المبحث الثاني: الشروط التى تم عليها الصلح
٢٨ فقرة، ج ١ ص ١٦٢
- ج ١ ص ١٦٢
كانت قريش قد ألجأت إلى الصلح إلجاء لأنها لا تريد أن تعترف بالمسلمين كندٍ لها يواقفونها جنباً إلى جنب، فيتحدث الناس بذلك عنها.
-
أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يهدف من وراء الصلح إلى تحقيق مصالح للدعوة بعيداً عن السمعة والأغراض الشخصية.
-
وما كانت تلك الشروط التي وقع عليها الصلح إلا صورة عاكسة لذينك الموقفين.
-
فقد جاء في حديث المسور ومروان من طريق معمر ما نصه:
"فجاء سهيل بن عمرو فقال هات اكتب بيننا وبينكم كتاباً، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الكاتب فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل: أما (الرحمن) فوالله ما أدري ما هي، ولكن اكتب (باسمك اللهم) كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا (بسم الله الرحمن الرحيم) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب (باسمك اللهم) ، ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب: (محمد بن عبد الله) ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والله إني لرسول الله وإن كذبتموني اكتب (محمد بن عبد الله) قال
ج ١ ص ١٦٣الزهري: وذلك لقوله: "لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به، فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب إنا أخذنا ضغطة١، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل - وإن كان على دينك - إلا رددته إلينا، قال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلماً؟ فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف٢ في قيوده وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لم نقض الكتاب بعد، فقال: والله إذا لم أصالحك على شيء أبداً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فأجزه٣ لي، فقال: ما أنا بمجيزه لك، قال: بلى فافعل، قال: ما أنا بفاعل، قال مكرز: بل قد أجزناه لك ... " ٤.
- (١)ضغطه: أي عصراً وقهراً، يقال: أخذت فلاناً ضغطة بالضم إذا ضيقت عليه لتكرهه على الشي. النهاية ٣/٩٠.
- (٢)يرسف: الرسف والرسيف، مشي المقيد إذا جاء يتحامل برجله مع القيد. النهاية ٢/٢٢٢.
- (٣)أجزه لي: بصيغة الأمر من الإجازة أي أمض لي فعلي فيه، فلا أرده إليك أو استثنيه من القضية. فتح الباري ٥/٣٤٥.
-
وفي حديثهما من طريق ابن إسحاق: بعد أن ذكر الخلاف حول كتابه "بسم الله الرحمن الرحيم" و "محمد رسول الله" قال: فقال سهيل: ولو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك ولكن اكتب هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه بغير إذن وليه رده عليهم، ومن أتى قريشاً ممن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يردوه عليه وأن بيننا عيبة مكفوفة٥، وأنه لا إسلال ولا إغلال٦، وكان في شرطهم حين كتبوا الكتاب أنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن
ج ١ ص ١٦٤مع عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم، وأنك ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فتدخلها بأصحابك وأقمت فيهم ثلاثاً معك سلاح الراكب لا تدخلها بغير السيوف في القرب١.٢
وأخرجه أبو داود من طريق ابن إسحاق به مختصراً ذكر فيه بعض الشروط ولفظه: "أنهم اصطلحوا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيهن الناس، وعلى أن بيننا عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال٣.
- (٥)عيبة مكفوفة: العيبة مستودع الثياب، والمكفوفة: المشرجة المشدودة: أي بينهم صدر نقي من الغل والخداع مطوي على الوفاء بالصلح. وقيل: أراد بينهم موادعة، ومكامة عن الحرب تجريان مجرى المودة التي تكون بين المتصافين الذين يثق بعضهم ببعض. النهاية ٣/٣٢٧.
- (٦)لا إسلال ولا إغلال: الإسلال: السرقة الخفية، وقيل سل السيوف، والإغلال: الخيانة أو السرقة الخفية. وقيل لبس الدروع. النهاية ٢/٣٩٢، ٣/٣٨٠.
- (٤)صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الشروط ٢٧٣١ - ٢٧٣٢، وتقدم سنده وتخريجه حديث رقم (٣٥) .
- (١)القرب: جمع قراب، وهو غمد السيف. ترتيب القاموي ٣/٥٢٩.
- (٣)سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب الجهاد: ٢٧٦٦.
-
وفي مرسل عروة الذي أخرجه ابن أبي شيبة عن أبي أسامة: ذكر نحو رواية ابن إسحاق وبين فيه أبو أسامه معنى العيبة المكفوفة، والإسلال والإغلال، فقد جاء فيه ما نصه: "وكان في شرطهم أن بيننا للعيبة المكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال، قال أبو أسامة: الإغلال الدروع، والإسلال السيوف، ويعني بالعيبة المكفوفة أصحابه يكفهم عنه - وأنه من أتاكم منا رددتموه علينا، ومن أتانا منكم لم نردده عليكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ومن دخل معي فله مثل شرطي، فقالت قريش، ومن معنا فهو منا له مثل شرطنا، فقالت بنو كعب: نحن معك يا رسول الله، وقالت بنو بكر: نحن مع قريش ... "٤.
-
وقد وردت أحاديث أخرى ببعض تلك الشروط:
- فمنها حديث البراء رضي الله عنه:
-
(١٠٢) قال البخاري: حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء رضي الله عنه قال: "اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام فلما كتبوا الكتاب، كتبوا هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: لا نقر بها، فلو نعلم أنك رسول الله ما منعناك، لكن أنت محمد بن عبد الله ثم قال لعلي: امح رسول الله، قال: لا والله لا أمحوك أبداً، فأخذ رسول الله الكتاب، فكتب٥، هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد
ج ١ ص ١٦٥الله لا يدخل مكة سلاح إلا في القراب، وأن لا يخرج من أهلها بأحد إن أراد أن يتبعه، وأن لا يمنع أحداً من أصحابه أراد أن يقيم بها، فلما دخلها ومضى الأجل أتوا علياً فقالوا: قل لصاحبك أخرج عنا فقد مضى الأجل، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فتبعته ابنة حمزة ... " ١.
وأخرجه في المغازي٢ بنفس السند، وفي: "فأخذ الكتاب - وليس يحسن يكتب - فكتب: ... ".
- (٥)هل كتب النبي صلى الله عليه وسلم فعلاً أو هو من قبيل المجاز؟ انظر ص:
- (٢)مسند أحمد ٤/٣٢٥، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٦) .
- (٤)تاريخ ابن أبي شيبة، لوحة: ٥٦، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (١١) .
- (٢)صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغاوي: ٤٢٥١، وتقدم تخريجة برقم (٩) .
- ومنها حديث ابن عمر رضي الله عنهما:
-
(١٠٣) قال البخاري: حدثنا محمد بن رافع حدثنا سريج بن النعمان حدثنا فليح عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج معتمراً فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية، وقاضاهم على أن يعتمر من العام المقبل، ولا يحمل سلاحاً إلا سيوفاً ولا يقيم بها إلا ما أحبوا، فاعتمر من العام المقبل، فدخلها كما كان صالحهم، فلما أقام بها ثلاثاً أمروه أن يخرج، فخرج"٣.
-
وأخرجه٤ في المغازي عن محمد بن رافع بهذا السند وعن محمد بن الحسين بن إبراهيم عن أبيه عن فليح به.
- (٤)صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤٢٥٢.
- ومنها أيضاً حديث أنس رضي الله عنه:
-
(١٠٤) قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن قريشاً صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم فيهم سهيل بن عمرو، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: (اكتب بسم الله الرحمن الرحيم) قال سهيل: أما بسم الله فما ندري ما (بسم الله الرحمن الرحيم) ؟ ولكن اكتب ما نعرف باسمك اللهم، فقال: أكتب (محمد رسول الله) قالوا: لو نعلم أنك رسول الله لاتبعناك ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب (من محمد بن عبد الله) فاشترطوا على النبي صلى الله عليه وسلم أن من جاء منكم لم نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه علينا.
ج ١ ص ١٦٦فقالوا: يا رسول الله تكتب هذا؟ قال: نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجاً ومخرجاً " ١.
وأخرجه أحمد٢ عن عفان به مثله، إلا أنه لم يذكر في آخره: "ومن جاءنا منهم ... ".
- (١)صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الصلح: ٢٦٩٩.
- (٣)صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الصلح: ٢٧٠١.
- (٢)مسند أحمد ٣/٢٦٨.
- ملخص الشروط التي وقع عليها صلح الحديبية:
-
(١) أن يرجع المسلمون ذلك العام ولا يصلوا إلى مكة.
- (١)صحيح مسلم، كتاب الجهاد: ٩٣.
-
(٢) يقضون عمرتهم من العام المقبل ويقيمون بمكة ثلاثة أيام.
-
(٣) لا يدخلون مكة بسلاح إلا سلاح الراكب، السيوف في القرب.
- (٣)انظر الكلام على سنده حديث رقم (٣٦) .
-
(٤) من جاء النبي صلى الله عليه وسلم من قريش بغير إذن وليه يرده عليهم، ومن جاء قريشاً من المسلمين لا ترده إليهم.
-
(٥) من أراد أن يدخل في عقد النبي صلى الله عليه وسلم وعهده دخل فيه، وله مثل شرطه، ومن أراد أن يدخل في عقد قريش وعهدها دخل فيه، وله مثل شرطها.
-
(٦) أن بينهم عيبة مكفوفة.
-
(٧) أنه لا إسلال ولا إغلال.
-
(٨) توضع الحرب بينهم عشر سنين.
-
وهذا التحديد بعشر سنين ورد في حديث المسور ومروان من طريق ابن إسحاق وإسناده حسن٣.
-
وقد جاء في حديث ابن عمر عند ابن عدي وغيره أن مدة الهدنة كانت أربع سنين.
- ج ١ ص ١٦٧
(١٠٥) قال ابن عدي: أخبرنا القاسم١ بن مهدي قال: ثنا يعقوب٢ بن كاسب قال: ثنا عبد الله بن نافع٣ عن عاصم٤ بن عمر عن عبد الله٥ بن دينار عن ابن عمر قال: كانت الهدنة بين النبي صلى الله عليه وسلم وأهل مكة عام الحديبية أربع سنين٦.
- (١)القاسم بن عبد الله بن مهدي الأخميمي الحافظ، من شيوخ ابن عدي ضعيف، وقال ابن عدي: كان بعض شيوخ مصر يضعفه، وكان رواية للحديث جماعاً له، وهو عندي لا بأس به، وقال الدارقطني: متهم بالوضع، توفي سنة أربعين وثلاثمائة. ميزان الاعتدال ٣/٣٧٢، لسان الميزان ٤/٤٦١.
- (٢)يعقوب بن حميد بن كاسب المدني نزيل مكة، وقد ينسب لجده، صدوق ربما وهم، مات سنة أربعين أو إحدى وأربعين ومائتين: عخ، ق. تقريب: ٣٨٦.
- (٣)هو: الصائغ.
- (٤)عاصم بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري، أبو عمر المدني ضعيف من السابعة: ت، ق. تقريب: ١٥٩.
- (٥)عبد الله بن دينار العدوي مولاهم أبو عبد الرحمن المدني، مولى ابن عمر، ثقة، مات سنة سبع وعشرين ومائة: ع. تقريب: ١٧٢.
- (٦)الكامل لابن عدي ٢،٢، لوحة: ١٩٠.
-
وأخرجه الطبراني٧ من طريق عبد الله بن نافع بع نحوه.
- (٧)مجمع البحرين ٢، لوحة: ٢٤١.
-
وذكره الهيثمي في المجمع وقال: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات٨.
وقال ابن حجر: سندع ضعيف، وهو منكر مخالف للصحيح٩.
قلت: هو كما قال ابن حجر منكر لأن مداره على عاصم بن عمر وقد قال البخاري: منكر الحديث وضعفه غير واحد١٠، وقد خالف حديثه هذا ما ثبت في رواية ابن إسحاق.
- (٨)مجمع الزوائد ٦/١٤٦.
- (٩)فتح الباري ٥/٣٤٣.
- (١٠)انظر: تهذيب التهذيب ٥/٥١.