خطبة لقس بن ساعدة الإيادى

٥٨٥ فقرة، ج ٢ ص ١٥١

الصفحة ٩ من ١٥

  1. وكقوله: (تَبَارَكَ الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نَذِيراً.

    ج ٢ ص ٢٠١
  2. الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَمَواتِ وَالأَرْضِ، وَلَمَ يَّتخِذْ وَلَداً، وَلَمْ يَكُنْ / لَّهُ شَريكٌ فِي الملك، وخلق كل شئ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً) (٧) .

  3. وكقوله: (تَبَارَكَ الَّذِي بيدِهِ الْمُلْكُ وهو على كل شئ قَدِيرٌ) (٨) ، إلى آخرها.

  4. وكقوله: (وَالصَّافَّاتِ صَفَّا، فَالزَّاجِرَاتِ زجرا، فالتاليات ذكرا،

    ج ٢ ص ٢٠٢إِنَّ إِلهَكُم لَوَاحِدٌ، رَّبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ، إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ، وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ، لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَى المَلأ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، دُحُوراً، وَلَهُم عَذَابٌ وَاصِبٌ، إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ) (١) .

  5. هذه من الآيات التى قال فيها الله تعالى ذكره: (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً متشابها مثاني، تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر اللَّهِ، ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدي بِهِ مَنْ يَشَاءُ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لُهُ مِنْ هاد) (٢) .

  6. [ارفع طرف قلبك] (٣) ، وانظر بعين عقلك، وراجع جلية بصيرتك، إذا تفكرت في كلمة كلمة مما نقلناه إليك، وعرضناه / عليك، ثم فيما ينتظم من الكلمات، ثم إلى أن يتكامل فصلاً وقصة، أو يتم حديثا وسورة.

  7. لا، بل فكر في جميع القرآن على هذا الترتيب، وتدبره على نحو هذا التنزيل، فلم ندع ما ادعيناه لبعضه، ولم نصف ما وصفنا (٤) إلا في كله، وإن كانت الدلالة في البعض أبين وأظهر، والآية أكشف وأبهر.

  8. وإذا تأملت على ما هديناك إليه، ووقفناك عليه، فانظر هل تجد وقع (٥) هذا النور في قلبك، واشتماله على لبك، وسريانه في حسك، ونفوذه في عروقك، وامتلاءك به إيقاناً وإحاطة، واهتداءك به إيماناً وبصيرة؟ أم هل تجد الرعب يأخذ منك مأخذه من وجه، والهزة تعمل في جوانبك (٦) من لون، والأريحية تستولي عليك من باب؟ وهل تجد الطرب يستفزك للطيف ما فطنت له، والسرور يحركك من

    عجيب ما وقفت عليه، وتجد في نفسك من المعرفة التي حدثت لك - عزة، وفى أعطافك ارتياحاً وهزة، وترى لك في الفضل تقدماً وتبريزاً، وفي اليقين سبقاً وتحقيقاً، وترى مطارح الجهال تحت / أقدام الغفلة، ومهاويهم

    ج ٢ ص ٢٠٣في ظلال (١) القلة والذلة، وأقدارهم بالعين التي يجب أن تلحظ بها، ومراتبهم بحيث يجب (٢) أن ترتبها؟ هذا كله في تأمل الكلام ونظامه، وعجيب معانيه وأحكامه.

  9. فإن جئت إلى ما انبسط في العالم من بركته وأنواره، وتمكن في الآفاق من يمنه وأضوائه، وثبت في القلوب من إكباره واعظامه، وتقرر في النفوس من حتم أمره ونهيه، ومضى في الدماء (٣) من مفروض حكمه، وإلى أنه جعل عماد (٤) الصلاة التي هي تلو الإيمان في التأكيد، وثانية التوحيد في الوجوب.

  10. وفرض (٥) حفظه، ووكل الصغار والكبار بتلاوته، وأمر عند افتتاحه بما أمر به لتعظيمه، من قوله: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (٦) لم يؤمر بالتعوذ لافتتاح أمر كما أمر به لافتتاحه، فهل يدلك هذا على عظيم شأنه، وراجح ميزانه، وعالي مكانه.

  11. وجملة الأمر أن نقد الكلام شديد، وتمييزه صعب.

  12. ومما كتب إليَّ الحسن بن عبد الله العسكري: [قال] (٧) أخبرني / أبو بكر

    ابن دريد قال: سمعت أبا حاتم يقول: سمعت الاصمعي يقول: فرسان الشعر (٨) أقل من فرسان الحرب.

    وقال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: العلماء بالشعر أعزّ من الكبريت الاحمر.

  13. وإذا كان الكلام المتعارف المتداول بين الناس، يشق تمييزه، ويصعب نقده، ويذهب عن محاسنه الكثير (٩) ، وينظرون إلى كثير من قبيحه بعين الحسن، وكثير من حسنه بعين القبح، ثم يختلفون في الأحسن منه اختلافاً كثيرا، وتتباين آراؤهم في تفضيل ما يفضل منه - فكيف لا يتحيرون فيما لا يحيط به علمهم، ولا يتأتى في مقدورهم، ولا يمثل بخواطرهم؟ وقد حير القوم الذين لم يكن أحد أفصح منهم.

  14. ولا أتم بلاغة، ولا أحسن براعة، حتى دهشوا حين ورد عليهم، وولهت عقولهم، ولم يكن عندهم فيه جواب غير ضرب الأمثال، والتخرص (١) عليه، والتوهم فيه، وتقسيمه أقساماً، وجعله عضين.

    ج ٢ ص ٢٠٤
  15. وكيف لا يكون أحسن الكلام، وقد قال الله تعالى: (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً متشابها مثاني، تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر اللَّهِ، ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ / يَهْدي بِهِ مَنْ يَشَاءُ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لُهُ مِنْ هاد) (٢) .

  16. استغنم فهم هذه الآية، وكفاك، استفد علم هذه الكلمات، وقد أغناك، فليس يوقف على حسن الكلام بطوله، ولا تعرف براعته بكثرة فصوله، إن القليل يدل على الكثير، والقريب قد يهجم بك على البعيد.

  17. ثم إنه سبحانه وتعالى لما علم من عظم شأن هذه المعرفة، وكبر محلها (٣) ، وذهابها على أقوام - ذكر في آخر هذه الآية ما ذكر، وبيّن ما بيّن، فقال: (ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يهدى به من يشاء) .

  18. فلا تعلم (٤) ما وصفنا لك إلا بهداية من العزيز الحميد، وقال: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لُهُ مِنْ هَادٍ) وقال: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً) (٥) .

  19. وقد بسطنا لك القول رجاء افهامك.

  20. وهذا " المنهاج " الذي رأيته، إن سلكته، يأخذ بيدك، ويدلك على رشدك، ويغنيك عن (٦) ذكر براعة (٧) آية آية لك.

  21. واعلم أنا لم نقصد فيما سطرناه من الآيات، وسميناه من السور / والدلالات، ذكر الأحسن (٨) والأكشف والأظهر، لأنا نعتقد في كل سورة ذكرناها أو (٩) أضربنا عن ذكرها اعتقاداً واحداً في الدلالة على الإعجاز، والكفاية في التمنع والبرهان.

  22. ولكن لم يكن بد من ذكر بعض، فذكرنا ما تيسر، وقلنا فيما اتجه

    ج ٢ ص ٢٠٥في الحال وخطر، وإن كنا نعتقد أن الاعجاز في بعض القرآن أظهر، وفى بعضه (١) أدق وأغمض.

  23. والكلام في هذا الفصل يجئ بعد هذا.

  24. فاحفظ عنا في الجملة ما كررنا، والسير بعد ذلك في التفصيل إليك، وحصل ما أعطيناك من العلامة، ثم النظر عليك.

  25. * * * قد اعتمدنا على أن الآيات تنقسم إلى قسمين: أحدهما: ما يتم بنفسه، أو بنفسه وفاصلته، فينير في الكلام إنارة النجم في الظلام.

  26. والثاني: ما يشتمل على كلمتين أو كلمات، إذا تأملتها وجدت كل كلمة منها في نهاية البراعة، وغاية البلاغة.

  27. وإنما يبين ذلك بأن تتصور هذه الكلمة مضمنة بين أضعاف كلام كثير، أو خطاب طويل، فتراها ما بينها (٢) تدل على نفسها، / وتعلو على ما قرن بها (٣) لعلو جنسها، فإذا ضمت إلى أخواتها، وجاءت في ذواتها، أرتك القلائد منظومة، كما كانت تريك - عند تأمل الإفراد منها - اليواقيت منثورة، والجواهر مبثوثة (٤) .

  28. ولولا ما أكره من تضمين القرآن في الشعر لانشدتك ألفاظاً وقعت مضمنة، لتعلم كيف تلوح (٥) عليه، وكيف ترى بهجتها في أثنائه، وكيف تمتاز منه، حتى أنه لو تأمله من لم يقرأ القرآن لتبين أنه أجنبي من الكلام الذي تضمنه، والباب الذي توسطه، وأنكر مكانه، واستكبر موضعه.

  29. ثم تناسبها في البلاغة والإبداع، وتماثلها في السلاسة والإغراب، ثم انفرادها بذلك الأسلوب، وتخصصها بذلك الترتيب، ثم سائر ما قدمنا ذكره، مما نكره إعادته.

  30. وأنت ترى غيره من الكلام يضطرب في مجاريه، ويختل تصرفه في معانيه،

    ج ٢ ص ٢٠٦ويتفاوت التفاوت الكثير في طرقه، ويضيق به النطاق في مذاهبه، ويرتبك (١) في أطرافه وجوانبه، ويسلمه للتكلف (٢) الوحش كثرة تصرفه، ويحيله على التصنع الظاهر موارد تنقله وتخلصه.

  31. / ونظم القرآن في مؤتلفه ومختلفه، وفي فصله ووصله، وافتتاحه واختتامه، وفي كل نهج يسلكه، وطريق يأخذ فيه، وباب يتهجم عليه، ووجه يؤمه، على ماو صفه الله تعالى به - لا يتفاوت، كما قال: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فِيهِ اختِلاَفَاً كَثِيراً) (٣) .

  32. ولا يخرج عن تشابهه وتماثله، كما قال: (قُرْآنَاً عَرَبِياً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ) (٤) .

  33. وكما قال: (كِتَاباً مُتَشَابِهاً) (٥) ولا يخرج عن إبانته، كما قال: (بِلسَانٍ عَرَبيًّ مُبِينٌ) (٦) .

  34. وغيره من الكلام كثير التلون، دائم التغير، [والتنكر] (٧) ، يقف بك على بديع مستحسن، ويعقبه بقبيح (٨) مستهجن، ويطلع عليك بوجه الحسناء، ثم يعرض للهجر بخد القبيحة الشوهاء، ويأتيك باللفظة المستنكرة بين الكلمات التى هي كاللآلئ الزهر.

  35. وقد يأتيك باللفظة الحسنة بين الكلمات البهم، وقد يقع إليك منه الكلام المثبج (٩) ، والنظم المشوش، والحديث المشوه.

  36. وقد تجد منه ما لا يتناسب ولا يتشابه، ولا يتآلف ولا يتماثل / وقد قيل في وصف ما جرى هذا المجرى: وشعر كبَعْرِ الكبش فَرّقَ بينه * لسانٌ دعى في القريض دخيل (١٠)

    ج ٢ ص ٢٠٧وقال آخر:

    وبعضُ قريضِ القوم أولادُ عَلْةٍ * يكد لسان الناطق المتحفظ (١) فإن قال قائل: فقد نجد في آيات [من] (٢) القرآن ما يكون نظمه بخلاف ما وصفت، ولا تتميز الكلمات بوجه البراعة، وإنما تكون البراعة عندك منه في مقدار يزيد على الكلمات المفردة، وحد يتجاوز حد الالفاظ المستندة، وإن كان الأكثر على ما وصفته به؟ / قيل له: نحن نعلم أن قوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ) ، إلى آخر الآية - ليس من القبيل الذي يمكن إظهار البراعة فيه، وإبانة الفصاحة [عليه] (٣) وذاك يجري عندنا مجرى ما يحتاج إلى ذكره من الأسماء والألقاب، فلا يمكن إظهار البلاغة (٤) فيه، فطلبها في نحو هذا ضرب من الجهالة.

  37. بل الذي يعتبر في نحو ذلك تنزيل الخطاب، وظهور الحكمة في الترتيب والمعنى، وذلك حاصل في هذه الآية - إن تأملت.

  38. ألا ترى أنه بدأ بذكر الأم، لعظم حرمتها، وإدلائها بنفسها، ومكان بعضيتها، فهي أصل لكل من يدلى بنفسه منهن، ولانه (٥) ليس في ذوات الانساب أقرب منها.

  39. ولما جاء إلى ذوات الأسباب، ألحق بها (٦) حكم الام من الرضاع، لان

    ج ٢ ص ٢٠٨اللحم ينشره اللبن بما يغذوه، فيتحصل بذلك أيضاً لها حكم البعضية، فنشر (١) الحرمة بهذا المعنى، وألحقها بالوالدة.

  40. وذكر الأخوات من الرضاعة، فنبه بها على كل من يدلي بغيرها، وجعلها تلو الأم من الرضاع.