خطبة لقس بن ساعدة الإيادى
٥٨٥ فقرة، ج ٢ ص ١٥١
الصفحة ١٠ من ١٥
- ج ٢ ص ٢٠٨
/ والكلام في إظهار حكم هذه الآية وفوائدها يطول، ولم نضع كتابنا لهذا، وسبيل هذا أن نذكره في كتاب " معاني القرآن " إن سهل الله لنا إملاءه وجمعه.
-
فلم تنفك هذه الآية من الحكم التي تخلف حكمة الإعجاز في النظم والتأليف، والفائدة التي تنوب مناب العدول عن البراعة في وجه الترصيف.
-
فقد علم السائل أنه لم يأت بشئ، ولم يهتدِ للأغراض (٢) في دلالات الكلام، وفوائده ومتصرفاته، وفنونه ومتوجهاته.
-
وقد يتفق في الشعر ذكر الاسامي فيحسن موقعه، كقول أبى ذؤاب الاسدي (٣) : إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم * بعتيبةً بنِ الحارثِ بن شهابِ (٤) بأشدِّهم كلباً على أعدائه * وأعزِّهم فقداً على الأصحابِ (٥) وقد يتفق ذكر الأسامي، فيفسد النظم، ويقبح الوزن.
-
/ والآيات الأحكاميات التي لابد فيها من أمر (٦) البلاغة، يعتبر فيها من الألفاظ (٧) ما يعتبر في غيرها، وقد يمكن فيها، وكل موضع أمكن ذلك فقد وجد في القرآن في بابه ما ليس عليه مزيد في البلاغة وعجيب النظم.
-
ثم في جملة الآيات ما إن لم تراع البديع البليغ في الكلمات الإفراد والألفاظ الآحاد، فقد تجد ذلك مع تركب الكلمتين والثلاث، ويطرد ذلك في الابتداء، والخروج، والفواصل، وما يقع بين الفاتحة والخاتمة من الواسطة، أو باجتماع ذلك أو في
ج ٢ ص ٢٠٩بعض ذلك - ما يخلف الإبداع في أفراد الكلمات، وإن كانت الجملة والمعظم على ما سبق الوصف فيه.
-
وإذا عرف ما يجري إليه الكلام، وينهي إليه الخطاب، ويقف عليه الأسلوب، ويختص به القبيل - بأن عند أهل الصنعة تميز بابه، وانفراد سبيله، ولم يشك البليغ في انتمائه إلى الجهة التي ينتمي إليها، ولم يرتب الأديب البارع في انتسابه إلى ما عرف من نهجه.
-
وهذا كما يعرف طريقه مترسل في رسالته، فهو لا يخفى عليه بناء قاعدته
وأساسه، فكأنه يرى (١) أنه يعد عليه مجاري حركاته وأنفاسه.
-
/ وكذلك في الشعر (٢) واختلاف ضروبه، يعرف المتحقق به طبع كل أحد، وسبيل كل شاعر.
-
وفي " نظم القرآن " أبواب كثيرة لم نستوفها، وتقصِّيها يطول، وعجائبها لا تنقضي، فمنها الكلام [المغلق] (٣) والإشارات.
-
وإذا بلغ الكلام من هذا القبيل مبلغاً ربما زاد الإفهام به على الإيضاح، أو ساوى مواقع التفسير والشرح، مع استيفائه شرطه - كان النهاية في في معناه.
-
وذلك كقوله: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ، لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنا، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (٤) .
-
فصول هذه الآية وكلماتها على ما شرحنا من قبل (٥) البلاغة واللطف في التقدم، وفي تضمن هذا الأمر العظيم، والمقام الكريم.
-
ويتلو هذه قوله: (وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ، وَجَعَلْنَاهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ) (٦) هذا خروج لو كان في غير هذا الكلام لتصور في / صورة المنقطع، وقد تمثل في هذا النظم لبراعته وعجيب أمره وموقع ما لا ينفك منه القول (٧) .
- ج ٢ ص ٢١٠
وقد يتبرأ الكلام المتصل بعضه من بعض، ويظهر عليه التثبيج (١) والتباين، للخلل الواقع في النظم.
-
وقد تصور هذا الفصل للطفه وصلاً، ولم يبن عليه تميز الخروج.
-
ثم انظر كيف أجرى هذا الخطاب إلى ذكر نوح، وكيف أثنى عليه؟ وكيف تليق صفته بالفاصلة ويتم النظم بها، مع خروجها مخرج البروز من الكلام الأول، إلى ذكره، وإجرائه إلى مدحه بشكره، وكونهم من ذريته يوجب عليهم أن يسيروا بسيرته، وأن يستنوا بسنته، في أن يشكروا كشكره، ولا يتخذوا من دون الله وكيلاً، وأن يعتقدوا تعظيم تخليصه إياهم من الطوفان، لما (٢) حملهم عليه ونجّاهم فيه، حين أهلك من عداهم به، وقد عرفهم أنه إنما يؤاخذهم بذنوبهم وفسادهم، فيما سلط عليهم من قبلهم وعاقبهم، ثم عاد عليهم بالأفضال والإحسان، حتى يتذكروا ويعرفوا قدر نعمة الله عليهم وعلى نوح الذي ولدهم وهم من ذريته، فلما عادوا إلى جهالتهم، وتمردوا في طغيانهم، عاد عليهم بالتعذيب.
-
/ ثم ذكر الله عز وجل في ثلاث آيات بعد ذلك معنى هذه القصة التي كانت لهم، بكلمات قليلة في العدد، كثيرة الفوائد، لا يمكن شرحها إلا بالتفصيل الكثير، والكلام الطويل.
-
ثم لم يخل تضاعيف الكلام مما ترى من الموعظة، على أعجب تدريج، وأبدع تأريج (٣) ، بقوله: (إن أحسنتم أَحْسَنْتُم لإِنْفُسِكُمْ، وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) (٤) .
-
ولم ينقطع بذلك [نظام] (٥) الكلام، وأنت ترى الكلام يتبدد مع اتصاله، وينتشر مع انتظامه، فكيف بإلقاء ما ليس منه في أثنائه، وطرح ما يعدوه (٦)
-
في أدراجه؟ إلى أن خرج إلى قوله: (عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ، وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا) (٧) يعني: إن عدتم إلى الطاعة عدنا إلى العفو.
- ج ٢ ص ٢١١
ثم خرج خروجاً آخر إلى ذكر القرآن.
-
وعلى هذا فقس بحثك عن (١) شرف الكلام، وماله من علو الشأن، لا يطلب مطلباً إلا انفتح، ولا يسلك قلباً إلا انشرح، ولا / يذهب مذهباً إلا استنار وأضاء، ولا يضرب مضرباً إلا بلغ فيه السماء، لا تقع منه على فائدة فقدرت أنها أقصى فوائدها - إلا قصرت، ولا تظفر بحكمة فظننت أنها زبدة حكمها - إلا وقد أخللت.
-
* * * إن الذي عارض القرآن بشعر امرئ القيس لاضل من حمار باهلة (٢) ، وأحمق من هبنقة (٣) .
-
لو كان شعره كله كالابيات المختارة التى قدمناها، لاوجب البراءة منه (٤) قوله: وسِنَّ كُسَّنْيقٍ سناء وسُنَّماً * ذعَرْتُ بِمْدلاجِ الهجيز نهوض (٥)
قال الاصمعي: لا أدرى ما السن، ولا السنيق، ولا السنم؟ ! وقال بعضهم: السنيق: أكمة.
- ج ٢ ص ٢١٢
/ وقال فيها: له قصريا عير وساقا نعامة * كفحل الهجان القيسري العضوض (١) وقوله: عصافيرٌ وُذَّبانٌ ودود * وأجرأ من مجلحة الذئاب (٢) وزاد في تقبيح ذلك وقوعه في أبيات فيها: فقد طوّفتُ في الآفاق حتى * رضيتُ من الغنيمة بالاياب وكل مكارم الاخلاق صارت * إليه همتي وبها اكتسابي (٣) وكقوله في قصيدة قالها في نهاية السقوط:
أزْمانَ فوها كلما نبهتها * كالمسك فاح وظل في الفدَّام (٤) أفلا ترى أظعانهن بواكراً * كالنخل من شَوْكانَ حين صرام (٥) / وكأن شاربَها أصاب لسانَه * مُوم يخالط جسمَه بِسقَام (٦) وكقوله: لم يفعلوا فعلَ آلِ حنظلةَ * إِنَّهمُ جَيْر بئسما ائتمروا (٧)
- ج ٢ ص ٢١٣
لا حِمْيَرِيّ وفى ولا عَدَسٌ * ولا استُ عير يحكُّها الثَّفَرُ (١) إن بني عوفٍ ابتَنَوا حسباً * ضيعه الدخللون إذ غدروا (٢)
-
/ وكقوله: أبلغ شهابا [بل] وأبلغ عاصما * [ومالكا] هل أتاك الخُبْرُ مالِ (٣) أنا تركنا مِنكُمُ قتلى بخو * عى وسبيا كالسعالى (٤) يمشين بين رحالنا مع * ترفات بجوع وهزال * * * ولم يقع مثل ذلك له وحده، فقد قال الأعشى: فأَدخَلكَ اللَّهُ بردَ الجِنا * نِ جذلانَ في مَدْخَلٍ طيِّب (٥) وقال أيضاً: فرميت غفلة عينه عن شاته * فأصبت حية قلبها وطِحالِها (٦) وقال في فرسه: ويأمرُ لليَحْمُوم كل عشية * بقت وتعليق فقد كاد ينسق (٧)
- ج ٢ ص ٢١٤
/ وقال: شاوٍ مِشَلّ شَلُولٌ شُلْشُلٌ شَوِلُ (١) وهذه الألفاظ في معنى واحد.
-
وقد وقع لزهير نحوه كقوله: فأقسمت جهداً بالمنازل من منى * وما سحفت فيه المقاديم والقمل (٢) كيف يقول (٣) هذا في قصيدة يقول فيها: وهل ينُبت الخَطِّي إلا وشيجه، وتغرسُ إلا في منابتها النخل (٤) / وكقول الطِّرماح: سوف تدنيك من لميسَ سبنتا * ة امارتْ بالبول ماء الكراض (٥) السبنتاة: الناقة الصلبة.
-
والكراض: ماء الفحل، أسالت ماء الفحل مع البول، فلم تعقد عليه، ولم تحمل، فتضعف والمائر: السائل.
- ج ٢ ص ٢١٥
فإن قال قائل: أجدك تحاملت على امرئ القيس، ورأيت أن شعره يتفاوت بين اللين والشراسة، وبين اللطف والشكاسة، وبين التوحش والاستئناس، والتفاوت والتباعد، ورأيت الكلام الأعدل أفضل، والنظام المستوثق (١) أكمل، وأنت تجد البحتري يسبق (٢) في هذا الميدان، ويفوت الغاية في هذا الشأن، وأنت ترى (٣) الكتاب يفضلون كلامه على كل كلام، ويقدمون رأيه في البلاغة على كل رأي، وكذلك تجد (٤) لأبي نواس من بهجة اللفظ، ودقيق المعنى / ما يتحير فيه أهل الفضل (٥) ، ويقدمه الشطار والظراف
على كل شاعر، ويرون لنظمه روعة لا يرون لنظم غيره * وزبرجاً لا يتفق لسواه، فكيف يعرف فضل ما سواه عليه؟ فالجواب: أن الكلام في أن الشعر لا يجوز أن (٦) يوازن به القرآن قد تقدم.
-
وإذ كنا قد بينا أن شعر امرئ القيس - وهو كبيرهم الذي يقرون بتقدمه، وشيخهم الذي يعترفون بفضله، وقائدهم الذي يأتمون به (٧) ، وإمامهم الذي يرجعون إليه - كيف سبيله، وكيف (٨) طريق [سقوط] (٩) منزلته عن منزلة نظم القرآن، وأنه لا يلحظ (١٠) بشعره غبار ذلك، وهو إذا لحظ ذلك كان كما قال (١١) .
-
فأصبحتُ من ليلى الغداة كناظرٍ * مع الصبح في إعجازِ نجمٍ مُغَرِّبِ (١٢) / وكما قال أيضاً: راحت مُشَرِّقَةً ورُحْتُ مغرِباً * فمتى التقاءُ مُشَرِّقٍ ومغرب
ج ٢ ص ٢١٦وإذا كنا قد أبنا في القاعدة ما علمت، وفصلنا لك في شعره ما عرفت - لم نحتج إلى أن نتكلم على شعر [كل] (١) شاعر، وكلام بليغ، والقليل يدل على الكثير.
-
وقد بينا - في الجملة - مباينة أسلوب نظم القرآن جميع الأساليب، ومزيته عليها في النظم والترتيب، وتقدمه عليها في (٢) كل حكمة وبراعة، ثم تكلمنا على التفصيل - على ما شاهدت (٣) - فلا يبقى علينا بعد ذلك سؤال.
-
ثم نقول: أنت تعلم أن من يقول بتقدم البحتري في الصنعة، به من الشغل في تفضيله على ابن الرومي أو تسوية ما بينهما ما لا يطمع معه في تقديمه على امرئ القيس ومن طبقته.
-
كذلك أبو نواس، إنما يعدل شعره بشعر أشكاله، ويقابل كلامه بكلام أضرابه من أهل عصره.
-
، وإنما يقع بينهم التباين اليسير، والتفاوت القليل.
-
فأما أن يظن ظان، أو يتوهم متوهم أن جنس الشعر معارض / لنظم (٤) القرآن (فَكَأََنَّما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) (٥) .
-
وإنما هي خواطر يغير بعضها على بعض، ويقتدي فيها بعض ببعض، والغرض الذي يرمي إليه، ويصح (٦) التوافي عليه، في الجملة، فهو قبيل متداول، وجنس متنازع، وشريعة مورودة، وطريقة مسلوكة.