باب سعد

١١٩ فقرة، ج ٧ ص ١٥٦

الصفحة ١ من ٣

  1. [٢٣١٠] سعدُ بنُ أبي وَقَّاصِ - واسمُ أبي وَقَّاصٍ مالكٌ - بن أُهَيبِ (١) بن عبدِ مَنَافِ بن زُهْرَةَ بن كلابٍ القُرَشِيُّ الزُّهرِيُّ (٢) ، يُكنَى أبا إسحاقَ، كان سابعَ سبعةٍ في إسلامِه (٣) ، أسلَم بعدَ سِتَّةٍ.

    قال الواقدِيُّ: حدَّثني سَلَمةُ [بنُ بُخْتٍ] (٤) ، عن عائشةَ بنتِ سعدٍ، عن سعدٍ قال: أَسْلَمْتُ وأنا ابن تِسْعَ (٥) عَشْرَةَ سنةً (٦) .

    ج ٧ ص ١٥٦
  2. ورُوِيَ عنه أنَّه قال: أَسْلَمْتُ قبلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلَوَاتُ (٧) .

  3. وشهِد بدرًا، والحُدَيْبِيةَ، وسائرَ المشاهدِ، وهو أحدُ الستَّةِ الذين جعَل عمرُ فيهِمُ الشُّوَرى، وأخبَر أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ تُوفِّيَ وهو عنهم

    ج ٧ ص ١٥٧رَاضٍ، وأحدُ العَشَرةِ [المشهودِ لهم بالجنَّةِ] (١) ، وكان مُجَابَ الدَّعْوةِ، مشهورًا بذلك، تُخَافُ دَعْوَتُه وتُرْجَى، لاشتِهارِ (٢) إجابتِها عندَهم، وذلك أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال فيه: "اللَّهُمَّ سَدِّدْ سَهْمَه، وأَجِبْ دَعْوتَه" (٣) .

  4. وهو أَوَّلُ مَن رمَى بسهمٍ في سبيلِ اللهِ، وذلك في سَرِيَّةِ عُبيدةَ بن الحارثِ، وكان معه يومَئِذٍ المِقْدادُ بنُ عمرٍو، وعتبةُ بنُ غَزْوانَ، ويُروَى أنَّ سعدًا قال في معنى أنَّه أَوَّلُ مَن رَمَى بسهمٍ في سبيلِ اللهِ عز وجل (٤) :

    أَلَا هَلْ جا رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي … حمَيْتُ صَحَابَتِي بِصُدُورِ نَبْلِي

    أَذُودُ بها عَدُوَّهُمُ ذِيَادًا … بِكُلِّ حُزُونَةٍ وبِكُلِّ سَهْلِ

    فما يَعْتَدُّ رَامٍ من مَعَدٍّ … بِسَهُمٍ مَعْ رسولِ اللَّهِ قَبْلِي

    وجمَع رسولُ اللَّهِ ﷺ له وللزُّبَيرِ أيضًا أَبَويهِ، فقال لكلِّ واحدٍ منهما، فيما رُوِي عنه ﷺ : "ارْمِ، فِداكَ أبي وأُمِّي" (٥) ، ولم يَقُلْ ذلك لأحدٍ غيرِهما فيما يقولون، واللهُ أعلمُ.

  5. روَى ابن عُيَيْنةَ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن قيسِ بن أبي حازمٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ لسعدِ بن أَبِي وَقَّاصٍ: "اللَّهُمَّ أَجِبْ دَعْوَتَه، وسَدِّدْ رَمْيَتَه" (١) .

    ج ٧ ص ١٥٨
  6. وروَى يحيى (٢) القَطَّانُ، قال: حدَّثنا مجالدٌ (٣) ، قال: حدَّثنا عامرٌ، عن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ، قال: كنتُ عندَ النبيِّ ﷺ فأقبَل سعدٌ، فقال: "أنْتَ خالِي" (٤) .

  7. وروَى وكيعٌ، عن إسماعيلَ، عن (٥) قيس، قال: سمِعتُ سعدًا يقولُ: أنا أَوَّلُ رجلٍ مِن العربِ رمَى بسهمٍ في سبيلِ اللَّهِ في الغزوِ عندَ القتالِ (٦) .

  8. وكان أحدَ الفرسانِ الشُّجْعانِ مِن قريشٍ الذين كانوا يَحْرُسون رسولَ الله ﷺ في مَغازِيه، وهو الذي كَوَّفَ الكوفةَ، ونَفَى (١) الأعاجمَ، وتَوَلَّى قتالَ فارسَ، أمَّره عمرُ بنُ الخطابِ على ذلك، ففتَح اللهُ على يدَيْه أكثرَ فارسَ، وله كان (٢) فتحُ القادسيةِ وغيرِها، وكان أميرًا على الكوفةِ، فَشَكاه أهلُها، ورَمَوْه بالباطل، فدَعا على الذي واجَهه بالكذبِ عليه دعوةً ظَهَرَتْ فيه إجابتُها، والخبرُ بذلك مشهورٌ ترَكتُ ذكرَه الشهرتِه، وعزَله عمرُ، وذلك في سنةِ إحدَى وعشرينَ، حينَ شَكاه أهلُ الكوفةِ، ووَلَّى عَمَّارَ بنَ ياسرٍ الصلاةَ، وعبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ بيتَ المالِ، وعثمانَ بنَ حُنَيْفٍ مساحةَ الأرَضين (٣) ، ثم عزَل عَمَّارًا، وأعادَ سعدًا على الكوفةِ ثانيةً، ثم عزَله ووَلَّى جُبَيرَ بنَ مُطْعِمٍ، ثم عزَله قبلَ أن يخرُجَ إليها، ووَلَّى المغيرةَ بنَ شعبةَ، فلم يَزَلْ عليها حتى قُتِل عمرُ، فَأَقَرَّه عثمانُ يسيرًا ثم عزَله، ووَلَّى سعدًا، ثم عزَله، ووَلَّى [الوليد بنَ عقبةَ] (٤) .

    ج ٧ ص ١٥٩
  9. وقد قيل: إنَّ عمرَ لمَّا أراد أن يُعِيدَ سعدًا على الكوفةِ أبَى عليه، وقال: أتأمُرُني أن أعودَ إلى قومٍ يَزْعُمون أنِّي لا أُحسِنُ (٥) أُصَلِّي؟ فترَكه، فلمَّا طُعِن عمرُ وجعَله أحدَ أهل الشورى، قال: إِنْ وَلِيَها سعدٌ

    ج ٧ ص ١٦٠فذاكَ، وإلا فليَسْتَعِنْ به الوالي، فإنِّي لم أعزِلْه عن عجزٍ ولا خيانةٍ.

  10. ورامَه ابنُه عمرُ بنُ سعدٍ أن يدعوَ [إلى نفسِه] (١) بعدَ قتلِ عثمانَ فأبَى، وكذلك رامَه أيضًا ابن أخيه هاشمُ بنُ عُتْبَةَ، فلمَّا أبَى عليه صار هاشمٌ إلى عليٍّ.

  11. وكان سعدٌ ممن قعَد ولزِم بيتَه في الفتنةِ، وأمَر أهلَه أَلَّا يُخْبِرُوه مِن أخبارِ الناسِ بشيءٍ حتى تجتمعَ الأُمَّةُ على إمامٍ، فطمِع معاويةُ فيه، وفي عبدِ الله بن عمرَ، ومحمدِ بن مسلمةَ، فكتَبَ إليهم يَدْعُوهم إلى عونِه على الطلبِ بدمِ عثمانَ، ويقولُ لهم: إنَّهم لا يُكَفِّرون ما أَتَوْهُ مِن قتلِه وخِذْلانِه إلَّا بذلك، ويقولُ: إِنَّ قاتِلَه وخاذِلَه سواءٌ، في نثرٍ ونظمٍ كتَب به إليهم تركْتُ ذكرَه، فأجابَه كلُّ واحدٍ منهم يَرُدُّ عليه ما جاء به مِن ذلك، ويُنْكِرُ عليه مقالتَه، ويعرِّفُه أنَّه ليس بأهلٍ لِما يَطْلُبُه (٢) ، وكان في جوابِ سعدِ بن أبي وَقَّاصٍ له (٣) :

    مُعَاوِيَ داؤُك (٤) الدَّاءُ العَيَاءُ … وليس لِما تَجِيءُ به دَوَاءُ

    أَيَدْعُونِي أَبو حَسَنٍ عَلِيٌّ … فلم أَرْدُدْ عليه ما يَشَاءُ

    وقلتُ له اعْطِنِي سيفًا بَصِيرًا (٥) … تَميزُ به العَدَاوَةُ والوَلَاءُ

    ج ٧ ص ١٦١فإنَّ الشَّرَّ أصغرُه (١) كبيرٌ … وإنَّ الظهرَ تُثْقِلُه الدِّمَاءُ

    أَتَطْمَعُ في الذي أَعْيَا عَلِيًّا … على ما قد طَمِعْتَ (٢) به العَفَاءُ

    لَيَومٌ منه خيرٌ منك حَيًّا … ومَيْتًا أنتَ للمرءِ الفِدَاءُ

    فأمَّا أمرُ عثمانَ فَدَعْه … فإنَّ الرأْيَ أذهَبه البَلاءُ

    قال أبو عمرَ: سُئِل عليّ عن الذين قعَدوا عن بيعتِه [ونُصْرتِه] (٣) والقيامِ معه، فقال: أولئك قومٌ خذَلوا الحقَّ، ولم يَنْصُروا الباطلَ (٤) .

  12. وماتَ سعدُ بنُ أبي وَقَّاصٍ في قصرِه بالعَقِيقِ على عشْرةِ أميالٍ مِن المدينةِ، وحُمِل إلى المدينةِ على رقابِ (٥) الرجالِ، ودُفِن بالبقيعِ، وصَلَّى عليه مرْوانُ بنُ الحكمِ.

  13. واختُلِف في وقتِ وفاتِه؛ فقال الواقديُّ: تُوفِّي سنةَ خمسٍ وخمسينَ وهو ابن بضْعٍ وسبعينَ (٦) ، وقال أبو نعيمٍ: ماتَ سعدُ بنُ أبي وَقَّاصٍ سنةَ ثمانٍ وخمسينَ (٧) ، وقال الزُّبَيرُ، والحسنُ بنُ عثمانَ،

    ج ٧ ص ١٦٢وعمرُو بنُ عليٍّ الفَلَّاسُ: تُوفِّيَ سعدُ بنُ أبي وقاصٍ سنةَ أربعٍ وخمسين، وهو ابن بضعٍ وسبعين (١) ، وقال الفَلَّاسُ: وهو ابن أربعٍ وسبعين (١) .

  14. وذَكر أبو زرعةَ (٢) عن أحمدَ بن حنبلٍ، قال: تُوفِّيَ سعدُ بنُ أبي وَقَّاصٍ وهو ابن ثلاثٍ وثمانينَ سنةً في إمْرةِ (٣) معاويةَ بعدَ حَجَّتِه الأخرَى.

  15. واختُلِف في صفتِه اختلافًا (٤) مُتَضَادًّا، فلم أذكُرْها لذلك.

  16. وروَى الليثُ بنُ سعدٍ، عن عُقَيلٍ، عن ابن شهابٍ، أَنَّ سعدَ بنَ أبي وَقَّاصٍ لمَّا [حَضَره الموتُ] (٥) دَعا بِخَلَقِ جُبَّةٍ له مِن صوفٍ، فقال: كَفِّنوني فيها؛ فإنِّي كنتُ لَقِيتُ المشركينَ فيها يومَ بدرٍ وهي عليَّ، وإِنَّما كنتُ أَخْبَؤُها لهذا (٦) .

  17. [٢٣١١] سعدُ بنُ معاذِ بن النُّعْمانِ بن امرئَ القيسِ بن زيدِ بن عبدِ الأشهلِ بن جُشَمَ بن الحارثِ بن الخزرجِ بن النَّبِيتِ - وهو عمرٌو - بن

    ج ٧ ص ١٦٣مالكِ بن الأوسِ الأنصاريُّ الأشهليُّ (١) ، يُكنَى أبا عمرٍو، وأُمُّه كبشةُ بنتُ رافعٍ، لها صحبةٌ، أسلَم بالمدينةِ بينَ العقبةِ الأُولى والثانيةِ على يَدَيْ مصعبِ بن عُمَيرٍ، وشهِد بدرًا، وأُحُدًا، والخندقَ، ورُمِي يومَ الخندقِ بسهمٍ، فعاشَ شهرًا ثم انتقَض جُرْحُه فماتَ منه، والذي رَماه بالسهمِ حِبَّانُ بنُ العَرِقةِ، وقال: خُذْها وأنا ابن العَرِقةِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "عَرَّقَ اللهُ وجهَه في النارِ" (٢) .

  18. والعَرِقةُ هي قِلابةُ (٣) بنتُ سُعَيدِ بن سهمِ بن عمرِو بن هُصَيصٍ، و (٤) حِبَّانُ ابنُها هو ابن عبدِ منافِ بن مُنقِذِ بن عمرِو بن مَعِيصٍ بن عامرِ بن لؤيٍّ.

  19. وقيل: إِنَّ العَرِقةَ تُكنَى أمَّ فاطمةَ، وإنَّما قيل لها: العَرِقةُ لطيبِ ريحِها.

  20. وكان رسول اللَّهِ ﷺ قد أمَر بضربِ فُسطاطٍ في المسجدِ لسعدِ بن معاذٍ، وكان يَعودُه في كلِّ يومٍ حتى تُوفِّيَ سنةَ خمسٍ مِن الهجرةِ،

    ج ٧ ص ١٦٤وكان موتُه بعدَ الخندقِ بشهرٍ، وبعدَ قريظةَ بليالٍ، كذا رواه سعدُ بنُ إبراهيمَ، عن عامرِ بن سعدِ [بن أبي وَقَّاصٍ، عن أبيه (١) .

  21. وروَى اللَّيْثُ بنُ سعدٍ] (٢) ، عن أبي الزُّبَير، عن جابرٍ، قال: رُمِيَ يومَ الأحزابِ سعدُ بنُ معاذٍ، فقطَعوا أَكْحَلَه (٣) ، فحَسَمه (٤) رسولُ الله ﷺ ، فانْتَفَخَتْ يَدُه ونَزَفَه الدَّمُ، فَلَمَّا رَأَى ذلك، قال: اللَّهُمَّ لا تُخْرِجُ نَفْسِي حَتَّى تُقِرَّ عَيْنِي في (٥) بَنِي قُرَيظَةَ، فَاسْتَمْسَكَ عِرْقُه، فما قطَر قَطْرةً حتَّى نزَل بنو قُرَيظةَ على حُكْمِه، وكان حُكْمُه فيهم أنْ يُقْتَلَ، رجالُهم، وتُسْبَى نساؤُهم وذُرِّيَّتُهم، يَسْتَعِينُ به المسلمون، فقال [رسولُ اللَّهِ ﷺ ] (٦) : "أَصَبْتَ حُكْمَ اللَّهِ فيهم" ، وكانوا أربْعَمائةٍ، فلما فرَغ مِن قتلِهم انفَتَقَ عِرْقُه فماتَ (٧) . ورُوِي مِن حديثِ سعدِ بن أبي وَقَّاصٍ، عن النبيِّ ﷺ أَنَّه قال:

    ج ٧ ص ١٦٥"لقد نزَل مِن الملائكة في جنازة سعدِ بن معاذٍ سبعونَ ألفًا ما وطِئوا الأرضِ قبلُ" (١) .

  22. ورُوِي مِن حديثِ أنسِ بن مالكٍ قال: لمَّا حَمَلْنا جِنازةَ سعدِ بن معاذٍ، قال المنافقون: ما أَخَفَّ جِنازتَه وكان رجلًا طُوَالًا ضخمًا، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إنَّ الملائكةَ حَمَلتْه" (٢) .

  23. وروَى ابن إسحاقَ، عن يحيى بن عَبَّادٍ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: كان في بني عبدِ الأشهلِ ثلاثةٌ لم يكنْ بعدَ النبيِّ ﷺ أَحَدٌ مِنَ المسلمينَ (٣) أفضلَ منهم: سعدُ بنُ معاذٍ، وأُسَيدُ بنُ حُضَيْرٍ، وعَبَّادُ بنُ بشرٍ (٤) .

    وقال رسولُ اللهِ ﷺ : "اهْتَزَّ العرشُ لموتِ سعدِ بن معاذٍ" ، ورُوي: "عرشُ الرحمنِ" ، وهو حديثٌ رُوِي مِن وُجُوهٍ (٥) كثيرةٍ مُتَواترةٍ، رَوَاها جماعةٌ مِن الصَّحابةِ (٦) .

    ج ٧ ص ١٦٦وقال رسولُ اللهِ ﷺ في حُلَّةٍ رَآها سِيرَاء (١) : "لَمِنْدِيلٌ (٢) مِن مَناديل سعدِ بن معاذٍ في الجنةِ خيرٌ منها" (٣) ، وهو حديثٌ ثابتٌ أيضًا، وقال له (٤) إِذْ حكَم في بني قريظةَ بقتلِ المُقاتِلَةِ وسَبْيِ [النساء] (٥) و الذُّرِّيَّةِ: "لقد حَكَمْتَ فيهم بِحُكْمِ اللَّهِ مِن فوقِ سبعِ سماواتٍ" (٦) ، وقال ﷺ : "لو نَجا أحدٌ مِن ضَغْطَةِ القبر نَجَا (٧) منها سعدُ بنُ معاذٍ" (٨) .

  24. حدَّثنا خلفُ بنُ قاسمٍ، حدَّثنا الحسنُ بنُ رَشِيقٍ، حدَّثنا أبو قُرَّةَ محمدُ بنُ حُمَيدٍ، حدَّثنا سعيدُ بنُ تَلِيدٍ، حدَّثنا [محمدُ بنُ] (١) فَضالةَ، عن أبي طاهرٍ عبدِ الملكِ بن محمدِ بن أبي بكرٍ، عن عمِّه عبدِ اللهِ بن أبي بكرٍ، قال: ماتَ سعدُ بنُ معاذٍ مِن جُرْحٍ أصابَه يومَ الخندقِ شهيدًا، قال: فبلَغني أنَّ جبريلَ عليه السلام نزَل في جِنازتِه مُعتَجِرًا بعِمامةٍ (٢) مِن إستبرقٍ، وقال: يا نبيَّ اللهِ، مَن هذا الذي فُتِحَتْ له أبوابُ السماءِ، واهتزَّ له العرشُ؟ فخرَج رسولُ اللهِ ﷺ سريعًا (٣) يَجُرُّ ثوبَه، فوجَد سعدًا قد قُبِض (٤) .

    وقال رجلٌ مِن الأنصارِ (٥) :

    وما اهْتَزَّ عرشُ اللهِ مِن موتِ هَالِكٍ … عَلِمْنا (٦) به إلا لسعدٍ أبي عمرِو

    أخبَرنا خلفُ بنُ قاسمٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ رَشِيقٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسنِ الصَّبَّاحِيُّ (٧) ، قال: حدَّثنا (٨) عبدُ اللهِ بنُ

    ج ٧ ص ١٦٨محمدِ بن شاكرٍ، قال حدثنا: عبدُ اللَّهِ بنُ حسينٍ الأَشْقَرُ أبو بلالٍ، قال: حدَّثنا زافرُ (١) بنُ سليمانَ، عن عبدِ العزيزِ بن أبي سلمةَ (٢) الماجِشونِ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، عن ابن عَبَّاسٍ، قال: قال سعدُ بنُ معاذٍ: ثلاثٌ أنا فيهنَّ رجلٌ - يعني كما ينبغِي - وما سِوَى ذلك فأنا رجلٌ مِن الناسِ؛ ما سمِعتُ مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ حديثًا قَطُّ إلا علِمتُ أنَّه حقٌّ مِن اللَّهِ، ولا كنتُ في صلاةٍ قَطُّ فَشَغَلْتُ نَفْسِي بغيرِها (٣) حتَّى أَقْضيها، ولا كنتُ في جِنازَةٍ قَطُّ فَحَدَّثْتُ نفسي [بغيرِ ما] (٤) تقولُ ويُقالُ لها، حتَّى أَنْصَرِفَ عنها، قال سعيدُ بنُ المسيَّبِ: هذه الخِصالُ ما كنتُ أَحْسَبُها إلا في نبيٍّ (٥) .

    ج ٧ ص ١٦٧
  25. [٢٣١٢] سعدُ بنُ خيثمةَ الأنصاريُّ (٦) ، مِن بني عمرِو بن عوفٍ، كذا قال ابن إسحاقَ (٧) وغيرُه، ونسَبه ابن هشامٍ، فقال (٨) : سعدُ بنُ

    ج ٧ ص ١٦٩خيثمةَ بن الحارثِ بن مالكِ بن كعبِ بن النَّحَّاطِ بن كعبِ بن حارثةَ بن غَنْمِ بن السَّلْمِ بن امرئِ القيسِ بن مالكِ بن الأوسِ الأنصاريُّ، عَقَبِيٌّ، بدريٌّ، قُتِل يومَ بدرٍ شهيدًا.

    قال أبو عمرَ: قتَله طُعَيمةُ بنُ عَدِيٍّ، وقيل: بل قتَله عمرُو بنُ عبدِ وُدٍّ، وقتَل حمزة يومَئذٍ طُعَيمةَ، وقتَل عليّ عَمرًا يومَ الأحزابِ، وقتِل خيثمةُ أبو سعدِ [بن خيثمةَ] (١) يومَ أُحُدٍ شهيدًا، كان يُقالُ لسعدِ بن خيثمةَ: سعدُ الخيرِ، يُكنَى أبا عبدِ الله، وذكَروا أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ لمَّا استنهَض أصحابَه إلى عِيرِ قريشٍ أسرَعوا، فقال خيثمةُ بنُ الحارثِ لابنِه سعدٍ: إنَّه لا بُدَّ لأحدِنا أن يُقِيمَ، فآثِرْني بالخروجِ، وأقِمْ أنتَ (٢) مع نسائِنا، فأبَى سعدٌ، وقال: لو كان غيرُ الجنةِ آثَرْتُك به، إنِّي أرجو الشهادةَ في وجهِي هذا فاسْتَهما، فخرَج سهمُ سعدٍ، فخرَج مع رسولِ اللهِ ﷺ إلى بدرٍ فقُتِل.

    قال ابن هشامٍ (٣) : كَتَبَ (٤) ابن إسحاقَ سعدَ بنَ خيثمةَ في بني عمرِو بن عوفٍ، وإنَّما هو مِن بني غَنْمِ بن السَّلْمِ، ولكنَّه ربَّما كانَتْ دعوتُه فيهم فنسَبه إليهم (٥) .

  26. وقيل: إنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ نزَل على سعدِ بن خيثمةَ في بني عمرِو بن عوفٍ، والأكثرُ يقولون: إنَّه نزَل على كُلثومِ بن الهَدْمِ في بني عمرِو بن عوفِ، ثم انتقَل إلى المدينةِ، فنزَل على أبي أيُّوبَ.

    ج ٧ ص ١٧٠
  27. [٢٣١٣] سعدُ بنُ الربيعِ بن عمرِو بن أبي زُهَيرِ بن مالكِ بن امرئِ القيسِ بن مالكِ بن الأغرِّ بن ثعلبةَ بن كعبِ بن الخزرجِ بن الحارثِ بن الخزرجِ الأنصاريُّ الخزرجيُّ (١) ، عَقَبِيٌّ، بدريٌّ، نقيبٌ (٢) ، كان أحدَ نُقَباءِ الأنصارٍ، كان كاتبًا في الجاهليةِ، وشهِد العقبةَ الأُولَى والثانيةَ، وشهِد بدرًا، وقُتِل يومَ أُحُدٍ شهيدًا، وأمَر رسولُ اللَّهِ ﷺ يومئذٍ أن يُلتمسَ في القَتْلَى، وقال: "مَن يأتِيني بخبرِ سعدِ بن الربيعِ؟ " ، فقال رجلٌ: أنا فذهَب يطوفُ بينَ القتْلَى، فوجَده وبه رَمَقٌ، فقال له سعدُ بنُ الربيعِ: ما شأنُك؟ فقال الرجلُ: بعَثني رسولُ اللَّهِ ﷺ الآتِيَه بخبرِك، قال: فاذهَبْ إليه فأَقْرِئُه مِنِّي السلامَ، وأخبِرْه أنِّي قد طُعِنتُ اثنتَيْ عَشْرةَ طعنةً، وأنِّي قد أُنفِذَتْ مَقاتِلي،

    ج ٧ ص ١٧١وأخبِرْ قومَك أنَّهم لا عُذْرَ لهم عندَ اللهِ إن قُتِل رسولُ اللَّهِ ﷺ وواحدٌ منهم حَيٌّ، هكذا ذكَر مالكٌ هذا الخبرَ (١) ، ولم يُسَمِّ الرجلَ الذي ذهَب ليأتيَ بخبرِ سعدِ بن الربيعِ، وهو أُبَيُّ بنُ كعبٍ، ذكَر ذلك رُبَيْحُ بن عبدِ الرحمنِ بن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن أبيه، عن جدِّه، في هذا الخبرِ، أَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال يومَ أُحُدٍ: "مَن يَأْتِيني بخبرِ سعدِ بن الربيعِ؟ فإنِّي رأيتُ الأَسِنَّةَ قد أُشْرِعَتْ إليه" ، فقال أُبَيُّ بنُ كعبٍ: أنا، وذكَر الخبرَ، وفيه: اقرَأْ على قَوْمِي السَّلامَ، وقُلْ لهم: يقولُ لكم سعدُ بنُ الربيعِ: اللَّهَ اللَّهَ وما عاهَدْتُم عليه رسولَ اللَّهِ ﷺ ليلةَ العقبةِ، فواللهِ ما لكم عندَ اللهِ عُذْرٌ إِنْ خُلِص إلى نبيِّكم (٢) وفيكم عَيْنٌ تَطْرِفُ، قال أُبَيٌّ (٣) : فَلَمْ أَبْرَحْ حتى مات، فرجَعتُ إلى النبيِّ ﷺ فأخبَرْتُه (٤) .

    وقال ابن إسحاقَ (٥) : دُفِنَ سعدُ بن الربيعِ وخارجةُ بنُ (٦) زيدِ بن أبي زُهَيْرٍ في قبرٍ واحدٍ.

  28. وخَلَّفَ (٧) سعدُ بنُ الرَّبيع ابْنَتَيْنِ فَأَعْطَاهُما رسولُ اللَّهِ ﷺ الثُّلُثَيْنِ، فكان ذلك أَوَّلَ بَيانِه للآية في قولِه عز وجل : ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً

    ج ٧ ص ١٧٢فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١] ، وفي ذلك نَزَلَتِ الآيةُ، وبذلك عُلِم مُرَادُ اللَّهِ منها، وعُلِمَ أنَّه أراد بقوله: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾، أي: اثنتين (١) فما فوقَهما، وذلك أيضًا عندَ العلماءِ قياسٌ على الأختَيْنِ؛ إذْ لإحداهُما (٢) النِّصْفُ ولِلاثنتَيْنِ الثُّلُثَانِ، فكذلك الابْنَتَانِ.

  29. [٢٣١٤] سعدُ بنُ مالكِ بن خالدِ بن ثعلبةَ [بن حارثةَ] (٣) بن عمرِو بن الخزرجِ بن ساعِدةَ الأنصاريُّ الساعِديُّ (٤) ، هو والدُ سهلِ بن سعدٍ، ذكَر الواقديُّ (٥) أُبيِّ بن عباسِ بن سهلِ بن سعدٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: تَجَهَّزَ سعدُ بنُ مالكٍ ليَخرُجَ إلى بدرٍ فماتَ، فمَوضعُ قبرِه عندَ دارِ بني قارِظٍ (٦) ، فضرَب له رسولُ اللَّهِ ﷺ بسهمِه وأجرِه.

  30. [٢٣١٥] سعدُ بنُ عُبادةَ بن دُلَيم بن حارثةَ بن أبي حَلِيمةَ - ويُقالُ: ابن أبي حَزِيمةَ (٧) - بن ثعلبةَ بن طَرِيفِ بن الخزرجِ بن ساعِدةَ بن كعبِ

    ج ٧ ص ١٧٣ابن الخزرجِ الأنصاريُّ الساعِديُّ (١) ، يُكنَى أبا ثابتٍ، وقد قيل: أبو قيسٍ، والأَوَّلُ أَصَحُّ، كان نقيبًا، شهِد العقبةَ، وشهِدَ (٢) بدرًا في قولِ بعضِهم، ولم يَذكُره ابن عقبةَ ولا ابن إسحاقَ في البدربِّين، وذكَره فيهم جماعةٌ غيرُهما؛ منهم الواقِديُّ، والمدائنيُّ، وابنُ الكلبيِّ (٣) .

  31. وذكَره أبو أحمدَ الحافظُ في كتابِه في الكُنَى بعدَ أن نسَب أباه وأمَّه، فقال (٤) : شهِد بدرًا مع النبيِّ ﷺ ، قال: ويُقالُ: لم يَشْهَدْ بدرًا، وكان عقبيًّا نقيبًا سَيّدًا جَوَادًا.

    قال أبو عمرَ: كان سَيِّدًا في الأنصارِ مُقَدَّمًا وجيهًا، له رياسةٌ وسيادةٌ، يَعترِفُ قومُه له بها، يُقال: إنَّه لم يكنْ في الأوسِ والخزرجِ أربعةٌ مُطْعِمون يتوالَون (٥) في بيتٍ واحدٍ إلا قيسَ بنَ سعدِ بن عبادةَ بن دُليمٍ، ولا كان مثلُ ذلك في سائرِ العربِ أيضًا إلا ما ذكَرْنا عن

    ج ٧ ص ١٧٤صفوانَ بن أُمَيَّةَ في بابِه مِن كتابِنا هذا (١) .

  32. أخبَرنا عبدُ الرحمن إجازةً، [حدَّثنا ابن] (٢) الأعرابيِّ، حدَّثنا ابن أبي الدنيا، حدَّثني محمدُ بنُ صالحٍ القُرَشِيُّ، أخبَرنا محمدُ بنُ عمرَ، حدَّثني عبدُ اللهِ بن نافعٍ، عن أبيه (٣) ، قال: مَرَّ ابن عمرَ على أُطْمِ سعدٍ، فقال لي: يا نافعُ هذه (٤) أَطْمُ جَدِّه، لقد كان مُنادِيه يُنادِي يومًا (٥) في كلِّ حولٍ: مَن أراد الشَّحْمَ واللَّحْمَ فليَأْتِ دارَ دُلَيمٍ، فماتَ دُلَيمٌ، فنادَى مُنادِي عُبادةَ بمثلِ ذلك، ثم مات عُبادةُ، فنادَى مُنادِي (٦) سعدٍ بمثلِ ذلك، ثم قد رأيتُ قيس بن سعدٍ يفعلُ ذلك، وكان قيسٌ جَوَادًا مِن أجوادِ (٧) الناسِ (٨) .

  33. وبه، عن محمدِ بن صالحٍ، قال: حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ الظَّفْرِيُّ، قال: حدَّثني عبدُ الملكِ بنُ عبدِ العزيزِ بن سعيدِ بن سعدِ بن عبادةَ، أنَّ دُلَيمًا جَدَّهم كان يُهْدِي إِلى مَنَاةَ - صنمٍ - كلَّ عامٍ عشْرَ بَدَنَاتٍ، ثم كان عُبادةُ يُهْدِيها كذلك، ثم كان سعدٌ يُهْدِيها كذلك إلى

    ج ٧ ص ١٧٥أنْ أسلَم ثم أهدَاها قيسٌ إلى الكعبةِ (١) .

  34. وبه، عن محمدِ بن صالحٍ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ عمرَ الأسلميُّ، حدَّثني محمدُ بنُ يحيى بن سهلٍ، عن أبيه، عن رافعِ بن خَديجٍ، قال: أقبَل أبو عبيدةَ ومعه عمرُ، فقالا لقيسِ بن سعدٍ: عَزَمْنَا عليك ألَّا تَنْحَرَ، فلم يَلتفِتْ إلى ذلك، ونحَر، فبلَغ النبيَّ ﷺ ذلك، فقال: "إنَّه مِن بيتِ جُودٍ" (٢) .

  35. وفي سعدِ بن عُبادةَ وسعدِ بن معاذٍ جاء الخبرُ المأثورُ: إنَّ قريشًا سمعوا صائِحًا يَصِيحُ ليلًا على أبي قُبَيسٍ:

    فإِنْ يُسْلِمِ السَّعْدَانِ يُصْبحْ مُحَمَّدٌ … بِمَكَّةَ لا يَخْشَى خِلَافَ المُخَالِفِ (٣)

    قال: فَظَنَّتْ (٤) قريشٌ أنَّهما سعدُ بنُ زِيدِ مَناةَ بن تميمٍ وسعدُ (٥) هُذَيمٍ مِن قُضاعةَ، فلمَّا كان الليلةُ الثانيةُ سمِعوا صوتًا (٦) على أبي قُبَيسٍ:

    أيا سعدُ سعدَ الأوسِ كُنْ (٧) أنتَ ناصِرًا … ويا سعدُ سعدَ الخَزْرجَيْنِ الغَطارِفِ

    ج ٧ ص ١٧٦أَجِيبا إلى داعِي الهُدَي وتَمَنَّيا … على اللهِ في الفردوس مُنْيَةَ عارِفِ

    فإِنَّ ثوابَ اللهِ للطَّالبِ الهُدَى … جنَانٌ مِن الفردوسِ ذاتُ رَفَارِفِ

    قال: فقالوا: هذانِ (١) واللهِ سعدُ بنُ معاذٍ وسعدُ بنُ عُبادةَ (٢) .

    قال أبو عمرَ: وإليهما أرسَل رسولُ اللَّهِ ﷺ يومَ الخندقِ يُشاوِرُهما فيما أراد أن يُعطِيَه (٣) عُيَيْنَةَ بن حصنٍ مِن ثمرِ (٤) المدينةِ، وذلك أنَّه أرادَ أن يُعطِيَه يومَئِذٍ ثُلُثَ ثمرِ (٥) المدينة ليَنصرِفَ بمَن معه مِن غَطَفان، ويَخذُلَ الأحزابَ، فأبَى عُيَينةُ إلا أن يأخُذَ نصفَ الثمرِ (٦) ، فأرسَل رسولُ اللهِ ﷺ إلى سعدِ بن معاذٍ وسعدِ بن عُبادةَ دونَ سائرِ الأنصارِ؛ لأنَّهما كانا سَيِّدَيْ، قومِهما كان سعدُ بنُ معادٍ سَيِّد الأوسِ، وسعدُ بنُ عُبادةَ سَيِّدَ الخزرجِ، فشاوَرهما في ذلك، فقالا يا رسول اللَّهِ، اللَّهِ، إن كنتَ أُمِرتَ بشيءٍ فافعَلْه وامْضِ له، وإن كان غيرَ ذلك، فواللهِ لا نُعْطِيهم إلَّا السيفَ فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "لم أُومَرْ بشيءٍ، ولو أُمِرتُ بشيءٍ ما شاوَرتُكما، وإنَّما هو رأيٌ أَعرِضُه عليكما" ، فقالا:

    ج ٧ ص ١٧٧واللهِ يا رسولَ اللَّهِ ما طمِعوا بذلك مِنَّا قَطُّ في الجاهليةِ، فكيفَ اليومَ وقد هَدَانا اللهُ بكَ وأكرَمَنا وأَيَّدَنا (١) ؟! واللهِ لا نُعْطِيهم (٢) إلا السَّيْفَ، فَسُرَّ (٣) رسولُ اللَّهِ ﷺ بقولِهما (٤) ، وقال لعُيينةَ ومَن معه: "ارجِعوا، فليس بينَنا وبينَكم إلا السيفُ" ، ورفَع بها صوتَه (٥) .

  36. وكانَتْ رايةُ رسولِ اللهِ ﷺ يومَ الفتحِ بيدِ سعدِ بن عُبادةَ، فلمَّا مَرَّ بها على أبي سفيانَ - وكان قد أسلَم أبو سفيانَ - قال سعدٌ إذْ نظَر إليه: اليومَ يومُ الملحمةِ، اليومَ تُستَحَلُّ الحُرْمةُ (٦) ، اليومَ أَذَلَّ اللهُ قريشًا، فأقبَل رسولُ اللَّهِ ﷺ في كتيبةِ الأنصارِ، حتى إذا حاذَى أبا سفيانَ نادَاه: يا رسولَ اللَّهِ، أُمِرتَ بقتلِ قومِك؟ فإنَّه زعَم سعدٌ ومَن معه حينَ مَرَّ بِنا أنَّه قاتِلُنا، وقال: اليومَ يومُ الملحمةِ، اليومَ تُستَحَلُّ الحُرْمةُ (٦) ، اليومَ أَذَلَّ اللهُ قريشًا، وإنِّي أَنْشُدُك الله في قومِك، فأنتَ أَبَرُّ الناسِ وأرحَمُهم وأوصَلُهم، وقال عثمانُ وعبدُ الرحمن بنُ عوفٍ: يا رسولَ اللَّهِ، [واللهِ] (٧) ما نأمَنُ سعدًا (٨) أن يكونَ منه في قريشٍ

    ج ٧ ص ١٧٨صَوْلةٌ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "يا (١) أبا سفيانَ، اليومَ يومُ المَرْحمةِ (٢) ، اليومَ أعزَّ اللهُ فيه (٣) قريشًا" (٤) .

    وقال ضِرَارُ بنُ الخطابِ الفِهْرِيُّ يومَئِذٍ:

    يا نَبِيَّ الهُدَى إليك لَجَا … حَيُّ قريشٍ ولاتَ حينَ لَجَاءِ (٥)

    حينَ ضاقَتْ عليهم سَعَةُ الأر … ضِ وعادَاهم إلهُ السَّمَاءِ

    والتَقَتْ حَلْقَتَا البِطَانِ على القو … مِ ونُودُوا بِالصَّيْلَمِ الصَّلْعاءِ (٦)

    إنَّ سعدًا يريدُ قاصِمةَ الظَّهْ … رِ بأهلِ الحَجُونِ والبَطْحاءِ

    خَزْرَجيٌّ لو يستطيعُ مِن الغي … ظِ رَمَانا بالنَّسْرِ والعَوَّاءِ (٧)

    وَغِرُ الصَّدْرِ لا يَهمُّ بشيءٍ … غيرَ سَفْكِ الدِّمَا وَسَبْيِ النِّسَاءِ

    قد تَلَظَّى على البِطَاحِ وجاءَتْ … عنه هندٌ بالسَّوْءَةِ السَّوَّاءِ

    إِذْ يُنَادِي بِذُلِّ حَيِّ قُرَيْشٍ … وابنُ حربٍ بِذا مِنَ الشُّهَدَاءِ

    فَلَئِنْ أَقْحَمَ اللِّوَاءَ ونَادَى … يا حُمَاةَ اللِّوَاءِ أَهْلَ اللِّوَاءِ

    ج ٧ ص ١٧٩ثُمَّ ثَابَتْ إِليه مِن بُهْمِ (١) الخز … رجِ والأَوْسِ أَنْجُمُ الهَيْجاءِ

    لَتَكُونَنَّ بِالْبِطَاحِ قُرَيْشٍ … فِقعَةَ (٢) القَاعِ في أَكُفِّ الإِمَاءِ

    فانْهَيَنْهُ فَإِنَّه أَسَدُ الأسْ … دِ لَدَى الغَابِ وَالِغٌ في الدِّمَاءِ

    إنَّه مُطْرِقٌ يُرِيدُ لنا الأم … رَ سُكُوتًا (٣) كالحَيَّةِ الصَّمَّاءِ

    فأرسَل رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى سعدِ بن عُبادةَ، فنزَع اللِّواءَ مِن يدِه، وجعَله بيدِ قيسٍ ابنِه، ورَأَى رسولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ اللِّواءَ لم يَخْرُجُ عنه إذْ صار إلى ابنِه (٤) ، وأبَى سعدٌ أن يُسَلِّمَ اللِّواءَ (٥) إلا بأمارةٍ مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فأرسَل إليه رسولُ اللَّهِ ﷺ بعِمامتِه، فعرَفها سعدٌ، فدفَع اللواءَ إلى ابنِه قيسٍ.

  37. هكذا ذكَر يحيى بنُ سعيدٍ الأُمَوِيُّ في السِّيَرِ (٦) ، ولم يذكُرِ ابن إسحاقَ هذا الشِّعْرَ، ولا ساقَ هكذا (٧) الخبرَ.

  38. وقد رُوِي أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ [أعطَى الرَّايَةَ الزُّبَيرَ؛ إذْ نزَعها مِن] (٨)

  39. [سعدٍ (١) ، وروَي أيضًا أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ ] (٢) أمَر عليًّا فأخَذ الرَّايةَ، فذهَب بها حتى دخَل مَكَّةَ، فَغَرَزَها عندَ الرُّكْنِ (٣) .

    ج ٧ ص ١٨٠
  40. وتَخلَّفَ سعدُ بنُ عُبادةَ عن بيعةِ أبي بكرٍ، وخرَج عن المدينةِ، ولم يَنصرِفْ إليها إلى أن ماتَ بِحُورانَ مِن أرضِ الشامِ لسنتَيْنِ ونصفٍ مَضَتَا مِن خلافةِ عمرَ، وذلك سنةَ خمسَ عَشْرةَ، وقيل: سنةَ أربعَ عَشْرةَ، وقيل: بل ماتَ سعدُ بنُ عُبادةَ في خلافةِ أبي بكرٍ سنةَ إحدَى عَشْرةَ، ولم يختَلِفوا أنَّه وُجِد مَيِّتًا في مُغْتسَلِه وقدِ اخضرَّ جسدُه، ولم يَشْعُروا بموتِه حتى سمِعوا قائلًا يقولُ - ولا يَرَوْن أحدًا - (٤) :

    قَتَلْنا سَيِّدَ الخَزْر … جِ سعدَ بنَ عُبَادَهْ

    رَمَيْناهُ بِسَهْمَينِ (٥) … فلم نُخْطِئْ فُؤَادَهْ

    ويُقالُ: إِنَّ الجِنَّ قتَلَتْه.