقيق إليه، فكلام المقتدر نمط، وكلام المتوسط (٣) باب، وكلام المطبوع له طريق، وكلام المتكلف له منهاج، والكلام المصنوع المطبوع له باب.

  11. ومتى تقدم الإنسان في هذه الصنعة، لم تخف عليه هذه الوجوه، ولم تشتبه عنده هذه الطرق: فهو يميز قدر كل متكلم بكلامه (٤) ، وقدر كل كلام في

    نفسه، ويحله محله، ويعتقد فيه ما هو عليه، ويحكم فيه (٥) بما يستحق من الحكم.

  12. / وإن كان المتكلم يجود في شئ دون شئ، عرف ذلك منه.

  13. وإن كان (٦) يعم إحسانه، عرف (٧) .

  14. ألا ترى أن منهم من يجود في المدح دون الهجو.

  15. ومنهم من يجود في الهجو وحده (٨) ، ومنهم من يجود في المزح (٩) والسخف، ومنهم من يجود في الأوصاف.

  16. والعالم لا يشذ عنه [شئ من ذلك، ولا تخفى عليه] (١٠) مراتب هؤلاء، ولا تذهب عليه أقدارهم، حتى أنه إذا عرف طريقة شاعر في قصائد معدودة، فأنشد غيرها من شعره - لم يشك أن ذلك من نسجه، ولم يرتب في في أنها (١١) من نظمه، كما أنه إذا عرف خط رجل لم يشتبه عليه خطه حيث رآه (١٢) من بين الخطوط المختلفة، وحتى يميز بين رسائل كاتب وبين رسائل غيره، وكذلك أمر الخطب.

  17. فإن اشتبه عليه البغض، فهو لاشتباه الطريقين، وتماثل الصورتين، كما قد يشتبه شعر أبي تمام بشعر البحتري: في القليل الذي يترك أبو تمام فيه التصنع، ويقصد فيه التسهل، ويسلك الطريقة الكتابية، / ويتوجه في تقريب الألفاظ وترك تعويض المعاني، ويتفق له مثل بهجة أشعار البحترى وألفاظه.

    ج ٢ ص ١٢١
  18. ولا يخفى على أحد يميز هذه الصنعة سبك أبى نواس [من سبك مسلم] (١) ، ولا نسج ابن الرومي من نسج البحتري، وينبهه ديباجة (٢) شعر البحتري، وكثرة مائه، وبديع رونقه، وبهجة كلامه، إلا فيما يسترسل فيه، فيشتبه بشعر (٣) ابن الرومي، ويحركه ما لشعر (٤) أبي نواس من الحلاوة، والرقة، والرشاقة، والسلاسة، حتى يفرق بينه وبين شعر مسلم.

  19. وكذلك يميز بين شعر الأعشى في التصرف، وبين شعر امرئ القيس، وبين شعر النابغة وزهير، وبين شعر جرير والأخطل، والبعيث والفرزدق.

  20. وكل له منهج معروف، وطريق مألوف.

  21. ولا يخفى عليه في زماننا الفصل بين " رسائل عبد الحميد " وطبقته وبين طبقة من بعده (٥) ، حتى إنه لا يشتبه عليه ما بين " رسائل ابن العميد " وبين رسائل أهل عصره ومن بعده من برع في صنعة الرسائل، / وتقدم في شأوها، حتى جمع فيها بين طرق المتقدمين وطريقة المتأخرين، [و] حتى خلص لنفسه طريقة (٦) ، وأنشأ لنفسه منهاجاً، فسلك تارة " طريقة الجاحظ " وتارة طريقة السجع،

    وتارة طريقة الأصل، وبرع في ذلك باقتداره، وتقدم بحذقه، ولكنه لا يخفى مع ذلك على أهل الصنعة طريقة من طريق غيره، وإن كان قد يشتبه البعض، ويدق القليل، وتغمض الاطراف، وتشذ النواحى.

  22. وقد يتقارب (١) سبك نفر من شعراء عصر، وتتدانى رسائل كتاب دهر، حتى تشتبه اشتباهاً شديدا، وتتماثل تماثلا قريبا، فيغمض الاصل (٢) .

    ج ٢ ص ١٢٢
  23. وقد يتشاكل الفرع والاصل، وذلك فيما لا يتعذر دراك (٣) أمده، ولا يتصعب طلاب شأوه، ولا يمنع بلوغ غايته، والوصول إلى نهايته، لأن الذي ينفق من الفصل (٤) بين أهل الزمان إذا تفاضلوا [في سبق] (٥) ، وتفاوتوا في مضمار، فصل قريب، وأمر يسير.

  24. وكذلك لا يخفى عليهم معرفة سارق الألفاظ و [لا] سارق (٦) / المعاني، ولا من يخترعها، ولا من يلم بها، ولا من يجاهر بالأخذ ممن يكاتم به، ولا من يخترع الكلام اختراعاً، ويبتدهه ابتداهاً، ممن يروى (٧) فيه، ويجيل الفكر في تنقيحه، ويصبر عليه، حتى يتخلص له ما يريد، وحتى يتكرر نظره فيه.

    قال أبو عبيدة: سمعت أبا عمرو يقول: زهير والحطيئة وأشباههما عبيد

    الشعر، لأنهم نقحوه، ولم يذهبوا فيه مذهب المطبوعين (٨) .

  25. وكان زهير يسمى كبر شعره " الحوليات المنقحة " .

    وقال عدي ابن الرقاع: وقصيدة قد بت أجمع بينها * حتى أقوِّم ميلها وسنادها (٩) نظر المثقف في كعوب قناته * حتى يقيم ثقافه مُنآدها وكقول سويد بن كراع: أبيت بأبواب القوافي كأنما * أصادي بها سربا من الوحش نزعا (١٠)

  26. ومنهم من يعرف بالبديهة وحدة الخاطر، ونفاذ الطبع وسرعة / النظم، يرتجل القول ارتجالاً، ويطبعه (١) عفواً صفواً، فلا يقعد به عن قوم قد تعبوا وكدوا أنفسهم، وجاهدوا خواطرهم.

    ج ٢ ص ١٢٣
  27. وكذلك لا [يمكن أن] (٢) يخفى عليهم الكلام العلوى، واللفظ الملوكى، كما لا يخفى عليهم الكلام العامي، واللفظ السوقى، ثم تراهم ينزلون الكلام تنزيلا، ويعطفونه - كيف تصرف - حقوقه، ويعرفون مراتبه فلا يخفى عليهم ما يختص به كل فاضل تقدم في وجه من وجوه النظم، من الوجه الذي لا يشاركه فيه غيره، ولا يساهمه سواه.

  28. ألا تراهم وصفوا زهيراً بأنه أمدحهم وأشدهم أسر شعر (٣) ، قاله أبو عبيدة (٤) ؟ وروى أن الفرزدق انتحل بيتاً من شعر جرير، وقال: هذا يشبه شعري.

  29. فكان هؤلاء لا يخفى عليهم ما قد نسبناه إليهم من المعرفة بهذا الشأن، وهذا كما يعلم البزاز أن (٥) هذا الديباج عمل بتستر (٦) ، وهذا / لم يعمل بتستر، وأن هذا من صنعة فلان دون فلان، ومن نسج فلان دون فلان، حتى لا يخفى عليه، وإن كان قد يخفى على غيره.

  30. ثم إنهم يعلمون أيضاً من له سمت بنفسه، ورفت برأسه، ومن يقتدي في الألفاظ أو في المعاني أو فيهما بغيره، ويجعل سواه قدوة له، ومن يلم في الأحوال بمذهب غيره، ويطور (٧) في الاحيان [بجنبات كلامه] (٨) .

  31. وهذه أمور ممهدة عند العلماء، وأسباب معروفة عند الأدباء، وكما يقولون: إن " البحتري " يغير على " أبي تمام " إغارة، ويأخذ منه صريحاً وإشارة،

    ج ٢ ص ١٢٤ويستأنس بالأخذ منه بخلاف (١) ما يستأنس بالأخذ من غيره، ويألف اتباعه كما لا يألف اتباع سواه، وكما كان أبو تمام يلم بأبي نواس ومسلم، وكما يعلم أن بعض الشعراء يأخذ من كل أحد ولا يتحاشى، ويؤلف ما يقوله من فرق شتى.

  32. وما الذي نفع " المتنبي " جحوده الأخذ، وإنكاره معرفة " الطائيين " وأهل الصنعة يدلون على كل حرف أخذه منهما جهاراً، أو ألمّ بهما فيه سراراً؟ ! / وأما ما لم يأخذ عن الغير، ولكن سلك النمط، وراعى النهج، فهم يعرفونه، ويقولون: هذا أشبه به من التمر بالتمرة، وأقرب إليه من الماء إلى الماء، وليس بينهما إلا كما بين الليلة والليلة، فإذا تباينا وذهب أحدهما في غير مذهب صاحبه، وسلك في غير جانبه (٢) ، قيل: بينهما ما بين السماء والارض، وماب ين النجم والنون (٣) ، وما بين المشرق والمغرب.

  33. * * * وإنما أطلت عليك، ووضعت جميعه بين يديك، لتعلم أن أهل الصنعة يعرفون دقيق هذا الشأن وجليله، وغامضه وجليه، وقريبه وبعيده، ومعوجه ومستقيمه.

  34. فكيف يخفى عليهم الجنس الذي هو بين الناس متداول، وهو قريب متناول، من أمر يخرج عن أجناس كلامهم، ويبعد عما هو في عرفهم، ويفوت مواقع قدرهم؟ !

  35. وإذا اشتبه ذلك، فإنما يشتبه على ناقص في الصنعة، أو قاصر عن معرفة طرق الكلام الذي يتصرفون فيه ويديرونه (٤) بينهم ولا يتجاوزونه، فلكلامهم سبل مضبوطة، وطرق معروفة محصورة.

  36. وهذا كما يشتبه على من يدعي الشعر - من أهل زماننا - والعلم بهذا / الشأن، فيدعي أنه أشعر من البحتري، ويتوهم أنه أدق مسلكاً من أبي نواس، وأحسن طريقاً من مسلم! وأنت تعلم أنهما متباعدان، وتتحقق أنهما لا يجتمعان

    ج ٢ ص ١٢٥ولعل أحدهما إنما يلحظ غبار (١) صاحبه، ويطالع ضياء نجمه، ويراعى خفوق (٢) جناحه وهو راكد في موضعه، ولا يضر البحترى ظنه، ولا يلحقه بشأوه وهمه (٣) .

  37. فإن اشتبه على متأدب أو متشاعر أو ناشئ أو مرمد، فصاحة القرآن وموقع بلاغته، وعجيب براعته - فما عليك منه، إنما يخبر عن نقصه (٤) ، ويدل على عجزه، ويبين عن جهله، ويصرح (٥) بسخافة فهمه، وركاكة عقله.

  38. وإنما قدمنا (٦) ما قدمناه في هذا الفصل، لتعرف أن ما ادعيناه من معرفة البليغ بعلو شأن القرآن وعجيب نظمه وبديع تأليفه، أمر لا يجوز غيره، ولا يحتمل سواه، ولا يشتبه على ذي بصيرة، ولا يخيل عند (٧) أخي معرفة، كما يعرف الفصل بين طبائع (٨) الشعراء / من أهل الجاهلية، وبين المخضرمين، وبين المحدثين، ويميز بين من يجري على شاكلة طبعه وغريزة نفسه، وبين من يشتغل

    بالتكلف والتصنع، وبين من يصير التكلف له كالمطبوع، وبين من كان مطبوعه كالمتعمل (٩) المصنوع.

  39. هيهات هيهات! ! هذا أمر - وإن دقّ - فله قوم يقتلون علماَ، وأهل يحيطون به فهماً، ويعرفونه (١٠) إليك إن شئت، ويصورونه لديك إن أردت، ويجلونه على خواطرك إن أحببت، ويعرفونه لفطنتك إن حاولت، وقد قال القائل: للحرب والضرب أقوامٌ لها خُلِقُوا * وللدواوين كتّابٌ وحُسَّابُ ولكل عمل رجال، ولكل صنعة ناس، وفي كل فرقة الجاهل والعالم والمتوسط، ولكل قد قل من يميز في هذا الفن خاصة، وذهب من يحصل في هذا الشأن، إلا قليلا! فإن كنت ممن هو بالصفة التي وصفناها - من التناهى في معرفة الفصاحات،

    ج ٢ ص ١٢٦والتحقق (١) بمجاري البلاغات - فإنما يكفيك التأمل، ويغنيك التصور.

  40. وإن كنت في الصنعة مرمداً، وفي المعرفة بها متوسطاً، فلا بد / لك من التقليد، ولا غنى بك عن التسليم.