المبحث الثاني: حكم الأستعانة بالمشرك

٣٣ فقرة، ج ١ ص ٢٧٨

  1. جاء في حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بسر بن سفيان الخزاعي عيناً إلى مكة١.

    1. (١)انظر ص:٩٩.
    ج ١ ص ٢٧٨
  2. وقد استدل بعض العلماء بقصة بسر هذه على جواز الاستعانة بالمشركين في الجهاد.

    قال ابن القيم: "إن الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائزة عند الحاجة، لأن عينه الخزاعي كان كافراً إذ ذاك، وفيه من المصلحة أنه أقرب إلى اختلاطه بالعدو وأخذه أخبارهم" ٢ اهـ.

    1. (٢)زاد المعاد ٣/٣٠١.
  3. هكذا قال ابن القيم، وقد سبقه إلى ذلك مجد الدين ابن تيمية١، وتبعهما بعض المتأخرين٢.

    1. (١)منتقى الأخبار: ٧٣٢.
    2. (٢)الأستاذ أبو زهرة، خاتم النبيين: ٨٥٨، والدكتور البوطي، فقه السيرة: ٣٥٢.
    ج ١ ص ٢٧٩
  4. والظاهر أن ليس في قصة الخزاعي هذه دلالة على جواز الاستعانة بالمشرك في الجهاد؛ لأنه لم يرد في هذا الحديث ولا في غيره ما يدل على أنه كان كافراً إذ ذاك.

  5. بل ورد عن بعض العلماء ما يدل على أنه أسلم قبل الحديبية.

    قال ابن عبد البر: "بسر بن سفيان بن عويمر الخزاعي، أسلم سنة ست من الهجرة، وبعثه النبي صلى الله عليه وسلم عيناً إلى قريش إلى مكة، وشهد الحديبية، وهو المذكور في حديث الحديبية من رواية الزهري عن عروة عن المسور ومروان قوله: حتى إذا كان بغدير الأشطاط لقيه عينه الخزاعي، فأخبره خبر قريش وجموعهم، قالوا: هو بسر بن سفيان هذا" ٣ اهـ

    وقد نقل ابن حجر كلام ابن عبد البر وسكت عليه٤.

    وقال الزرقاني: "واختار بسر بن سفيان بن عمرو هذا، لقرب عهده بالإسلام؛ لأنه أسلم في شوال فلا يظنه من رآه عيناً فلا يؤذيه" ٥ اهـ.

    1. (٤)الإصابة ١/٢٤٥.
  6. فقد رأينا من كلام ابن عبد البر والزرقاني أنهما يريان أن بسر بن سفيان أسلم قبل الحديبية.

  7. وعلى فرض أنه لم يثبت ما ورد في إسلامه فلا تصلح قصته دليلاً على جواز الاستعانة بالمشرك، لوجود الاحتمال، لا سيما وهي معارضة بأحاديث صحيحة.

  8. فالحاصل: أن قصة بسر بن سفيان الخزاعي لا دلالة فيها على جواز الاستعانة بالمشرك مطلقاً ولم يثبت في ذلك شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر بعض العلماء، وإنما وردت بذلك أحاديث كلها ضعيفة، وهي:

  9. ١ - حديث ابن عباس رضي الله عنهما:
  10. قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب أنا

    ج ١ ص ٢٨٠الربيع بن سليمان قال: قال الشافعي: قال أبو يوسف أنبأ الحسن بن عمارة عن الحكم بن مقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "استعان رسول الله صلى الله عليه وسلم بيهود بني قينقاع، فرضخ١ لهم ولم يسهم لهم" ٢.

    قال البيهقي: "تفرد به الحسن بن عمار وهو متروك، ولم يبلغنا في هذا حديث صحيح" ٣.

    1. (٣)الاستيعاب ١/٣٠٩ مع الإصابة.
    2. (٥)شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ٢/١٨١.
    3. (١)الرضخ: العطية القليلة. النهاية ٢/٢٢٨.
  11. ٢ - حديث الزهري:
  12. قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنبأ أبو الوليد الفقيه ثنا الحسن بن سفينا ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا حفص عن ابن جريج عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا بناس من اليهود فأسهم لهم٤.

    1. (٤)م السابق.
  13. وهذا الحديث قد أرسله الزهري، والمرسل من قسم الضعيف، لا سيما مرسلات الزهري.

  14. ٣ - حديث فطير الحارثي:
  15. قال البيهقي: وقد روى الواقدي عن ابن أبي سيرة عن فطير الحارثي قال: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشرة من اليهود من يهود المدينة إلى خيبر فأسهم لهم كسهمان المسلمين" ٥.

    قال البيهقي: "هذا منقطع وإسناده ضعيف" ٦.

  16. فهذه الأحاديث التي دلت على جواز الاستعانة بالمشرك، وهي ضعيفة لا تقوم بها حجة ولا يثبت بها حكم.

  17. وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ذلك من حديث عائشة رضي الله عنها.

    قال مسلم: حدثني زهير بن حرب، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن مالك ح.

  18. وحدثنيه أبو طاهر (واللفظ له) ، حدثني عبد الله بن وهب عن مالك ابن أنس

    ج ١ ص ٢٨١عن الفضيل بن أبي عبد الله عن عبد الله بن دينار الأسلمي عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بدر فلما كان بحرة الوبرة١، أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة، ففرح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأوه، فلما أدركه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم جئت لأتبعك وأصيب معك، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تؤمن بالله ورسوله "؟ قال: لا، قال " فارجع فلن أستعين بمشرك ".

    قالت: ثم مضى، حتى إذا كنا بالشجرة٢ أدركه الرجل، فقال له كما قال أول مرة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم كما قال أول مرة، قال: "فارجع فلن أستعين بمشرك "، قال: " ثم رجع فأدركه بالبيداء، فقال له كما قال أول مرة: "تؤمن بالله ورسوله؟ " قال: نعم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فانطلق" ٣.

    1. (٢)السنن الكبرى ٩/٥٣.
    2. (٣)م السابق.
    3. (٥)م السابق.
    4. (٦)السنن الكبرى ٩/٥٣. ١ حرة الوبرة: محركة وبعضهم جوز تسكين الباء على ثلاثة أميال من المدينة، عمدة الأخبار في مدينة المختار: ٣١٠، وهي المشرفة على وادي العقيق. انظر حاشية رقم
    5. (١)من المصدر السابق. ٢ الشجرة: هي ذو الحليفة، انظر كتاب ((المناسك وأماكن طرق الحج)) للحربي:٤٢٥، وقال الأسدي: الرحلة من المدينة إلى ذي الحليفة وهي الشجرة، ومنها يحرم أهل المدينة وهي على خمسة أميال ونصف، انظر المصدر السابق ص٤٢٧ حاشية رقم
    6. (٢). ٣ صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير: ١٥٠. ٤ السنن الكبرى ٩/٣٧. ٥ السنن الكبرى ٩/٣٧.
  19. وفيه من حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه:

    قال البيهقي: أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ ثنا أحمد بن محمد العنبري ثنا عثمان بن سعيد الدارمي ثنا يوسف بن عيسى المروزي ثنا الفضل بن موسى السيناني، عن محمد بن عمرو عن سعيد بن المنذر عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا خلف ثنية الوداع إذا كتيبة قال من هؤلاء؟ قالوا: بني قينقاع - وهم رهط عبد الله بن سلام - قال: وأسلموا؟ قالوا: لا، قال: بل هم على دينهم، قال: "قل لهم فليرجعوا فإنا لا نستعين بالمشركين" ٤.

  20. وأشار البيهقي٥ إلى أن سند هذا الحديث صحيح.

  21. وفيه من حديث خبيب بن عبد الرحمن:
  22. قال الإمام أحمد: ثنا يزيد بن هارون قال: أنا المستلم بن سعيد الثقفي عن عباد ثنا خبيب بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده قال: "أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد

    ج ١ ص ٢٨٢غزواً أنا ورجل من قومي ولم نسلم فقلنا: إنا نستحي أن يشهد قومنا مشهداً لا نشهده معهم، قال: أو أسلمتا؟ قلنا: لا، قال: "فلا نستعين بالمشركين على المشركين" ، فأسلمنا وشهدنا معه ... " الحديث١.

    1. (١)مسند أحمد ٣/٤٥٤.
  23. وسند هذا الحديث حسن.

  24. وقد ذهب إلى جواز الاستعانة بالمشركين جماعة من العلماء، وهو مروي عن أبي حنفية والشافعي وأحمد٢؛ للأحاديث السابقة في جواز الاستعانة بهم٣.

    1. (٢)انظر المغني لابن قدامة ٨/٤١٤، ونيل الأوطار ٧/٢٣٧.
    2. (٣)السنن الكبرى ٩/٣٧، والاعتبار في الناسخ والمنسوخ: ٣٩٧.
  25. وقد استدلوا أيضاً بقصة شهود صفوان بن أمية لغزوة حنين، وهو مشرك، وبشهود قزمان غزوة أحد وهو مشرك، وبشهود ابن أُبَيْ لبعض الغزوات٤.

    1. (٤)نيل الأوطار ٧/٢٣٧.
  26. وقد اشترطوا لجواز ذلك شروطاً هي:

    ١ - أن يكون في المسلمين قلة وتدعوا الحاجة إلى ذلك.

  27. ٢ - أن يكونوا ممن يوثق بهم فلا تخشى ثائرتهم٥.

    1. (٥)انظر: الاعتبار في الناسخ والمنسوخ: ٣٩٦، والمغني لابن قدامة ٨/٤١٤.
  28. ٣ - أن يكون مع الإمام جماعة يستقل بهم في إمضاء الأحكام٦.

    1. (٦)نيل الأوطار ٧/٢٣٧، وسبل السلام ٤/٥٠.
  29. وذهب جماعة إلى عدم جواز الاستعانة بالمشركين، وممن قال بذلك ابن المنذر، والجوزجاني، وهو مروي عن الشافعي٧.

    1. (٧)المغني لابن قدامة ٨/٤١٤، ونيل الأوطار ٧/٢٣٧.
  30. واستدل أصحاب هذا القول: بحديث عائشة رضي الله عنها وحديث أبي حميد الساعدي وحديث خبيب بن عبد الرحمن السابقة.

    وقالوا: إن الأحاديث الدالة على الجواز كلها ضعيفة، لا تقوى على المعارضة.

  31. وقد رجح الشوكاني هذا القول حيث قال: "والحاصل أن الظاهر من الأدلة عدم جواز الاستعانة بمن كان مشركاً مطلقاً لما في قوله صلى الله عليه وسلم: "إنا لا نستعين بالمشركين"

  32. من العموم، وكذلك في قوله: "لن أستعين بمشرك" ١.

    ج ١ ص ٢٨٣
  33. وأجاب عن قصة قزمان بأنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن له بذلك في ابتداء الأمر.

    قال: وأما استعانته بابن أُبَي فليس ذلك إلا لإظهاره الإسلام٢.

    قلت: وقصة صفوان بن أمية ليس فيها دليل أيضاً على ذلك؛ لأنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب منه الخروج، وإنما الثابت في ذلك استعارة رسول الله صلى الله عليه وسلم للأدراع منه فحسب٣.

    1. (٢)المصدر السابق.
    2. (٣)حديث صفوان أخرجه أبو داود في السنن، كتاب البيوع: ٣٥٦٢-٣٥٦٣، وصححه الألباني: إرواء الغليل ٥/٣٤٨.
    3. (١)نيل الأوطار ٧/٢٣٧.