خطبة لقس بن ساعدة الإيادى

٥٨٥ فقرة، ج ٢ ص ١٥١

الصفحة ١٣ من ١٥

  1. / والذي وقع للبحتري في هذا البيت عندي (٤) ليس بجيد في لفظ ولا معنى، وهو بيت وحش جداً، قد صار قذى في عين هذه القصيدة، بل وخزاً فيها ووبالا عليها، قد كدَّر صفاءها، وأذهب بهاءها وماءها، وطمس بظلمته سناءها.

    ج ٢ ص ٢٣٠
  2. وما وجه مدح الفرس بأنه لا يعاف قذى من المياه إذا وردها؟ ! كأنه أراد أن يسلك مسلك بشار في قوله: * ولا يشربُ الماء إلا بدم (٥) * وإذا كان لهذا الباب مجانبا، وعن هذا السمت بعيدا، فهلا وصفها بعزة الشرب؟ كما وصفها المتنبي في قوله: وَصُولُ إلى المستصعبات بخيلةٍ * فلو كان قرن الشمس ماء لا وردا (٦) وهلا (٧) سلك في مسلك القائل:

    وإني للماء الذي شابه القذَى * إذا كثرت وراده لعيوف؟ ! (٨)

  3. ثم قوله: " ولو أوردته يوماً " ، حشو بارد! ! ثم قوله: " حمدويه الأحول " ، وحش جداً، فما أمقت هذا / البيت وأبغضه، وما أثقله وأسخفه! وإنما غطى على عينه عيبه، وزين له إيراده طمعه في الاستطراد (١) ، وهلاَّ طمع فيه على وجه لا يغض من بهجة كلامه، ولا معنى (٢) ألفاظه؟ ! فقد كان يمكن ذلك ولا يتعذر.

    ج ٢ ص ٢٣١
  4. * * * وأما قوله: ذَنَبٌ كما سُحب الرداء يذُبُّ عن * عُرْفٍ وعرف كالقناع المُسْبَل تتوهم الجوزاءُ في أرساغه * والبدر فوق جبينه المتهلل فالبيت الأول وحش الابتداء، منقطع عما سبق من الكلام.

  5. وقد ذكرنا أنه لا يهتدي لوصل الكلام، ونظام بعضه إلى بعضه، وإنما يتصنع لغير هذا الوجه.

  6. وكان يحتاج أن يقول: ذنب كالرداء، فقد حذف (٣) [و] الوصل غير متسق ولا مليح، وكان من سبيله أن لا يخفى عليه، ولا يذهب عن مثله.

  7. ثم قوله: " كما سحب الرداء " ، قبيح في تحقيق التشبيه، وليس بواقع ولا مستقيم في العبارة، إلا على إضمار أنه ذنب يسحبه كما يسحب الرداء! / وقوله: " يذب عن عرف " ، ليس بحسن ولا صادق.

  8. والمحمود ما ذكره امرؤ القيس، وهو قوله: * فويق الأرض ليس بأعزل (٤) * وأما قوله: " تتوهم الجوزاء في أرساغه " ، فهو تشبيه مليح، ولكنه لم يسبق إليه، ولا انفرد به.

  9. ولو نسخت لك ما قاله الشعراء في تشبيه الغرة بالهلال والبدر والنجم وغير ذلك من الأمور، وتشبيه الحجول - لتعجبت من بدائع قد وقعوا عليها، وأمور مليحة قد ذهبوا إليها، وليس ذلك موضع كلامنا، فتتبع ذلك في أشعارهم، تعلم ما وصفت لك.

    ج ٢ ص ٢٣٢
  10. واعلم أنا تركنا بقية كلامه في وصف الفرس، لأنه ذكر عشرين بيتاً في ذلك.

  11. والذي ذكرناه في هذا المعنى يدل على ما بعده، ولا يعدو (١) ما تركناه أن يكون [حسنا مقولا، ولا بديعا منقولا، أو يكون] (٢) متوسطاً إلى حد لا يفوت طريقة الشعراء.

  12. / ولو تتبعت أقاويل الشعراء في وصف الخيل، علمت أنه وإن جمع فأوعى، وحشر فنادى، ففيهم من سبقه في ميدانه، ومنهم من ساواه في شأوه، ومنهم من داناه.

  13. فالقبيل واحد، والنسيج متشاكل.

  14. ولولا كراهة التطويل لنقلت جملة من أشعارهم في ذلك، لتقف على ما قلت.

  15. فتجاوزنا إلى الكلام على ما قاله في المدح في هذه القصيدة.

  16. * * * قال: لمحمد بن علي الشرفُ الذي * لا يلحظ الجوزاءَ إلا من علِ وسحابة لولا تتابع مُزْنِها * فينا لراح المزنُ غيرَ مُبَخَّل (٣) والجودُ يعذله عليه حاتمٌ * سرفاً ولا جودٌ لمن لم يعذل البيت الأول منقطع عما قبله، على ما وصفنا به شعره: من قطعه (٤)

  17. / المعاني، وفصله بينها، وقلة تأتيه لتجويد الخروج والوصل، وذلك (١) نقصان في الصناعة، وتخلف في البراعة، وهذا إذا وقع في مواضع قليلة عذر فيها، وأما إذا كان بناء الغالب من كلامه على هذا، فلا عذر له.

    ج ٢ ص ٢٣٣
  18. وأما المعنى الذى ذكره، فليس بشئ مما سبق إليه، وهو شئ مشترك فيه، وقد قالوا في نحوه: إن مجده سماء السماء، وقالوا في نحوه الكثير الذي يصعب نقل جميعه، وكما قال المتنبي: وعزمة بعثْتها همةٌ زُحَلٌ * من تحتها بمكان التُرب من زُحَلِ (٢) وحدثني إسماعيل بن عباد: أنه رأى (٣) أبا الفضل بن العميد قام لرجل، ثم قال لمن حضره: أتدري من هذا؟ هذا (٤) الذي قال في أبيه البحتري: * لمحمد بن على الشرف الذي (٥) * فذلك يدل على استعظامه للميت (٦) ، بما مدح به من البيت.

  19. / والبيت الثاني في تشبيه جوده بالسحاب قريب، وهو حديث مكرر، ليس ينفك مديح شاعر منه، وكان من سبيله أن يبدع فيه زيادة إبداع، كما قد يقع لهم لهم في نحو هذا، ولكنه لم يتصنع له، وأرسله إرسالاً.

  20. وقد وقع في المصراع الثاني ضرب من الخلل، وذلك: أن المزن إنما يبخل إذا منع نيله، وذلك (٧) موجود في كل نيل ممنوح، وكلاهما محمود مع الإسعاف، فإن أسعف أحدهما ومنع الآخر لم يمكن التشبيه، وإن كان إنما شبه غالب [حال] (٨) أحدهما بالآخر، وذكر قصور أحدهما عن صاحبه، حتى إنه قد يبخل في وقت

    ج ٢ ص ٢٣٤والآخر لا يبخل بحال - فهذا جيد، وليس في حمل الألفاظ على الإشارة إلى هذا شئ.

  21. والبيت الثالث، وإن كان معناه مكرراً، فلفظه مضطرب بالتأخير والتقديم، يشبه ألفاظ المبتدئين.

  22. وأما قوله: فضلٌ وإفضال وما أخذ المدى * بعد المدى كالفاضلِ المتَفَضِّلِ سارٍ.

  23. إذا ادَّلج العفاةُ إلى الندى * لا يصنع المعروف غيرَ معجَّل فالبيت الأول منقطع عما قبله، وليس فيه شئ غير التجنيس الذي ليس ببديع، لتكرره على كل لسان.

  24. / وقوله: " ما أخذ المدى [بعد المدى] (١) " ، فإنه لفظ مليح، وهو كقول القائل: * قد أركبُ الآلة بعد الآلة (٢) * وروي (٣) : " الحالة بعد الحالة " .

  25. وكقول امرئ القيس: * سُمُوَّ حَبابِ الماء حالاً على حالِ (٤) * ولكنها طريقة مذللة، فهو فيها تابع.

  26. وأما البيت الثاني فقريب في اللفظ والمعنى.

  27. وقوله: " لا يصنع المعروف " ليس بلفظ محمود.

  28. وأما قوله: عالٍ على نظر الحسود كأنما * جَذَبَتْهُ أفرادٌ النجومِ بأحبُل (٥) أو ما رأيت المجدَ ألقى رحله * في آلِ طلحةَ ثم لم يتحول

    ج ٢ ص ٢٣٥فالبيت الأول منكر جداً في جر النجوم بالارسان (١) [من] (٢) / موضعه إلى العلو! والتكلف فيه واقع.

  29. والبيت الثاني أجنبي عنه، بعيد منه، وافتتاحه ردئ، وما وجه الاستفهام والتقرير والإستبانة والتوقيف؟ والبيتان أجنبيان من كلامه، غريبان في قصيدته.

  30. ولم يقع له في المدح في هذه القصيدة شئ جيد ألا ترى أنه قال بعد ذلك: نفسي فداؤك يا محمدُ من فتى * يُوفي على ظُلم الخطوبِ فتنجَلي (٣) إني أريدُ أبا سعيد، والعدى * بيني وبين سحابه المتهللِ كأن هذا ليس (٤) من طبعه ولا من سبكه.

  31. وقوله: مضر الجزيرة كلها وربيعة ال * * خابور توعدني وأَزْدُ الموصلِ

    قد جدت بالطّرفِ الجوادِ فثنه * لأخيك من أدد أبيك بمنُصْلِ البيت الأول حسن المعنى، وإن كانت ألفاظه بذكر الأماكن لا يتأتى فيه التحسين.

  32. وهذا المعنى قد يمكن إيراده بأحسن من هذا اللفظ وأبدع منه وأرق منه، كقوله: / إذا غضبت عليك بنو تميمٍ * رأيت الناسَ كلَّهُمُ غضابا (٥) والبيت الثاني قد تعذر عليه وصله بما سبق من الكلام على وجه يلطف (٦) ، وهو قبيح اللفظ، حيث يقول فيه: " فثنه لأخيك من أدد أبيك " ، ومن أخذه بهذا التعرض (٧) لهذا السجع، وذكر هذا النسب، حتى أفسد به شعره!

  33. وأما قوله بعد ذلك في وصف السيف، يقول: يتناولُ الروحَ البعيدَ منالُها * عفواً ويفتح في القضا المقفَل بابانة في كل حتفٍ مظلمٍ * وهداية في كلِّ نفسٍ مجهل (١) ماض وإن لم تمضه يد فارسٍ * بطلٍ ومصقول وإن لم يُصْقَلِ (٢) ليس لفظ البيت الأول بمضاهٍ لديباجة شعره، ولا له بهجة نظمه، لظهور

    أثر التكلف عليه، وتبين ثقل فيه.

    ج ٢ ص ٢٣٦
  34. وأما القضاء المقفل " وفتحه، فكلام غير محمود ولا مرضي! واستعارة لو لم يستعرها كان (٣) أولى به! وهلاَّ عيب عليه كما عيب على أبي تمام قوله: فضربت الشتاء في أخدعيه * ضربةً غادرته عُودا ركوبا (٤) وقالوا: يستحق بهذه الإستعارة أن يصفع في أخدعيه! وقد اتبعه البحتري في استعارة الأخدع، ولوعاً باتباعه، فقال في الفتح بن خاقان: وإنى وإن أبلغتني شرف العلا * وأعتقتَ من ذلِّ المطامع أخدعي (٥) إن شيطانه حيث زين له هذه الكلمة، [و] تابعه حين حسن عنده (٦) هذه اللفظة - لخبيث ما رد، وردئ معاند، أراد أن يطلق أعنة الذم فيه، ويسرح جيوش العتب إليه! ولم يقنع بقفل القضاء، حتى جعل للحتف ظلمة تجلى بالسيف، وجعل السيف هادياً في النفس المجهل الذي لا يهتدي إليه! وليس في هذا مع تحسين (٧) اللفظ وتنميقه شئ، لان

    ج ٢ ص ٢٣٧السلاح وإن كان معيباً، فإنه يهتدي إلى النفس.

  35. وكان يجب أن يبدع في هذا إبداع المتنبي في قوله: كأن الهام في الهيجا عيون * وقد طبعت سيوفك في رقاد (١) وقد صُغت الأسنة من هموم * فما يخطرن إلا في فؤاد (٢) / فالإهتداء على هذا الوجه في التشبيه بديع حسن.

  36. وفى الببت الاول شئ آخر: وذلك أن قوله: " ويفتح في القضاء " ، في هذا الموضع حشو ردئ، يلحق بصاحبه اللكنة، ويلزمه الهجنة.

  37. وأما البيت الثالث، فإنه أصلح (٣) هذه الأبيات، وإن كان ذكر الفارس حشواً، وتكلفاً ولغواً، لأن هذا لا يتغير بالفارس والراجل.

  38. على أنه ليس في بديع.

  39. وأما قوله: يغشى الوغى والتُّرسُ ليس بجنة * من حده والدرع ليس بمعقل (٤) مضغ إلى حكم الردى، فإذا مضى * لم يلتفت، وإذا قضى لم يعدِل متوقدٌ يبري بأول ضربة * ما أدركت، ولو أنها في يذبل (٥) البيتان الاولان من الجنس الذى يكثر الكلامه وعليه، وهى طريقته / التى يجتبيها (٦) ، وذلك من السبك الكتابي والكلام المعتدل، إلا أنه لم يبدع فيهما (٧) بشئ، وقد زيد عليه فيهما.

  40. ومن قصد إلى أن يكمل عشرة أبيات في وصف السيف، فليس من حكمه أن يأتي بأشياء منقولة، وأمور مذكورة، وسبيله أن يغرب ويبدع، كما أبدع المتنبي في قوله: سله الركض بعد وهن بنجد * فتصدى للغيث أهل الحجاز (١) هذا في باب صقاله وأضوائه وكثرة مائه، وكقوله: ريَّان لو قذف الذي أَسْقَيتَهُ * لجرى من المهجات بحر مزبد (٢) وقوله: " مصغٍ إلى حكم الردي " - إن تأملته - مقلوب، كان ينبغي أن يقول: يصغي الردى إلى حكمه، كما قال الآخر: * فالسيفُ يأمرُ والأقدارُ تنتظرُ (٣) * / وقوله: " وإذا قضى لم يعدل " ، متكرر على ألسنتهم في الشعر خاصة، في نفس هذا المعنى.

    ج ٢ ص ٢٣٨