باب الأفراد في الميم

١٤١ فقرة، ج ٤ ص ٦٠٦

الصفحة ١ من ٤

  1. [١٢٢٧] مصعبُ بنُ عُمَيرِ بنِ هاشمِ بنِ عبدِ منافِ بنِ عبدِ الدارِ [ابنِ قُصَيٍّ] (١) القُرَشِيُّ العَبْدَرِيُّ (٢) ، يُكنَى أبا عبدِ اللَّهِ، كان مِن جِلَّةِ الصحابةِ وفُضلائِهم، وهاجَر إلى أرضِ الحبشةِ في أَوَّلِ مَن هاجَر إليها، ثم شهِد بدرًا، ولم يَشهَدْ بدرًا مِن بني عبدِ الدارِ إلا رجلانِ: مصعبُ بنُ عُمَيرٍ، وسُوَيْبطُ بنُ حَرْمَلةَ، ويُقالُ: ابنُ حُرَيملةَ.

    ج ٤ ص ٦٠٦
  2. وكان رسولُ اللَّهِ ﷺ قد بعَث مصعبَ بنَ عُمَيرٍ إلى المدينةِ قبلَ الهجرةِ بعدَ العقبةِ الثانيةِ، يُقرِئُهم القرآنَ ويُفَقِّهُهم في الدِّينِ، وكان يُدْعَى القارئَ والمُقرِئَ، ويُقالُ: إِنَّه أَوَّلُ مَن جَمَّعَ الجُمُعةَ بالمدينةِ قبلَ الهجرةِ.

    قال البراءُ بنُ عازبٍ: أَوَّلُ مَن قدِم علينا مِن المُهاجِرينَ المدينةَ مصعبُ بنُ عُمَيرٍ أحدُ (٣) بني عبدِ الدارِ بنِ قُصَيٍّ، ثم أتانا بعدَه عمرُو بنُ أُمِّ مَكْتومٍ، ثم أَتَانا بعدَه عَمَّارُ بنُ ياسرٍ، وسعدُ بنُ أبي وَقَّاصٍ، وابنُ مسعودٍ، وبلالٌ، ثم أَتَانا عمرُ بنُ الخَطَّابِ في عشرينَ راكِبًا، ثم هاجَر رسولُ اللَّهِ ﷺ ، فقدِم علينا مع أبي بكرٍ (٤) .

  3. وقُتِل مصعبُ بنُ عُمَيرٍ يومَ أُحُدٍ شهيدًا، قتَله ابنُ قَمِئةَ (١) اللَّيثيُّ فيما قال ابنُ إسحاقَ (٢) ، وهو يومَئذٍ ابنُ أربعينَ سنةً أو أزيدُ شيئًا.

    ج ٤ ص ٦٠٧
  4. ويُقالُ: إِنَّ فيه نَزَلَتْ وفي أصحابِه يومَئذٍ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ الآية [الأحزاب: ٢٣] .

  5. أسْلَمَ بعدَ دُخُولِ رسولِ اللَّ ﷺ دارَ الأرقمِ.

  6. ذكَر الواقديُّ، عن إبراهيمَ بن محمدٍ العَبْدِيِّ، عن أبيه، قال: كان مصعبُ بنُ عُمَيرٍ فتى مَكَّةَ شبابًا وجَمَالًا وسَيْبًا (٣) ، وكان أبَوَاه يُحِبَّانِه، وكانَتْ أُمُّه تَكْسُوه أَحْسَنَ ما يكونُ مِن الثِّيَابِ، وكان أعطَرَ أهلِ مَكَّةَ، يَلْبَسُ الحَضْرَمِيَّ مِن النِّعَالِ، وكان رسولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُه، فيقولُ: "ما رأيتُ بِمَكَّةَ أحسنَ لِمَّةً، ولا أَرَقَّ حُلَّةً، ولا أَنْعَمَ نِعْمَةً مِن مصعبِ بنِ عُمَيْرٍ" ، فبلَغه أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو إلى الإسلامِ في دارِ الأرقمِ فدخَل فأسلَم، وكتَم إسلامَه خَوْفًا مِن أمِّه وقَوْمِه، فكان يَخْتَلِفُ إلى

    ج ٤ ص ٦٠٨رسولِ اللَّهِ ﷺ سِرًّا (١) ، فَبَصُرَ به عثمانُ بْنُ طَلْحَةَ يُصَلِّي، فأخبَر به قومَه وأُمَّه، فأخَذوه فحبَسوه، فلَمْ يَزَلْ مَحْبُوسًا إلى أنْ خرَج إلى أرضِ الحبشةِ (٢) .

  7. أخْبَرنِي أبو محمدٍ عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ، [قال: حدَّثنا محمدُ] (٣) بنُ بَكْرٍ (٤) التَّمَّارُ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، عن خَبَّابٍ، قال: قُتِل مصعبُ بنُ عُمَيرٍ يومَ أُحُدٍ، ولم تَكُنْ له إلا نَمِرةٌ (٥) ، كُنَّا إِذا غَطَّيْنا [بها رأسَه خَرَجَتْ رِجْلاه، وإذا غَطَّيْنا] (٣) رِجْلَيْهِ خرَج رأسُه، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "غَطُّوا بها رأسَه، واجعَلوا على رِجْلَيْهِ مِن الإِذْخِرِ" (٦) .

  8. ولم يَخْتلِفْ أهلُ السِّيَرِ أنَّ رايةَ رسولِ اللَّهِ ﷺ يومَ بدرٍ ويومَ أُحُدٍ كانَتْ بيدِ مصعبِ بنِ عُمَيرٍ، فلمَّا قُتِل يومَ أُحُدٍ أَخَذها عليُّ بنُ أبي طالبٍ، كَنَّاه الهيثمُ بنُ عَدِيٍّ أبا عبدِ اللَّهِ (١) .

    ج ٤ ص ٦٠٩
  9. [١٢٢٨] المِقْدادُ بنُ الأسودِ (٢) ، نُسِب إلى الأسودِ بنِ عبدِ يغوثَ بنِ وهبِ بنِ عبدِ منافِ بنِ زُهْرةَ الزُّهريِّ؛ لأنَّهُ كان تَبَنَّاه وحالَفه في الجاهليَّةِ، فقيل: المِقْدادُ بنُ الأسودِ، وهو المِقْدادُ بنُ عمرِو بنِ ثَعْلبةَ بنِ مالِك بنِ ربيعةَ بنِ ثُمامةَ بنِ مطرودِ بن عمرِو بنِ سعدٍ البَهْرانِيُّ (٣) ، مِن بَهْراءَ (٤) بنِ عمرِو بنِ الحافِ بنِ قُضاعةَ، وقيل: بل هو كِنْدِيٌّ مِن كِنْدةَ.

    وقال أحمدُ بنُ صالحٍ المِصْرِيُّ: المِقْدادُ حَضْرَميٌّ، وحالَف أبوه كِنْدةَ فنُسِب إليها، وحالَف هو بني زُهْرةَ، فقيل: الزُّهرِيُّ؛ لمحالفتِه

    ج ٤ ص ٦١٠الأسودَ بن عبدِ يَغوثَ الزُّهرِيَّ، وتَبَنَّاه الأسودُ، فقيل: المِقْدادُ بنُ الأسودِ بالتَّبَنِّي، وأبوه الذي ولده عمرُو بنُ ثَعْلَبةَ، فهو المِقْدادُ بنُ عمرٍو (١) .

    قال أبو عمرَ رضي الله عنه : قد قيل: إنَّه كان عبدًا حَبَشِيًّا للأسودِ بنِ عبدِ يغوثَ، فَتَبَنَّاه [بعد أنِ اسْتَلاطَهُ واسْتَلحَقَه] (٢) ، والأَوَّلُ أَصحُّ وأكثرُ، ولا يَصِحُّ قولُ مَن قال فيه: إنَّه كان عبدًا، والصحيحُ أنَّه [بَهْرَانِيٌّ مِن بَهْراءَ] (٣) ، يُكنَى أبا مَعْبَدٍ، وقيل: أبا الأسودِ.

  10. كان قديمَ الإسلامِ، لم يُقْدِمْ على الهجرةِ ظاهِرًا، فأتَى مع المُشرِكين مِن قُريشٍ هو وعتبةُ بنُ غَزْوانَ لِيَتَوَصَّلَا بالمسلمين، فانحازَا (٤) إليهم، وذلك في السَّرِيَّةِ التي بعَث فيها رسولُ اللَّهِ ﷺ عُبَيدةَ بنَ الحارثِ إلى ثَنِيَّةِ المَرَّةِ (٥) ، فَلَقُوا جَمْعًا مِن قُرَيشٍ عليهم عكرمةُ بنُ أبي جهلٍ، فلم يكنْ بينَهم قتالٌ، غيرَ أنَّ سعدَ بنَ أبي وَقَّاصٍ رمَى يومَئذٍ بسهمٍ، فكان أَوَّلَ سهمٍ (٦) رُمِي به في سبيلِ اللَّهِ، وهرَب

    ج ٤ ص ٦١١عُتْبةُ بنُ غَزْوانَ والمِقْدادُ بنُ الأسودِ يومَئذٍ إلى المسلمينَ، وشهِد المِقْدادُ في ذلك العامِ بدرًا، ثم شهِد المشاهدَ كلَّها.

    قال ابنُ أبي شَيْبَةَ (١) : حدَّثنا يحيى بنُ أبي (٢) بُكَيْرٍ، حدَّثنا زائدةُ، عن عاصمٍ، [عن زِرٍّ] (٣) ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: أَوَّلُ مَن أظهَر الإسلامَ سبعةٌ، فذكَر منهم المِقْدادَ.

  11. وكان مِن الفُضلاءِ النُّجَباءِ الكبارِ الخيارِ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ .

  12. وروَى فِطْرُ (٤) بنُ خليفةَ، عن كثيرٍ أبي (٥) إسماعيلَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مُلَيْلٍ، عن عليٍّ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إنَّه لم يَكُنْ نبيٌّ إلا أُعْطِيَ سبعةَ نُجَباءَ وُزراءَ ورُفَقاءَ، وإنِّي أُعطِيتُ أربعةَ عَشَرَ: حمزةُ، وجعفرٌ، وأبو بكرٍ، وعمرُ، وعليٌّ، والحسنُ، والحُسَينُ، وعبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ، وسلمانُ، وعَمَّارٌ، وحُذَيفةُ، وأبو ذَرٍّ، والمِقْدادُ، وبلالٌ" (٦) .

  13. وشهِد المِقْدادُ فتحَ مصرَ، وماتَ في أرضِه بالجُرْفِ، فَحُمِل إلى المدينةِ ودُفِن بها، وصَلَّى عليه عثمانُ بنُ عَفَّانَ سنةَ ثلاثٍ وثلاثينَ (١) .

    ج ٤ ص ٦١٢
  14. روَى عنه كبارُ التَّابِعِينَ: طارقُ بنُ شهابٍ، و [عُبَيدُ اللَّهِ] (٢) بنُ عَدِيِّ بنِ الخِيَارِ، وعبدُ الرحمنِ ابنُ أبي ليلى، ومِثْلُهم.

  15. وروَى طارقُ بنُ شهابٍ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: لقد شَهِدْتُ مِن المِقْدادِ مَشْهَدًا لأَنْ أكونَ صاحبَه أَحَبُّ إليَّ ممَّا طَلَعَتْ عليه الشمسُ، وذلك أنَّه أتَى النبيَّ ﷺ وهو يَذْكُرُ المُشركين (٣) ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ إنَّا واللَّهِ لا نقولُ لك كما قال أصحابُ موسى لموسى: اذْهَبْ أنت وربُّك فقاتلا إنَّا ههنا قاعدون، ولَكِنَّا نُقَاتِلُ مِن بينَ يَدَيْك ومِن خلفِك، وعن يَمِينِك وعن شِمَالِك، قال: فرأيتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يُشْرِقُ

    ج ٤ ص ٦١٣وَجْهُه لذلك، وسَرَّه وأعجَبه (١) .

  16. وتُوفِّيَ المِقْدادُ وهو ابنُ سبعينَ سنةً.

  17. روَى سليمانُ (٢) و [عبدُ اللَّهِ] (٣) ابنَا بُرَيدةَ، عن أبيهما، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ عز وجل أمَرني بِحُبِّ أربعةٍ مِن أصحابي، وأخبَرني أنَّه يُحِبُّهم" ، فقيل: يا رسولَ اللَّهِ، مَن هُم؟ قال: "عليٌّ، والمِقْدادُ، وسَلْمانُ، وأبو ذَرٍّ" (٤) .

  18. وروَى حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ سمِع رجلًا يَقْرَأُ ويرفعُ صوتَه بالقرآنِ، فقال: "أَوَّابٌ" ، وسمِع آخَرَ يَرْفَعُ صوتَه، فقال: "مُرَاءٍ" (٥) ، [فنَظَروا فإذا الأَوَّابُ] (٦) المِقْدَادُ بنُ

    ج ٤ ص ٦١٤عمرٍو (١) .

  19. وذكَر أحمدُ بنُ حنبلٍ (٢) ، حدَّثنا الأسودُ بنُ عامرٍ، حدَّثنا (٣) أبو بكرِ بنُ عَيَّاشٍ، عن الأعمشِ، عن سليمانَ (٤) بنِ مَيْسَرةَ، عن طارقٍ، عن المِقْدادِ، قال: لَمَّا نَزَلْنا المدينةَ عَشَّرَنا رسولُ اللَّهِ ﷺ عَشَرةً عَشَرةً في كلِّ بيتٍ، قال: فكُنْتُ في العَشَرةِ الذين كانوا مع رسولِ اللهِ ﷺ ، ولم يَكُنْ لنا إِلَّا شَاةٌ نَتَجزَّأُ لَبَنَها.

  20. [١٢٢٩] مُعَيقِيبُ بنُ أبي فاطمةَ (٥) ، مَوْلَى سعيدِ بنِ العاصِي، هكذا ذكَره موسى بنُ عقبةَ، عن ابنِ شِهَابٍ، قال: ويَزْعُمون أنَّه مِن دَوْسٍ (٦) ، وقال غيرُه: هو دَوْسِيٌّ، حليفٌ لآلِ سعيدِ بنِ العاصِي، أسلَم مُعَيقِيبٌ قديمًا بمكةَ، وهاجَر منها إلى أرضِ الحبشةِ الهجرةَ

    ج ٤ ص ٦١٥الثانيةَ، وأقام بها حتَّى قدِم على النبيِّ ﷺ بالمدينةِ، قيل: إنَّه قدِم عليه في السَّفِينتَينِ وهو بخيبرَ، وقيل: قدِم عليه قبلَ ذلك، وكان على خاتمِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، واستعمَله أبو بكرٍ وعمرُ على بيتِ المالِ، وكان قد نزَل به داءُ الجُذامِ، فعُولِجَ منه بأمرِ عمرَ بنِ الخَطَّابِ بالحَنْظَلِ، فتَوَقَّفَ أمرُه.

  21. وتُوفِّيَ في آخرِ خلافةِ عثمانَ، وقيل: بل تُوفِّيَ سنةَ أربعينَ في آخرِ خلافةِ عليٍّ، وهو قليلُ الحديثِ (١) .

  22. روَى عنه أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن النبيِّ ﷺ : "وَيْلٌ للأعقابِ مِن النارِ" (٢) ، ورُوِي عنه حديثٌ آخرُ مرفوعٌ في مسحِ الحَصَى (٣) ، وروَى عنه ابنُ ابنِه إياسُ بنُ الحارثِ بنِ مُعَيْقِيبٍ.

  23. [١٢٣٠] مُبَشِّرُ بنُ عبدِ المنذرِ بنِ زَنْبَرِ (١) بنِ زيدِ بنِ أُمَيَّةَ بنِ زيدِ بنِ مالكِ بنِ عوفِ بنِ عمرِو بنِ عوفِ بنِ مالكِ بنِ الأوسِ (٢) شهِد بدرًا مع أخيه أبي (٣) لُبابةَ بنِ عبدِ المنذرِ (٤) ، وقُتِل مُبَشِّرٌ يومَئِذٍ ببدرٍ شهيدًا، وقيل: قُتِل بخيبرَ (٥) .

    ج ٤ ص ٦١٦
  24. [١٢٣١] المُجَذِّرُ (٦) بنُ ذِيَادِ - ويُقالُ: ابنُ ذَيَّادِ، والكسرُ أكثر - بنِ

    ج ٤ ص ٦١٧عمرِو بنِ زَمْزَمةَ بنِ عمرِو بنِ عَمَّارةَ - وعَمَّارةُ بالفتحِ والتشديدِ في بَلِيٍّ - البَلَوِيُّ (١) حليفٌ للأنصارِ، قيل له: المُجَذِّرُ، لأنَّهُ كان غليظَ (٢) الخَلْقِ، والمُجَذِّرُ الغليظُ، واسمُه عبدُ اللَّهِ بنُ ذيادٍ، وهو الذي قتَل سُوَيدَ بنَ الصامتِ في الجاهليةِ فَهَيَّجَ (٣) قتلُه وقعةَ بُعَاثٍ، ثم أسلَم المُجَذِّرُ، وشهِد بدرًا، وهو الذي قتَل أبا البَخْتَرِيِّ (٤) العاصِيَ بنَ هشامِ بنِ الحارثِ بنِ أسدِ بنِ عبدِ العُزَّى بنِ قُصَيٍّ يومَ بدرٍ، وكان رسولُ اللَّهِ ﷺ قد قال يومَ بدرٍ: "مَن لَقِي أبا البَخْتَرِيِّ (٤) فلا يَقْتُلْه" ، وقال مثلَ ذلك في العباسِ، وإنَّما قال ذلك في أبي البَخْتَرِيِّ (٤) - فيما ذكَروا - لأنَّه لم يَبْلُغْه عنه شيءٌ يَكْرَهُه، وكان ممن قام في (٥) الصحيفةِ التي كتَبتْ قريشٌ على بني هاشمٍ وبني المُطَّلِبِ، فَلَقِيَهِ المُجَذِّرُ بن ذيادٍ، فقال له: يا أبا البَخْتَرِيِّ (٤) ، قد نهَى رسولُ اللَّهِ ﷺ عن قتلِك، ومع أبي البَخْتَرِيِّ (٤) زميلٌ له خرَج معه مِن مكةَ وهو جُنَادةُ (٦) بنُ مُلَيحةَ،

    ج ٤ ص ٦١٨رجلٌ مِن بني ليثٍ، قال: وزميلي؟ فقال المُجَذِّرُ: لا واللهِ، ما نحنُ بتارِكِي زميلِك، ما أمَرَنا رسولُ اللَّهِ ﷺ إلا بك وَحْدَك، قال أبو البَخْتَرِيِّ: لا واللهِ إذن لأَمُوتَنَّ أنا وهو جميعًا، لا تَتَحَدَّثُ عَنِّي قريشٌ بمكةَ أني ترَكتُ زميلي حرصًا على الحياةِ، فقال له المُجَذِّرُ: إن لم تُسلِمْه قاتَلتُك، فأبَى إلا القتالَ، فلمَّا نازَله جعَل أبو البَخْترِيِّ يَرْتجِزُ:

    لن يُسْلِمَ ابْنُ حُرَّةٍ زَمِيلَهْ

    ولا يُفارِقُ جَزَعًا (١) أَكِيلَهْ

    حتَّى يَمُوتَ أو يَرَى سَبِيلَهْ

    وارْتَجَزَ المُجَذِّرُ:

    أنا [الذي يُقالُ] (٢) أَصْلِي مِن بَلِي

    أَطْعُنُ بالحَرْبَةِ حَتَّى تَنْثَنِي

    ولا تَرَى مُجَذِّرًا يَفْرِي الفَرِي (٣)

  25. فاقْتَتَلا، فقتَله المُجَذِّرُ، ثم أتَى رسولَ اللَّهِ ﷺ ، فقال: والذي بعَثك بالحقِّ، لقد جَهِدتُ (٤) عليه أن يَسْتأسِرَ فآتِيَك به فأبَى إلا القتالَ، فقاتَلتُه فَقَتَلتُه (٥) .

  26. وقُتِل المُجَذِّرُ بنُ ذيادٍ يومَ أُحُدٍ شهِيدًا، قتَله الحارثُ بنُ [سُوَيدِ [ابنِ الصَّامتِ] (١) ، ثم لحِق بمكةَ كافرًا، ثم أتَى مُسلِمًا بعدَ الفتحِ، فقتَله النبيُّ ﷺ بالمُجَذِّرِ] (٢) ؛ وكان الحارثُ بنُ سُوَيدٍ يطلبُ غِرَّةَ المُجَذِّرِ ليَقتُلَه بأبيه، فشهِدا جميعًا أُحُدًا، فلمَّا كان مِن جولةِ الناسِ ما كان أتاه الحارثُ بنُ سُوَيدٍ مِن خَلفِه، فضرَب عُنُقَه، وقتَله غِيلةً (٣) ، فأتَى جِبْرِيلُ النبيَّ ﷺ فأخبَره بقتل المُجَذِّرِ غِيلَةً، وأمَره أن يَقتُلَه به، وذلك بعدَ قُدُومِه المدينةَ مِن مَكَّةَ، وقد ذكَر ابنُ إسحاقَ (٤) خبرَه على نحوِ هذا المعنى بخلافِ شيءٍ منه.

    ج ٤ ص ٦١٩
  27. وقيل: اسمُ المُجَذِّرِ عبدُ اللَّهِ بنُ ذيادٍ، وسنذكُرُه في العبادلةِ إن شاء اللهُ تعالى (٥) .

  28. [١٢٣٢] المُستورِدُ بنُ شَدَّادِ بنِ عمرٍو الفِهْرِيُّ القُرَشِيُّ (٦) ، سكَن

    ج ٤ ص ٦٢٠الكوفةَ، ثم سكَن مصرَ، روَى عنه أهلُ الكوفةِ وأهلُ مصرَ.

  29. روَى ابنُ وهبٍ، عن ابنِ لَهِيعةَ، عن يزيدَ بنِ عمرٍو المَعافِرِيِّ (١) ، عن أبي عبدِ الرحمنِ الحُبُلِيِّ، عن المُسْتورِدِ بن شَدَّادٍ، قال: رأيتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يُخَلِّلُ أصابعَ رِجْلَيْهِ في وُضُوئِه (٢) ، قال ابنُ وهبٍ: فَحَدَّثتُ مالكًا بحديثِ المُستورِدِ هذا، فقال: ما سمِعْنا به، قال ابنُ وهبٍ: ثم كان مالكٌ يعملُ به إلى أن مات (٣) .

  30. يُقالُ: إنَّه كان غلامًا يومَ قُبِض رسولُ اللَّهِ ﷺ ، ولكنه سمِع منه، [ووَعَى عنه] (٤) ، روَى عنه مِن الكُوفِيِّين قيسُ بنُ أبي حازمٍ، ومِن المِصريِّين عُلَيُّ بنُ رَبَاحٍ، وأبو عبدِ الرحمنِ الحُبُلِيُّ، وحُدَيجُ (٥) بنُ أبي عمرٍو، وروَى عنه حارثةُ بنُ وهبٍ، وعبدُ الرحمنِ بنُ جُبَيرٍ (٦) .

  31. [١٢٣٣] مُحْرِزُ (١) بنُ حارثةَ بنِ ربيعةَ بنِ عبدِ العُزَّى بنِ عبدِ شمسِ بنِ عبدِ مَنَافٍ (٢) ، استخلَفه عَتَّابُ بنُ أَسِيدٍ على مكةَ في سَفْرةٍ سافَرها، ثم وَلَّاه عمرُ بنُ الخَطَّابِ مكةَ في أَوَّلِ ولايتِه، ثم عزَله ووَلَّى قُنْفُذَ بنَ عُمَيرٍ التَّيْمِيَّ (٣) ، وقُتِل مُحْرِزُ (٤) بنُ حارثةَ بنِ ربيعةَ يومَ الجملِ، يُعَدُّ في المَكِّيِّين وبَنوه بمكةَ.

    ج ٤ ص ٦٢١
  32. [١٢٣٤] المِقْدامُ بنُ مَعْدِيكَرِبَ بنِ عمرِو بنِ يَزِيدَ (٥) بنِ مَعْدِيكَرِبَ بنِ عبدِ (٦) بنِ وهبِ بنِ ربيعةَ بنِ الحارثِ بنِ معاويةَ بنِ ثورِ بنِ عُفَيرٍ الكِنْدِيُّ، أبو كريمةَ (٧) ، وقيل: أبو صالحٍ، وقيل: أبو يحيى، وهو

    ج ٤ ص ٦٢٢أحدُ [الوفدِ الَّذِينَ] (١) وفَدوا على رسولِ اللَّهِ ﷺ مِن كِنْدةَ، يُعدُّ في أهلِ الشامِ، وبالشامِ مات سنةَ سبعٍ (٢) وثمانين، وهو ابنُ إحدَى وتسعينَ سنةً.

  33. روَى عنه سُلَيمُ بنُ عامرٍ الخَبائِريُّ، وخالدُ بنُ مَعْدانَ، والشعبيُّ، وأبو عامرٍ الهَوْزَنيُّ، و (٣) عبدُ الرحمنِ بنُ أبي عوفٍ الجُرَشِيُّ، وحبيبُ بنُ عُبَيْدٍ، وراشدُ بنُ سعدٍ (٤) ، وجماعةُ (٥) التابعين بالشامِ.

  34. [١٢٣٥] مُطِيعُ بنُ الأسودِ بنِ حارثةَ بنِ نَضْلَةَ بنِ عوفِ بنِ عَبِيدِ بنِ عَوِيجِ بنِ عَدِيِّ بنِ كعبٍ القُرَشِيُّ العَدَوِيُّ (٦) ، كان اسمُه العاصيَ فَسَمَّاه رسولُ اللَّهِ ﷺ مُطِيعًا (٧) ، وقال لعمرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه : "إِنَّ ابنَ

    ج ٤ ص ٦٢٣عَمِّك العاصيَ ليس بعاصٍ، ولكنَّه مُطِيعٌ " (١) .

  35. روَى عنه ابنُه عبدُ اللَّهِ بنِ مُطِيعٍ، ورُوي في تَسْميةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ إيَّاه مُطِيعًا خبرٌ رواه أهلُ المدينةِ، أنَّ النبيَّ ﷺ جلَس على المنبرِ، وقال للناسِ: "اجلِسوا "، فدخَل العاصي بنُ الأسودِ، فسمِع قولَه: " اجلِسوا "، فجلَس، فلمَّا نزَل النبيُّ ﷺ جاء (٢) العاصي، فقال له رسولُ اللَّهِ ﷺ : " يا عاصي، ما لي لم أَرَكَ في الصلاةِ؟ "، فقال: بأبي أنت وأمي يا رسولَ اللَّهِ، دخَلتُ فسمِعتُك تقولُ: " اجلِسوا "، فجلَستُ حيثُ انتهى إليَّ السمعُ، فقال: " لستَ بالعاصِي، ولكنَّك مُطِيعٌ "، فَسُمِّيَ مُطِيعًا مِن يومِئذٍ (٣) .

    قالوا: ولم يُدرِكْ مِن العُصَاةِ مِن قُرَيشٍ الإسلامَ أحدٌ غيرُ مُطِيعِ بنِ الأسودِ هذا، أسلَم يومَ فتحِ مكةَ، وهو مِن المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم، وأوصَى إلى الزبيرِ بنِ العَوَّامِ، وماتَ في خلافةِ عثمانَ.

  36. مِن حديثِه أنَّه سمِع النبي ﷺ يقولُ: "لا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ صَبْرًا بعدَ

    ج ٤ ص ٦٢٤اليومِ"، يعني بعدَ (١) فتحِ مكةَ (٢) .

    قال العَدَوِيُّ: هو أحدُ السَّبعينَ الذينَ هاجَروا مِن بني عَدِيٍّ، وهو والدُ عبدِ اللَّهِ بنِ مُطِيعٍ، [وسليمانَ بنِ مُطِيعٍ] (٣) ، وله بَنونَ كثيرٌ؛ فأمَّا سليمانُ فقُتِل يومَ الجملِ مع عائشةَ رضي الله عنها ، وأَمَّا عبدُ اللَّهِ بنُ مُطِيعٍ فهو الذي كان أميرَ الناسِ يومَ الحَرَّةِ (٤) ، قال بعضُهم: أَمَّرَه جميعُ أهلِ المدينةِ على أنفسِهم حينَ أخرَجوا بني أُمَيَّةَ عن المدينةِ، وقال الواقديُّ: إنَّما كان أميرًا على قريشٍ دونَ غيرِهم (٥) .

  37. [١٢٣٦] مُلَيْلُ بنُ وَبْرةَ بنِ خالدِ بنِ العَجْلانِ الأنصاريُّ (٦) ، مِن بني عوفِ بنِ الخَزْرجِ، شهِد بدرًا وأُحُدًا.

  38. [١٢٣٧] مِهْجَعُ بنُ صالحٍ (١) ، مولَى عمرَ بنِ الخَطَّابِ، شهِد بدرًا، وكان أَوَّلَ قتيلٍ مِن المسلمينَ بينَ الصَّفَّينِ، أَتاه سهمُ غَرْبٍ فقتَله.

    قال ابنُ إسحاقَ: هو مِن اليمنِ، وقال ابنُ هشامٍ (٢) : هو مِن عَكٍّ أصابَه سِبَاءٌ، فَمَنَّ عليه عمرُ بن الخَطَّابِ.

    ج ٤ ص ٦٢٥
  39. [١٢٣٨] مِدْلاجُ بنُ عمرٍو السُّلَمِيُّ (٣) ، أحدُ حلفاءِ بني عبدِ شمسٍ، ويُقالُ: مُدْلِجُ بنُ عمرٍو، شهِد بدرًا هو وأَخَواه (٤) مالكُ بنُ عمرٍو، وثَقْفُ بنُ عمرٍو، وشهِد مِدْلاجٌ سائرَ المَشاهدِ مع رسولِ اللَّهِ ﷺ ، ثم تُوُفِّي سنةَ خمسينَ، ومِن أهلِ الحديثِ مَن يقولُ فيه: مُدْلِجٌ (٥) .

  40. [١٢٣٩] مُسافِعُ بنُ عِياضٍ بنِ صخرِ بنِ عامرِ بنِ كعبِ بنِ سعدِ بنِ تَيْمِ بنِ مُرَّةَ القُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ (١) ، له صحبةٌ، ولا أحفظُ له روايةً، قال الزُّبَيرُ والعَدَوِيُّ جميعًا، يَزِيدُ بعضُهما على بعضٍ في الشِّعْرِ، قالا: كان مُسافِعُ بنُ عِيَاضٍ شَاعِرًا مُحْسِنًا، فَتَعَرَّضَ لهجاءِ حَسَّانَ بنِ ثابتٍ، ففيه يقولُ حَسَّانُ (٢) :

    يا آلَ تَيْمٍ أَلَا تَنْهَونَ جَاهِلَكم … قبلَ القِذَافِ (٣) بِصُمٍّ كَالجَلَامِيدِ

    فَنَهْنِهُوه (٤) فإنِّي غيرُ تَارِكِكُمْ … إِنْ عَادَ مَا اهْتَزَّ ماءٌ (٥) في ثَرَى عُودِ

    لو كنتَ مِن هاشِمٍ أَوْ مِن بني أَسَدٍ … أو عبدِ شَمْسٍ أو أصحابِ اللِّوَا الصِّيدِ (٦)

    أو مِن بني نَوْفَلٍ أو وُلْدِ مُطَّلِبٍ … للَّهِ دَرُّكَ لم تَهْمُمْ بِتَهْدِيدِي

    أو مِن بَني زُهْرَةِ الأبطالِ قد عَرَفوا … أو مِن بني جُمَحِ الخُضْرِ الجَلَاعِيدِ (٧)

    أو في الذُّؤَابةِ مِن تَيْمٍ إِذا انْتَسَبوا … أو مِن بني الحارثِ البِيضِ الأَمَاجِيدِ

    ج ٤ ص ٦٢٧لولا الرَّسُولُ فَإِنِّي لَسْتُ عَاصِيَهُ … حتَّى يُغَيِّبَنِي في الرَّمْسِ (١) مَلْحُودِي

    وصاحِبُ الغارِ إِنِّي سوفَ أَحْفَظُه … وطلحةُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ذو (٢) الجُودِ

    ج ٤ ص ٦٢٦