خطبة لقس بن ساعدة الإيادى
٥٨٥ فقرة، ج ٢ ص ١٥١
الصفحة ١٢ من ١٥
- ج ٢ ص ٢٢٤
ثم في المعنى شئ، لأن لجاج العذل لا يدل على هوى مجهول، ولو كان مجهولاً لم يهتدوا للعذل عليه.
-
فعلم أن المقصد استجلاب العبارات دون المعاني.
-
/ ثم لو سلم من هذا الخلل لم يكن في البيت معنى بديع، ولا شئ يفوت قول الشعراء في العذل، فإن ذلك جملهم الذلول، وقولهم المكرر [المقول] (٣) * * * وأما قوله:
ماذا عليك من انتظارٍ متَّيمٍ * بل ما يضرُّك وقفة في منزل إن سيل عيّ عن الجواب فلم يُطِق * رجعاً، فكيف يكون إن لم يسأل؟ ! لست أنكر حسن البيتين وظرفهما، ورشاقتهما ولطفهما، وماءهما وبهجتهما، إلا أن البيت الأول منقطع عن الكلام المتقدم ضرباً من الانقطاع، لأنه لم يجر لمشافهة العاذل ذكر، وإنما جرى ذكر العذال على وجه لا يتصل هذا البيت به ولا يلائمه (٤) .
-
ثم الذي ذكره من الإنتظار - وإن كان مليحا في اللفظ - فهو في
ج ٢ ص ٢٢٥المعنى متكلف، لأن الواقف في الدار لا ينظر أمرا، وإنما يقف تحسرا وتلددا (١) وتحيراً.
-
/ والشطر الأخير من البيت واقع، والأول مستجلب، وفيه تعليق على أمر لم يجر له ذكر، لأن وضع البيت يقتضي تقدم عذل على الوقوف، ولم يحصل ذلك مذكوراً في شعره من قبل.
-
وأما البيت الثاني، فإنه معلق بالأول، لا يستقل إلا به، وهم يعيبون وقوف البيت على غيره، ويرون أن البيت التام هو المحمود، والمصراع التام بنفسه - بحيث
لا يقف على المصراع الآخر - أفضل وأتم وأحسن.
-
وقوله: " فكيف يكون إن لم يسأل " ، مليح جداً، ولا تستمر (٢) ملاحة ما قبله عليه، ولا يطرد فيه الماء اطراده فيه.
-
وفيه شئ آخر، لانه لا يصح (٣) أن يكون السؤال سبباً لأن يعيا عن الجواب، وظاهر القول يقتضيه.
-
* * * فأما قوله: لا تكلفن لي الدموع فإن لي * دمعاً ينمُّ عليه إن لم يفضُل (٤) ولقد سكنتُ إلى الصدود من النوى * والشرى أرى عند أكل الحنظل (٥) / وكذاك طَرْفَةُ حين أوجس ضربةً * في الرأس هان عليه فصد الاكحل (٦)
- ج ٢ ص ٢٢٦
فالبيت الأول مخالف لما عليه مذهبهم، في طلب الإسعاد (١) بالدموع، والإسعاف بالبكاء، ومخالف لأول كلامه، لأنه يفيد مخاطبة العذل، وهذا يفيد مخاطبة الرفيق.
-
وقد بينت لك أن القوم يسلكون حفظ الألفاظ وتصنيعها، دون ضبط المعاني وترتيبها، ولذلك (٢) قال الله عز وجل: (وَالْشُّعَرَاءَ يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل وَادٍ يَهِيمُونَ /.
-
وَأَنَّهُمْ يَقُولُون مَا لاَ يَفْعَلُونَ) (٣) فأخبر سبحانه أنهم يتبعون القول حيث توجه بهم، واللفظ كيف أطاعهم، والمعاني كيف تتبع ألفاظهم.
-
وذلك خلاف ما وضع عليه الإبانة عن المقاصد بالخطاب، ولذلك كان طلب الفصاحة فيه أسهل وأمكن، فصار بهذا أبلغ خطابهم.
-
ثم لو أن هذا البيت وما يتلوه من البيتين سلم من نحو هذا، لم يكن في ذلك شئ يفوت شعر شاعر، أو كلام متكلم.
-
وأما قوله: " والشرى أرى " ، فإنه وإن كان قد تصنع له من جهة الطباق، ومن جهة التجنيس المقارب، فهي كلمة ثقيلة على اللسان، وهم يذمون نحو هذا، كما عابوا على أبي تمام قوله: كريمٌ متى أمدحْهُ أمدحه والورى * معى، ومتى مالمته لمته وحدي (٤) ذكر لى الصاحب [إسماعيل] (٥) بن عباد، أنه جارى أبا الفضل بن العميد في محاسن [هذه] (٥) القصيدة، حتى انتهى إلى هذا البيت، فذكر له في أن قوله: " أمدحه أمدحه، معيب، لثقله من جهة تدارك حروف الحلق.
- ج ٢ ص ٢٢٧
ثم رأيت بعد ذلك المتقدمين قد تكلموا في هذه النكتة، فعلمت أن ذلك شئ عند أهل الصنعة معروف.
-
/ ثم أن قوله: " عند أكل الحنظل " ، ليس بحسن ولا واقع.
-
وأما البيت الثالث، فهو أجنبي من كلامه، غريب في طباعه، نافر من جملة شعره، وفيه كزازة وفجاجة، وإن كان المعنى صالحاً.
-
* * * فأما قوله: وأغرّ في الزمن البهيم محجّل * قد رحتُ منه على أغرَّ مُحَجَّل (١) كالهيكل المبنيِّ إلا أنَّه * في الحسن جاء كصورةٍ في هيكل فالبيت الأول لم يتفق له فيه خروج حسن، بل هو مقطوع عما سلف من الكلام.
-
وعامة خروجه نحو هذا، وهو غير بارع في هذا الباب، وهذا مذموم معيب منه، لأن (٢) من كان صناعته الشعر، وهو يأكل به، وتغافل عما يدفع (٣) إليه في كل قصيدة، واستهان بأحكامه وتجويده، مع تتبعه لان (٤) يكون عامة ما به يصدر أشعاره من النسيب عشرة أبيات، وتتبعه للصنعة الكثيرة، وتركيب العبارات، وتنقيح الألفاظ وتزويرها - كان ذلك أدخل في عيبه، وأدل على
تقصيره أو قصوره، وإنما (٥) يقع له الخروج [الحسن في مواضع يسيرة /.
-
وأبو تمام أشد تتبعا لتحسين الخروج] (٦) منه.
-
وأما قوله: " وأغر في الزمن البهيم محجل " ، فإن ذكر التحجيل في الممدوح قريب، وليس بالجيد، وقد يمكن أن يقال: إنه إذا قرن بالأغر حسن، وجرى مجراه، وانخرط في سلكه، وأهوى إلى مضماره، ولم ينكر لمكانه من جواره.
-
فهذا عذر، والعدول عنه أحسن.
- ج ٢ ص ٢٢٨
وإنما أراد أن يرد العجز على الصدر، ويأتى بوجه [في] (١) التجنيس.
-
وفيه شئ، لأن ظاهر كلامه يوهم أنه قد صار ممتطيا (٢) الأغر الأول ورائحاً عليه.
-
ولو سلم من ذلك لم يكن فيه ما يفوت حدود الشعراء، وأقاويل الناس.
-
فأما ذكر الهيكل في البيت الثاني، ورده عجز البيت عليه، وظنه أنه قد ظفر بهذه اللفظة وعمل شيئاً، حتى كررها، فهي كلمة فيها ثقل، ونحن نجدهم إذا أرادوا أن يصفوا بنحو (٣) هذا قالوا: " ما هو إلا صورة " ، و " ما هو إلا تمثال " ، و " ما هو إلا دمية " ، و " ما هو إلا ظبية " ، ونحو ذلك من الكلمات الخفيفة على القلب واللسان.
-
/ وقد استدرك (٤) هو أيضاً على نفسه، فذكر أنه كصورة في هيكل، ولو اقتصر على ذكر الصورة وحذف الهيكل، كان أولى وأجمل.
-
ولو أن هذه الكلمة كررها أصحاب العزائم على الشياطين، لراعوهم بها، وأفزعوهم بذكرها! وذلك من كلامهم، وشبيه بصناعتهم (٥) .
-
* * * وأما قوله: وافي الضُّلوع يشدُّ عقد حزامه * يوم اللقاء على مُعِم مُخْول أخوالُه للرستمين بفارس * وجدوده للتبعين بموكل نبل المحزم مما يمدح به الخيل، فهو لم يأت فيه ببديع.
-
وقوله: " يشد عقد حزامه " ، داخل في التكلف والتعسف، لا يقبل من مثله وإن قبلناه من غيره، لأنه يتتبع الألفاظ وينقدها نقداً شديداً، فهلاَّ قال: " يشد (٦) حزامه " ، أو يأتي بحشو آخر سوى العقد؟ فقد عقد هذا البيت بذكر العقد.
-
ثم قوله: " يوم اللقاء " ، حشو آخر لا يحتاج إليه.
- ج ٢ ص ٢٢٩
وأما البيت الثاني فمعناه أصلح من ألفاظه، لأنها غير مجانسة لطباعه، وفيها
غلظ ونفار.
-
/ وأما قوله: يهوي كما تهوي العقابُ وقد رأت * صيدا وينتصب انتصاب الأَجْدَل (١) متوجِسٌ برقيقتين كأنما * تُريان من ورق عليه مُوَصَّل (٢) ما إن يُعاف قَذى، ولو أوردته * يوماً خلائق حَمْدَوَيه الأحول (٣) البيت الأول صالح، وقد قاله الناس ولم يسبق إليه، ولم يقل ما لم يقولوه، بل هو منقول.
-
وفي سرعة عدو الفرس تشبيهات ليس هذا بأبدعها، وقد يقولون: " يفوت الطرف " ، و " يسبق الريح " ، و " يجارى الوهم " و " يكد (٤) النظر " ولولا أن الإتيان على محاسن ما قالوه في ذلك يخرج الكلام عن غرض الكتاب، لنقلت (٥) لك جملة مما ذهبوا إليه في هذا المعنى.
-
فتتبع تعلم أنه لم يأت فيها بما يجل عن الوصف، أو يفوت منتهى الحد.
-
على أن الهوى يذكر عند الانقضاض خاصة، وليس للفرس هذه الصفة في الحقيقة، إلا أن يشبه حده (٦) في العدو بحالة انقضاض البازي والعقاب، وليست تلك الحالة بأسرع أحوال طيرانها.
-
وأما البيت الثاني فقوله: إن الأذنين كأنهما من ورق موصل، وإنما أراد
ج ٢ ص ٢٣٠بذلك حدتهما، وسرعة حركتهما، وإحساسهما بالصوت، كما يحس الورق بحفيف الريح، وظاهر التشبيه غير واقع، وإذا ضمن ما ذكرنا من المعنى كان المعنى حسناً، ولكن لا يدل عليه اللفظ، وإنما يجري مجرى المضمن.
-
وليس هذا البيت برائق اللفظ، ولا مشاكل فيه لطبعه، غير (١) قوله: " متوجس برقيقتين " ، فإن هذا القدر هو حسن (٢) .
-
وأما البيت الثالث، فقد ذكرنا فيما مضى من الكتاب أنه من باب الاستطراد (٣) ونقلنا نظائر ذلك من قول أبي تمام وغيره، وقطعة أبي تمام في نهاية الحسن في هذا المعنى.