المبحث الثالث: مقدار المدة التي تجوز مهادنة الكفار عليها
١٩ فقرة، ج ١ ص ٢٨٣
- ج ١ ص ٢٨٣
جاء في حديث المسور ومروان من طريق ابن إسحاق "أن النبي صلى الله عليه وسلم صالح قريشاً على وضع الحرب عشر سنين" ١.
-
وقد أخذ جماعة بظاهر هذا الحديث.
قال الشافعي٢: "لا تتجاوز المهادنة عشر سنين، وعند الضرورة يجدد العقد بعد انتهاء العشر" .
- (٢)الأم ٤/١٨٩.
-
وحكى ابن قدامة٣ عن القاضي أن ظاهر كلام أحمد يقتضيه.
- (٣)المغني ٨/٤٦٠.
-
وحكاه ابن حجر عن الجمهور ورجحه٤.
وقالوا: إن قوله تعالى: {فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} ، عام وقد خص منه الحديث هذه المدة، ففيما زاد يبقى على مقتضى العموم٥.
- (٤)فتح الباري ٥/٣٤٣.
- (٥)المصدر السابق.
- (١)انظر ص: ٣٠٠.
- ج ١ ص ٢٨٤
وذهب قوم إلى جواز الهدنة أكثر من عشر سنين على ما يراه الإمام من المصلحة وهو قول أبي حنيفة١.
- (١)فتح القدير ٥/٤٥٦.
-
وحكى ابن قدامة عن أبي الخطاب أنه ظاهر كلام أحمد٢.
وقالوا: "إن العام مخصوص بالعشر بمعنى موجود فيما زاد عليها، وهو أن المصلحة قد تكون في الصلح أكثر منها في الحرب" ٣.
- (٢)المغني ٨/٤٦٠.
-
وقيل: لا تتجاوز الهدنة أربع سنين٤.
- (٤)شرح السنة ١١/١٦١.
-
ولعل هؤلاء تمسكوا بحديث ابن عمر أن مدة الصلح كانت أربع سنين، وهو ضعيف٥.
- (٥)انظر حديث رقم (١٠٥) .
-
وقيل: لا تتجاوز ثلاث سنين٦.
- (٦)شرح السنة ١١/١٦١.
-
وهؤلاء نظروا إلى أن المدة التي استمر فيها الصلح مع قريش.
-
والتحقيق: أن القول الأول هو الراجح لظاهر الحديث، وإن وجدت مصلحة في الزيادة على العشر جدد العقد، كما قال الشافعي، والله أعلم.
وقال بعض المتأخرين: ٧ يجوز عقد الصلح مؤبد غير مؤقت بمدة معينة.
-
واستدل بقوله تعالى: {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} ٨.
-
وهذا القول مبني على أن الأصل في علاقة المسلمين بالكفار هي السلم لا الحرب٩، وأن الجهاد إنما شرع لمجرد الدفاع عن المسلمين فحسب١٠.
- (٩)آثار الحرب في الفقه الإسلامي: ٦٨٠.
- (١٠)المصدر السابق: ٦٧٥ حاشية: (٢) .
-
وهذا القول مردود لما يلي:
ج ١ ص ٢٨٥١ - أن صاحب هذا القول قد خرق الاتفاق بعد أن حكاه بنفسه حيث قال: "اتفق الفقهاء على أن عقد الصلح مع العدو لا بد من أن يكون مقدوراً بمدة معينة، فلا تصح المهادنة مطلقة إلى الأبد من غير تقدير بمدة" ١.
٢ - الآية التي استدل بها منسوخة بقوله تعالى: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ... } ٢ الآية.
- (٣)المصدر السابق.
- (٧)الدكتور وهبه الزحيلي، آثار الحرب في الفقه الإسلامي: ٦٨٠.
- (٨)سورة النساء آية:٩٠.
-
فقد نقل ذلك ابن جرير٣ عن عكرمة والحسن وقتادة وابن زيد.
- (٣)تفسير ابن جرير ٩/٢٤-٢٦.
-
وحكاه ابن كثير٤ عن ابن عباس.
- (٤)تفسير ابن كثير ١/٥٣١.
-
وحكاه القرطبي٥ عن مجاهد، ثم قال: وهو أصح شيء في معنى الآية.
- (٥)تفسير القرطبي ٥/٣٠٨.
-
٣ - الأصل الذي انبنى عليه هذا القول: مردود بآية براءة السابقة، وبواقع سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وخلفائه الراشدين من أعدائهم.
-
٤ - أما فكرة أن الجهاد إنما شرع للدفاع عن المسلمين، فهي فكرة دخيلة، وقد تصدى لها سيد قطب٦ رحمه الله ففندها، وبين أن سبب نشوئها هو الانهزام أمام هجمات المستشرقين، وعدم الفهم لمرحلية٧ الدعوة.
- (٦)في ظلال القرآن ٣/١٤٣٣، وما بعدها.
- (٧)يعني بمرحلية الدعوة الأطوار التي مرت بها دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أمر بالكف، ثم أذن لهم في قتال من قاتلهم، ثم أمروا بقتال المشركين كافة، وقد لخصها ابن القيم في الزاد ٣/١٥٨ فليراجع.
- (١)آثار الحرب في الفقه الإسلامي: ٦٧٥.
- (٢)سورة التوبة آية: ٥.