خطبة لقس بن ساعدة الإيادى
٥٨٥ فقرة، ج ٢ ص ١٥١
الصفحة ٧ من ١٥
- ج ٢ ص ١٩١
/ متى (٦) تهيأ للآدمي أن يقول في وصف كتاب سليمان عليه السلام، بعد ذكر العنوان والتسمية، هذه الكلمة الشريفة العالية: (أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ
وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ) (٧) .
-
والخلوص من ذلك إلى ما صارت إليه من التدبير، واشتغلت به من المشورة، ومن تعظيمها أمر المستشار، ومن تعظيمهم أمرها وطاعتها (٨) ، بتلك الألفاظ البديعة، والكلمات العجيبة البليغة.
-
ثم كلامها بعد ذلك، [ألا] تعلم (٩) تمكن قولها: (يَا أَيُّهَا الْملأُ أََفْتُونِي في أَمْرِي، مَا كُنتُ قَاطِعةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ) (١٠) .
-
وذكر قولهم: (قَالُوا: نَحْنُ أُوْلُواْ قُوَّةٍ وَأُوْلُواْ بَأْسٍ شَدِيدٍ، وَالأَمْرُ إِلَيْكِ، فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ) (١١) ، لا تجد في صفتهم أنفسهم أبرع (١٢) مما وصفهم به.
-
وقوله: (والامر إليك) ، تعلم براعته بنفسه، وعجيب معناه، وموضع
ج ٢ ص ١٩٢اتفاقه في هذا الكلام، وتمكن الفاصلة (١) ، وملاءمته لما قبله، وذلك قوله: (فانظري ماذا تأمُرِينَ؟) .
-
/ ثم إلى هذا الاختصار، وإلى البيان مع الإيجاز.
-
فإن الكلام قد يفسده الاختصار، ويعميه التخفيف منه والإيجاز، وهذا مما يزيده الاختصار بسطا لتمكنه ووقوعه، ويتضمن الإيجاز منه تصرفاً يتجاوز محله وموضعه.
-
وكم جئت إلى كلام مبسوط يضيق عن الإفهام، ووقعت على حديث طويل يقصر عما يراد به من (٢) التمام، ثم لو وقع على الافهام [والتمام، أخل بما] (٣) يجب فيه من شروط الأحكام، أو بمعاني القصة وما تقتضي من الإعظام.
-
ثم لو ظفرت بذلك كله، رأيته ناقصاً في وجه الحكمة، أو مدخولاً في باب السياسة، أو مضعوفا (٤) في طريق السيادة، أو مشترك العبارات إن كان مستجود المعنى، [أو مستجود العبارة مشترك المعنى] (٥) ، أو جيد البلاغة مستجلب (٦) المعنى، أو مستجلب البلاغة جيد المعنى، أو مستنكر اللفظ وحشي العبارة، أو مستبهم الجانب مستكره الوضع.
-
وأنت لا تجد في جميع ما تلونا عليك إلا ما إذا بسط أفاد، وإذا اختصر كمل في بابه وجاد، وإذا سرح الحكيم في جوانبه طرف / خاطره (٧) ، وبعث العليم في أطرافه عيون مباحثه، لم يقع إلا على محاسن تتوالى، وبدائع تترى (٨) .
-
ثم فكر بعد ذلك في آية آية، أو كلمة كلمة، في قوله: (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةٌ أَفْسَدُوهَا، وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أّذِلَّةً، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٩) ) .
-
هذه الكلمات الثلاث، كل واحدة منها كالنجم في علوه ونوره، وكالياقوت
ج ٢ ص ١٩٣يتلألأ بين شذوره.
-
ثم تأمل تمكن الفاصلة - وهى الكلمة الثالثة - وحسن موقعها، وعجيب حكمتها (١) .
-
، وبارع معناها.
-
وإن شرحت لك ما في كل آية طال عليك الأمر، ولكني قد بينت بما فسرت، وقررت بما فصلت - الوجه الذي سلكت، والنحو الذي قصدت، والغرض الذي إليه رميت، والسمت الذى إليه دعوت.
-
ثم فكر بعد ذلك في شئ أدلك عليه: وهو تعادل هذا النظم في الإعجاز، في مواقع الآيات القصيرة، والطويلة، والمتوسطة.
-
/ فأجل الرأي في سورة سورة، وآية آية، وفاصلة فاصلة، وتدبر الخواتم، والفواتح، والبوادى (٢) والمقاطع، ومواضع الفصل والوصل، ومواضع التنقل والتحول، ثم اقضِ ما أنت قاضٍ.
-
وإن طال عليك تأمل الجميع، فاقتصر على سورة واحدة، أو على بعض
سورة (٣) .
-
* * * ما رأيك في قوله: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ، وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيعَاً، يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُم، يُذَبِّحُ أَبناءَهُم، ويَسْتَحْييِ نِسَاءَهُم، إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (٥) ؟ هذه تشتمل على ست كلمات، سناؤها وضياؤها على ما ترى، وسلاستها وماؤها على ما تشاهد، ورونقها على ما تعاين، وفصاحتها على ما تعرف.
-
وهي تشتمل على جملة وتفصيل، [وجامعة] (٥) وتفسير: ذكر العلو في الأرض باستضعاف الخلق بذبح الولدان وسبي (٦) النساء، وإذا تحكم في هذين الامرين فما ظنك بما دونهما! ؟ لان النفوس لا تطمئن على هذا الظلم، والقلوب لا تقر على هذا الجور.
- ج ٢ ص ١٩٤
/ ثم ذكر الفاصلة التى أو غلت في التأكيد، وكفت في التظليم، وردت آخر الكلام على أوله، وعطفت عجزه على صدره.
-
ثم ذكر وعده تخليصهم بقوله: (وَنُرِيدُ أَن نمن على الذين استضعفوا
في الأرض ونجعلهم أَئمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ) (١) .
-
وهذا من التأليف بين المؤتلف، والجمع بين المستأنس.
-
كما أن قوله: (وَاْبتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ، وَلاَ تَنْسَ نَصيبَك مِنَ الدُّنْيَا، وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلاّ تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأَرْضِ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحبُّ الْمُفسِدِينَ) (٢) .
-
وهي خمس كلمات، متباعدة في المواقع، نائية المطارح، قد جعلها النظم البديع أشد تألفا (٣) من الشئ المؤتلف في الأصل، وأحسن توافقاً من المتطابق في أول الوضع.
-
ومثل هذه الآية قوله: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَختَارُ، مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَة، سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالى عَمَا يُشْرِكُونَ) (٤) .
-
ومثلها: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها، فَتِلْكَ مَسَاكِنُهمُ لَم تُسْكَن مِن بَعْدِهم إِلاَ قَليلاُ، وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثينَ) (٥) .
-
/ ومن المؤتلف قوله: (فَخَسْفنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ، فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللهِ، وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ) (٦) .
-
وهذه ثلاث كلمات، كل كلمة منها أعز من الكبريت الأحمر.
-
ومن الباب الآخر (٧) قوله تعالى: (وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ، لا إله إلا هو، كل شئ هالك إِلاَّ وَجْهَهُ، لَهُ الْحُكْمُ، وَإِلَيْهِ تُرجَعُونَ) (٨) .
-
* * * كل سورة من هذه السور تتضمن من القصص ما لو تكلفت العبارة عنها بأضعاف كلماتها، لم تستوف ما استوفته.
-
ثم تجد فيما تنظم ثقل النظم،
ج ٢ ص ١٩٥ونفور الطبع، وشراد (١) الكلام، وتهافت القول، وتمنع جانبه، وقصورك في الإيضاح عن واجبه.
-
ثم لا تقدر على أن تنتقل من قصة إلى قصة، وفصل إلى فصل، حتى تتبتر (٢) عليك مواضع الوصل، وتستصعب عليك أماكن الفصل، ثم لا يمكنك أن تصل بالقصص مواعظ زاجرة، وأمثالاً سائرة وحكماً جليلة، وأدلة على التوحيد بينة، وكلمات في التنزية والتحميد (٣) شريفة.
-
/ وإن أردت أن تتحقق ما وصفت لك، فتأمل شعر من شئت من الشعراء المفلقين، هل تجد كلامه في المديح والغزل والفخر والهجو يجري مجرى كلامه في ذكر القصص؟ إنك لتراه إذا جاء إلى وصف وقعة (٤) ، أو نقل خبر، عاميَّ الكلام، سوقي الخطاب، مسترسلاً في أمره، متساهلاً في كلامه، عادلاً عن المألوف من طبعه، وناكباً عن المعهود في سجيته.
-
فإن اتفق له في قصة كلام جيد، كان قدر ثنتين أو ثلاثة، وكان ما زاد عليها حشواً، وما تجاوزها لغواً.
-
ولا أقول: إنها تخرج من عادته عفواً، لأنه يقصر عن العفو، ويقف دون العرف، ويتعرض للركاكة.
-
فإن لم تقنع بما قلت لك من الآيات (٥) ، فتأمل غير ذلك من السور (٦) ، هل
تجد الجميع على ما وصفت لك؟ لو لم تكن إلا سورة واحدة لكفت في الإعجاز، فكيف بالقرآن العظيم؟ ولو لم يكن إلا حديث من سورة لكفى، وأقنع وشفى.
-
ولو عرفت قدر قصة موسى وحدها من سورة الشعراء، لما طلبت بينة سواها.
-
بل قصة من قصصه، وهي قوله: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي، إِنَّكُم مُتَّبَعُونَ) (٧) إلى قوله: (فَأَخْرَجْنَاهُم مِن جَنَّاتٍ / وَعُيُونٍ، وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ
ج ٢ ص ١٩٦كَرِيمٍ.
-
كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَتْبَعُوهُم مُشْرِقِينَ (١) ) حتى قال: (فَأَوْحَيْنَا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بعصاك البحر، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم) (٢) .