فصل في كيفية الوقوف على إعجاز القرآن
٩٤ فقرة، ج ٢ ص ١١٣
الصفحة ٣ من ٣
- ج ٢ ص ١٢٦
إن الناقص في هذه الصنعة كالخارج عنها، والشادي فيها كالبائن منها.
-
فإن أراد أن نقرب عليه أمرا (٢) ، ونفسح له طريقا، ونفتح له بابا - ليعرف به إعجاز القرآن - فإنا نضع بين يديه الأمثلة، ونعرض عليه الأساليب، ونصور له صور (٣) كل قبيل من النظم والنثر، ونحضره (٤) من كل فن من القول شيئاً يتأمله حق تأمله، ويراعيه حق رعايته (٥) ، فيستدل استدلال العالم، ويستدرك استدراك (٦) الناقد، ويقع (٧) له الفرق بين الكلام الصادر عن الربوبية، الطالع عن الإلهية، الجامع بين الحكم والحكم، والأخبار عن الغيوب والغائبات، والمتضمن لمصالح الدنيا والدين، والمستوعب لجلية اليقين، والمعاني المخترعة في تأسيس أصل الشريعة وفروعها بالألفاظ الشريفة، على تفننها وتصرفها.
-
ونعمد إلى شئ من الشعر المجمع عليه، فنبين وجه النقص فيه، وندل على انحطاط رتبته، ووقوع أبواب الخلل فيه، حتى إذا تأمل ذلك، وتأمل ما نذكره - من تفصيل إعجاز القرآن وفصاحته، وعجيب براعته - انكشف له واتضح، وثبت / ما وصفناه لديه ووضح، وليعرف حدود " البلاغة " ، ومواقع البيان " والبراعة " ووجه التقدم في " الفصاحة " .
-
وذكر الجاحظ في كتاب البيان والتبيين (٨) : أن الفارسي سئل، فقيل له: ما " البلاغة " ؟ فقال: معرفة الفصل من الوصل.
-
وسئل اليوناني عنها؟ فقال: تصحيح الأقسام، واختيار الكلام.
-
وسئل الرومي عنها؟ فقال: حسن الاقتضاب عند البداهة (٩) ، والغزازة يوم الاطالة.
- ج ٢ ص ١٢٧
وسئل الهندي عنها؟ فقال: وضوح الدلالة، وانتهاز الفرصة، وحسن الإشارة.
وقال مرة (١) : التماس حسن الموقع والمعرفة بساعات (٢) القول، وقلة الخرق بما (٣) التبس من المعاني، أو غمض وشرد من اللفظ وتعذر.
-
وزينته (٤) أن تكون الشمائل موزونة، والالفاظ معدلة، واللهجة نقية (٥) ، وأن (٦) لا يكلم سيد الأمة بكلام الأمة، ويكون في قواه فضل (٧) التصرف في كل طبقة ولا يدقق المعاني كل التدقيق، ولا ينقح الألفاظ كل التنقيح، و [لا] يصفيها كل التصفية، و [لا] يهذبها بغاية التهذيب (٨) .
-
وأما " البراعة " فهى فيما يذكر (٩) أهل اللغة: الحذق بطريقة الكلام وتجويده، وقد يوصف بذلك كل متقدم في قول أو صناعة.
-
وأما " الفصاحة " فقد اختلفوا فيها: فمنهم من عبر عن معناها بأنه: ما كان جزل اللفظ، حسن المعنى.
-
وقد قيل: معناها: الاقتدار على الإبانة عن المعاني الكامنة في النفوس، على عبارات جلية، ومعان نقية بهية.
-
* * * والذي يصور عندك ما ضمنا تصويره، ويحصل لديك (١٠) معرفته - إذا كنت في صنعة الأدب متوسطاً، وفى علم العربية متبينا (١١) - / أن تنظر أو لا في
ج ٢ ص ١٢٨في نظم القرآن، ثم في شئ من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فتعرف الفصل
بين النظمين، والفرق بين الكلامين.
-
فإن تبين لك الفصل، ووقعت على جلية الأمر وحقيقة الفرق - فقد أدركت الغرض، وصادفت المقصد.
-
وإن لم تفهم الفرق، ولم تقع (١) على الفصل - فلا بد لك من التقليد، وعلمت أنك من جملة العامة، وإن سبيلك سبيل من هو خارج عن أهل اللسان.