فصل في جملة وجوه إعجاز القرآن
١٤١ فقرة، ج ١ ص ٣٣
الصفحة ١ من ٤
- ج ١ ص ٣٣
بلدك من يومك إن قدرت، وإلا لم آمن الفتنة به على النصرانية.
-
ففعل الملك ذلك، وأحسن جواب عضد الدولة وهداياه، وعجل تسريحه، ومعه عدة من أسارى
المسلمين والمصاحف، ووكل الباقلانى من جنده من يحفظه حتى يصل إلى مأمنه.
-
ويروى الخطيب البغدادي بسنده: أن الباقلانى لما ورد على ملك الروم مدينته، وعرف خبره، وبين له محله من العلم -: " أفكر في أمره، وعلم أنه لا يكفر له إذا دخل عليه، كما جرى رسم الرعية، أن تقبل الارض بين يدى الملوك.
-
ثم نتجت له الفكرة أن يضع سريره الذى يجلس عليه، وراء باب لطيف لا يمكن أحد أن يدخل منه إلا راكعا، ليدخل القاضى منه على تلك الحال، فيكون عوضا عن تكفيره بين يديه.
-
فلما وضع سريره في ذلك الموضع أمر بإدخال القاضى من الباب، فسار حتى وصل إلى المكان،، فلما رآه تفكر فيه، ثم فطن بالقصة، فأدار ظهره، وحنا رأسه راكعا، ودخل من الباب وهو يمشى إلى خلفه قد استقبل الملك بدبره، حتى صار بين يديه، ثم رفع رأسه، ونصب ظهره، وأدار وجهه حينئذ إلى الملك.
-
فعجب من فطنته، ووقعت له الهيبة في نفسه " ولست أشك في أن هذه الرواية أسطورة من الاساطير التى نسجت خيوطها حول رحلة الباقلانى إلى القسطنطينية.
-
وفيما قصه الباقلانى، من امتناعه من خلع عمامته ونزع خفه، وتهديده بعدم الدخول على الملك، ونزول الملك على رأيه وقوله: دعوه يدخل ومن معه كما يشاءون -: ما يجعل هذه الفكرة الساذجة، بعيدة الوقوع.
-
ولو قد وقعت لتحدث بها الباقلانى، فيما حدث به من أخبار رحلته * * * وعاد الباقلانى إلى بغداد، وظل مع عضد الدولة حتى مات في شوال سنة ٣٧٢، وتولى بعده ابنه صمصام الدولة ولسنا نعرف متى تولى الباقلانى وظيفة القضاء بالثغر؟ ولامن الذى ولاه؟ وقد جاء في ترجمة أبى حامد: أحمد بن أحمد الاستوائي (٣٥٨ - ٤٣٤) الشافعي الاشعري: أنه " ولى القضاء بعكبرا من قبل أبى بكر بن الطيب الباقلانى "
- ج ١ ص ٣٤
وقد وقف الباقلانى حياته على أمرين، ملكا عليه أقطار نفسه، وشغفاه حبا وهما: التدريس، والتأليف.
-
أما " التدريس " فقد اجتمعت له كل أدواته، ولم يصرفه عنه صارف، حتى إنه في أثناء مقامه مع عضد الدولة بشيراز، وتدريسه لابنه الامير أبى كاليجار المرزبان، لم يمتنع عنه، بل عقد دروسا عامة لاهل السنة.
-
ومن الكتب التى درسها لهم كتاب " اللمع " لابي الحسن الاشعري.
-
وقد " تتلمذ " عليه كثيرون في البصرة وبغداد وغيرهما، ونحن نشير إلى بعضهم فيما يلى: (١) القاضى أبو محمد: عبد الوهاب بن نصر، البغدادي المالكى (٣٦٢ - ٤٢٢) .
-
قيل له: مع من تفقهت؟ قال: صحبت الابهري، وتفقهت مع أبى الحسن بن القصار، وأبى القاسم بن الجلاب، والذى فتح أفواهنا، وجعلنا نتكلم: أبو بكر بن الطيب (٢) أبو عمران: موسى بن عيسى بن أبى حجاج العفجومى، وقد أثبت سماعه من الباقلانى إملاء في رمضان سنة ٤٠٢، وقال: رحلت إلى بغداد، وكنت قد تفقهت بالمغرب والاندلس عند أبى الحسن القابسى، وأبى محمد الاصيلى، وكانا عالمين بالاصول.
-
فلما حضرت مجلس القاضى أبى بكر، ورأيت كلامه في الاصول والفقه مع المؤالف والمخالف، حقرت نفسي، وقلت: لا أعلم من العلم شيئا ورجعت عنه كالمبتدئ ".
وقال عنه أبو حاتم بن محمد: كان أبو عمران من أحفظ الناس وأعلمهم، لم ألق أحدا أوسع منه علما، ولا أكثر رواية.
-
وذكر أن الباقلانى كان يعجبه حفظه، ويقول له: لو اجتمعت في " مدرستي " أنت وعبد الوهاب - وكان إذ ذاك بالموصل - لاجتمع علم مالك، أنت تحفظه، وهو ينظره.
-
وتوفى أبو عمران سنة ٤٣٠ عن خمس وستين سنة.
-
وكانت رحلته.
-
إلى بغداد في سنة ٣٩٩.
-
(٣) أبو ذر الهروي عبد بن أحمد (٣٥٥ - ٤٣٤) المالكى الاشعري
قال له بعض الشيوخ: أنت من هراة، فمن أين تمذهبت لمالك والاشعرى؟ فقال:
ج ١ ص ٣٥سبب ذلك أنى قدمت بغداد لطلب الحديث، فلزمت الدارقطني (٣٠٦ - ٣٨٥) وكنت مرة ماشيا معه، فمر بنا شاب، فأقبل الشيخ عليه وعظمه، وأكرمه ودعا له، فلما فارقه قلت: أيها الشيخ الامام، من هذا الذى أظهرت من إكرامه ما رأيت؟ فقال: أو ما تعرفه؟ قلت: لا.
فقال: هذا أبو بكر بن الطيب الاشعري، ناصر السنة، وقامع المعتزلة.
-
ثم أفاض في الثناء عليه.
-
فكان ذلك سبب اختلافي إليه، وأخذى عنه.
-
(٤) أبو الحسن على بن عيسى السكرى الفارسى (٣٤٧ - ٤١٣) الشاعر الذى استفرغ شعره في مدح الصحابة، والرد على الرافضة، والنقض على شعرائهم وقد صحب الباقلانى، ودرس عليه الكلام، ومدحه بقصيدة طويلة، أوردها الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ٥ / ٣٨١ - ٣٨٢، وابن عساكر في تبيين كذب المفترى ص ٢٢٤ - ٢٢٦.
-
وهى من أشعار العلماء، وفيها يقول: اليعربى فصاحة وبلاغة * والاشعرى إذا اعتزى للمذهب قاض إذا التبس القضاء على الحجى * كشفت له الآراء كل مغيب وإذا الكلام تطاردت فرسانه * وتحامت الاقران كل مجرب ألفيته من لبه وجنانه * ولسانه وبيانه في مقنب (٥) أبو الحسن الحربى: على بن أحمد المالكى، ٣٦٥ - ٤٣٧) (٦) القاضى أبو جعفر: محمد بن أحمد السمنانى، الحنفي (٣٦١ - ٤٤٤) .
-
(٧) أبو الحسن البغدادي: رافع بن نصر المتوفى سنة ٤٤٧.
-
(٨) أبو طاهر الواعظ محمد بن على، المعروف بابن الانباري (٣٧٥ - ٤٤٨)
-
(٩) أبو عبد الله: الحسين بن حاتم الازدي، المتوفى غريبا بالقيروان.
-
وهو أحد الذين رووا عن الباقلانى وصفه لمناظراته في مجلس ملك الروم.
-
وقد جاء في تبيين كذب المفترى ص ٢١٦: أن أبا الحسن بن داود الاشعري، المتوفى سنة ٤٠٢ " لما كان يصلى في جامع دمشق، تلكم فيه بعض الحشوية، فكتب إلى القاضى أبى بكر: محمد بن الطيب بن الباقلانى يعرفه ذلك، ويسأله أن يرسل إلى
ج ١ ص ٣٦دمشق من أصحابه من يوضح لهم الحق بالحجة.
-
فبعث القاضى تلميذه أبا عبد الله: الحسين بن حاتم الازدي، فعقد مجلس التذكير في جامع دمشق، في حلقة أبى الحسن بن داود، وذكر التوحيد، ونزه المعبود، ونفى عنه التشبيه والتحديد.
-
فخرج أهل دمشق من مجلسه يقولون: أحد أحد.
-
وأقام أبو عبد الله الازدي بدمشق مدة، ثم توجه إلى المغرب، فنشر العلم بتلك الناحية، واستوطن القيروان إلى أن مات بها رحمه الله " وإليه وإلى أبى طاهر الواعظ: يرجع الفضل في انتشار مذهب الباقلانى في المغرب.
-
(١٠) أبو عبد الرحمن السلمى: محمد بن الحسين الصوفى (٣٣٠ - ٤١٢) .
-
وقد أخذ عن الباقلانى في أثناء إقامته مع عضد الدولة بشيراز، وقرأ عليه كتاب " اللمع " لابي الحسن الاشعري.
-
(١١) أبو محمد بن أبى نصر.
قال القاضى عياض: " وتفقه عنه القاضى: أبو محمد بن [أبى] نصر، وعلق عنه، وحكى في كتبه ما شاهد من مناظرته في الفقه - بين يدى ولى العهد ببغداد - للمخالفين " (١٢) أبو حاتم: محمود بن الحسن الطبري، المعروف بالقزوينى، المتوفى سنة ٤١٤ بمدينة " آمل " التى ولد فيها، وكان قد قدم بغداد، ودرس على الباقلانى
أصول الفقه.
-
(١٣) القاضى أبو محمد: عبد الله بن محمد الاصبهاني، المعروف بابن اللبان الشافعي المتوفى بأصبهان سنة ٤٤٦، وقد صحب الباقلانى ودرس عليه كتاب: " المقدمات في أصول الديانات " وكتاب: " أصول الفقه ".
-
(١٤) أبو بكر بن الحسين الاسكافي.
-
وهو الذى روى عن الباقلانى، خبر رحلة ابن خفيف الصوفى من شيراز إلى البصرة، لسماع أبى الحسن الاشعري كما في تبيين كذب المفترى ص ٩٥ (١٥) أبو على: الحسن بن شاذان (٣٣٩ - ٤٢٦) (١٦) أبو القاسم: عبيد الله بن أحمد الصيرفى (٣٥٥ - ٤٣٥)
- ج ١ ص ٣٧
(١٧) أبو الفضل: عبيد الله بن أحمد المقرى (٣٧٠ - ٤٥١) وقد تتلمذ له جماعة كثيرة غير هؤلاء، وكان أكثرهم من العراق وخراسان * * * أما " التأليف " فقد أسهم فيه الباقلانى بنصيب موفور.
-
وكان من عادته أنه إذا صلى العشاء.
-
وقضى ورده، وضع دواته بين يديه، وكبت خمسا وثلاثين ورقة، فإذا صلى الفجر دفع إلى بعض أصحابه ما صنفه ليلته، وأمره بقراءته عليه، وأملى عليه من الزيادات ما يلوح له فيه.