باب جندب
٣٠ فقرة، ج ٣ ص ٦٠
- ج ٣ ص ٦٠
[٢٨٩] جُنْدَبُ بنُ جُنَادَةَ أبو ذَرٍّ الغفارِيُّ (١) ، على أنَّه قد اختُلِفَ في اسمِه، فقيل ما ذكَرنا، وقيل: بُرَيرُ (٢) بنُ جُنْدَبٍ، ويُقالُ: بُرَيرُ بنُ عِشْرَقَةَ (٣) ، و (٤) بُرَيرُ (٥) بنُ جُنَادةَ، ويُقالُ: بَرُّ (٦) بنُ جُنَادةَ، كذا قال ابن إسحاقَ (٧) ، وقيل: بُرَيرُ (٨) بنُ جُنْدَبٍ (٩) ، أيضًا عن ابن إسحاقَ (١٠) ، ويُقالُ: جُنْدَبُ بنُ عبدِ اللهِ، ويُقالُ: جُنْدَبُ بنُ سَكَنٍ.
-
والمشهورُ المحفوظُ: جُنْدَبُ بنُ جُنَادَةَ، واختُلِفَ فيما بعدَ جُنَادةَ
ج ٣ ص ٦١أيضًا، فقيل: جُنَادةُ بنُ قَيسِ بن عمرِو بن صُعَيرِ بن حَرَامِ بن غِفَارٍ، وقيل: جُنْدَبُ بنُ جُنَادةَ بن صُعَيرِ بن عُبَيدِ بن حَرَامِ بن غِفَارٍ، وقيل: جُنْدَبُ بنُ جُنَادَةَ بن سُفيانَ بن عُبَيدِ بن حَرَامِ بن غِفَارٍ.
-
وأُمُّه رَمْلَةُ بنتُ الرَّفِيعَةِ (١) مِن بني غِفَارٍ أيضًا.
-
كان إسلامُ أبي ذَرٍّ قديمًا (٢) ، يُقالُ: بعدَ ثَلاثَةٍ، ويُقالُ: بعدَ أربعةٍ، وقد رُوِي عنه (٣) أنَّه قال: أنا رُبُعُ (٤) الإسلامِ (٥) ، وقيل: كان خامسًا.
-
ثُمَّ رجَع إلى بلادِ قَومِه بعدَما أسلَم فأقامَ بها حَتَّى مَضَتْ بدرٌ وأُحُدٌ والخندقُ، ثُمَّ قَدِمَ على النَّبِيِّ ﷺ المدينةَ فصَحِبَه إلى أنْ مات، ثُمَّ خرَج بعدَ وفاةِ أبي بكرٍ رضي الله عنه إلى الشَّامِ، فلم يَزَلْ بها حَتَّى ولِيَ عثمانُ رضي الله عنه ، ثُمَّ استَقدَمَه عثمانُ لشَكْوى معاويةَ به وأسكَنه الرَّبَذَةَ (٦) ، فمات
ج ٣ ص ٦٢بها وصلَّى عليه عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، صادَفه وهو مُقْبِلٌ مِن الكوفةِ، مع نَفَرٍ فُضَلاءَ مِن أصحابِه (١) ؛ منهم حُجْرُ بنُ الأَدْبَرِ، ومالُك بنُ الحارثِ الأَشتَرُ، وفَتًى مِن الأنصارِ، دَعَتْهُم امرأتُه إليه فشَهِدُوا موتَه، وغَمَّضوا عَينَيهِ، وغَسَلوه وكفَّنوه في ثيابِ الأنصاريِّ (٢) ، في خبرٍ عَجِيبٍ حَسَنٍ فيه طُولٌ (٣) .
-
وفي خبرٍ (٤) غيرِه أنَّ ابنَ مسعودٍ لمَّا دُعِيَ إليه وذُكِرَ له بكَى بكاءً طويلًا.
-
وقد قيل: إِنَّ ابنَ مسعودٍ كان يومَئِذٍ مُقبلًا مِن المدينةِ إلى الكوفةِ فدُعِيَ إِلى الصَّلاةِ عليه، فقال ابن: مسعودٍ: مَن هذا؟ قيل: أبو ذَرٍّ، فبَكَى طويلًا، وقال: أخي وخَلِيلِي، عاشَ وحدَه، وماتَ وحدَه، ويُبْعَثُ وحدَه، طُوبَى له.
-
وكانَتْ وفاتُه بالرَّبَذَةِ سنةَ اثنَتَينِ (٥) وثلاثينَ، وصلَّى عليه ابن مسعودٍ رضي الله عنهما (٦) .
- ج ٣ ص ٦٣
ذكَر عليُّ بنُ المَدِينِيِّ، قال: حَدَّثَنَا يحيى بنُ سُلَيمٍ، قال: حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ عثمانَ بن خُثَيمٍ (١) ، عن مجاهدٍ، عن إبراهيمَ بن الأَشْتَرِ، عن أبيه، عن أُمِّ ذَرٍّ زوجة أبي ذَرٍّ، قالت: لَمَّا حضَرَت أبا ذَرٍّ الوفاةُ بَكَيتُ، فقال لي: ما يُبكِيكِ؟ فقلتُ: وما لي لا أَبكِي وأنتَ تَمُوتُ [بِفَلاةٍ مِن الأرضِ] (٢) ، وليس عندي ثوبٌ يَسَعُكَ كَفَنًا لي ولا لك؟ [ولا يدَ (٣) لي للقيامِ] (٤) بجَهازِكَ، قال: فأَبْشري ولا تَبكِي، فإنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، يقولُ: لا يَموتُ بينَ امْرَأَينِ مُسلِمَينِ وَلَدَانِ أو ثَلاثَةٌ فَيَصْبِرَانِ ويَحْتَسِبانِ فيَرَيانِ النَّارَ أَبَدًا "، وقد ماتَ لنا ثلاثةٌ مِن الولدِ (٥) ، وإنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ لنَفَرٍ أنا فيهم: " ليَموتُنَّ رجلٌ منكم بفَلاةٍ مِن الأَرضِ، تَشْهَدُه عِصابةٌ مِن المؤمِنين (٦) "، وليس مِن أُولئكَ النَّفَرِ أحدٌ إِلَّا وقد مات في قريةٍ وجماعةٍ؛ فأنا ذلك الرَّجُلُ، واللهِ ما كَذَبتُ ولا كُذِبتُ فأَبصرِي (٧) الطَّرِيقَ، قلتُ: أَنَّى وقد ذهَب الحاجُّ، وتَقَطَّعَتِ الطَّرِيقُ؟ ! قال: اذْهَبِي فَتَبَصَّرِي، قالت:
ج ٣ ص ٦٤فكنتُ أشتَدُّ (١) إلى الكَثيبِ فَأَنظُرُ ثُمَّ أَرجِعُ إليه فأُمَرِّضُه، فبَينَما (٢) هو وأنا كذلك، إذا (٣) أنا برِجَالٍ على رِحالِهم كأنَّهُمُ الرَّخَمُ (٤) ، تَحُثُّ (٥) بهم رَوَاحِلُهم، فأَسرَعوا إليَّ حتَّى وقَفوا عليَّ، فقالوا: يا أَمَةَ اللهِ، ما لَكِ؟ قلتُ: امْرُؤٌ مِن المسلِمِين يموتُ، تُكَفِّنُونَه (٦) ؟ قالوا: ومَن هو؟ قلتُ: أبو ذَرٍّ، قالوا: صاحبُ رسولِ اللهِ ﷺ ؟ قلتُ: نعم، قالتْ: فَفَدَّوْهُ بآبَائِهم وأُمَّهاتِهم، وأسرَعوا إليه حتَّى دخَلوا عليه، فقال لهم: أَبشِروا، فإنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ لنَفَرٍ أنا فيهم: "ليَمُوتَنَّ رجلٌ منكم بفَلاةٍ مِن الْأَرْضِ تَشْهَدُه عِصَابَةٌ مِن المُؤمِنِين" ، وليس مِن أُولئكَ النَّفَرِ أَحَدٌ إِلَّا وقد هَلَكَ في قريةٍ و (٧) جماعةٍ، واللهِ ما كَذَبْتُ، [ولا كُذِبْتُ] (٨) ، ولو كان عندِي ثوبٌ
ج ٣ ص ٦٥يَسَعُنِي كَفَنًا لي أو (١) لامرَأَتِي لم أُكفَّنْ إلا في ثوبٍ هو لي أو لها، وإني أُنشِدُكُم اللَّهَ إِنْ (٢) يُكَفِّنِّي (٣) رجلٌ منكم كان أميرًا أو عَرِيفًا أو بريدًا أو نقيبًا، وليس مِن أُولئكَ النَّفَرِ أحدٌ إلا وقد قَارَفَ (٤) بعضَ (٥) ما قال، إلا فَتًى مِن الأنصارِ، فقال: أنا أُكَفِّنُكَ يا عمِّ في رِدَائي هذا، وفي ثَوبَينِ في عَيبَتِي مِن غَزلِ أمِّي، قال: أنتَ تُكفِّنُني (٦) ، قال: فكَفَّنَه الأنصاريُّ وغَسَلَه في النَّفَرِ الذينَ حَضروه، وقاموا عليهِ ودفَنوه في نَفَرٍ كلُّهم يَمانٍ (٧) .
- ج ٣ ص ٦٦
روَى عنه جماعةٌ مِن الصَّحابةِ رضي الله عنهم ، وكان من أَوعِيَةِ العِلمِ المبرَّزِينَ في الزُّهدِ والوَرَعِ والقولِ بالحقِّ، سُئِلَ عليٌّ رضي الله عنه عن أبي ذَرٍّ، فقال: ذاك رجلٌ وعَى علمًا عَجَز عنه الناسُ، ثُمَّ أَوكَأَ عليه، ولم يُخرِجْ منه شيئًا (١) .
-
ورُوِي عن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّه قال: "أبو ذَرٍّ في أُمَّتِي شَبيه عيسى ابن مريمَ في زُهدِه" (٢) ، وبعضُهم يَرويه: "مَن سَرَّهُ أَنْ يَنظُرَ إِلَى تَواضُعِ عيسى ابن مريمَ، فليَنظُرْ إلى أبي ذَرٍّ" .
-
ومن حديثِ ورقاءَ وغيرِه، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرجِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "ما أَظلَّتِ الخضراءُ، ولا أقَلَّتِ الغَبراءُ، مِن ذي لَهجَةٍ أصدَقَ مِن أبي ذَرٍّ، [ومَن سَرَّهُ أَن يَنظُرَ إلى تواضعِ عيسى ابن مريمَ فليَنظُرْ إلى أبي ذَرٍّ" (٣) .
- ج ٣ ص ٦٧
[ورُوِي عنه عليه السلام مِن حديثِ أبي الدَّرداءِ وغيرِه أنَّه قال: "ما أَظلَّتِ الخضراءُ ولا أقَلَّتِ الغَبْرَاءُ مِن ذِي لَهِجَةٍ أَصدَقَ مِن أَبي ذَرٍّ" (١) .
-
وقد ذَكرْنا إسنادَ حديثِ أبي الدَّردَاءِ في بابِ اسمِه مِن الكُنَى (٢) .
-
روَى إبراهيمُ التَّيمِيُّ (٣) ، عن أبيه، عن أبي ذَرٍّ، قال: كان قُوتِي على عهدِ رسولِ الله ﷺ صاعًا مِن تمرٍ، فلستُ بزَائدٍ عليه حتَّى [أَلقَى الله] (٤) عز وجل (٥) .
-
وفي بابِه في الكُنَى مِن خبرِه ما لم نَذْكُرْه ههنا (٦) .
-
وروَى الأعمشُ، عن شِمْرٍ (٧) بن عَطِيَّةَ، عَن شَهْرِ بن حَوشَبٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن غَنمٍ، قال: كنتُ عند أبي الدَّرْدَاءِ إِذ دخَل رجلٌ من أهلِ المدينةِ (٨) فسألَه، فقال: أينَ ترَكْتَ أبا ذرٍّ؟ قال: بالرَّبَذَةِ، فقال
ج ٣ ص ٦٨أبو الدَّرداءِ: إِنَّا لِلَّهِ وإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، لَو أَنَّ أَبا ذَرٍّ قَطَعَ مِنِّي عُضوًا ما (١) هِجْتُه؛ لِمَا سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ فيه (٢) .
-
[٢٩٠] جُنْدَبُ بنُ عبدِ اللهِ بن سفيانَ البَجَلِيُّ العَلَقِيُّ (٣) ، والعَلَقُ (٤) : بَطنٌ من بَجِيلَةَ، وهو عَلْقَةُ بنُ عَبْقَرِ (٥) بن (٦) أَنْمَارِ بن أرَاشِ بن عمرِو بن الغَوثِ، أخو الأَزدِ بن الغَوثِ، صُحبتُه (٧) ليست بالقديمةِ، يُكنى أبا عبدِ اللهِ، كان بالكوفةِ ثم صارَ إلى البصرةِ، روَى عنه مِن (٨) أهلِ البصرةِ: الحسنُ بنُ أبي الحسنِ، ومحمدُ بنُ سِيرِينَ، وأنسُ بنُ سِيرِينَ، وأبو السَّوَّارِ العَدَوِيُّ، وبكرُ بنُ عبدِ اللهِ المُزَنيُّ، ويونسُ (٩) بنُ جُبَيرٍ الباهِلِيُّ، وصفوانُ بنُ مُحْرِزٍ المَازِنِيُّ، وأبو عمرانَ الجَونِيُّ.
- ج ٣ ص ٦٩
وروَى عنه مِن أهلِ الكوفةِ عبدُ الملكِ بنُ عُمَيرٍ، والأسودُ بنُ قيسٍ، وسَلَمَةُ بنُ كَهَيلٍ.
-
ومنهم مَن يقولُ: جُنْدَبُ بنُ سفيانَ (١) ، يَنسِبُونه إلى جَدِّه، [ومِنهم مَن يقولُ: جُندَبُ بنُ عَبدِ اللهِ] (٢) ، وهو جُنْدَبُ بنُ عبدِ اللهِ بن سُفيانَ.
-
وله روايةٌ عن أُبيِّ بن كعبٍ وحُذَيفةَ (٣) .
-
[٢٩١] جُندَبُ بنُ مَكِيثٍ الجُهَنِيُّ (٤) ، أخو رافعِ بن مَكِيثٍ، يُعَدُّ
ج ٣ ص ٧٠في أهلِ المدينةِ، روَى عنه مسلمُ بنُ عبدِ اللهِ بن خُبيبٍ (١) ، له ولأخيه صُحبَةٌ ورِوايةٌ (٢) .
-
[٢٩٢] جُنْدَبُ بنُ ضَمْرَةَ (٣) الجُنْدَعِيُّ (٤) ، لمَّا نَزَلَتْ: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧] قال: اللهمَّ قد أَبلَغتَ في المعذِرةِ والحُجَّةِ، ولا مَعْذِرةَ لي ولا حُجَّةَ، ثُمَّ خرَج وهو شيخٌ كبيرٌ فمات في بعضِ الطريقِ، فقال بعضُ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ : مات قبلَ أنْ يُهاجِرَ، فلا نَدرِي أعلَى ولايةٍ هو أم لا؟ فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَن يَخْرُجُ مِنْ
ج ٣ ص ٧١بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ الآية (١) [النساء: ١٠٠] .
-
[٢٩٣] جُنْدَبُ (٢) بنُ كعبٍ العَبدِيُّ (٣) ، ويُقالُ: الأَزْدِيُّ (٤) ، ويُقالُ: الغَامِدِيُّ (٥) ، وهو عندَ أكثرِهِم قاتِلُ السَّاحِرِ بين يَدي الوليدِ بن عُقبةَ.
-
حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدِ بن عبدِ المؤمنِ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عثمانَ بن ثابتٍ الصَّيدَلانِيُّ ببغدادَ، قال: حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ قال: قال لنا عليُّ بنُ المَدِينِيِّ: جُنْدَبُ بنُ كَعبٍ الغامِديُّ له صُحبةٌ، روَى عنه أبو عثمانَ النَّهْدِيُّ، وحارثةُ بنُ مُضَرِّبٍ، وهو الذي قتَل السَّاحِرَ بينَ يَدَيِ الوليدِ بن عُقبَةَ.
قال أبو عُمَرَ: روَى الحسنُ البَصْرِيُّ (٦) عن جُنْدَبٍ أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ
ج ٣ ص ٧٢قال: "حَدُّ السَّاحِرِ ضَربةٌ (١) بالسَّيفِ" (٢) ، فقيل: إِنَّه جُنْدَبُ بنُ كعبٍ، وقيل: إنَّه جُنْدَبُ بنُ زُهَيرٍ، وقد اختُلِفَ فِي صُحبةِ جُندَبِ بن زُهَيْرٍ، وقيل: حدِيثُه هذا مُرسَلٌ، وتكلَّموا فيه مِن أجلِ السَّرِيِّ بن إسماعيلَ (٣) .
-
وذكَرَ حَمَّادُ بنُ سَلَمةَ، عن عَليِّ بن زيدٍ، عن الحسنِ، أَنْ جُنْدَبَ بنَ كعبٍ كان مع عَليٍّ رضي الله عنه بصِفِّينَ (٤) .
-
وممَّن قال: إِنَّ قاتِلَ السَّاحِرِ جُنْدَبُ بنُ زُهَيْرٍ: الزَّبيرُ بنُ بَكَّارٍ في خبرِ ذكَرَه في قتلِه السَّاحِرَ بين يَدِي الوليدِ بن عُقْبَةَ (٥) ، والصَّحِيحُ عندَنا
ج ٣ ص ٧٣أَنَّه جُنْدَبُ بنُ كَعبٍ (١) .
-
وذكرَ عَلِيُّ بنُ المدِينيِّ: حَدَّثَنَا المغيرةُ بن سَلَمَةَ، عن عبدِ الواحدِ بن زِيادٍ، عن عاصمٍ، عن أبي عثمانَ، قال: رأيتُ الذي يَلْعَبُ بينَ يَدَيِ الوليدِ بن عقبةَ، فيُرِي أنَّه يَقطَعُ رَأسَ رَجُلٍ ثم يُعِيدُه، فقام إليه جُنْدَبُ بنُ كعبٍ فَضَرَبَ وسطَه بالسَّيفِ، وقال: قولوا له: فَليُحْيِ نفسَه الآنَ، قال: فَحَبَسَ الوليدُ جُنْدَبًا، وكتَبَ إلى عثمانَ، فكتَب عثمانُ أَنْ خَلِّ سبيلَه، فترَكه (٢) .
قال: وحدَّثنا جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ قال: كان ساحرٌ يَلْعَبُ بينَ يَدَيِ الوليدِ يُرِيهم أنَّه يَدخُلُ في فَمِ الحمارِ ويَخرُجُ مِن ذَنَبِه (٣) أو مِن دُبُرِه، ويَدخُلُ في استِ الحمارِ ويَخرُجُ مِن فِيهِ، ويُرِيهم أنَّهُ يَضْرِبُ رأسَ نفسِه فيَرمِي به، ثُمَّ يَشتَدُّ فيأخُذُه ثُمَّ يُعِيدُهُ مكانَه، فانطَلَقَ جُنْدَبٌ إِلى الصَّيقَلِ (٤) ، وسيفُهُ عندَه، فقال: وجَبَ
ج ٣ ص ٧٤أَجْرُك، فهَاتِهِ، قال: فأخَذه فاشتَمَلَ عليه، ثُمَّ جاء إلى السَّاحِرِ مع أصحابِه وهو في بعضِ ما كان يصنَعُ، فضرَبَ عُنُقَه، فتفَرَّقَ أَصحابُ الوليدِ، ودخَل هو البيتَ، وأُخِذَ جُنْدَبٌ وأصحابُه فسُجِنوا، فقال لصاحبِ السِّجنِ: قد عرَفتَ السَّبَبَ الذي سُجِنَّا فيه، فخَلِّ سبيلَ أحدِنا حتَّى يأتيَ عُثمانَ، فخَلَّى سبيلَ أحدِهم، فبلَغَ ذلك الوليدَ، فأخَذ صاحبَ السِّجن فصلَبَه، قال: وجاء كتابُ عثمانَ أن خَلِّ سبيلَهم ولا تَعْرِضْ لهم، ووافَى كتابُ عثمانَ قبلَ قتلِ المصلوبِ فخَلَّى سبيلَهُ (١) .
-
وأخبَرنا خلفُ بنُ سعيدٍ، حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، حَدَّثَنَا أحمدُ بن خالدٍ، حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، حَدَّثَنَا عبدُ الرَّزَّاقِ، قال: حَدَّثَنَا ابن جُرَيجٍ، عن عمرِو بن دينارٍ، قال: سَمِعْتُ بَجَالَةَ التَّمِيمِيَّ، فذكَرَ حديثَ (٢) : "اقتُلوا كُلَّ ساحِرٍ وساحِرةٍ" ، قال: وأَمَّا شَأْنُ أبي بُستانٍ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال لجُندَبِ: "جُنْدَبٌ وما جُنْدَبٌ؛ يَضْرِبُ ضَرْبةٌ يُفرِّقُ بها بين الحقِّ والباطِل" ، فإذا أبو بُستانٍ يلعبُ في أسفلِ الحصنِ عندَ الوليدِ بن عُقبةَ وهو أميرُ الكوفةِ، والنَّاسُ يحسَبونَ أنَّه على سُورِ القَصرِ، يَعني وسَطَ القَصرِ، فقال جُنْدَبٌ: ويْلَكُم أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّمَا (٣) يلعَبُ بكُم، واللهِ إنَّه لفي أسفلِ القَصرِ، ثُمَّ انطَلقَ فاشتَمَلَ على السَّيْفِ ثمَّ ضرَبَهُ به، فمِنهُم مَن يَقُولُ: قتَلَه، ومنهم مَن يقولُ: لم يقتُلْه، وذهَبَ
ج ٣ ص ٧٥عنه السِّحرُ، فقال أبو بُستانٍ: قد نَفَعَني اللهُ بضَربَتِك، وَسَجَنَ الوَلِيدُ جُنْدَبًا فانقَضَّ ابن أخيه - وكان فارسَ العربِ - حَتَّى حَمَل على صاحبِ السِّجنِ فقَتَلَه وأخرَجَه، فذلك قولُه:
أفي مَضْرَبِ السُّحَارِ يُسْجَنُ جُندَبٌ … ويُقتَلُ أصْحَابُ النَّبِيِّ الأَوَائِلُ
فإِن يَكُ ظَنِّي بِابْنِ سَلْمَى ورَهْطِهِ … هو الحَقَّ يُطْلَقْ جُنْدَبٌ أو نُقَاتِلُ (١)
-
ونالَ مِن عثمانَ رضي الله عنه في قصيدتِه هذه، وانطَلَقَ إلى أرضِ الرُّومِ، فلم يَزِلْ يُقاتِلُ بها أهلَ الشِّركِ حتَّى ماتَ لعَشرِ سنواتٍ مَضَينَ مِن خِلافةِ معاويةَ (٢) .