فصل في ذكر البديع من الكلام

١٬٠٣٤ فقرة، ج ١ ص ٦٦

الصفحة ١٢ من ٢٦

  1. وإلا كان (١) مقتضى ما قدمناه من الفصل أن من كان يعرف وجوه الخطاب، ويفتن في مصارف (٢) الكلام، وكان كاملاً في فصاحته، جامعاً للمعرفة بوجوه الصناعة - لو أنه احتج عليه بالقرآن، وقيل له، إن الدلالة على النبوة والآية للرسالة ما تلوته (٣) عليك منه،

    ج ٢ ص ٢٥لكان ذلك بالغا (١) في إيجاب الحجة [عليه] ، وتماما في إلزامه فرض المصير إليه.

    ج ٢ ص ٢٤
  2. ومما يؤكد هذا، أن النبي صلى الله عليه وسلم قد دعا الآحاد إلى الإسلام، محتجا عليهم بالقرآن، لانا نعلم [ضرورة] أنه لم يلزمهم تصديقه تقليداً، ونعلم أن السابقين الاولين إلى الاسلام لم يقلدوه، إنما دخلوا على بصيرة.

  3. ولم نعلمه قال لهم: إرجعوا إلى جميع الفصحاء، فإن عجزوا عن الاتيان بمثله فقد ثبت حجتي.

  4. بل لما رآهم يعلمون إعجازه، ألزمهم حكمه فقبلوه، وتابعوا الحق، وبادروا إليه مستسلمين، ولم يشكوا في صدقه، ولم يرتابوا في وجه دلالته.

  5. فمن كانت بصيرته أقوى، ومعرفته أبلغ، كان إلى القبول منه / أسبق.

  6. ومن اشتبه عليه وجه الاعجاز، أو خفى (٢) عليه بعض شروط المعجزات وأدلة النبوات - كان أبطأ إلى القبول، حتى تكاملت أسبابه، واجتمعت له بصيرته

    وترادفت عليه مواده.

  7. وهذا فصل يجب أن يتمم القول فيه [من] بعد، فليس هذا بموضع له.

  8. ويبين ما قلناه: أن هذه الآية علم يلزم الكل قبوله والانقياد له، وقد علمنا تفاوت الناس في إدراكه، ومعرفة وجه دلالته، لأن الأعجمي لا يعلم أنه معجز إلا بأن يعلم عجز العرب عنه.

  9. وهو يحتاج في معرفة ذلك إلى أمور لا يحتاج إليها من كان من أهل صنعة الفصاحة.

  10. فإذا عرف عجز أهل الصنعة حل محلهم، وجرى مجراهم في (٣) توجه الحجة عليه.

  11. وكذلك لا يعرف المتوسط من أهل اللسان، من هذا الشأن، ما يعرفه العالي في هذه الصنعة.

  12. فربما حل في ذلك محل الأعجمي، في أن لا تتوجه عليه الحجة حتى يعرف عجز المتناهي في الصنعة عنه.

  13. وكذلك لا يعرف المتناهي في معرفة الشعر وحده، أو الغاية في معرفة الخطب أو الرسائل وحدهما - [من] غور هذا الشأن - ما يعرف من استكمل معرفة

    ج ٢ ص ٢٦جميع تصاريف الخطاب ووجوه / الكلام وطرق البراعة.

  14. فلا تكون الحجة قائمة على المختص ببعض هذه العلوم بانفرادها دون تحققه لعجز (١) البارع في هذه العلوم كلها عنه.

  15. فأما من كان متناهياً في معرفة وجوه الخطاب وطرق البلاغة والفنون التي يمكن فيها إظهار الفصاحة، فهو متى سمع القرآن عرف إعجازه.

  16. وإن لم نقل ذلك أدى هذا القول إلى أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرف إعجاز القرآن حين أوحي إليه، حتى سبر الحال بعجز أهل اللسان عنه! وهذا خطأ من القول.

  17. فصح من هذا الوجه أن النبي صلى الله عليه وسلم حين أوحي إليه القرآن عرف كونه معجزا، أو عرف - بأن (٢) قيل له: إنه دلالة وعلم على نبوتك.

  18. - إنه كذلك، من قبل أن يقرأه على غيره أو يتحدى إليه سواه.

  19. ولذلك قلنا: إن المتناهي في الفصاحة والعلم بالأساليب التي يقع فيها التفاصح، متى سمع القرآن عرف أنه معجز، لأنه يعرف من حال نفسه أنه لا يقدر عليه، وهو يعرف من حال غيره مثل ما يعرف من حال نفسه، فيعلم أن عجز غيره كعجزه هو.

  20. وإن كان يحتاج بعد هذا إلى / استدلال آخر على أنه علم على نبوته، ودلالة على رسالته (٣) بأن يقال له: إن هذه آية لنبى، وإنها (٤) ظهرت عليه، وادعاها معجزة له، وبرهاناً على صدقه.

  21. فإن قيل: فإن من الفصحاء من يعلم عجز نفسه عن قول الشعر، ولا يعلم مع ذلك عجز غيره عنه.

  22. فكذلك البليغ، وإن علم عجز نفسه عن مثل القرآن، فهو يخفى عليه عجز غيره.

  23. قيل: هو مع مستقر العادة، وإن عجز عن قول الشعر، وعلم أنه مفحم، فإنه يعلم أن الناس لا ينفكون من وجود الشعراء فيهم.

  24. ومتى علم البليغ المتناهي في صنوف البلاغات عجزه عن القرآن، علم عجز غيره عنه، وأنه كهو، لأنه (٥) يعلم أن حاله وحال غيره في هذا الباب سواء.

  25. إذ ليس في العادة مثل للقرآن يجوز أن (١) يعلم قدرة أحد من البلغاء عليه.

    ج ٢ ص ٢٧
  26. فإذا لم يكن لذلك مثل في العادة - وعرف هذا الناظر جميع أساليب الكلام، وأنواع الخطاب، ووجد القرآن مبايناً لها - علم خروجه عن العادة، وجرى مجرى ما يعلم أن إخراج اليد البيضاء من الجيب خارج عن العادات، فهو لا يجوزه من نفسه، وكذلك لا يجوز وقوعه من غيره، إلا على وجه نقض العادة، بل يرى وقوعه / موقع المعجزة.

  27. وهذا وإن كان يفارق فلق البحر، وإخراج اليد البيضاء ونحو ذلك من وجه، فهو (٢) أنه يستوي الناس في معرفة عجزهم عنه، بكونه (٣) ناقضاً للعادة، من غير تأمل شديد، ولا نظر بعيد.

  28. فإن النظر في معرفة إعجاز القرآن يحتاج إلى تأمل، ويفتقر إلى مراعاة مقدمات، والكشف عن أمور نحن ذاكروها بعد هذا الموضع.

  29. فكل واحد منهما (٤) يؤول إلى مثل حكم صاحبه، في الجمع الذى قدمناه..ومما يبين ما قلناه -: من أن البليغ المتناهي في وجوه الفصاحة يعرف إعجاز القرآن، وتكون معرفته حجة عليه، إذا تحدى إليه وعجز عن مثله، وإن لم ينتظر وقوع التحدي في غيره، وما لذى يصنع ذلك بالغير.

  30. - فهو ما روي في الحديث أن جبير بن مطعم ورد على النبي صلى الله عليه وسلم في معنى حليف له، أراد أن يفاديه، فدخل والنبي صلى الله عليه وسلم يقرأ سورة (وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ) في صلاة الفجر، قال: فلما انتهى إلى قوله: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ، مَّا لَهُ مِنْ دَافِعٍ) ، قال: خشيت أن يدركني العذاب.

  31. فأسلم (٥) .

  32. وفي حديث آخر، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع سورة (طه) فأسلم (٦) .

  33. وقد رُوي أن قوله عز وجل في أول (حم) السجدة إلى قوله (فأعرض أكثر هم فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ) (٧) نزلت في شيبة وعتبة ابني ربيعة، وأبي سفيان بن حرب، وأبي جهل.

  34. وذكر أنهم بعثوا هم وغيرهم من وجوه قريش، بعتبة بن ربيعة

    ج ٢ ص ٢٨إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليكلمه، وكان حسن الحديث، عجيب البيان (١) بليغ الكلام،.

  35. وأرادوا أن يأتيهم بما عنده فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم سورة (حم) السجدة، من أولها حتى انتهى إلى قوله: (فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنْذَرْتُكُم صَاعِقةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ) ، فوثب مخافة العذاب، فاستحكوه ما سمع فذكر أنه لم يفهم (٢) منه كلمة واحدة، ولا اهتدى لجوابه.

  36. ولو كان ذلك من جنس كلامهم لم يخف عليه وجه الاحتجاج والرد.

    فقال له عثمان بن مظعون: لتعلموا أنه من عند الله، إذ لم يهتد لجوابه (٣) .

  37. وأبين من ذلك قول الله عز وجل: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكينَ استَجَارَكَ فَأَجِرْهُ، حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ، ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) (٤) فجعل سماعه حجة عليه بنفسه، فدل على أن فيهم من يكون سماعه إياه حجة عليه.

  38. فإن قيل: لو كان [كذلك] على ما قلتم، لوجب أن يكون حال / الفصحاء الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، على طريقة واحدة في إسلامهم عند سماعه.

  39. قيل له: لا يجب ذلك، لأن صوارفهم كانت كثيرة، منها أنهم كانوا يشكون: ففيهم (٥) من يشك في إثبات الصانع، وفيهم من يشك في التوحيد،

    وفيهم من يشك في النبوة.

  40. ألا ترى أن أبا سفيان بن حرب، لما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلم عام الفتح، قال له النبي عليه السلام: أما آن لك أن تشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: بلى.