باب زيد

١٠٢ فقرة، ج ٤ ص ٧٧

الصفحة ١ من ٣

  1. [٨٠٠] زيدُ بنُ الخطَّابِ بن نُفيلِ بنِ عبدِ العُزَّى بن رِياحِ (١) بنِ عبدِ اللهِ بنِ قُرْطِ بنِ رَزَاحٍ بنِ عديِّ بنِ كعبِ بنِ لُؤيِّ بنِ غالبِ بنِ فهرٍ القُرَشيُّ العَدَويُّ (٢) ، أخو عمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنهما لأبيه، يُكنَى أبا عبدِ الرَّحمنِ، أُمُّه أسماءُ بنتُ وهبِ بنِ حبيبٍ مِن بني أَسَدِ بنِ خُزيمةَ، وأمُّ عمرَ (٣) حَنْتَمَةُ (٤) بنتُ هاشمِ بنِ المُغيرةِ المَخزوميِّ، كانَ زِيدٌ أَسَنَّ مِن عُمرَ، وكانَ مِن المُهاجرينَ الأوَّلين، أسلَمَ قبلَ عُمَرَ، وَآخَى رسولُ الله ﷺ بينَه وبينَ مَعنِ (٥) بن عديٍّ العَجلانيِّ، حينَ آخى بينَ المُهاجرينَ والأنصار بعدَ قُدومِه المَدينةَ، فقُتِلا باليمامة شَهيدين.

    ج ٤ ص ٧٧
  2. وكانَ زيدُ بنُ الخطَّاب طويلاً بائنَ الطُّولِ، أَسمَرَ، شَهِدَ بدرًا وأُحُدًا والخَندَقَ وما بعدَها مِن المَشاهِدِ، وشهِدَ بيعةَ الرِّضوانِ

    ج ٤ ص ٧٨بالحُديبية، ثمَّ قُتِلَ باليمامةِ (١) شهيدًا سنَةَ اثنتَيْ عشْرَةَ، وحَزِنَ عليه عمرُ حُزنًا شديدًا.

  3. ذكَرَ أبو زُرعةَ الدِّمَشقيُّ (٢) في باب الإخوةِ من "تاريخِه" (٣) ، قال: أخبَرَني محمدُ بنُ أبي عُمرَ، قَالَ: سَمِعْتُ سفيان بن عُيينةَ يقولُ: قُتِلَ زيدُ بنُ الخطَّابِ باليمامةِ، فوجَدَ عليه عُمرُ وجْدًا شديدًا.

    قال أبو زُرعةً: وشهدْتُ أبا مُسهِرٍ يُملي على يحيى بن مَعينٍ، قال: حدَّثَنَا صَدَقَةُ بنُ خالدٍ، عَنِ ابنِ جابرٍ، قالَ: قالَ عمرُ بنُ الخطَّاب رضي الله عنه : مَا هَبَّتِ الصَّبَا إِلَّا وأنا أجِدُ مِنها رِيحَ زيدٍ (٤) .

  4. وروَى نافعٌ، عن ابنِ عمرَ، قال: قالَ عمرُ لأخيه زيدٍ يومَ أُحُدٍ: خُذْ دِرعِي، قالَ: إِنِّي أُريدُ مِنَ الشَّهادة ما تُريدُ، فترَكَاها جميعًا (٥) .

  5. وكانت مع زيدٍ رايةُ المسلمينَ يومَ اليمامَةِ، فلم يزَلْ يتقدَّمُ بها في نحر العَدوِّ، ويُضارِبُ بسيفِه حتَّى قُتِلَ رحمه الله ، ووقَعَتِ الرَّايةُ فأَخَذَها سالمُ بنُ مَعقِلٍ مَولى أبي حُذيفة.

    ج ٤ ص ٧٩
  6. وذكَرَ محمدُ بنُ عُمر الواقديُّ، قال: حدَّثَني الجحَّافُ (١) بنُ عبدِ الرَّحمنِ مِن ولَدِ زيدِ بنِ الخطَّابِ، عَن أبيهِ، قَالَ: كَانَ زِيدُ بنُ الخطَّابِ يَحمِلُ رايَةَ المُسلِمينَ يومَ اليمامةِ، وقد انكشَفَ المسلِمونَ حتَّى غلَبَت حنيفَةُ على الرِّحالِ (٢) ، فجعَلَ زَيدٌ يقولُ: أَمَّا الرِّحالُ (٢) فلا رحال (٣) ، [وأمَّا الرِّجالُ فلا رجالَ] (٤) ، ثمَّ جَعَلَ يَصيحُ بأعلَى صَوتِه: اللَّهمَّ إِنِّي أعتَذِرُ إليك مِن فِرارِ أصحابي، وأبرَأُ إليك ممَّا جاءَ به مُسَيلِمةُ ومُحَكِّمُ (٥) بنُ الطُّفَيلِ، وجعَلَ يُشيرُ (٦) بالرَّايةِ يتقَدَّمُ بها في نَحرِ العَدوِّ، ثمَّ ضارَبَ (٧) بسَيفِه حتَّى قُتِلَ رحمه الله ، ووقَعَتِ الرَّايَةُ، فأَخَذَها سالِمٌ مَولى أبي حُذَيفةً، فقال المُسلِمونَ: يا سالمُ، إِنَّا نخافُ

    ج ٤ ص ٨٠أن نُؤْتَى مِن قِبَلِك! فقالَ: بئسَ حَامِلُ القُرآنِ أنا إِن أُتِيتُم (١) مِن قِبَلِي (٢) .

  7. وزيدُ بنُ الخطَّاب هو الذي قتَلَ الرَّحَالَ (٣) بنَ عُنفُوَة (٤) ، وقيلَ: عَفوةٌ، واسمُه نَهارُ بنُ عُنفوَةَ (٤) ، وكانَ قد هاجَرَ وقرَأَ القُرآنَ، ثمَّ سارَ إلى مُسيلِمةَ مُرتدًّا، وأخبَرَه أنَّه سمِعَ رسول الله ﷺ يُشْرِكُه في الرسالةِ، فكانَ أعظَمَ فتنةٍ على بني حَنيفةَ.

  8. ورُوِيَ عن أبي هريرةَ، قالَ: جلَسْتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ فِي رَهْطٍ، ومعنا الرَّحَالُ (٣) بنُ عُنْفُوةَ، فقالَ: "إِنَّ فيكم لرَجُلًا ضِرِسُه في النَّارِ مثلُ أُحُدٍ" ، فهلَكَ القومُ، وبقيتُ أنا والرَّحَالُ (٣) ، فكنتُ مُتخوِّفًا لها حتَّى خرَجَ الرَّحَالُ (٤) مع مُسيلمةَ، وشهِدَ له بالنُّبوَّة، وقُتِلَ يومَ اليمامةِ، قتَلَه زيدُ بنُ الخطَّابِ (٥) .

  9. وذكَرَ خَليفَةُ بنُ خَيَّاطٍ (٦) ، قال: حدَّثَنَا مُعَاذُ بنُ مُعَاذٍ، عَنِ ابنِ عونٍ (٧) ، عَن محمدِ بنِ سيرينَ، قالَ: كانوا يرَون أَنَّ أَبا مَرِيمَ الحَنَفِيَّ

    ج ٤ ص ٨١قتَلَ زيدَ بنَ الخطَّابِ يومَ اليَمَامَةِ، قالَ: وقالَ أبو مَريمَ لعُمرَ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، إِنَّ اللهَ أكرَمَ زيدًا بيَدي ولَم يُهنِّي بِيَدِه.

    قال (١) : وأخبَرَنا عليُّ بنُ محمدٍ، قالَ: حَدَّثَنَا المُبارَكُ (٢) بنُ فَضالَةَ، عَنِ الحَسنِ، قالَ: كانوا يَرَون أنَّ أبا مَرْيَمَ الحَنَفِيَّ قَتَلَ زِيدَ بنَ الخطَّابِ (٣) .

    قالَ (١) : وأخبرنا عليُّ بنُ محمدٍ أبو الحَسنِ، عن أبي خُزيمةَ الحنفيِّ، عن قيسِ بن طلقٍ قالَ: قتَلَه سَلَمَةُ (٤) بنُ صُبيحٍ ابنُ عمِّ أبي مَريم.

    قال أبو عمرَ رضي الله عنه : النَّفْسُ أميَلُ إلى هذا؛ لأنَّ أبا مريمَ لو كانَ قاتلَ زيدٍ ما استقضاه عُمرُ (٥) واللهُ أعلَمُ.

  10. وقَد كانَ مالكٌ، يقولُ: أَوَّلُ مَن استقضَى مُعاويةُ، ويُنكِرُ أن يكونَ استقضَى أَحَدٌ مِن الخُلفاء الأربعةِ (٦) .

  11. وهذا عندنا محمولٌ علَى حضرَتِهم، لا على ما نأَى عنهم، وأمَّرُوا عليه مِن أعمالِهم غيرَهم؛ لأنَّ استقضاءَ عمرَ لشُريحٍ عَلَى الكوفة أشهَرُ عندَ علمائِها من كلِّ شُهرةٍ وصحَّةٍ.

    ج ٤ ص ٨٢
  12. ولمَّا قُتِلَ زيدُ بنُ الخطَّابِ ونُعِيَ إلى أخيه عُمرَ، قالَ: رحِمَ اللهُ أخي، سبَقَني إلى الحُسنَيَيْنِ، أَسلَمَ قبلِي، واستُشهِدَ قبلِي (١) .

  13. وقالَ عُمرُ لِمُتمِّمِ بنِ نُويرَةَ حينَ أَنشَدَه مَراثيه في أخيه: لو كنتُ أُحسِنُ الشِّعرَ لقَلْتُ في أخِي زيدٍ مثلَ ما قلْتَ في أخيكَ، فقالَ مُتمِّمٌ: لو أنَّ أخي ذهَبَ على ما ذهَبَ عليه (٢) أخوكَ ما حزنْتُ عليه، فقالَ عُمرُ: ما عزَّاني أحَدٌ بأحسَنَ ممَّا عزَّيتَني به (٣) .

  14. [٨٠١] زيدُ بنُ حارثةَ (٤) بنِ شَراحِيلَ الكَلبيُّ أبو أُسامةَ، مَولَى رسولِ الله ﷺ (٥) ، هو زيدُ بنُ حارثةَ بن شَراحيلَ بنِ كعبِ بنِ

    ج ٤ ص ٨٣عبدِ العُزَّى [بنِ يزيدَ] (١) بنِ امرئِ القَيسِ بنِ عامرِ بنِ النُّعمانِ بن عامرِ ابن عبدِ وُدِّ [بنِ امرئ القيس بن نُعمانَ بنِ عمرانَ بنِ عبدِ عوف] (٢) بنِ عوفِ بنِ كِنانةَ بنِ بكرِ بنِ عوفِ بنِ عُذْرَةَ بنِ زِيدِ اللَّاتِ بنِ رُفيدَةَ بنِ ثَورِ بنِ كَلبِ بنِ وَبَرَةَ بنِ تَغلِبَ (٣) بنِ حُلوانَ بنِ عِمرانَ بنِ الحافِ بنِ قُضاعةَ [بن مالك بنِ عمرو بنِ مُرةَ بنِ زِيدِ بن مالكِ بن حميرَ بنِ سبأ ابن يَشْجُبَ بن يَعرُبَ بن قحطان] (٤) ، هكذا نسَبَه ابنُ الكَلبيِّ وغيرُه (٥) ، ورُبَّما اختلفُوا في الأسماء وتقديم بعضِها علَى بعضٍ، وزيادة شيءٍ فيها.

    قالَ ابنُ الكَلبي: وأمُّ زيدٍ سُعدَى بنتُ ثعلَبَةَ بنِ عبدِ عامرِ بنِ أَفَلَتَ من بني مَعنٍ (٦) مِن طَيِّيءٍ (٧) .

  15. وكان ابنُ إسحاقَ يقولُ (٨) : زيدُ بنُ حارثةَ بنُ شُرَحبيلٍ.

  16. [ولم يُتابَعْ على قولِه: شُرحبيلٌ] (٩) ، وإنَّما هو شَراحيلُ.

  17. كان زيدٌ هذا قد أصابَه سباءٌ في الجاهليةِ، فاشتراه حكيمُ بنُ حزامٍ في سوقِ حُبَاشَةَ، [وهي سوقٌ بناحيةٍ مكَّةَ كانَت مَجمعًا للعربِ يتسوَّقونَ بها في كلِّ سنةٍ، اشتراه حكيمٌ] (١) لخديجةَ بنتِ خُويلدٍ، فوهَبتَه خديجةُ لرسول الله ﷺ ، فتبنَّاه رسولُ الله ﷺ بمكَّة قبلَ النُّبوَّة، وهو ابنُ ثمان سنين، وكان رسولُ اللهِ ﷺ أكبَرَ مِنه بعشرِ سِنينَ، [وقَد قيل: بعشرين سنةً] (٢) ، وطافَ به رسولُ اللهِ ﷺ حينَ تبنَّاه على حَلَقِ قُريشٍ، يقولُ: "هذا ابني وارثًا وموروثًا" يُشْهِدُهم على ذلك، هذا كلُّه معنَى قولِ مُصعبٍ والزُّبيرِ بنِ بكَّارٍ وابنِ الكلبيِّ وغيرِهم (٣) .

    قال عبدُ الله بنُ عمر رضي الله عنهما : ما كنَّا ندعو زيدَ بنَ حارثةَ إِلَّا زيدَ بنَ محمدٍ، حتَّى نَزَلَت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] (٤) .

    ج ٤ ص ٨٤
  18. ذكَرَ الزُّبيرُ، عنِ المَدائنيِّ، عن ابنِ الكَلبيِّ، عن أبيه، عَن جَميل ابن يزيد الكَلبيِّ، وعَن أبي صالِحٍ، عَنِ ابنِ عباسٍ - وقولُ جَميلٍ أتمُّ - قالَ: خَرَجَت سُعدَى بنتُ ثعلبةً أُمُّ زيدِ بنِ حارثةَ، وهي امرأةٌ مِن

    ج ٤ ص ٨٥طيِّيءٍ، تزورُ قَومَها، وزَيدٌ معَها، فأغارَت خَيلٌ لبنى القَينِ بنِ جَسرٍ في الجاهليَّةِ، فَمَرُّوا على أبياتِ بَني مَعنٍ - رَهْطٍ أُمِّ زيدٍ - فاحتَمَلوا زيدًا وهو يومَئذٍ غلامٌ يفَعَةٌ، فوافَوْا به سُوقَ عُكاظٍ، فعَرَضوه للبَيعِ، فاشتراه منهم حَكيمُ بنُ حِزامِ بن خُوَيلِدٍ لَعَمَّتِه خَديجَةَ بنتِ خُوَيلِدٍ بأربعِمائةِ درهمٍ، فلمَّا تزوَّجَها رسولُ اللهِ ﷺ وهَبَته له، فقبَضَه، وقالَ أبوه حارثةُ بنُ شَراحيلَ حينَ فَقَدَه:

    بكَيْتُ على زيدٍ ولَم أَدْرِ ما فَعَلْ … أحَيٌّ يُرجَّى أم أتى دُونَه الأجَلْ

    فواللهِ مَا أَدْرِي وإن كنتُ سائلاً … أغالَك سَهْل الأرض أم غالَكَ الجَبَلْ

    فيا لَيتَ شِعري هل لك الدَّهر رجعَةٌ … فحَسْبِي مِنَ الدُّنيا رُجوعُك لي بَجَلْ (١)

    تُذَكِّرُنِيه الشَّمسُ عندَ طُلوعِها … وتعرِضُ ذِكْرَاه إذا قارَبَ الطَّفَلْ (٢)

    وإن هَبَّتِ الأرواحُ هَيَّجْنَ ذِكْرَه … فيا طُولَ ما حُزنِي (٣) عليه ويا وجَلْ

    سأُعْمِلُ نَصَّ العِيسِ (٤) في الأرضِ جاهِدًا … ولا أسأمُ التَّطوافَ أو تسأمُ الابلْ

    حيَاتِي أو تأتِي عَلَيَّ مَنِيَّتِي … وكُلُّ امرِيُّ فانٍ وإِن غَرَّه الأَمَلْ (٥)

    سأوصِي به قيسًا وعَمرًا كليهما … وأُوصِي يزيدًا (٦) ثمَّ مِن بَعدِه جَبَلْ

    يعني جبلَةَ بنَ حارثةَ أخا زيدٍ، وكانَ أكَبَرَ مِن زيدٍ، ويعني يزيدَ (٧)

  19. أخا زيدٍ لأمِّهِ، وهو يزيدُ بنُ كعبِ بنِ شَراحيلَ.

    ج ٤ ص ٨٦
  20. فحَجَّ ناسٌ مِن كَلبٍ فرَأوا زيدًا فعرَفَهم وعرَفَوه، فقالَ لهم: أبلغوا أهلي هذه الأبيات، فإنِّي أعلَمُ أنَّهم قد جزِعُوا عَلَيَّ، فقالَ:

    أحِنُّ (١) إلى قَومِي وإن كنتُ نائيًا … فإنِّي قَعِيدُ (٢) البيتِ عندَ المَشاعرِ

    فكُفُّوا مِنَ الوَجدِ الذي قد شجَاكُمُ … ولا تُعْمِلُوا في الأرضِ نصَّ الأَباعِرِ

    فإِنِّي بحمدِ اللهِ في خيرِ أُسْرَةٍ … كرامِ معدٍّ كابِرًا بعدَ كابِرِ

    فانطلَقَ الكَلبيُّون، فأعلَمُوا أباه، فقالَ: ابني ورَبِّ الكَعبةِ، ووصَفُوا له مَوضِعَه، وعندَ مَن هو، فخرَجَ حارثهُ وكعبٌ ابنا شَراحيلَ لفدائِه، وقدِما مكَّةَ فسألا عن النَّبيِّ ﷺ ، فقيلَ: هو في المَسجدِ، فدخَلا عليه، فقالا: يا ابنَ عبدِ المُطَّلِبِ، يا ابنَ هاشمٍ، يا ابنَ سَيِّدِ قومِه، أنتم أهلُ حرَمِ اللهِ وجيرانُه، تفكُّونَ العانِيَ، وتُطعِمُون الأسيرَ (٣) ، جئناك في ابنِنا عبدِك (٤) ، فامنُنْ علينا، وأحسِنْ إلينا في فدائِه، قال: "مَن هو؟ " قالوا: زيدُ بنُ حارثةَ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "فهلَّا غيرَ ذلك؟ " قالوا: ما هو؟ قال: "أدعُوه فأُخَيِّرُه (٥) ، فإن اختارَكم فهو لكم، وإن اختارَني فوالله ما أنا بالذي أختارُ علَى مَن اختارَني

    ج ٤ ص ٨٧أحَدًا "، قالا: قد زدْتَنا علَى النَّصَفِ (١) ، وأحْسَنْتَ، فدعاه، فقال: " هل تعرفُ هؤلاءِ؟ " قال: نعَم، قالَ: " من هذا؟ " قال: أبي، وهذا عمِّي، قال: " فأنا مَن قد علِمْتَ، ورأيْتَ صُحبَتي لك، فاختَرْني أو اختَرْهما "، قال زيدٌ: ما أنا بالذي أختارُ عليك أحَدًا، أنتَ منِّي مكانَ الأبِ والعَمِّ، فقالا: ويحَك يا زيدُ! أتختارُ العُبوديةَ على الحُريَّةِ وعلى أبيكَ وعمِّك، وأهلِ بيتِك؟ ! قالَ: نعَم، قد رأيْتُ مِن هذا الرجُلِ شيئًا، ما أنا بالذي أختارُ عليه أحَدًا أبَدًا، فلمَّا رأى رسولُ اللهِ ﷺ ذلك أخرَجَه إلى الحِجر، فقالَ: " يا مَن حضَرَ، اشْهَدُوا (٢) أَنَّ زيدًا ابني يرثُني وأرِثُه "، فلمَّا رأى ذلك أبوه وعمُّه طابَت نفوسُهما فانصَرَفا، ودُعِيَ زيدَ ابنَ محمدٍ، حتَّى جاءَ اللهُ بالإسلامِ فَنَزَلَت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] ، فدُعِيَ يومَئِذٍ زيدَ بنَ حارثة، ودُعِيَ الأدعياءُ إلى آبائِهم، فدُعِي المِقدادُ بن عمرٍو، وكانَ يُقالُ له قبل ذلك: المِقدادُ بنُ الأسودِ؛ لأنَّ الأسودَ بنَ عبدِ يغوثَ كانَ قد تبَنَّاه (٣) .

  21. وذكَرَ مَعْمَرٌ في "جامعِه" (٤) ، عنِ الزُّهريِّ، قال: ما علِمْنا أحَدًا أسلَمَ قبل زيدِ بنِ حارثةَ، قالَ عبدُ الرَّزَّاقِ: وما أعلَمُ أَحَدًا ذكَرَه غيرَ الزُّهريِّ.

    ج ٤ ص ٨٨قالَ أبو عمرَ رضي الله عنه : وقد رُوي عن الزُّهريِّ مِن وجوهٍ أنَّ أَوَّلَ مَن أسلَمَ خَديجةُ.

  22. وشهِدَ زَيدُ بنُ حارثةَ بدرًا، وزَوَّجه رسولُ اللهِ ﷺ مَولاتَه أمَّ أيمنَ، فولَدَت له أُسامةَ بنَ زيدٍ، وبه كانَ يُكنَى، وكان يُقالُ لزيد بن حارثةَ: حِبُّ رسولِ اللهِ ﷺ .

  23. رُويَ عنه ﷺ أنَّه قالَ: "أحَبُّ الناسِ إِليَّ مَن أَنْعَمَ اللهُ عليه وأَنْعَمْتُ عليه" (١) ، يعني زيدَ بنَ حارثةَ، أنْعَمَ اللهُ عليه بالإسلام، وأنعَمَ عليه رسولُ الله ﷺ بالعِتقِ.

  24. وقُتِلَ زيدُ بنُ حارثةَ بمُؤتةً مِن أرض الشَّام سنَةَ ثمانٍ مِن الهِجرةِ، وهو كانَ الأميرَ على تلك الغَزوةِ، وقالَ رسولُ الله ﷺ : "فإن قُتِلَ زيدٌ فجعفَرٌ، فإن قُتِلَ جعفَرٌ فعبدُ اللهِ بنُ رَواحةَ" (٢) ، فقُتِلُوا (٣) ثلاثَتُهم في تلك الغزوةِ، ولمَّا أتَى رسولَ الله ﷺ نعيُ جعفَرِ بن أبي طالبٍ وزيدِ بنِ حارثة بكَى، وقالَ: "أخوايَ ومُؤنِسايَ ومُحدِّثايَ" (٤) .

  25. حدَّثَني أبو القاسِمِ عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ [بنِ جَبْرونَ] (١) ، قال: حدَّثَنا أبو محمدٍ قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي خَيْثَمَةَ، قال: حدَّثنا ابنُ مَعينٍ، قال: حدَّثنا يحيَى بنُ عبدِ اللهِ بنِ بُكَيْرٍ المصريُّ، قال: حدَّثَنَا اللَّيثُ بنُ سعدٍ، قالَ: بلغَني أَنَّ زِيدَ بنَ حارِثَةَ اكتَرَى مِن رجُلٍ بَغلًا مِنَ الطَّائف واشترَطَ عليه الكَرِيُّ أَن يُنزِلَه حيثُ شاءَ، قال: فمالَ به إلَى خَرِبَةٍ، فقال له: انزِلْ، فنزَلَ، فإذا في الخَرِبَةِ قتلَى كثيرَةٌ (٢) ، قال: فلمَّا أرادَ أن يقتُلَه، قالَ له: دَعْني أُصلِّي ركعتينِ، قالَ: صَلِّ؛ فقَد صلَّى قَبلَك هؤلاء فلَم تنفَعْهم صلاتُهم شيئًا، قالَ: فلمَّا صلَّيتُ أتاني ليقتُلَنِي، قال: فَقُلْتُ: يا أرحمَ الرَّاحِمينَ، قالَ: فسمِعَ صوتًا: لا تَقتلْه، قال: فهابَ ذلك، فخرَج يطلُبُ فلم يَرَ شيئًا، فرجَعَ إلىَّ، فنادَيتُ: يا أرحَمَ الرَّاحمينَ، ففعَلَ ذلك ثلاثًا، فإذا أنا بفارس علَى فَرَسٍ في يدِه حَربَةُ حديدٍ، في رأسِها شُعلَةٌ من نارٍ، فطعَنَه بها فأنفَذَه من ظَهرِه، فوقَعَ ميِّتًا، ثُمَّ قَالَ لِي: لَمَّا دعوتَ المَرَّةَ الأولى: يا أرحمَ الرَّاحِمينَ، كنْتُ في السَّماءِ السَّابعةِ، فلمَّا دعوتَ في المرَّةِ الثَّانيةِ: يا أرحَمَ الرَّاحِمينَ، كُنْتُ في السَّماءِ الدُّنيا، فلمَّا [دعَوتَ في المرَّةِ] (٣) الثَّالثةِ: يا أرحَمَ الرَّاحمينَ، أتيتُك (٤) .

    ج ٤ ص ٨٩
  26. [٨٠٢] زيدُ بنُ كعبٍ البَهزيُّ ثُمَّ السُّلَمِيُّ (١) ، صاحبُ الظَّبيِ الحاقِفِ (٢) ، وكانَ صائدَه، روَى عنه عُميرُ (٣) بنُ سلَمَة (٤) .

    ج ٤ ص ٩٠
  27. [٨٠٣] زيدُ بنُ سهلِ بنِ الأسودِ بنِ حَرامِ [بنِ عمرِو] (٥) بن زيدِ مناةَ ابن عديِّ بنِ عمرِو بن مالكِ بنِ النَّجَّارِ، أبو طلحةَ الأنصاريُّ النَّجَّارِيُّ (٦) ، وأُمُّه أيضًا من بني مَالِك بنِ النَّجَّارِ، وهي عُبادة بنتُ

    ج ٤ ص ٩١مالكِ بنِ عديِّ بنِ زيدِ مناةَ بنِ عديِّ بنِ عمرِو بنِ مالكِ بنِ النَّجَّارِ، وهو مَشهورٌ بكُنيتِه، شهِدَ بدرًا.

  28. روَى عنه من الصَّحابةِ ابنُ عباسٍ، وأنَسٌ، وزيدُ بنُ خالدٍ.

  29. روَى حمادُ بنُ سَلَمَةَ، عن ثابتٍ البُنانيِّ وعليِّ بن زيدٍ، عن أَنَسٍ، أنَّ أبا طلحَةَ قرَأَ سورةَ "براءَةَ" ، فأتَى علَى قَولِه عز وجل : ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١] ، فقالَ: لا أرى [ربَّنا إِلَّا يَسْتَنفِرُنا] (١) شُبَّانًا وشيوخًا، يا بنيَّ جهِّزوني جَهَّزوني، فقالوا له: يرحَمُك الله، قَد غزَوتَ مع رسولِ الله ﷺ حتَّى ماتَ، ومعَ أبي بكرٍ حَتَّى ماتَ، ومعَ عُمرَ حتَّى ماتَ، فَدَعْنَا نَعْزُ عنك، قالَ: لا، جَهَّزوني، فغزَا البحرَ، فماتَ في البحرِ فلَم يجِدُوا له جزيرَةً يدفنونَه فيها إلَّا بعدَ سَبعَةِ أَيَّامٍ، فدَفَنوه بها، وهو لَم يتغَيَّرْ (٢) .

    قال أبو عمر رضي الله عنه : يُقالُ: إِنَّ أبا طلحَةَ تُوفِّي سنةَ إحدَى وثلاثينَ، وقيلَ: سنةَ اثنتينِ وثلاثينَ، وقالَ أبو زُرعةَ (٣) : عاشَ أبو طلحةَ بالشَّامِ

    ج ٤ ص ٩٢بعدَ موتِ رسولِ اللهِ ﷺ أربعينَ سنَةً يسرُدُ الصومَ.

    قال أبو زُرعةَ (١) : سمِعْتُ أبا نُعيمٍ يَذْكُرُ ذلكَ عَن حَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ، عَن ثابتٍ البُنَانيِّ (٢) ، عَن أنسٍ أنَّه - يعني أبا طَلْحَةَ - سَرَدَ الصَّومَ بعد النَّبِيِّ ﷺ أَربَعينَ سَنَةً.

  30. وهذا خِلافٌ بَيِّنٌ لِمَا تقدَّم.

    وقالَ المَدائنيُّ: ماتَ أبو طلحَةَ سنَةَ إحدَى وخمسينَ (٣) .

  31. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قَالَ: حدَّثَنا قاسمُ بنُ أَصبَغَ، قالَ: حَدَّثَنَا ابنُ وضَّاح، قالَ: حَدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيدُ بنُ الحُبابِ، قال حدَّثَنَا شُعْبَةُ، قال: حدَّثنا ثابتٌ، قالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يقولُ: كانَ أبو طَلْحَةَ لا يكادُ يصومُ في عهدِ رسول الله ﷺ من أجل الغَزو، فلمَّا تُوفِّي رسولُ اللهِ ﷺ ما رأيتُه مُفطِرًا إِلَّا يومَ فِطرٍ أو (٤) أضحًى (٥) .

    وقال سفيانُ بن عُيينةً: اسمُه زيدُ بنُ سهلٍ، وهو القائلُ:

    ج ٤ ص ٩٣أنا أبو طَلْحَةَ واسمِي زَيدُ

    وكُلَّ يومٍ في سِلاحِي صَيدُ (١)

  32. وأبو طلحةَ هذا هو رَبيبُ أنسِ بنِ مالكٍ، خلَفَ بعدَ أبيهِ مالكِ بنِ النَّضرِ عَلَى أُمِّهِ أمِّ سُليمٍ بنتِ مِلحانَ، فوُلِدَ له منها عبدُ الله بنُ أبي طلحةَ والدُ إسحاقَ وإخوتِه.

  33. [٨٠٤] زيدُ بنُ أسلَمَ بن ثعلبَةَ بن عديِّ بنِ العَجْلانِ العَجْلانيُّ (٢) البَلَويُّ ثمَّ الأنصاريُّ (٣) ، حَليفٌ لبني عمرِو بنِ عوفٍ، شهِدَ بدرًا فيما ذكَرَ موسَى بنُ عُقبةَ (٤) ، وشهِدَ أُحُدًا، هو ابنُ عمِّ ثابتِ بنِ أَقرَمَ.

  34. [٨٠٥] زيدُ بنُ سُراقةَ بنِ كعبِ بنِ عمرِو بنِ عبدِ العُزَّى بنِ خُزيمةَ ابن عمرِو بنِ عبدِ عوف (٥) بنِ غنمٍ (٦) ، قُتِلَ يومَ جِسرِ أبي عُبيدٍ بالقادسيَّةِ.

  35. [٨٠٦] زيدُ بنُ ثابتِ بنِ الضَّحَّاكِ بن زيدِ بنِ لَوذانَ بنِ عمرِو بنِ عبدِ (١) عوفِ بنِ غنمِ بنِ مالكِ بنِ النَّجَّارِ الأنصاريُّ النَّجَّارِيُّ (٢) ، وأمُّه النَّوَّارُ بنتُ مالكِ بنِ مُعاويةَ بن عديِّ بنِ عامرِ بنِ غنمِ بنِ عدِّي بنِ النَّجَّارِ، يُكنَى أبا سعيدٍ، وقيلَ: يُكنى أبا عبدِ الرَّحمنِ، قالَه الهَيثمُ بنُ عديٍّ (٣) ، وقيلَ: يُكنَى أبا خارجةَ بابنِه خارجةَ.

    ج ٤ ص ٩٤
  36. يُقال: إنَّه كانَ في حينِ قُدومِ رسولِ الله ﷺ المدينةَ ابنَ إحدَى عشرَةَ سنةً، وكانَ يومَ بُعاثٍ ابنَ سِتِّ سِنينَ، وفيها قُتِلَ أبوه.

    وقالَ الواقديُّ (٤) : استصْغَرَ رسولُ اللهِ ﷺ يومَ بدرٍ جماعةً فرَدَّهم، منهم زيدُ بنُ ثابتٍ، فلم يشهَدْ بدرًا.

    قالَ أبو عمرَ رضي الله عنه : ثمَّ شَهِدَ أُحُدًا وما بعدَها مِنَ المَشاهِدِ.

  37. وقيل: إنَّ أوَّلَ مَشاهدِه الخندَقُ، قيلَ: وكانَ ينقُلُ التُرابَ يومئذٍ

    ج ٤ ص ٩٥مع المسلمينَ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "أمَّا إِنَّه نِعمَ الغُلامُ" ، وكانَت رايةُ بني مالكِ بن النَّجَّارِ في تبوكَ مع عُمارة بنِ حَزمٍ، فأَخَذَها رسولُ اللهِ ﷺ ، ودفَعَها إلى زيدِ بنِ ثابتٍ، فقالَ عُمارةُ: يَا رسولَ اللهِ، أبلَغَك (١) عنِّي شيءٌ؟ قال: "لا، ولكنَّ القُرآنَ مُقدَّم، وزيدٌ أكثَرُ أخذًا مِنك للقُرآنِ" (٢) ، وهذا عندِي خَبَرٌ لا يصحُّ، واللهُ أعلمُ.

  38. وأمَّا حديثُ أنسِ [بنِ مالكٍ] (٣) أنَّ زيدَ بنَ ثابتٍ أَحَدُ الذين جمَعُوا القُرآنَ على عهدِ رسولِ الله ﷺ يعنِي مِنَ الأنصار - فصحيحٌ (٤) ، وقد عارَضَه قومٌ بحديثِ ابن شهابٍ، عن عُبيدِ بنِ السَّبَّاقِ، عن زيدِ بنِ ثابتٍ، أنَّ أبا بكرٍ أَمَرَه في حينِ مَقتلِ القُرَّاءِ باليَمامةِ بجَمعِ القُرآنِ، قال: فجعلتُ أجمعُ القرآنَ مِن الرِّقاعِ والعُسُبِ (٥) وصُدورِ الرّجالِ، حتَّى وَجَدْتُ آخِرَ آيةٍ [مِنَ التَّوبة] (٦) مع رجُلٍ يُقال له: خُزيمةُ أو أبو خُزيمةَ (٧) ، قالوا: فلو كان زيدٌ قد جمَعَ القُرآنَ على عهدِ رسولِ الله ﷺ لأملاه مِن صَدرِه، وما احتاجَ

    ج ٤ ص ٩٦إلى ما ذكَرَ (١) ، قالوا: وأَمَّا خبَرُ جمعِ عُثمانَ للمُصحفِ فَإِنَّما جَمَعَه مِنَ الصُّحُفِ التي كانَت عندَ حفصَةَ مِن جمعِ أبي بكرٍ.

  39. وكانَ زِيدٌ يكتُبُ لرسول الله ﷺ الوَحيَ وغيرَه، وكانَت ترِدُ علَى رسول الله ﷺ كُتُبٌ بالسُّريانيَّةِ، فأمَرَ زيدًا فتعلَّمَها في بضعةً عشَرَ يومًا، وكتَبَ بعدَه لأبي بكرٍ وعُمرَ، وكتَبَ لهما مُعيقِيبُ الدَّوسِيُّ معَه أيضًا.

  40. واستخلَفَ عمرُ بنُ الخطَّابِ ﷺ زيدَ بنَ ثابتٍ على المدينةِ ثلاثَ مرَّاتٍ في حَجَّتينِ (٢) ، وفي خُروجه إلى الشَّامِ، وكتَبَ إِليه مِنَ الشَّامِ: إلى زيد بن ثابتٍ مِن عُمرَ بن الخطَّابِ (٣) .

    وقال نافعٌ، عن ابنِ عمرَ: كانَ عمرُ يستخلِفُ زيدًا إِذا حَجَّ، وكانَ عثمانُ يستخلِفُه أيضًا علَى المَدينةِ إذا حَجَّ (٣) .