خطبة لقس بن ساعدة الإيادى

٥٨٥ فقرة، ج ٢ ص ١٥١

الصفحة ٦ من ١٥

  1. * * * / خذ الآن - هداك الله - في تفريغ (٣) الفكر، وتخلية البال، وانظر فيما نعرض عليك، ونهديه إليك، متوكلاً على الله، ومعتصماً به، ومستعيذا به، من الشيطان الرجيم، حتى تقف على إعجاز القرآن العظيم.

    ج ٢ ص ١٨٤
  2. سماه الله عز ذكره " حكيما " و " عظيما " و " مجيدا " .

    وقال: (لاَ يَأْتِيِه الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد) (١) .

    وقال: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأيتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيةِ اللهِ، وَتِلْكَ الامثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون) (٢) .

    وقال: (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى، بل لله الامر جميعا) (٣) .

    وقال: (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ والْجنُّ عَلَى أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) (٤) .

    ج ٢ ص ١٨٥
  3. وأخبرنا أحمد بن محمد بن الحسين القزويني، حدثنا أبو عبد الرحمن

    أحمد بن عثمان، حدثنا أبو يوسف الصيدلانى، حدثنا محمد بن سلمة، / عن أبى سنان، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري الطائي، عن الحارث الأعور، عن علي رضي الله عنه، قال: قيل: يا رسول الله، إن أمتك ستفتتن من بعدك، فسأل أو سئل: ما المخرج من ذلك؟ فقال: " بكتاب الله العزيز الذي لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطلُ مِنْ بَيْنِ يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حَمِيدٍ، من ابتغى العلم في غيره أضله الله، ومن ولي هذا من جبار فحكم بغيره قصمه الله، وهو الذكر الحكيم، والنور المبين، والصراط المستقيم.

  4. فيه خبر من قبلكم، وتبيان من بعدكم، وهو فصل، ليس بالهزل.

  5. وهو الذى (لما) سمعته الجن قالوا: (إنا سعمنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فآمَنْا بِهِ) (٥) لا يخلق على طول الرد، ولا تنقضي عبره، ولا تفنى عجائبه (٦) .

  6. وأخبرني أحمد بن علي بن الحسن، أخبرنا أبي، أخبرنا بشر بن عبد الوهاب،

    ج ٢ ص ١٨٦أخبرنا هشام بن عبيد الله، حدثنا المسيب بن شريك، عن عبيدة (١) ، عن أسامة بن أبي عطاء (٢) ، قال: أرسل النبي صلى الله / عليه وسلم إلى علي رضي الله عنه في ليلة، فذكر نحو ذلك في المعنى، وفى بعض ألفاظه اختلاف.

  7. وأخبرنا أحمد بن علي بن الحسن، أخبرنا أبي، أخبرنا بشر بن عبد الوهاب، أخبرنا هشام بن عبيد الله، حدثنا المسيب بن شريك، عن بشر بن نمير، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قرأ ثلث القرآن أعطي ثلث النبوة، ومن قرأ نصف القرآن أعطي نصف النبوة، ومن قرأ القرآن كله أعطي النبوة كلها غير أنه لا يوحى إليه " .

  8. وذكر الحديث (٣) .

  9. * * * ولو لم يكن من عظم شأنه إلا أنه طبق الأرض أنواره، وجلل الآفاق ضياؤه، ونفذ في العالم حكمه، وقبل في الدنيا رسمه، وطمس ظلام الكفر بعد أن كان مضروب الرواق، ممدود الأطناب، مبسوط الباع، مرفوع العماد ليس على الأرض من يعرف الله حق معرفته، / أو يعبده حق عبادته، أو يدين بعظمته، أو يعلم علو جلالته، أو يتفكر في حكمته.

  10. فكان كما وصفه الله تعالى جل ذكره، من أنه نور، فقال: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولكن جعلناه نورا نهدي به من

    ج ٢ ص ١٨٧نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا، وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِرَاطٍ مستقيم) (١) فانظر إشئت - إلى شريف هذا النظم، وبديع هذا التأليف، وعظيم هذا الرصف (٢) ، كل كلمة من هذه الآية تامة، وكل لفظ بديع واقع.

  11. قوله: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا) : يدل على صدوره من الربوبية، ويبين عن وروده عن الآلهية.

  12. وهذه الكلمة بمنفردها وأخواتها (٣) كل واحدة منها لو وقعت بين كلام كثير - تميز عن جميعه، وكان واسطة عقده، وفاتحة عقده، وغرة شهره، وعين دهره.

  13. وكذلك قوله: (وَلَكَنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ من نشاء من عبادنا) ، فجعله روحا، لانه يحيي (٤) ، الخلق، فله فضل الأرواح في الأجساد.

  14. وجعله نورا، لانه يضئ ضياء الشمس في الآفاق.

  15. ثم أضاف وقوع / الهداية به إلى مشيئته، ووقف وقوع (٥) الاسترشاد به على إرادته، وبيّن أنه لم يكن ليهتدي إليه لولا توفيقه، ولم يكن ليعلم ما في الكتاب ولا الإيمان لولا تعليمه، وإنه لم يكن ليهتدي - فكيف كان يهدي - لولاه، فقد صار (٦) يهدي، ولم يكن (٦) من قبل ذلك ليهتدي (٧) ، فقال: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.

  16. صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السموات وما في الأَرضِ، أَلاَ إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ) (٨) .

  17. فانظر إلى هذه الكلمات الثلاث: فالكلمتان الأوليان مؤتلفتان، وقوله: (أَلاَ إِلى اللَّهِ تَصِيْرُ الأُمُورُ) كلمة منفصلة مباينة للاولى، قد صيرهما شريف النظم أشد ائتلافاً من الكلام المؤالف، وألطف انتظاماً من الحديث

    الملائم.

  18. وبهذا يبين فضل الكلام، وتظهر فصاحته وبلاغته.

  19. الأمر أظهر - والحمد لله - والحال أبين من أن يحتاج إلى كشف.

  20. تأمل قوله: (فَالِقُ الإِصْباحِ، وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناُ، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً، ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (١) .

    ج ٢ ص ١٨٨
  21. / أنظر إلى هذه الكلمات الأربع التي ألف بينها، واحتج بها على ظهور قدرته، ونفاذ أمره، أليس كل كلمة منها في نفسها غرة؟ وبمنفردها (٢) درة؟ وهو - مع ذلك - يبين أنه يصدر من علو الأمر، ونفاذ القهر، ويتجلى في بهجة القدرة، ويتحلى بخالصة العزة، ويجمع السلاسة إلى الرصانة، والسلامة إلى المتانة، والرونق الصافي، والبهاء الضافي.

  22. ولست أقول: إنه شمل الإطباق المليح، والإيجاز اللطيف، والتعديل والتمثيل، والتقريب والتشكيل - وإن كان قد جمع ذلك وأكثر منه - لأن

    العجيب ما بينا من انفراد كل كلمة بنفسها، حتى تصلح أن تكون عين رسالة أو خطبة، أو وجه قصيدة أو فقرة.

  23. فإذا ألفت ازدادت [به] حسنا [وإحسانا] (٣) ، وزادتك - إذا تأملت - معرفة وإيمانا.

  24. * * * ثم تأمل قوله: (وَآيةٌ لهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ منه النهار فإذا هم مُّظْلِمُونَ.

  25. وَالْشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍ لّهَا، ذَلِكَ تَقْدِيرُ العزيز العليم.

  26. والقمر قدرناه منازل حتى عاد كَالعُرجُونِ الْقَدِيمِ) (٤) هل تجد / كل لفظة، وهل تعلم كل كلمة، تستقل بالاشتمال على نهاية البديع، وتتضمن شرط القول البليغ؟ فإذا كانت الآية تنتظم من البديع، وتتألف من البلاغات، فكيف لا تفوت

    ج ٢ ص ١٨٩حد المعهود، ولا تجوز (١) شأو المألوف؟ وكيف (١) لا تحوز قصب السبق، ولا تتعالى عن كلام الخلق؟ ثم أقصد إلى سورة تامة، فتصرف في معرفة قصصها، وراع ما فيها من براهينها وقصصها.

  27. تأمل السورة التي يذكر فيها " النمل " وانظر في كلمة كلمة، وفصل فصل.

  28. بدأ بذكر السورة، إلى أن بين أن القرآن من عنده، فقال:

    (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ) (٣) .

  29. ثم وصل بذلك قصة موسى عليه السلام، وأنه رأى ناراً، (فقال لأهله: امكثوا إِنّيِ آنَسْتُ نَاراً، سَأَتِيكُم منها بِخَبَرٍ أوْ آتِيكُم بِشهابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) (٤) .

    وقال في سورة طه في هذه القصة: (لَعَّلَّيِ آتِيكُم مِنْها بِقَبَسٍ / أَوْ أَجدُ على النار هدى) (٥) .

  30. وفى موضع: (لعلِّي آتِيكُم مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَة مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) (٦) .

  31. قد (٧) تصرف في وجوه، وأتى بذكر القصة على ضروب، ليعلمهم عجزهم عن جميع طرق ذلك.

  32. ولهذا قال: (فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ) (٨) .

  33. ليكون أبلغ في تعجيزهم، وأظهر للحجة عليهم.

  34. وكل كلمة من هذه الكلمات، وإن أنبأت عن قصة، فهى بليغة بنفسها، تامة في معناها.

    ثم قال: (فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ رب العالمين) (٩) فانظر إلى ما أجرى له (١٠) الكلام، من علو أمر هذا النداء، وعظم شأن

    ج ٢ ص ١٩٠هذا الثناء (١) ، وكيف انتظم مع الكلام الأول، وكيف اتصل بتلك المقدمة، وكيف وصل بها ما بعدها من الأخبار عن الربوبية، وما دل به عليها من قلب العصا حية، وجعلها دليلاً يدله عليه، ومعجزة تهديه إليه؟ / وانظر إلى الكلمات المفردة القائمة بأنفسها في الحسن، وفيما تتضمنه من المعاني الشريفة، ثم ما شفع به هذه الآية، وقرن به هذه الدلالة: من اليد البيضاء - عن نور البرهان - من غير سوء.

  35. ثم انظر في آية آية، وكلمة كلمة: هل تجدها كما وصفنا: من عجيب النظم، وبديع الرصف؟ فكل كلمة لو أفردت كانت في الجمال (٢) غاية، وفي الدلالة آية، فكيف إذا قارنتها أخواتها، وضامتها ذواتها: [مما] (٣) تجري في الحسن مجراها، وتأخذ في معناها؟ ثم من قصة إلى قصة، ومن باب إلى باب، من غير خلل يقع في نظم الفصل إلى الفصل، وحتى يصور (٤) لك الفصل وصلا، ببديع (٥) التأليف، وبليغ التنزيل.

  36. * * * وإن أردت أن تتبين ما قلناه فضل تبين، وتتحقق بما ادعيناه زيادة تحقق - فإن كنت من أهل الصنعة فاعمد إلى قصة من هذه القصص، وحديث من هذه الأحاديث، فعبر عنه بعبارة من جهتك، وأخبر عنه بألفاظ من عندك، حتى ترى فيما جئت به (٦) النقص الظاهر، وتتبين في نظم القرآن الدليل الباهر.

  37. / ولذلك (٧) أعاد قصة موسى في سور، وعلى طرق شتى، وفواصل مختلفة،

    مع اتفاق المعنى.

  38. فلعلك ترجع إلى عقلك، وتستر (٨) ما عندك، إن غلطت في أمرك، أو ذهبت في مذاهب وهمك، أو سلطت على نفسك وجه ظنك.

  39. متى تهيأ لبليغ أن يتصرف في قدر (١) آية في أشياء مختلفة، فيجعلها مؤتلفة، من غير أن يبين على كلامه إعياء الخروج والتنقل، أو يظهر على خطابه آثار التكلف (٢) والتعمل؟ وأحسب أنه لا يسلم من هذا - ومحال أن يسلم منه - متى (٣) يظفر بمثل تلك الكلمات الإفراد، والألفاظ الأعلام، حتى يجمع بينها، فيجلو (٤) فيها فقرة من كلامه، وقطعة من قوله.

    ج ٢ ص ١٩١
  40. ولو اتفق له في أحرف معدودة، وأسطر قليلة، فمتى يتفق له في قدر ما نقول: إنه (٥) من القرآن معجر؟ هيهات هيهات! إن الصبح يطمس النجوم وإن كانت زاهرة، والبحر يغمر الأنهار وإن كانت زاخرة.