باب سلمان
٣١ فقرة، ج ٧ ص ٢١٣
- ج ٧ ص ٢١٣
[٢٣٦٧] سلمانُ الفارسيُّ (١) ، أبو عبدِ اللهِ، يُقالُ (٢) : مَوْلى رسولِ اللهِ ﷺ ، ويُعرَفُ بسلمانَ الخيرِ، كان أصلُه (٣) مِن فارسَ مِن رامَهُرْمُزَ (٤) ، مِن قريةٍ يُقالُ لها: جَيُّ، وقيل (٥) : بل كان أصلُه مِن أصبهانَ؛ لخبرٍ قد ذكرْتُه في "التمهيدِ" ، وهناك ذكَرتُ حديثَ إسلامِه بتمامِه (٦) . وكان إذا قيل له: ابنُ مَن أنتَ؟ قال: أنا سلمانُ ابنُ الإسلامِ مِن بني آدمَ.
-
روَى أبو إسحاقَ السَّبِيعيُّ، عن أبي قُرَّةَ الكِنْديِّ، عن سلمانَ الفارسيِّ، قال: كنتُ مِن أبناءِ أساورةِ فارسَ، في حديثٍ طويلٍ ذكَره (٦) .
- ج ٧ ص ٢١٤
وكان سلمانُ يَطلُبُ دينَ اللهِ تعالى، ويتبعُ مَن يَرْجُو ذلك عندَه، فَدَانَ بالنَّصرانيَّةِ وغيرِها، وقرَأ الكُتُبَ، وصبَر في ذلك على مَشَقَّاتٍ نالَتْه، وذلك كلُّه مذكورٌ في خبرِ إسلامِه (١) .
-
وذكر سليمانُ التّيمِيُّ (٢) ، عن أبي عثمانَ النَّهْديِّ، عن سلمانَ الفارسيِّ أنَّه تَداوَلَه في ذلك (٣) بضعةَ عشرَ ربًّا، مِن ربٍّ إلى ربٍّ، حتى أفضَى إلى رسولِ اللهِ ﷺ ومَنَّ اللهُ عليه بالإسلامِ (٤) .
-
وقد رُوِي مِن وُجُوهٍ أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ اشْتَراه على العتقِ.
-
روَى زيدُ (٥) بنُ الحُبَابِ، قال: حدَّثني حسينُ بنُ واقدٍ، عن عبدِ الله بنِ بُرَيدةَ (٦) ، عن أبيه، أنَّ سلمانَ (٧) أتَى (٨) رسولَ اللهِ ﷺ بصدقةٍ، فقال: هذه صدقةٌ عليك وعلى أصحابِك، فقال: "يا سلمانُ، إِنَّا (٩) لا تَحِلُّ لنا الصَّدقةُ" ، فرفَعها ثمَّ جاءه مِن الغدِ بمثلِها،
ج ٧ ص ٢١٥فقال: هذه هديَّةٌ، فقال لأصحابِه: "كُلُوا" ، فَاشْتَرَاه رسولُ اللهِ ﷺ مِن قومٍ مِن اليهودِ بكذا وكذا درهمًا، وعلى أنْ (١) يَغْرِسَ لهم كذا وكذا مِن النخلِ يعملُ فيها سلمانُ حتَّى تُدْرِكَ، فغرَس رسولُ اللهِ ﷺ النَّخْلَ، كلَّه إِلَّا نَخْلةً (٢) غرَسها عمرُ، فأطعَم النَّخْلُ كلُّه إِلَّا تلك النَّخْلَةَ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَن غرَسها؟ " ، قالوا: عمرُ، فقلَعها وغَرَسها رسولُ اللهِ ﷺ ، فَأَطْعَمَتْ (٣) مِن عامِها (٤) .
-
وذكَر مَعْمَرٌ، عن رجلٍ مِن أصحابِه، قال: دخَل قومٌ على سلمانَ وهو أميرٌ على المدائنِ وهو يَعْمَلُ هذا (٥) الخُوصَ، فقيل له: لِمَ تَعْمَلُ هذا وأنتَ أميرٌ [وهو] (٦) يَجْرِي عليك رِزْقٌ؟ فقال: إِنِّي أُحِبُّ أنْ آكُلَ مِن عَمَلِ يَدِي، وذكَر أَنَّه تَعَلَّمَ عَمَلَ الخُوصِ بالمدينةِ مِن الأنصارِ عندَ بعضِ مَوَالِيهِ (٧) .
- ج ٧ ص ٢١٦
أَوَّلُ مشاهدِه الخندقُ، وهو الذي أشار بحفرِه، فقال أبو سفيانَ وأصحابُه، إذ رَأَوه: هذه مكيدةٌ ما كانتِ العربُ تَكِيدُها، وقد قيل: إنَّه شهِد بدرًا وأُحُدًا، [إلَّا أنَّه كان عبدًا يومَئِذٍ] (١) ، والأكثرُ أَنَّ أَوَّلَ مشاهدِه الخندقُ، ولم يَفُتْه بعدَ ذلك مشهدٌ مع رسولِ اللهِ ﷺ ، وكان خَيِّرًا فاضِلًا، حَبْرًا عالِمًا، زاهِدًا مُتَقَشِّفًا.
-
ذكَر هشامُ بنُ حَسَّانَ، عن الحسنِ، قال: كان عطاءُ سلمانَ خمسةَ آلافٍ، وكان إذا خرَج عطاؤُه تَصَدَّقَ به (٢) ، ويأكلُ مِن عملِ يدِه، وكانَتْ له عَباءةٌ يَفْتَرِشُ بعضَها ويَلْبَسُ بعضَها (٣) .
-
ذكَر ابنُ وهبٍ وابنُ نافعٍ عن مالكٍ، قال: كان سلمانُ يعملُ الخوصَ بيدِه، فيعيشُ منه، ولا يقبلُ مِن أحدٍ شيئًا، قال: ولم يكنْ له بيتٌ، إنَّما (٤) كان يَستظِلُّ بالجُدُرِ والشجرِ، وإنَّ رجلًا قال له: ألَا أبنِي لك بيتًا تَسكُنُ فيه؟ فقال: ما لي به حاجةٌ، فما زالَ به الرجلُ حتى قال له: إِنِّي أعرِفُ البيتَ الذي يُوافِقُك، قال: فصِفْه لي، قال: أبنِي لك بيتًا إذا أنتَ قُمْتَ فيه أصابَ رأسَك سقفُه، وإن أنتَ مَدَدتَ فيه رِجْلَيك
ج ٧ ص ٢١٧أصابَهما (١) الجدارُ، قال: نعم، فبنَى له (٢) .
-
ورُوِي عن النبيِّ ﷺ مِن وُجُوهٍ أنَّه قال: "لو كان الدِّينُ في (٣) الثُّرَيَّا لنالَه سلمانُ" (٤) ، وفى روايةٍ أخرَى: "لنالَه رجالٌ مِن فارسَ" (٥) ، ورَوَينا عن عائشةَ، قالت: كان لسلمانَ مجلسٌ مِن رسولِ اللهِ ﷺ يَنفرِدُ به [في اللَّيْلِ] (٦) حتى كاد يَغْلِبُنا على رسول اللهِ ﷺ (٧) .
-
ورُوِيَ مِن حديثِ ابنِ بُرَيْدَةَ، عن أبيهِ، عن النبيِّ ﷺ أَنَّه قال: "أمَرني رَبِّي بِحُبِّ أربعةٍ، وأخبَرني أنَّه يُحِبُّهم؛ عليٌّ، وأبو ذَرٍّ، والمقدادُ، وسلمانُ" (٨) .
-
وروَى قتادةُ، عن [خَيْثمةَ، عن] (٩) أبي هريرةَ، قال: سلمانُ
ج ٧ ص ٢١٨صاحبُ الكِتابَيْنِ، قال قتادةُ: يعني الإنجيلَ والفرقانَ (١) .
-
أخبَرنا خلفُ بنُ القاسمِ، حدَّثنا ابنُ المُفَسِّرِ، حدَّثنا أحمدُ بنُ عليِّ ابنِ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ، قال: حدَّثنا جريرٌ، [عن الأعمشِ] (٢) ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، عن أبي البَخْتَرِيِّ، عن عليٍّ أنَّه سُئِل عن سلمانَ، فقال: علِم العلمَ الأَوَّلَ والآخرَ، بحرٌ لا يُنْزَفُ، هو مِنَّا أهلَ البيتِ (٣) .
-
هذه روايةُ أبي البَخْتَرِيِّ، عن عليٍّ، وفي روايةِ زاذانَ أبي عمرَ عن عليٍّ، قال: سلمانُ الفارسيُّ مثلُ لقمانَ الحكيمِ، ثمَّ ذكَر مثلَ خبرِ (٤) أبي البَخْتَرِيِّ (٥) .
وقال كعبُ الأحبارِ: سلمانُ حُشِيَ عِلْمًا وحِكْمةً (٦) .
-
وذكَر مسلمٌ (٧) ، حدَّثنا محمدُ بنُ حاتمٍ، أخبَرنا بهزٌ، أخبَرنا حَمَّادُ
ج ٧ ص ٢١٩ابنُ سَلَمةَ، عن ثابتٍ، عن معاويةَ بنِ قُرَّةَ، عن عائذِ بنِ عمرٍو، أَنَّ أَبا سفيانَ أتَى على سلمانَ وصُهَيْبٍ وبلالٍ في نفرٍ، فقالوا: ما أَخَذَتْ سُيُوفُ اللهِ مِن عُنُقِ عَدُوِّ اللهِ مَأْخَذَها، فقال أبو بكرٍ: تقولون (١) هذا لِشَيْخِ (٢) قُرَيْشٍ وسَيّدِهم! وأتَى النبيَّ ﷺ فأخبَره، فقال: "يا أبا بكرٍ، لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُم؟ لئنْ كنتَ أغضَبْتَهم لقد أغضَبتَ ربَّك" ، فأَتَاهم أبو بكرٍ، فقال: يا إِخْوَتَاه، أغضَبْتُكم؟ قالوا: لا (٣) ، يغفِرُ (٤) اللهُ لك.
-
وكان رسولُ اللهِ ﷺ قد آخَى بينَه وبينَ أبي الدَّرداءِ، [فكانَ إِذَا نزَل الشامَ نزَل على أبي الدَّرداءِ، وروَى أبو جُحيفةَ أَنَّ سلمانَ جاء يزورُ أبا الدَّرداءِ] (٥) ، فرَأى أمَّ الدَّرداءِ مُتَبَذِّلةً (٦) ، قال: ما شأنُك؟ قالَتْ: إِنَّ أخاكَ ليس له حاجةٌ في شيءٍ مِن الدُّنيا، قال: فلمَّا جاء أبو الدَّرداءِ رحَّب بسلمانَ وقَرَّبَ له طعامًا، قال: فقال (٧) سلمانُ: اطعَمْ، قال (٨) : إنِّي صائمٌ، قال: أقْسَمْتُ عليك إلَّا ما طعِمتَ، إِنِّي لستُ بآكِلٍ حتَّى
ج ٧ ص ٢٢٠تَطْعَمَ، قال: وباتَ سلمانُ عندَ أبي الدَّرداءِ، فلمَّا كان الليلُ قام أبو الدَّرداءِ [فحبَسه سلمانُ، وقال: يا أبا الدَّرداءِ] (١) ، إِنَّ لِرَبِّكَ عليك حقًّا، [و (٢) لأهلِك عليك حقًّا، و (٢) لجسدِك عليك حقًّا] (٣) ، فأَعْطِ كلَّ (٤) ذي حقٍّ حقَّه (٥) ، فلما كان وجهُ الصبحِ، قال: قُمِ الآنَ، قال: فقامَا فَصَلَّيا، ثمَّ خرجا إلى الصَّلاةِ، قال: فَلَمَّا صَلَّى رسولُ اللهِ ﷺ قام إليه أبو الدَّرداءِ فأخبَره بما قال (٦) سلمانُ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ مِثْلَ ما قال سلمانُ.
-
ذكَره عليُّ بنُ المَدِينِيِّ، عن جعفرِ بنِ عَوْنٍ (٧) ، عن أبي العُمَيْسِ، عن عَوْنِ بن أبي جُحَيْفةَ، عن أبيه (٨) .
-
وله أخبارٌ حِسَانٌ وفضائلُ جَمَّةٌ.
- ج ٧ ص ٢٢١
تُوفِّيَ سلمانُ في آخرِ خلافةِ [عثمانَ سنةَ خمسٍ وثلاثين، وقيل: بل تُوفِّيَ سنةَ سِتٍّ وثلاثين في أَوَّلِها، [وقد] (١) قيل: بل (٢) تُوفِّيَ في (٣) خلافةِ] (٤) عمرَ، والأَوَّلُ أكثرُ، فاللهُ أعلمُ.
قال الشعبيُّ: تُوفِّيَ سلمانُ في عِلِّيَّةٍ (٥) لأبي قُرَّةَ الكِنْديِّ بالمدائنِ (٦) .
-
روَى عنه مِن الصحابةِ: ابنُ عمرَ، وابنُ عباسٍ، وأنسٌ، وأبو الطُّفَيلِ، يُعَدُّ في الكوفيِّين.
-
رَوَينا عن سلمانَ أنَّه تَلا هذه الآيةَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] ، فقال له زيدُ بنُ صُوحانَ: يا أبا عبدِ الله، وذكَر الخبرَ (٧) .
-
[٢٣٦٨] سلمانُ بنُ ربيعةَ الباهِليُّ (٨) ، أحدُ بني قُتَيبةَ بنِ مَعْنِ بنِ
ج ٧ ص ٢٢٢مالكٍ، كوفيٌّ، ذكَره العُقَيليُّ في الصَّحابةِ (١) ، وقال أبو حاتمٍ الرازيُّ (٢) : له صحبةٌ، وهو عندي كما قالا.
-
كان عمرُ بنُ الخطابِ قد بعَثه قاضيًا بالكوفةِ قبلَ شُرَيحٍ، فلمَّا وَلَّى سعدًا (٣) الولايةَ الثانيةَ الكوفةَ اسْتَقْضاه أيضًا، قال أبو وائلٍ: اختَلفْتُ إلى سلمانَ بنِ ربيعةَ حينَ قُدِّم على قضاءِ الكوفةِ أربعينَ صباحًا لا أَجِدُ عندَه فيها خَصْمًا (٤) ، وكان يَلِي الخيلَ لعمرَ، فكان (٥) يُقالُ له: سلمانُ الخيلِ، وهو كان الأميرَ في (٦) غزاةِ بَلَنْجَرَ.
-
ذكَر ابنُ أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ [بنُ عَيَّاشٍ] (٧) ، عن عاصمٍ، عن أبي وائلٍ، قال: غَزَوْنا مع سلمانَ بنِ ربيعةَ بَلَنْجَرَ، فَحَرَّجَ علينا أن نَحْمِلَ على دَوَابِّ الغَنِيمةِ، ورَخَّصَ لنا في الغِرْبَالِ والحبلِ والمُنْخُلِ.
قال (٨) : وحدَّثنا ابنُ إدريسَ، أنَّه سمِع أباه وعَمَّه يَذْكُرانِ، قالا:
ج ٧ ص ٢٢٣قال سلمانُ بنُ ربيعةَ (١) : قَتَلْتُ بِسَيْفِي هذا (٢) مائةَ (٣) مُسْتَلْئِمٍ (٤) ، كلُّهم يَعْبُدُ غيرَ اللهِ، ما قَتَلْتُ منهم رجلًا (٥) صَبْرًا.
-
وقتِل سلمانُ بنُ ربيعةَ سنةَ ثمانٍ وعشرين بِبَلَنْجَرَ مِن بلادِ أرمينيةَ، وكان عمرُ قد بعَثه إليها، ولم يُقتَلْ إِلَّا في زمنِ عثمانَ، وقيل: بل قُتِل بِبَلَنْجَرَ سنةَ تسعٍ وعشرين، وقيل: سنةَ ثلاثين، وقيل: سنةَ إحدَى وثلاثينَ.
-
روَى عنه عَدِيُّ بنُ عَدِيٍّ، والصُّبَيُّ (٦) بنُ مَعْبَدٍ، والبراءُ بنُ قيسٍ، وأبو وائلٍ شَقِيقُ (٧) بنُ سلمةَ.
-
[٢٣٦٩] سلمانُ بنُ عامرِ بنِ أوسِ بنِ حُجْرِ بنِ عمرِو بنِ الحارثِ بنِ تَيْمِ بنِ ذُهْلِ (٨) بنِ مالكِ بنِ بكرِ بنِ سعدِ بنِ ضَبَّةَ بنِ أُدِّ ابنِ طابِخةَ ابنِ إلياسَ بنِ مُضَرَ الضَّبِّيُّ (٩) ، قال بعضُ أهلِ العلمِ بهذا
ج ٧ ص ٢٢٤الشأنِ (١) : ليس في (٢) الصَّحابةِ مِن الرُّواةِ ضَبِّيٌ غيرُ سلمانَ بنِ عامرٍ هذا.
وقال ابنُ أبي خيثمةَ (٣) : قد روَى عن النبيِّ ﷺ مِن بني ضَبَّةَ عَتَّابُ ابنُ شُمَيرٍ (٤) .
-
سكَن سلمانُ بنُ عامرٍ البصرةَ، وله بها دارٌ قريبًا (٥) مِن الجامعِ (٦) .
-
روَى عنه محمدُ بنُ سيرينَ، والرَّبَابُ، وهي الرَّبَابُ بنتُ صُلَيعِ بنِ عامرٍ بنتُ (٧) أخي سلمانَ بنِ عامرٍ.
-
[٢٣٧٠] سلمانُ بنُ صخرٍ البياضيُّ (٨) ، هو سلمةُ بنُ صخرٍ، كان يُقالُ له: سلمانُ، وقد ذكرْناه في بابِ سلمةَ (٩) .