فصل في ذكر البديع من الكلام

١٬٠٣٤ فقرة، ج ١ ص ٦٦

الصفحة ١١ من ٢٦

  1. فمنهم من يستهين بها (١) ويجعل ذلك سبباً لتركه الإتيان بمثله.

    ج ٢ ص ٢٠
  2. ومنهم من يزعم أنه مفترى، فلذلك لا يأتي بمثله ومنهم من يزعم أنه دارس، وأنه أساطير الاولين.

  3. وكرهنا أن نذكر كل آية تدل على تحديه، لئلا يقع التطويل.

  4. ولو جاز أن يكون بعضه مكتوما لجاز على كله.

  5. ولو جاز أن يكون بعضه موضوعا لجاز ذلك في كله.

  6. فثبت بما بيناه أنه تحداهم به، وأنهم لم يأتوا بمثله (٢) .

  7. وهذا الفصل قد بينا أن الجميع قد ذكروه وبنوا عليه.

  8. / فإذا ثبت هذا وجب أن يعلم بعده أن تركهم للإتيان بمثله كان لعجزهم عنه.

  9. والذي يدل على أنهم كانوا عاجزين عن الإتيان بمثل القرآن: أنه تحداهم إليه حتى طال التحدي، وجعله دلالة على صدقه ونبوته، وضمن (٣) أحكامه استباحة دمائهم وأموالهم وسبي ذريتهم، فلو كانوا يقدرون على تكذيبه لفعلوا، وتوصلوا إلى تخليص أنفسهم وأهليهم وأموالهم من حكمه، بأمر قريب، هو عادتهم في لسانهم، ومألوف من خطابهم، وكان ذلك يغنيهم عن تكلف القتال، وإكثار المراء والجدال، وعن الجلاء عن الأوطان، وعن تسليم الأهل والذرية للسبي.

  10. فلما لم تحصل هناك معارضة منهم، علم أنهم عاجزون عنها.

  11. يبين ذلك أن العدو يقصد لدفع قول (٤) عدوه بكل ما قدر عليه من المكايد، لا سيما مع استعظامه ما بدهه بالمجئ من (٥) خلع آلهته، وتسفيه رأيه في ديانته، وتضليل آبائه، والتغريب عليه بما جاء به، وإظهار أمر يوجب الانقياد لطاعته، والتصرف على حكم إرادته، والعدول عن إلفه وعادته، والانخراط، في سلك الاتباع بعد أن كان متبوعاً، والتشييع بعد

    ج ٢ ص ٢١أن كان مشيعاً، وتحكيم الغير في ماله، وتسليطه إياه على جملة أحواله، والدخول تحت تكاليف شاقة، / وعبادات متعبة، بقوله، وقد علم أن بعض هذه الاحوال مما يدعو إلى سلب النفوس دونه.

  12. هذا، والحمية حميتهم، والهمم الكبيرة هممهم، وقد بذلوا له السيف فأخطروا (١) بنفوسهم وأموالهم.

  13. فكيف يجوز أن لا يتوصلوا إلى الرد عليه وإلى تكذيبه بأهون سعيهم ومألوف أمرهم، وما يمكن تناوله من غير أن يعرق فيه (٢) جبين، [أو ينقطع دونه وتين] ، أو يشتمل به خاطر، وهو لسانهم الذي يتخاطبون به، مع بلوغهم في الفصاحة النهاية التي ليس وراءها متطلع، والرتبة التى ليس فوقها (٣) منزع؟ ! ومعلوم أنهم لو عارضوه بما تحداهم إليه لكان فيه توهين أمره، وتكذيب.

  14. قوله، وتفريق جمعه، وتشتيت أسبابه، وكان من صدق به يرجع على أعقابه، ويعود في مذهب أصحابه.

  15. فلما لم يفعلوا شيئاً من ذلك، مع طول المدة، ووقوع الفسحة، وكان أمره يتزايد حالاً فحالاً، ويعلو شيئاً فشيئاً، وهم على العجز عن القدح في آيته، والطعن [بما يؤثر] في دلالته - علم مما (٤) بينا أنهم كانوا لا يقدرون على معارضته، ولا على توهين حجته.

  16. / وقد أخبر الله تعالى عنهم: أنهم (قوم خصمون) (٥) وقال: (وَتُنْذِرَ بِهِ قَوماً لُدّاً) (٦) ، وقال: (خَلَقَ الإنْسَانَ مِن نٌطْفَةٍ فإِذَا هُوَ خَصيمٌ مُبينٌ) (٧) .

  17. وعلم أيضا ما كانوا (٨) يقولونه من وجوه اعتراضهم على القرآن، مما حكى الله عز وجل عنهم في قولهم: (لَوْ نَشَاءُ لُقُلنَا مِثْلَ هَذَا، إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَّوَّلينَ) (٩) وقولهم: (مَا هَذَا إلا سحر مفترى، وما سمعنا

    ج ٢ ص ٢٢بِهَذا في آبائِنَا الأَّوَّلينَ) (١) وقالوا: (يَا أَيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) (٢) وقالوا: (أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) (٣) وقالوا: (أَئِنَّا لَتَارِكُواْ آلهتنا لشاعر مجنون) (٤) ، وقال: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ: إِنْ هّذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرونَ، فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراً، وَقَالُواْ: أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً / وَأَصِيلاُ) (٥) ، (وَقَالَ الظَّالِمُونَ: إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً) (٦) ، وقوله: (الَّذِينَ جَعَلُواْ القُرآنَ عِضِيَن) (٧) .

  18. إلى آيات كثيرة في نحو هذا، تدل على أنهم كانوا متحيرين في أمرهم، متعجبين من عجزهم، يفزعون إلى نحو هذه الأمور: من تعليل وتعذير، ومدافعة بما وقع التحدي إليه، ووجد (٨) الحث عليه.

  19. وقد علم منهم أنهم ناصبوه الحرب، وجاهدوه (٩) ونابذوه، وقطعوا الأرحام، وأخطروا بأنفسهم، وطالبوه بالآيات والاتيان [بالملائكة] وغير ذلك من المعجزات، يريدون تعجيزه ليظهروا عليه بوجه من الوجوه.

  20. فكيف يجوز أن يقدروا على معارضته القريبة السهلة عليهم - وذلك يدحض حجته، ويفسد دلالته، ويبطل أمره - فيعدلون عن ذلك إلى سائر ما صاروا إليه من الامور التى ليس عليها مزيد في المنابذة والمعاداة، ويتركون الأمر الخفيف؟ !

  21. هذا مما يمتنع وقوعه في العادات، ولا يجوز اتفاقه (١٠) من العقلاء.

  22. وإلى هذا [الموضع] قد استقصى أهل العلم الكلام، وأكثروا في هذا المعنى وأحكموه.

  23. / ويمكن أن يقال: إنهم لو كانوا قادرين على معارضته والإتيان بمثل ما أتى به، لم يجز أن يتفق منهم ترك المعارضة، وهم على ما هم عليه من

    ج ٢ ص ٢٣الذرابة والسلاقة (١) ، والمعرفة بوجوه الفصاحة، وهو يستطيل عليهم بأنهم عاجزون عن مباراته، وأنهم يضعفون عن مجاراته.

  24. ويكرر (٢) فيما جاء به ذكر عجزهم عن مثل ما يأتي به، ويقرّعهم ويؤنبهم عليه، ويدرك آماله فيهم، وينجح ما سعى له في تركهم (٣) المعارضة.

  25. وهو يذكر فيما يتلوه تعظيم شأنه، وتفخيم أمره، حتى يتلو قوله تعالى: (قُلْ لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهيراً) (٤) ، وقوله: (يُنَزّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ

    مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنا فَاتَّقُونِ) (٥) ، وقوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِن الْمَثانِي وَالْقُرآنَ الْعَظِيمَ) ، (٦) وقوله: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) (٧) ، وقوله: (وَإِنَّهُ لَذِكرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوفَ تُسْئَلُونَ) (٨) وقوله: (هُدىً لّلْمُتَّقِينَ) (٩) ، وقوله: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله) (١٠) .

  26. إلى غير ذلك من الآيات التي تتضمن تعظيم شأن القرآن.

  27. فمنها ما يتكرر في السورة في مواضع منها، ومنها ما ينفرد فيها.

  28. وذلك مما يدعوهم إلى المباراة، ويحضهم على المعارضة، وإن لم يكن متحدياً إليه.

  29. ألا ترى أنهم قد ينافر شعراؤهم بعضهم بعضاً؟ ولهم في ذلك مواقف معروفة، وأخبار مشهورة، وآثار منقولة مذكورة (١١) .

  30. وكانوا يتنافسون على الفصاحة والخطابة والذلاقة، ويتبجحون بذلك، ويتفاخرون بينهم.

  31. فلن يجوز - والحال هذه - أن يتغافلوا عن معارضته لو كانوا قادرين عليها تحداهم أو لم يتحدهم إليها.

    ج ٢ ص ٢٤
  32. ولو كان هذا القبيل مما يقدر عليه البشر، لوجب في ذلك أمر آخر، وهو: أنه لو كان مقدورا للعباد لكان قد اتفق إلى وقت مبعثه من هذا لقبيل ما كان يمكنهم أن يعارضوه به، وكانوا لا يفتقرون إلى تكلف وضعه، وتعمل نظمه في الحال.

  33. / فلما لم نرهم احتجوا عليه بكلام سابق، وخطبة متقدمة ورسالة سالفة، ونظم بديع، ولا عارضوه به فقالوا: هذا أفصح مما جئت به وأغرب منه أو هو مثله - علم أنه لم يكن إلى ذلك سبيل، وأنه لم يوجد له نظير.

  34. ولو كان وجد له مثل لكان ينقل إلينا، ولعرفناه، كما نقل إلينا أشعار أهل الجاهلية، وكلام الفصحاء والحكماء من العرب، وأدى إلينا كلام الكهان وأهل الرجز والسجع والقصيد، وغير ذلك من أنواع بلاغاتهم، وصنوف فصاحاتهم.

  35. فإن قيل: الذي بنى عليه الأمر في تثبيت معجزة القرآن: أنه وقع التحدي إلى الإتيان بمثله، وأنهم عجزوا عنه بعد التحدي إليه، فإذا نظر الناظر وعرف وجه النقل المتواتر في هذا الباب - وجب له العلم بأنهم كانوا عاجزين عنه.

  36. وما ذكرتم يوجب سقوط تأثير التحدي، وإن ما أتى به قد عرف العجز عنه بكل حال.

  37. قيل: إنما احتيج إلى التحدي لإقامة الحجة، وإظهار وجه البرهان [على الكافة] .

  38. لأن المعجزة إذا ظهرت فإنما تكون حجة بأن يدعيها من ظهرت عليه، ولا تظهر

    على مدعٍ لها إلا وهي معلومة أنها من عند الله.

  39. فإذا كان يظهر وجه الإعجاز فيها للكافة بالتحدي وجب فيها التحدي.

  40. لانه تزول بذلك الشبهة عن الكل، وينكشف للجميع أن / العجز واقع في المعارضة.