فصل في وصف وجوه من البلاغة
١٨١ فقرة، ج ٢ ص ٢٦٢
الصفحة ٣ من ٥
- ج ٢ ص ٢٧٤
ومن ذلك أن يبالغ باللفظة التي هي صفة عامة (٢) ، كقوله: (خالق كل شئ) (٣) وكقوله: (فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِنَ الْقَوَاعِدِ) (٤) .
-
/ وكقوله: (وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حّتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ) (٥) .
-
وكقوله: (وَإنَّا أوْ إِيَّاكَمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ) (٦) .
-
وقد يدخل فيه الحذف الذى تقدم ذكره للمبالغة (٧) .
-
* * * وأما " حسن البيان " فالبيان على أربعة أقسام (٨) : كلام، وحال، وإشارة،
وعلامة.
-
/ ويقع التفاضل في البيان، ولذلك قال عز من قائل: (الرَّحْمَنُ، علم
ج ٢ ص ٢٧٥القرآن، خلق الانسان علمه البيان) (١) .
-
[ونقيضه العى، ومنه] (٢) قيل: أعيامن باقل، سئل عن ظبية في يده: بكم اشتراها؟ فأراد أن يقول: بأحد عشر، فأشار بيديه مادا أصابعه العشر، ثم أدلع لسانه، فأفلتت الظبية من يده! ! * * * ثم البيان على مراتب (٣) .
-
قلنا (٤) : قد كنا حكينا أن من الناس من يريد أن يأخذ إعجاز القرآن من وجوه البلاغة التي ذكرنا أنها تسمى " البديع " في أول الكتاب، مما مضت أمثلته في الشعر.
-
ومن الناس من زعم: أنه يأخذ ذلك من هذه الوجوه التي عددناها في هذا الفصل.
-
/ واعلم أن الذي بيناه قبل هذا وذهبنا إليه هو سديد (٥) ، وهو أن هذه الأمور تنقسم: فمنها ما يمكن الوقوع عليه، والتعمل له، ويدرك بالتعلم، فما كان كذلك فلا سبيل إلى معرفة إعجاز القرآن به وأما ما لا سبيل إليه بالتعلم والتعمل من البلاغات، فلذلك هو الذي يدل على إعجازه، ونحن نضرب لك أمثلة، لتقف على ما ذهبنا إليه.
-
وذكرنا في هذا الفصل عن هذا " القائل " أن التشبيه تعرف به البلاغة.
-
وذلك مسلم، ولكن (٦) إن قلنا: ما وقع من التشبيه في القرآن معجز - عرض (٧) علينا
ج ٢ ص ٢٧٦من التشبيهات الجارية في الأشعار ما لا يخفى عليك، وأنت تجد في شعر ابن المعتز من التشبيه البديع الذي يشبه السحر، وقد تتبع في هذا ما لم يتتبع غيره، واتفق له ما لم يتفق لغيره من الشعراء.
-
وكذلك كثير من وجوه البلاغة، قد بينا أن تعلمها يمكن، وليس تقع البلاغة بوجه واحد منها دون غيره.
-
فإن كان إنما يعني هذا " القائل " أنه إذا أتى في كل معنى يتفق في كلامه بالطبقة العالية، ثم كان ما يصل به كلامه بعضه ببعض، وينتهي / منه إلى متصرفاته -: على أتم البلاغة وأبدع البراعة - فهذا مما لا نأباه، بل نقول به.
-
وإنما ننكر أن يقول قائل: إن بعض هذه الوجوه بانفرادها قد حصل فيه الإعجاز من غير أن يقارنه ما يصل به [من] (١) الكلام ويفضي إليه، مثل ما يقول (٢) : إن ما أقسم به وحده بنفسه معجز، وإن التشبيه معجز، وإن التجنيس معجز، والمطابقة بنفسها معجزة.
-
فأما الآية التي فيها ذكر التشبيه، فإن ادعى إعجازها لألفاظها ونظمها وتأليفها - فأني لا أدفع ذلك وأصححه، ولكن لا أدعي إعجازها لموضع التشبيه.
-
وصاحب " المقالة " التي حكيناها، أضاف ذلك إلى موضع التشبيه وما قرن به من الوجوه، ومن تلك الوجوه ما قد بينا أن الإعجاز يتعلق به كالبيان، وذلك لا يختص بجنسٍ من المبين (٣) دون جنس، ولذلك قال: (هذا بيان للناس) (٤) وقال: (تبيانا لكل شئ) (٥) وقال: (بِلِسَانٍ عَرَبيٍّ مُبينٍ) (٦) فكرر في مواضع [جل] (٧) ذكره: أنه مبين.
-
/ فالقرآن أعلى منازل البيان، وأعلى مراتبه ما جمع وجوه الحسن وأسبابه، وطرقه وأبوابه: من تعديل النظم وسلامته (٨) ، وحسنه وبهجته، وحسن موقعه في السمع، وسهولته على اللسان، ووقوعه في النفس موقع القبول، وتصوره تصور المشاهد،
ج ٢ ص ٢٧٧وتشكله على جهته حتى يحل محل البرهان ودلالة التأليف، مما لا ينحصر حسناً وبهجة وسناء ورفعة.
-
وإذا علا الكلام في نفسه، كان له من الوقع في القلوب والتمكن في النفوس، ما يذهل ويبهج، ويقلق ويؤنس، ويطمع ويؤيس، ويضحك ويبكي، ويحزن ويفرح، ويسكن ويزعج، ويشجي ويطرب (١.
-
ويهز الأعطاف، ويستميل نحوه الأسماع ١) .
-
ويورث الأريحية والعزة، وقد يبعث على بذل المهج والأموال شجاعة وجوداً، ويرمي السامع من وراء رأيه مرمى (٢) بعيداً.
-
وله مسالك في النفوس لطيفة، ومداخل إلى القلوب دقيقة.
-
وبحسب ما يترتب في نظمه، ويتنزل في موقعه، ويجري على سمت مطلعه ومقطعه - يكون عجيب تأثيراته، وبديع مقتضياته.
-
وكذلك على حسب مصادره، يتصور وجوه موارده، / وقد (٣) ينبئ الكلام عن محل صاحبه، ويدل على مكان متلكمه، وينبه على عظيم شأن أهله، وعلى علو محله.
-
ألا ترى أن الشعر في الغزل إذا صدر عن محب، كان أرق وأحسن، وإذا صدر عن متعمل (٤) ، وحصل من متصنع - نادى على نفسه بالمداجاة، وأخبر عن خبيئه في المراءاة (٥) ؟ ! وكذلك قد يصدر الشعر في وصف الحرب عن الشجاع، فيعلم وجه صدوره، ويدل على كنهه وحقيقته.
-
وقد يصدر عن المتشبه، ويخرج عن المتصنع، فيعرف من حاله ما ظن أنه يخفيه، ويظهر من أمره خلاف ما يبديه.
-
وأنت تعرف (٦) لقول المتنبي: فالخيلُ والليلُ والبيداء تعرفني * والحرب والضرب والقرطاس والقلم (٧)
- ج ٢ ص ٢٧٨
من الوقع (١) في القلب - لما (٢) تعلم أنه من أهل الشجاعة - ما لا تجده للبحتري في قوله: / وأنا الشجاعُ وقد بدا لك موقفي * بعقرقس والمشرفية شهدى (٣) وتجد لابن المعتز في موقع شعره من القلب، في الفخر وغيره، ما لا تجده لغيره، لانه إذا قال: إذا شئت أو قرت البلاد حوافراً * وسارت ورائي هاشمٌ ونزارُ وعَمَّ السماء النقع حتى كأنه * دُخان وأطراف الرماح شَرَارُ (٤) وقال: قد ترديت بالمكارم دهراً * وكفتني نفسي من الإفتخارِ (٥) أنا جيشٌ إذا غزوت وحيداً * ووحيدُ في الجَحْفَلِ الجرَّارِ وقال: أيها السائلي عن الحسب الأط * يبِ ما فوقه لخلق مزيدُ (٦) نحن آلُ الرسول والعترة الحق * ق وأهل القربى، فماذا تريدُ؟ (٧) ولنا ما أضاءَ صبحٌ عليه * وأتته رايات ليل وسود (٨) وكما أنشدنا الحسن بن عبد الله، قال: أنشدنا محمد بن يحيى لابن المعتز قصيدته التي يقول فيها:
أنا ابن الذي سادهم في الحيا * ة وسادهم بي تحت الثرى (٩) / ومالي في أحد مَرغبٌ * بلى فيَّ يرغبُ كل الورى وأسهر للمجد والمكرمات * إذا اكتحلت أعين بالكرى (١٠)
- ج ٢ ص ٢٧٩
فانظر في (١) القصيدة كلها، ثم في جميع شعره، تعلم أنه ملك الشعر، وأنه يليق به من الفخر خاصة، ثم مما يتبعه مما يتعاطاه - ما لا يليق بغيره، بل ينفر عن سواه.
-
ولم أحب أن أكثر عليك، فأطول الكتاب بما يخرج عن غرضه.
-
وكما ترى من (٢) قول أبي فراس الحمداني في نفسك إذا قال: ولا أصبح الحيَّ الخلوف بغارة ولا الجيش ما لم تأته قبلى النذر (٣) ويارب دارٍ لم تخفني منيعةٍ * طلعت عليها بالردى أنا والفجر وساحبةِ الأذيال نحوي لقيتُها * فلم يلقَها جافي اللقاء ولا وعر (٤)
-
/ وهبت لها ما حازه الجيشُ كلُّهُ * وأبتُ ولم يُكشَف لأبياتها سِتر (٥) وما راح يُطغيني بأثوابه الغنى * ولا بات يُثنيني عن الكرم الفقرُ وما حاجتي في المال أبغي وُفُوره * إذا لم أفر وفرى فلا وفر الوفر (٦) والشئ إذا صدر من أهله، وبدا من أصله، وانتسب إلى ذويه - سلم في نفسه، وبانت فخامته وشوهد (٧) أثر الاستحقاق فيه.
-
وإذا صدر من متكلف، وبدا من متصنع - بان أثر الغربة (٨) عليه،
ج ٢ ص ٢٨٠وظهرت مخايل الاستيحاش فيه، وعرف شمائل التحير (١) منه.
-
إنا نعرف في شعر أبي نواس أثر الشطارة، وتمكن البطالة، وموقع كلامه في وصف ما هو سبيله من أمر العيارة (٢) ، ووصف / الخمر والخمار، كما نعرف موقع كلام ذي الرمة في وصف المهامه والبوادى والجمال والانساع والازمة.
-
وعيب أبي نواس التصرف في وصف الطلول والرباع والوحش،
ففكر في قوله: دعِ الأطلال تسفيها الجنوبُ * وتُبلي عهد جدتها الخطوبُ (٣) وخلِ لراكب الوجناء أرضا * تخب به النجيبة والنجيب (٤) بلاد نبتها عشرٌ وطلح * وأكثر صيدِها ضبع وذِيب (٥) ولا تأخذ عن الأعراب لهواً * ولا عيشاً، فعيشُهُمٌ جَديب دع الألبانَ يشربها رجال * رقيقُ العيش عندهم غريب (٦) إذا راب الحليبُ فبُلْ عليه * ولا تحرجْ، فما في ذاك حُوبُ (٧) فأطيبُ منه صافيةٌ شَمُول * يطوفُ بكأسها ساقٍ أديبُ (٨) كأن هديرَها في الدنِّ يحكي * قراة القسِّ قابَلهُ الصليبُ أعاذلُ أقصري عن طول لومي * فراجي توبتي عندي يخيبُ تعيبينَ الذنوبَ، وأيّ حُرٍّ * من الفِتيان ليس له ذنوبُ؟ ! / وقوله: صفةُ الطلول بلاغةُ الفدم * فاجعل صفاتك لابنة الكرم (٩)
- ج ٢ ص ٢٨١
وسمعت الصاحب إسماعيل بن عباد يقول: سمعت براكويه (١) الزنجاني يقول: أنشد بعض الشعراء هلال بن يزيد قصيدة على وزن قصيدة الأعشى: وَدِّعْ هريرةَ إن الركبَ مرتحلُ * وهل تطيقُ وداعاً أيها الرجلُ؟ وكان وصف فيها الطلل، قال براكويه (٢) : فقال لي هلال: فقلت بديهاً: إذا سمعت فتى يبكي على طلل * من أهل زَنْجانَ، فاعلم أنه طلل * * * وإنما ذكرت لك هذه الأمور، لتعلم أن الشئ في معدنه أعز، وإلى مظانه أحن (٣) ، وإلى أصله أنزع، وبأسبابه أليق، وهو (٤) يدل على ما صدر منه، وينبه ما انتج عنه، ويكون قراره على موجب / صورته، وأنواره على حسب محله، ولكل شئ حد ومذهب، ولكل كلام سبيل ومنهج.
-
وقد ذكر أبو بكر الصديق رضي الله عنه في كلام مسيلمة ما أخبرتك به، فقال: إن هذا كلام لم يخرج من آل (٥) .
-
فدل على أن الكلام الصادر عن عزة الربوبية ورفعة الالهية، يتميز عما لم يكن كذلك.
-
* * * ثم رجع الكلام بنا إلى ما ابتدأنا به من عظيم شأن البيان (٦) ، ولو لم يكن فيه إلا ما مَنَّ به الله على خلقه بقوله: (خَلَقَ الإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) (٧) .
- ج ٢ ص ٢٨٢
فأما بيان القرآن فهو أشرف بيان وأهداه، وأكمله وأعلاه، وأبلغه وأسناه.