المبحث الثاني: نتائج غزوة الحديبية
٢٠ فقرة، ج ١ ص ٢٦٨
- ج ١ ص ٢٦٨
لقد تمخضت هذه الغزوة عن نتائج عظيمة لم تتوافر في غزوة قبلها أو بعدها فيما أعلم، وأهمها ما يلي:
أولاً: ترتبت على الصلح آثار إيجابية ضخمة منها ما يلي:
أ - اعترفت قريش في هذه المعاهدة بكيان المسلمين، فالمعاهدة دائماً لا تكون إلا بين ندين، وكان لهذا الاعتراف أثره في نفوس القبائل المتأثرة بموقف قريش الجحودي، حيث كانوا يرون أنها الإمام والقدوة.
- ج ١ ص ٢٦٩
ب - دخلت المهابة في قلوب المشركين والمنافقين وتيقن الكثير منهم بغلبة الإسلام، وقد تجلت بعض مظاهر ذلك في مبادرة كثير من صناديد قريش إلى الإسلام، مثل خالد بن الوليد وعمرو بن العاص١، كما تجلت في مسارعة الأعراب المجاورين للمدينة إلى الاعتذار عن تخلفهم بعد أن خابت ظنونهم إذ كانوا يتوقعون أنها القاضية على المسلمين، كما أخبر الله بذلك عنهم٢.
- (١)كان إسلامهما عقب صلح الحديبية، انظر سيرة ابن هشام ٣/٢٧٦.
- (٢)قال تعالى: {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا* بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا} . سورة الفتح آية: ١٠ - ١١.
-
جـ - أعطت الهدنة فرصة لنشر الإسلام، وتعريف الناس به، مما أدى إلى دخول كثير من القبائل فيه.
-
يقول الزهري: "فما فتح في الإسلام فتح قبله، كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب، وأمن الناس بعضهم بعضاً، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئاً إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك" ٣ اهـ.
-
وعقب عليه ابن هشام٤ بقوله: "والدليل على قول الزهري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة في قول جابر بن عبد الله، ثم خرج في عام الفتح بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف" ٥ اهـ.
- (٤)سيرة ابن هشام ٣/٣٢٢.
-
د - أمن المسلمون جانب قريش فحولوا ثقلهم على اليهود ومن كان يناوئهم من القبائل الأخرى٦.
- (٦)أخذت بعض المعاني السابقة عن كتاب "سيرة الرسول" لمحمد عزة دروزة ٢/٢٩٢ - ٢٩٣، وكتاب "موسوعة التاريخ الإسلامي" لأحمد شلبي ١/٣٣٠ - ٣٣١، وكتاب "السيرة النبوية" لأبي شهبة: ٢٨٢.
-
ثانياً: كسب المسلمون الذين شهدوا هذه الغزوة بسببها فوائد كثيرة - أخروية ودنيوية - وأهمها ما يلي:
ج ١ ص ٢٧٠أ - فازوا برضى الله عز وجل عنهم.
قال الله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ... } الآية١.
- (٣)سيرة ابن هشام ٣/٣٢٢.
- (٥)جاء هذا العدد في حديث ابن عباس، صحيح البخاري مع الفتح كتاب المغازي: ٤٢٧٦، وقد روي أنهم أكثر من ذلك، انظر مرويات غزوة فتح مكة لمحسن الدوم ص ٥٦ وما بعدها.
- (١)سورة الفتح آية: ١٨.
-
ب - أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم: "أن الله قد غفر لهم" .
-
ففي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر " ٢.
-
جـ - شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم خير أهل الأرض.
ففي صحيح البخاري من حديث جابر قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية: "أنتم خير أهل الأرض ... " ٣.
-
د - بشرهم النبي صلى الله عليه وسلم: بالنجاة من النار.
ففي صحيح مسلم من حديث أم مبشر أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند حفصة: "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها ... " ٤.
-
هـ - قسمت عليهم غنائم خيبر، ففي حديث مجمع بن جارية الأنصاري: "فقسمت خيبر على أهل الحديبية، فقسمها النبي صلى الله عليه وسلم على ثمانية عشر سهماًَ، وكان الجيش ألفاً وخمسمائة فيهم ثلاثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهماً" ٥.
-
ثالثاً: شرعت في هذه الغزوة كثير من الأحكام والرخص التي كان لها أثر كبير في حياة المسلمين ومن أهمها ما يلي:
أ - شرعت فيها صلاة الخوف على الصحيح٦.
- (٦)انظر الكلام على ذلك ص: ١٤٣.
- (٢)تقدم برقم (٥٢) .
- (٣)تقدم برقم (٢٠) .
- (٤)تقدم برقم (٩١) .
- (٥)تقدم برقم (١٥٨) .
- ج ١ ص ٢٧١
ب - شرعت فيها الفدية لمن ارتكب شيئاً من محظورات الإحرام١.
- (١)انظر الحديث رقم (١٢٥) .
-
جـ - شرع فيها الصلح مدة معلومة عند حاجة المسلمين إليه٢.
- (٢)انظر الكلام على هذه المسألة ص: ٥٢٥.
-
د - شرع فيها التحلل للمحصر، وأنه لا يلزمه القضاء.
-
هـ - شرعت فيها رخصة الصلاة في الرحال في حال المطر٣.
- (٣)وردت الإشارة إلى أمر النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالصلاة في الرحال في حديث ابن عمر في صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الأذان: ٦٣٢، وفي صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين: ٢٢ - ٢٤، وفي حديث جابر، صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين: ٢٥. وأشار إليه حديث ابن عباس في المصدر السابق حديث رقم ٢٦ - ٣٠، ولم يعين في شيء من تلك الأحاديث الزمن الذي فعل النبي صلى الله عليه وسلم فيه ذلك، وإنما ورد التعيين في حديث أبي المليح، فقد ذكر أنه وقع في الحديبية، وقد تقدم الحديث برقم (١٢٨) ، وقد ورد في حديث أبي المليح أيضاً أنها حصلت لهم القصة في حنين وسبقت الإشارة إلى ذلك في ص: ٣٩٤، وغزوة الحديبية كانت قبل غزوة حنين، كما هو معلوم فابتداء مشروعية الصلاة فيها ظاهر، والله أعلم.
-
و شرع فيها قضاء الصلاة الفائتة بالنوم أو النسيان عند ذكرها٤.
- (٤)انظر حديث رقم (١٥١) .
-
ز - نزل في هذه الغزوة تحريم نكاح الكفار من المسلمات، وذلك في قوله تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} ٥.
قال ابن كثير: "هذه الآية هي التي حرمت المسلمات على المشركين، وقد كان جائزاً في ابتداء الإسلام أن يتزوج المشرك المؤمنة ... " ٦.
ح - نزل فيها أيضاً الأمر بفسخ نكاح المشركات وعدم الاستمرار عليه، وذلك في قوله تعالى: {وَلاَتُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ... } ٧ الآية.
-
وقد اشتملت مرويات هذه الغزوة على أحكام كثيرة غير هذه وسوف يأتي ذكر بعضها مع شيء من التفصيل في الباب الأخير إن شاء الله.
- (٥)انظر حديث رقم (١١٥) .
- (٦)تفسير ابن كثير ٤/٣٥١.
- (٧)انظر الحديث رقم (١١٥) .