باب من اسمه منهم عبد الله

٦٠٦ فقرة، ج ٥ ص ٢٠٠

الصفحة ١ من ١٦

  1. [١٤٣٢] عبدُ اللَّهِ بنُ أبي قُحافةَ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه - (٢) ، كان اسمُه في الجاهِليَّةِ عبدَ الكعبةِ، فسَمَّاه رسولُ اللَّهِ ﷺ عبدَ اللَّهِ، هذا قولُ أهلِ النَّسبِ الزُّبَيرِ (٣) وغيرُه (٤) ، واسمُ أبيه أبي قُحافةَ عثمانُ بنُ عامرِ بنِ عمرِو (٥) بنِ كعبِ بنِ سعدِ بن تَيْمِ بن مُرَّةَ بنِ كعبِ بن لُؤَيِّ بنِ غالبِ [بن فِهْرٍ] (٦) القُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ.

    ج ٥ ص ٢٠٠
  2. أُمُّه أمُّ الخيرِ بنتُ صخرِ بنِ عامرِ بنِ كعبِ بنِ سعدِ بن تَيْمِ بن مُرَّةَ [ابنِ كعبٍ] (٧) ، واسمُها سَلْمَى، قال محمدُ بنُ سَلَّامٍ: قلتُ لابنِ دابٍ: مَن أمُّ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ؟ فقال: أمُّ الخيرِ، عِندَنا (٨) اسمُها (٩) .

    ج ٥ ص ٢٠١قال أبو عمرَ رضي الله عنه : لا يَخْتلِفون أنَّ أبا بكرٍ شهِد بدرًا بعدَ مُهاجرَتِه مع رسولِ اللَّهِ ﷺ مِن مكَّةَ إلى المدينةِ، وأنَّه لم يَكُنْ رَفِيقُه مِن أصحابِه في هِجرَتِه غيرَه، وهو كان مُؤْنِسَه في الغارِ إلى أنْ خرَج (١) معه مُهاجِرَينِ، وهو أَوَّلُ مَن أَسلَم مِن الرِّجالِ في قولِ طائفةٍ مِن أهلِ العلمِ بالسِّيَرِ (٢) والخبرِ، وأَوَّلُ مَن صَلَّى مع رسولِ اللَّهِ ﷺ فيما ذكَر أولئكَ.

  3. وكان يُقالُ له: عَتِيقٌ، واختلَف العلماءُ في المعنى الذي قيل له به: عَتِيقٌ (٣) ، فقال اللَّيثُ بنُ سعدٍ وجماعةٌ معه: إِنَّما قيل له: عَتِيقٌ،

    ج ٥ ص ٢٠٢لجمالِه وعَتاقةِ وجهِه (١) ، وقال مصعبٌ الزُّبَيريُّ (٢) وطائفةٌ مِن أهلِ النَّسَبِ: إِنَّما سُمِّي أبو بكرٍ عَتِيقًا لأنَّه لم يَكُنْ في نسبِه شيءٌ يُعَابُ به (٣) ، وقال آخرونَ: كان له أخوانِ، أحدُهما يُسَمَّى عَتِيقًا والآخرُ عُتيقٌ، ماتَ عَتِيقٌ قبلَه، فسُمِّيَ باسمِه.

    وقال آخرونَ: إِنَّما سُمِّي عَتِيقًا لأنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "مَن سرَّه أنْ يَنْظُرَ إلى عَتِيقٍ مِن النَّارِ فَليَنْظُرْ إلى هذا" ، فسُمِّيَ عَتِيقًا بذلك، حدَّثني خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا [أبو الميمونِ البَجَليُّ] (٤) ، قال: حدَّثنا أبو زُرعةَ الدِّمشقيُّ، وحدَّثني عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ - واللفظُ له، وحديثُهُ أتَمُّ - قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَيرٍ، قالا (٥) : حدَّثنا سعيدُ بنُ منصورٍ (٦) ، قال: حدَّثنا صالحُ بنُ موسيّ، حدَّثنا موسى بنُ إسحاقَ (٧) عن عائشةَ بنتِ طلحةَ، عن

    ج ٥ ص ٢٠٣عائشةَ أُمِّ المؤمنين، قالت: إنِّي لَفِي بيتِ رسولِ اللَّهِ ﷺ وأصحابُه بالفِناءِ، وبيني وبينَهم السِّتْرُ، إذْ أقبَل أبو بكرٍ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "مَن سَرَّه أن يَنْظُرَ إلى عَتِيقٍ مِن النَّارِ فَليَنْظُرْ إلى هذا" ، قالت (١) : وإنَّ اسمَه الذي سَمَّاه به أهلُه لَعبدُ اللَّهِ بن عثمانَ بن عامرِ بن عمرٍو (٢) .

  4. وحدَّثني خلفُ بن قاسمٍ، قال: حدَّثني أحمدُ بن محبوبٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عَبْدوسٍ (٣) ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا شيخٌ لنا، قال: حدَّثنا مُجالِدٌ، عن الشَّعبيِّ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ، أو سُئِل: أيُّ الناسِ كان أوَّلَ إسلامًا؟ فقال: أَمَا سَمِعتَ قولَ حَسَّانَ بنِ ثابتٍ (٤) :

    إذا تَذَكَّرتَ شَجْوًا مِن أخي ثِقَةٍ … فاذكُرْ أَخاكَ أبا بكرٍ بما فَعَلا

    خيرَ البَرِيَّةِ أتْقاها وأَعْدَلَها … بعدَ النبيِّ وأَوْفاها بما حَمَلا

    والثَّانيَ التَّاليَ المحمودَ مَشْهَدُه … وأوَّلَ النَّاسِ مِنهُم (٥) صَدَّقَ الرُّسُلا (٦)

  5. ويُروَى أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال لحسَّانَ: "هل قُلتَ في أبي بكرٍ شيئًا؟ " ، قال: نعم، فأنشَدَه هذه الأبياتَ وفيها بيتٌ رابعٌ وهو (١) :

    ثانيَ اثنَينِ في الغارِ المُنِيفِ (٢) وقد … طافَ العَدُوُّ به إِذْ صَعَّدَ (٣) الجَبَلا

    فسُرَّ النبيُّ ﷺ بذلك، وقال: "أَحْسَنْتَ يا حَسَّانُ" (٤) .

    ج ٥ ص ٢٠٤
  6. وقد رُوِي فيها بيتٌ خامِسٌ (٥) :

    وكان حِبَّ رسولِ اللَّهِ قد عَلِموا … خيرِ البَرِيَّةِ لم يَعدِل به رَجُلا

    وروَى شعبةُ (٦) عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن إبراهيمَ النَّخَعِيِّ، قال: أبو بكرٍ أَوَّلُ مَن أسلَم (٧) .

  7. واختُلِفَ في مُكْثِ رسولِ اللَّهِ ﷺ مع أبي بكرٍ في الغارِ؛ فقيلَ: مَكَثا فيه ثلاثًا، يُروَى ذلك عن مجاهدٍ (١) ، وقد رُوِي في حديثٍ مُرسَلٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "مَكَثْتُ مع صاحِبي في الغارِ بِضْعةَ عَشَرَ يومًا، ما لَنا طعامٌ إلا ثَمَرُ (٢) البَرِيرِ (٣) " ، يَعني الأرَاكَ (٤) ، وهذا غيرُ صحيحٍ عندَ أهلِ العلمِ بالحديثِ، والأكثرُ على ما قاله مجاهدٌ، واللهُ أعلمُ.

    ج ٥ ص ٢٠٥
  8. وروَى الجُرَيريُّ، عن أبي نَضْرةَ، قال: قال أبو بكرٍ لعليٍّ رضي الله عنهما : أنا أسلَمْتُ قبلَك، في حديثٍ ذكَره، فلم يُنكِرْ عليه (٥) .

  9. وممَّا قيل في أبي بكرٍ رضي الله عنه قولُ أبي الهَيثمِ بن التَّيِّهانِ فيما ذكَروا (٦) :

    وإنِّي لأرجو أنْ يقومَ بأَمْرِنا … ويَحْفَظَه الصِّدِّيقُ والمرءُ مِن عَدِي

    أُولَاكَ خِيارُ الحَيِّ فِهْرُ بنُ مالكٍ … وأنصارُ هذا الدِّينِ مِن كُلِّ مُعْتَدِي

    وقال فيه أبو مِحْجَنٍ الثَّقَفِيُّ (٧) :

    ج ٥ ص ٢٠٦وسُمِّيتَ صِدِّيقًا وكلُّ مُهاجِرٍ … سِواكَ يُسَمَّى باسْمِه غيرُ مُنْكَرِ

    سَبَقْتَ إلى الإسلامِ واللهُ شاهِدٌ … وكنتَ جَلِيسًا بالعَريشِ المُشَهَّرِ

    وبالغارِ إِذْ سُمِّيتَ بالغارِ صاحِبًا … وكُنتَ رَفِيقًا للنَّبيِّ المُطَهَّرِ

    وسُمِّي الصِّدِّيقَ لبِدَارِه (١) إلى تَصْديقِ رسولِ اللَّهِ ﷺ في كلِّ ما جاء به ﷺ ، وقيل: بل قيل له: الصِّدِّيقُ؛ [لتَصديقِه له] (٢) في خبرِ الإسراءِ، وقد ذكَرنا الخبرَ بذلك في غيرِ هذا الموضعِ (٣) .

  10. وكان في الجاهِليَّةِ وَجِيهًا رئيسًا مِن رُؤساءِ قُرَيشٍ، وإليه كانتِ الأَشْناقُ (٤) في الجاهليَّةِ، والأشناقُ: الدِّياتُ، كان إذا حمَل شيئًا، قالَتْ فيه قُرَيشٌ: صَدِّقوه، وأمضَوا حَمالتَه وحَمالةَ مَن قام معه أبو بكرٍ، وإن احتَمَلَها غيرُه خَذَلوه ولم يُصَدِّقوه.

  11. وأسلَم على يدِ أبي بكرٍ: الزُّبَيرُ، وعثمانُ، وطلحةُ، وعبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ.

  12. وروَى سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن هشامِ بن عُروةَ، عن أبيه، قال: أسلَم أبو بكرٍ، وله أربعونَ ألفًا أنفَقَها كلَّها على رسولِ اللَّهِ ﷺ (٥) في سبيلِ اللَّهِ (٦) .

    ج ٥ ص ٢٠٧وقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "ما نَفَعَني مالٌ ما نَفَعَني مالُ أبي بكرٍ" (١) .

  13. وأعتَقَ أبو بكرٍ سبعةً كانوا يُعَذَّبونَ في اللَّهِ، منهم بلالٌ وعامرُ بنُ فُهَيرةَ.

  14. وفي حديثِ التَّخْييرِ، قال عليٌّ: فكان رسولُ اللَّهِ ﷺ هو المُخَيَّرَ، وكان أبو بكرٍ أعلَمَنا به (٢) .

    وقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "دَعوا لي صاحبِي؛ فإنَّكم قُلتُم لي: كَذَبْتَ، وقال لي: صَدَقْتَ" (٣) .

    وقال رسولُ اللَّهِ ﷺ في كلامِ البقرةِ والذِّئبِ: "آمَنتُ بهذا أنا

    ج ٥ ص ٢٠٨وأبو بكرٍ وعمرُ " (١) ، وما هما ثَمَّ، عِلْمًا منه بما كانا عليه مِن اليقينِ والإيمانِ.

    وقال عمرُو بنُ العاصِي: يا رسولَ اللَّهِ، مَن أحَبُّ الناسِ إليكَ؟ قال: "عائِشَةُ "، قلتُ: مِن الرِّجالِ؟ قال: " أبوها " (٢) .

  15. وروَى مالكٌ، عن سالمٍ (٣) أبي النَّضرِ، عن عُبَيدِ بن حُنَينٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ مِن أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ في صُحبَتِه ومالِه أبا (٤) بكرٍ، ولو كُنتُ مُتَّخِذًا خَليلًا لاتَّخَذتُ أبا بكرٍ خَليلًا، ولَكِنْ أُخوةُ الإسلامِ، لا تَبْقيَنَّ في المسجدِ (٥) خَوخَةٌ (٦) إلا خَوخَةَ أبي بكرٍ" (٧) .

  16. روَى سفيانُ بنُ عُيَينةَ، عن الوليدِ بن (١) كَثيرٍ، عن ابن تَدرُسَ (٢) ، عن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ، أنَّهم قالوا لها: ما أشَدُّ ما رأيتِ المشرِكينَ بلَغوا مِن رسولِ اللهِ ﷺ ؟ فقالَتْ: كان المُشرِكونَ قُعُودًا في المسجدِ الحرامِ، فَتَذاكَروا رسولَ اللهِ ﷺ ، وما يقولُ في آلهَتِهِم، فبينَ (٣) هم كذلك؛ إذ دخَل رسولُ اللهِ ﷺ المسجدَ، فقاموا إليه، وكانوا إذا سألُوه عن شيءٍ صَدَّقَهُم، فقالوا: ألستَ تقولُ في آلهتِنا كذا وكذا؟ قال: "بلى" ، قال: فَتَشَبَّثوا به بأجمعِهم، فأتَى الصَّرِيخُ إلى أبي بكرٍ، فقيل له: أَدرِكْ صاحِبَك، فخرَج أبو بكرٍ حتَّى دخَل المسجدَ، فوجَد رسولَ اللهِ ﷺ والنَّاسُ مُجتمِعونَ عليه، فقال: وَيْلَكم! أتقتُلونَ رجلًا أن يقولَ: ربِّيَ اللهُ، وقد جاءَكم بالبَيِّناتِ مِن ربِّكُم؟ قال: فَلَهُوا عن رسولِ اللهِ ﷺ ، وأقبَلوا على أبي بكرٍ يَضْرِبونَه، قالَتْ: فرجَع إلينا، فجعَل لا يَمَسُّ شيئًا مِن غَدائرِه (٤) إلا جاء معه وهو يقولُ: تَبارَكتَ يا ذا الجلالِ والإكرامِ (٥) .

    ج ٥ ص ٢٠٩
  17. ورُوِّينا مِن وُجُوهٍ عن أبي أُمامةَ الباهِليِّ، قال: حدَّثني عمرُو بنُ

    ج ٥ ص ٢١٠عَبَسَةَ (١) ، قال: أتَيتُ رسولَ اللهِ ﷺ وَهو نازِلٌ بعُكاظٍ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، مَن اتَّبَعَك على هذا الأمرِ؟ قال: "حُرٌّ وعبدٌ؛ أبو بكرٍ، وبلالٌ" ، قال: فأَسْلَمتُ عندَ ذلك، وذكَر الحديثَ (٢) .

  18. أخبَرني أحمدُ بنُ قاسمِ بن عبدِ الرحمنِ التَّاهَرتيُّ (٣) البَزَّازُ (٤) ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامةَ ومحمدُ بنُ إسماعيلَ التِّرمِذيُّ (٥) ، قالا (٦) : حدثنا عَفَّانُ، قال: حدثنا هَمَّامٌ، قال: حدَّثنا ثابتٌ، عن أنسٍ، أنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ حدَّثَه، قال: قلتُ للنَّبيِّ ﷺ ونحنُ في الغارِ: لو أنَّ أحدَهُم ينظُرُ إِلى قَدَمَيهِ لأبصَرَنا تحتَ قدَمَيهِ، فقال: "يا أبا بكرٍ، ما ظَنُّك باثنَينِ اللهُ ثالثُهما؟ " (٧) .

  19. ورُوِّينا أنَّ رجلًا مِن أبناءِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ قال في مجلسٍ فيه

    ج ٥ ص ٢١١القاسمُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ: واللهِ ما كان لرسولِ الله ﷺ مِن مَوْطِنٍ إلا وعليٌّ معه، فقال القاسمُ: يا أخي، لا تَحلِفْ، قال: هَلُمَّ (١) ، قال: بلى، ما لا (٢) تَرُدُّه، قال اللهُ تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ (٣) [التوبة: ٤٠] .

  20. واستخلَفَه رسولُ اللهِ ﷺ على أُمَّتِه (٤) بعدَه؛ بما أظهَر مِن الدَّلائِلِ البَيِّنةِ على مَحبَّتِه (٥) في ذلك، وبالتَّعْريضِ الذي يقومُ مَقامَ التَّصريحِ، ولم يُصَرِّحْ بذلك؛ لأنَّه لم يُؤمَرْ فيه بشيءٍ، وكان لا يصنَعُ شيئًا في دينِ اللهِ إلا بوَحْيٍ، والخلافةُ رُكْنٌ مِن أركانِ الدِّينِ.

  21. ومِن [الدَّليلِ الواضِحِ] (٦) على ما قُلْنا ما حدَّثناه سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا منصورُ بنُ سَلَمةَ أبو سَلَمةَ (٧) الخُزاعيُّ، وأخبَرنا أحمدُ بن عبدِ اللَّهِ، قال: حدَّثنا الميمونُ بنُ حمزةَ الحُسَينيُّ (٨) بمصرَ، قال: حدَّثنا الطَّحاوِيُّ، قال: حدَّثنا المُزَنيُّ، قال: حدَّثنا الشّافعيُّ، قالا (٩) :

    ج ٥ ص ٢١٢حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدِ (١) بن إبراهيمَ، عن أبيه، عن محمدِ بن جُبَيرِ بن مُطْعِمٍ، عن أبيه، قال: أتَتِ امرأةٌ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فسألَتْه عن شيءٍ، فأمَرها أن تَرجِعَ إليه، فقالَتْ: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ إن جِئتُ ولم أجِدْك، تعني الموتَ، فقال لها رسولُ اللهِ ﷺ : "إِنْ لَم تَجِدِيني فَأْتِي أبا بكرٍ" (٢) .

    قال الشَّافِعيُّ: في هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ الخليفةَ بعدَ رسولِ اللهِ ﷺ أبو بكرٍ (٣) .

  22. وروَى الزُّهريُّ، عن عبدِ الملكِ بن أبي بكرِ بن عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن [عبد اللَّهِ] (٤) بن زَمْعةَ بن الأسودِ، قال: كنتُ عندَ رسولِ اللهِ ﷺ وهو عليلٌ، فدَعاه بلالٌ إلى الصَّلاةِ، فقال لنا: "مُروا مَن يُصَلِّي بالنَّاسِ" ، قال: فخَرَجتُ فإذا عمرُ في النَّاسِ، وكان أبو بكرٍ غائِبًا، فقلتُ: قُمْ يا عمرُ فصَلِّ بالنَّاسِ، فقام عمرُ، فَلَمَّا كَبَّرَ سمِع

    ج ٥ ص ٢١٣رسولُ اللهِ ﷺ صوتَه، وكان مُجْهِرًا، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "فأينَ أبو بَكرٍ؟ يأبَى اللَّهُ ذلك والمسلِمون، فبَعَث إلى أبي بكرٍ، فجاءَ بعدَ أن صلَّى عمرُ تلك الصَّلاةَ، فصلَّى بالنَّاسِ طُولَ عِلَّتِهِ حتَّى ماتَ (١) رسولُ اللَّهِ ﷺ (٢) ، وهذا أيضًا واضحٌ في ذلك.

  23. حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصرٍ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، حدَّثنا سفيانُ (٣) بنُ سعيد، عن عبدِ الملكِ بن عُمَيرٍ (٤) ، عن مَولَّى لرِبْعِيِّ بن حِراشٍ (٥) ، [عن رِبْعِيِّ بن حِراشٍ] (٦) ، عن حُذَيفةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "اقتَدُوا باللَّذَينِ مِن بَعْدِي؛ أَبي بكرٍ وعمرَ، و [اهْدُوا هَدْيَ] (٧) عَمَّارٍ، وتَمَسَّكوا بعهدِ ابن (٨) أُمِّ عَبدٍ" (٩) .

  24. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ويَعِيشُ بنُ سعيدٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ (١) محمدُ بنُ أبي العَوَّامِ، [قال: حدَّثني أبي أحمدُ بنُ يزيدَ (٢) بن أبي العَوَّامِ] (٣) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يزيدَ الواسِطيُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي (٤) خالدٍ، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ، قال: كان رُجُوعُ الأنصارِ يومَ سَقِيفةِ بني ساعِدةَ بكلامٍ قاله عمرُ بنُ الخَطَّابِ: نَشَدتُكُمُ (٥) اللَّهَ (٦) ، هل تعلَمون أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ أمرَ أبا بكرٍ أن يُصَلِّيَ بالنَّاسِ؟ قالوا: اللَّهُمَّ نَعَم، قال: فأَيُّكُم تَطِيبُ نَفسُه أن يُزِيلَه عن مَقام أقامَه فيه رسولُ اللَّهِ ﷺ ؟ ! فقالوا: كلُّنا لا تَطِيبُ نفسُه، ونَستَغفِرُ اللَّهَ (٧) .

    ج ٥ ص ٢١٤
  25. وروَى إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، [عن إبراهيمَ النَّخَعِيِّ] (١) ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن يزيدَ، قال: قال عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ: اجعَلوا إمامَكُم خيرَكُم؛ فإنَّ رسولَ اللهِ ﷺ جعَل إمامَنا خيرَنا بعدَه (٢) .

    ج ٥ ص ٢١٥
  26. وروَى الحسنُ البَصريُّ، عن قيسِ بن عُبادٍ (٣) ، قال: قال لي عليُّ بن أبي طالبٍ: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ مرِض لياليَ وأيَّامًا يُنادِي بالصَّلاةِ فيقولُ: "مُروا أبا بكرٍ يُصَلِّي بالنَّاسِ" ، فلمَّا قُبِض رسولُ اللَّهِ ﷺ نَظَرتُ فإذا الصَّلاةُ عَلَمُ الإسلامِ، وقِوامُ الدِّينِ، فَرَضِينا لدُّنيانا مَن رَضِيَ رسولُ اللهِ ﷺ لدينِنا، فبايَعْنا أبا بكرٍ (٤) .

  27. وقد ذكَرْنا هذا الخبرَ وكثيرًا مثلَه في معناه عندَ قولِ رسولِ اللَّهِ ﷺ : "مُروا أبا بكرٍ فليُصَلِّ (٥) بالنَّاسِ" (٦) ، في "التمهيدِ" (٧) ،

    ج ٥ ص ٢١٦والحمدُ للَّهِ.

  28. وكان أبو بكرٍ يقولُ: أنا خليفةُ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وكذلك كان يُدْعَى: يا خليفةَ رسولِ اللَّهِ، وكان عمرُ يُدْعَى (١) خليفةَ أبي بكرٍ صَدْرًا مِن خلافتِه حتَّى تَسَمَّى بأميرِ المؤمنينَ لقصَّةٍ سنذكُرُها في بابِه إن شاء اللهُ (٢) .

  29. قرأتُ على أبي عبدِ اللَّهِ محمدِ بن عبدِ اللهِ بن حَكَمٍ (٣) ، أنَّ محمدَ بنَ معاويةَ أخبَرهم، قال: حدَّثنا الفضلُ بنُ الحُبابِ الجُمَحيُّ (٤) ، قال: حدَّثنا أبو الوليدِ الطَّيالسيُّ، قال: حدَّثنا نافعُ بنُ عمرَ الجُمَحِيُّ، عن ابن (٥) أبي مُلَيكةَ، قال: قال رجلٌ لأبي بكرٍ: يا خليفةَ اللَّهِ، قال: لَسْتُ بخليفةِ اللَّهِ، ولكِنِّي (٦) خليفةُ رسولِ اللهِ، وأنا راضٍ بذلك (٧) .

  30. حدَّثنا خلفُ بنُ قاسمٍ وعليُّ بنُ إبراهيمَ، قالا: حدَّثنا الحسنُ بنُ رَشيقٍ، حدَّثنا عليُّ بنُ سعيدِ بن بشيرٍ (١) ، حدثنا (٢) أبو كُرَيبٍ، حدَّثنا (٣) عُبَيدُ بنُ حَسَّانَ الصَّيدلانيُّ، حدَّثنا مِسعَرُ بنُ كِدامٍ، عن عبدِ الملكِ بن مَيْسَرةَ (٤) ، عن النَّزَّالِ بن سَبْرةَ، عن عليٍّ، قال: خيرُ هذه الأُمَّةِ بعدَ نَبيِّها أبو بكرٍ، و (٥) عمرُ (٦) .

    ج ٥ ص ٢١٧
  31. وروَى محمدُ ابن الحَنفيَّةِ، وعبدُ خيرٍ، وأبو جُحَيفةَ، عن عليٍّ رضي الله عنه مثلَه (٧) .

  32. وكان عليٌّ رضي الله عنه يقولُ: سبَق (١) رسولُ اللهِ ﷺ ، وصلَّى (٢) أبو بكرٍ، وثَلَّثَ (٣) عمرُ، ثمَّ خَبَطتْنا (٤) فِتْنةٌ يَعْفو (٥) اللهُ فيها عمَّن يشاءُ (٦) .

    وقال عبدُ خيرٍ: سمِعتُ عليًّا رضي الله عنه يقولُ: رحِم اللهُ أبا بكرٍ، كان أَوَّلَ مَن جمَع ما بينَ اللَّوحَينِ (٧) .

    ج ٥ ص ٢١٨
  33. ورُوِّينا عن عبدِ اللَّهِ بن جعفرِ بن أبي طالبٍ مِن وُجُوهٍ أَنَّه قال: وَلِيَنا أبو بكرٍ فخيرُ خليفةٍ؛ أرحمُه بِنا، وأَحْنَاه علينا (١) .

    وقال مسروقٌ: حُبُّ أبي بكرٍ وعمرَ ومعرفةُ فضلِهما مِن السُّنَّةِ (٢) .

    ج ٥ ص ٢١٩
  34. وكان أبو بكرٍ رضي الله عنه رجلًا نَحِيفًا أبيضَ، خفيفَ العارِضَينِ أَجْنَأ (٣) ، لا تَستَمسِكُ (٤) إزرتُه تَسْتَرخِي عن حَقَويهِ، معروقَ (٥) الوَجهِ، غائرَ العَينَينِ، ناتئَ الجَبْهةِ، عارِيَ الأشاجِعِ (٦) ، هكذا وَصَفتْه ابنتُه عائشةُ رضي الله عنها (٧) .

  35. بويعَ له بالخلافةِ في اليومِ الذي ماتَ فيه رسولُ اللهِ ﷺ في سَقِيفةِ

    ج ٥ ص ٢٢٠بني ساعِدةَ، ثمَّ بُويِعَ بيعةَ العامَّةِ يومَ الثُّلاثاءِ مِن غدِ ذلك اليومِ، وتَخلَّفَ عن بيعتِه سعدُ بنُ عُبادةَ، وطائفةٌ مِن الخَزْرجِ، وفرقةٌ مِن قُريشٍ، ثُمَّ بايَعوه بعدُ غيرَ سعدٍ، وقيل: إِنَّه لم يَتَخَلَّفْ عن بيعتِه يومَئذٍ أَحَدٌ مِن قُريشٍ، وقيل: إِنَّه تَخلَّفَ عنه مِن قُريشٍ: عليٌّ، والزُّبيرُ، وطلحةُ، وخالدُ بنُ سعيدِ بن العاصي، ثُمَّ بايَعوه بعدُ، وقد قيل: إنَّ عليًّا لم يُبايِعُه إلا بعدَ موتِ فاطمةَ، ثمَّ لم يَزَلْ سامِعًا مُطِيعًا له يُثْنِي عليه ويُفَضِّلُه (١) .

  36. أخبرنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا ابن الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ الزَّعفَرانيُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، وأبو قَطَنٍ، و [أبو عَبَّادٍ] (٢) ، ويعقوبُ الحَضْرميُّ، واللَّفظُ ليزيدَ، قالوا: حدَّثنا محمدُ بنُ طلحةَ، عن أبي عُبَيدةَ (٣) بن الحَكَم عن الحكم بن حَجْلٍ، قال: قال عليٌّ رضي الله عنه : لا يُفَضِّلُني أحدٌ على أبي بكرٍ وعمرَ إِلَّا

    ج ٥ ص ٢٢١جَلَدتُه حَدَّ (١) المُفتَرِي (٢) .

  37. حدَّثنا خلفُ بنُ قاسمٍ، حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ، حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بن الحَجَّاجِ، حدَّثنا يحيى بنُ سليمانَ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عُلَيَّةَ، حدَّثنا أيوبُ السَّخْتيانيُّ، عن محمدِ بن سِيرينَ، قال: لمَّا بُويِعَ أبو بكرٍ أبطَأ عليٌّ عن بيعتِه، قال: وجلَس في بيتِه، فبعَث إليه أبو بكرٍ: ما [بَطَّأَ بك] (٣) عَنِّي؟ أكرِهتَ إمارَتي؟ فقال عليٌّ: ما كَرِهتُ إمارَتَك، ولكِنِّي آلَيتُ ألا أرتَدِيَ رِدائي إلَّا إلى صلاةٍ حتَّى أجمَع القرآنَ، قال ابن سيرينَ: فبلَغَني أنَّه كَتَبَه (٤) على تنزيلِه، ولو أُصِيبَ ذلك الكتابُ لوُجِد فيه علمٌ كثيرٌ (٥) .

  38. وذكَر عبدُ الرَّزَّاقِ (٦) ، عن مَعْمَرٍ، عن أيوبَ، عن عكرمةَ، قال: لمَّا بُويِعَ لأبي بكرٍ تَخَلَّف عليٌّ عن بيعتِه، وجلَس في بيتِه، فلَقِيه عمرُ، فقال: تَخلَّفتَ عن بيعةِ أبي بكرٍ؟ فقال: إِنِّي آلَيتُ بيمينٍ حينَ

    ج ٥ ص ٢٢٢قُبِض رسولُ اللَّهِ ﷺ ألَّا أرتَدِيَ برِداءٍ (١) إِلَّا إِلى الصَّلاةِ المكتوبةِ حتَّى أجمعَ القرآنَ؛ فإنِّي خَشِيتُ أن يتفلَّتَ (٢) ، ثمَّ خرَج فبايَعه.

  39. وقد ذكَرْنا جمعَ عليٍّ القرآنَ في بابِه أيضًا مِن غيرِ هذا الوجهِ، والحمدُ للَّهِ (٣) .

  40. وذكر ابن المباركِ، عن مالكِ بن مِغْوَلٍ، عن ابن (٤) أبجَرَ (٥) ، قال: لمَّا بُويِعَ لأبي بكرٍ جاء أبو سفيانَ بنُ حربٍ إلى عليٍّ، فقال: غلَبكمٍ على هذا الأمرِ أَرْذَلُ (٦) بيتٍ في قُرَيشٍ، أمَا واللَّهِ لأمْلأَنَّها خيلًا ورِجالًا، قال: فقال عليٌّ: ما زِلتَ عدوًّا للإسلامِ وأهلِه، فما ضَرَّ ذلك الإسلامَ وأهلَه شيئًا، إنَّا رَأينا أبا بكرٍ [لها أهلًا] (٧) ، وهذا الخبرُ ممَّا رواه عبدُ الرَّزَّاقِ (٨) ، عن ابن المباركِ.