المبحث الرابع: فك الحصار عن الطائف والعودة إلى الجعرانة

٦٩ فقرة، ج ١ ص ٣٢٨

الصفحة ١ من ٢

  1. كانت مدة حصار الطائف تتراوح ما بين بضعة عشر يوما إلى أربعين يوما كما مر توضيح ذلك١.

    1. (١)في مبحث حصار الطائف. (٢٧٨) .
    ج ١ ص ٣٢٨
  2. وفي أثناء هذا الحصار كانت المفاوضة مستمرة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أهل الطائف.

  3. ١٦٣- فقد روى ابن عساكر٢ عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: لقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الطائف حنظلة٣ بن الربيع إلى أهل الطائف فكلمهم فاحتملوه ليدخلوه حصنهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لهؤلاء وله مثل أجر غزاتنا هذه" ، فلم يقم إلا العباس بن عبد المطلب حتى أدركه في أيديهم قد كادوا أن يدخلوه الحصن فاحتضنه العباس، وكان رجلاً شديداً، فاختطفه من أيديهم وأمطروا على العباس الحجارة من الحصن، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يدعو له حتى انتهى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم ٤.

    1. (٢)ابن عساكر: هو الإمام الحافظ الكبير محدث الشام فخر الأئمة ثقة الدين أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الدمشقي الشافعي صاحب التصانيف (التاريخ الكبير) (٤٩٩-٥٧١) (تذكرة الحفاظ للذهبي ٤/١٣٢٨و١٣٣٣) .
    2. (٣)حنظلة بن الربيع بن صيفي - بفتح المهملة بعدها تحتانية ساكنة - التميمي الأسيدي - بضم الهمزة وفتح السين المهملة وكسر المثناة التحتنية المشددة - أبو ربعي المعروف بحنظلة الكاتب لأنه ممن كتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن أخي أكثم بن صيفي حكيم العرب، وهو القائل لأبي بكر الصديق نافق حنظلة (مات بعد علي معتزلا للفتنة) (أسد الغابة ٢/٦٥، واللباب ١/٦١ كلاهما لابن الأثير وتهذيب التهذيب ٣/٦٠ والإصابة ١/٣٥٩ والتقريب ١/٢٠٦ كلها لابن حجر) .
  4. وذكر ابن الأثير وابن حجر عن يونس بن بكير عن ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث حنظلة بن الربيع إلى أهل الطائف يقول لهم أتريدون الصلح أم لا؟ ٥.

    1. (٤)كنْز العمال ١٠/٣٦١-٣٦٢ ومنتخب كنز العمال ٤/١٧٢ مع مسند أحمد كلاهما لعلاء الدين المتقي الهندي.
    2. (٥)أسد الغابة ٢/٦٥ والإصابة ١/٣٥٩ وتهذيب التهذيب ٣/٦٠.
  5. وعند ابن إسحاق أيضا من حديث عمرو بن شعيب قال: وتقدم أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة إلى الطائف فناديا ثقيفاً:

    أن أمنونا١ حتى نكلمكم فأمنوهما، فدعوا نساء من نساء قريش وبني كنانة ليخرجن إليهما، وهما٢ يخافان عليهن السباء، فأبين، منهن٣: أمنة٤ بنت أبي سفيان، كانت عند عروة بن مسعود، له منها داود بن عروة، والفراسية بنت سويد بن عمرو بن ثعلبة٥، لها عبد الرحمن٦ بن قارب.

    1. (١)وعند الوقدي: ٣/٩٢٩ فقالا: أمنوا حتى نتكلم.
    2. (٢)وعند الواقدي: "وهم يخافون السباء".
    3. (٣)وعند الواقدي: منهم ابنة أبي سفيان بن حرب".
    4. (٤)قال ابن هشام: "ويقال إن أم داود ميمونة بنت أبي سفيان، وكانت عند أبي مرة بن عروة بن مسعود فولدت له داود بن أبي مرة"، وكذا سماها ابن سعد وقال ابن حجر: "آمنة بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية، ذكرها ابن إسحاق في غزوة الطائف وهي: أميمة بالتصغير، وكانت تحت صفوان بن أمية" (سيرة ابن هشام ٢/٤٨٣ والطبقات الكبرى لابن سعد ٨/٢٤٠، والإصابة لابن حجر ٤/٢٢٥ و٢٤١ و٣٥٨) .
    5. (٥)عند الواقدي: كانت عند قارب بن الأسود، لها منه عبد الرحمن بن قارب.
    6. (٦)عبد الرحمن بن قارب بن الأسود الثقفي، تابعي أرسل حديثا فذكره بعضهم في الصحابة. وأخرج من طريق أبي أوبيس عن إسحاق عن عبد الله بن مكرم عن عبد الرحمن بن قارب في قصة وفد ثقيف. قال البخاري وأبو حاتم: "هو مرسل". قال ابن حجر: "قلت: وقد تقدم في الربيع بن قارب أنه وفد على النبي صلى الله عليه وسلم فحمله على ناقة وكساه برداء وسماه عبد الرحمن، فإن يكن هو هذا فالحكم على أن حديثه مرسل، وأنه تابعي مردود وإن يكن غيره فلا إشكال، ويريد بالمغايرة أن هذا ثقفي، وهذا عبسي، والله أعلم" (الإصابة ١/٥٠٥ و٢/٤١٨ و٣/١٥٤) .
    ج ١ ص ٣٢٩
  6. والفقمية٧ أميمة بنت الناسئ٨ أمية بن قلع، فلما أبين عليهما قال لهما ابن الأسود بن مسعود: "يا أبا سفيان ويا مغيرة، ألا أدلكما على خير مما جئتما له، إن مال بني

    ج ١ ص ٣٣٠الأسود بن مسعود حيث علمتما وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين الطائف نازلا بواد يقال له العقيق"١.

    1. (٧)وعند الواقدي: وامرأة أخرى، ولم يسمها.
    2. (٨)النسيء: التأخير من تأخير الشهور بعضها إلى بعض: قال ابن إسحاق: "وكان أول من نسأ الشهور على العرب، فأحلت منها ما أحل، وحرمت منها ما حرم - القلمس وهو حذيفة بن عبد بن فقيم بن عدي بن عامر ابن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة، ثم قام بعده على ذلك ابنه عباد ابن حذيفة، ثم قام بعد عباد: قلع بن عباد، ثم قام بعد قلع أمية بن قلع، ثم قام بعد أمية: عوف بن أمية، ثم قام بعد عوف: أبو ثمامة جنادة بن عوف، وكان آخرهم وعليه قام الإسلام، وكانت العرب إذا فرغت من حجها اجتمعت إليه، فحرم الأشهر الأربعة: رجب وذا القعدة وذا الحجة، والمحرم فإذا أراد أن يحل منها المحرم فأحلوه، وحرم مكانه صفر فحرموه إلخ" (سيرة ابن هشام ١/٤٤) . وأبو ثمامة هذا ذكره ابن حجر في الإصابة ونقل عن السهيلي أنه وجد له خبرا يدل على إسلامه (الإصابة ١/٢٤٦-٢٤٧ و٤/٣٠ و١/٦٧ بناء على أنه قيل في اسمه أمية ذكره في القسم الأول.
  7. إنه ليس بالطائف مال أبعد رشاء ولا أشد مؤنة ولا أبعد عمارة من مال بني الأسود، وإن محمدا إن قطعه لم يعمر أبدا، فكلماه فليأخذه لنفسه أو ليدعه لله والرحم، فإن بيننا وبينه من القرابة ما لا يجهل، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تركه لهم.

  8. وأخرج البيهقي من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة قال: استأذن عيينة٢ بن حصن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي أهل الطائف يكلمهم لعل الله أن يهديهم،

    ج ١ ص ٣٣١فأذن له فأتاهم فقال: "تمسكوا بمكانكم والله لنحن أذل من العبيد، وأقسم بالله لو حدث به١ حدث لتملكن العرب عزا ومنعة فتمسكوا بحصنكم وإياكم أن تعطوا بأيديكم، ولا يتكاثرن عليكم قطع هذه الشجر، ثم رجع فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماذا قلت لهم؟ قال: قلت لهم وأمرتهم بالإسلام ودعوتهم إليه وحذرتهم النار ودللتهم على الجنة. قال: " كذبت بل قلت لهم كذا وكذا. فقال: صدقت يا رسول الله أتوب إلى الله وإليك من ذلك " ٢..

    1. (٢)عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر بن عمرو بن جوية - بالجيم مصغرا - بن لوذان ابن ثعلبة بن عدي بن فزارة بن ذبيان بن بفيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان أبو مالك الفزاري، يقال: كان اسمه حذيفة فلقب عيينة لأنه كانت أصابته شجة فجحضت عيناه قال ابن السكن: له صحبة، وكان من المؤلفة، ولم يصح له رواية أسلم قبل الفتح وشهدها وشهد حنينا والطائف، وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم لبني تميم فسبى بعض بني العنبر، ثم كان ممن ارتد في عهد أبي بكر الصديق، ومال إلى طليحة فبايعه ثم عاد إلى الإسلام، وكان فيه جفاء سكان البوادي. دخل مرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بدون إذن فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أين الإذن؟ " فقال: ما استأذنت على أحد من مضر". كان عيينة في الجاهلية يقود عشرة آلاف مسلح، وهو عم الحر بن قيس الرجل الصالح، ولعيينة بن حصن مواقف مع عمر بن الخطاب ومع عثمان ومواقفة في الإسلام غير محمودة وقد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الأحمق المطاع. (الاستيعاب ٣/١٦٧، وأسد الغابة ٤/٣٣١، والإصابة ٣/٥٤) . وانظر ترجمة الحر بن قيس في أسد الغابة لابن الأثير وأنه جاء إلى المدينة مع وفد بني فزارة بعد رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك.
    2. (١)في القاموس المحيط ٣/٢٦٦: العقيق موضع بالمدينة، وباليمامة وبالطائف وبتهامة وبنجد، وستة مواضع أخر وعند الواقدي: بواد يقال له العمق. قال ياقوت: "عمق - بفتح أوله وسكون ثانيه، وآخره قاف - واد من أودية الطائف نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حاصر الطائف، وفيه بئر ليس بالطائف أطول رشاء منه (معجم البلدان ٤/١٥٦) . وقال البلادي في معجم المعالم الجغرافية ص ٢١٣-٢١٤ و٢١٦: "إذا كان يقصد نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم أثناء حصار الطائف فإنه لم يكن بالعقيق، وإنما كان بين الطائف ووج، والطائف أنذاك كان إلى الجنوب مما يعرف اليوم بباب الربع إلى جنوب غربي مسجد ابن عباس. وقد نصت نصوص كثيرة على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان نازلا في موضع مسجد عبد الله بن عباس اليوم، أما العقيق فواد إلى الشمال من الطائف، ويعرف بعقيق الطائف، وهو اليوم داخل فيها، ولا يمكن أن ينْزل العقيق من يريد حصار الطائف، كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء من الشمال ثم طوق الطائف من الجنوب، وذلك ليحيل بين ثقيف وبين مددهم من بني نصر القانطنين شرق وجنوب الطائف، وبين ثقيف أيضا وبين أموالهم في لية وما حولها. وقد علمنا أن العقيق في شمال الطائف ولو أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل فيه لما تجشم هذا التطويق الذي استلزم مدة ويومين على الأقل، ولكن يظهر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما انسحب عن الطائف نزل العقيق، وكان مال بني الأسود لعله بوادي (لقيم) أو قربه فخافت ثقيف أن يقطع نخلة، وبهذا تستقيم الرواية، إذ أن رسول الله عندما انسحب كان طريقه على دحنا إلى الجعرانة وهذا يقضي أن يكون سلك من الطائف على أسفل العقيق ثم على لقيم ثم على دحنا ثم على الثنايا ثم على حنين ثم على الجعرانة".
    3. (١)الضمير في (به) يرجع لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
  9. والحديث أخرجه أبو نعيم وفي كليهما محمد٣ بن عمرو بن خالد الحراني أبو علاثة.

    1. (٣)لم أجد ترجمته وهو من شيوخ الطبراني وانظر المعجم الصغير للطبراني ٢/٣٩.
  10. وأخرجه الواقدي ولفظه: وقال عيينة: "يا رسول الله، ائذن لي حتى آتي حصن الطائف فأكلمهم، فأذن له، فجاءه فقال: أدنو منكم وأنا آمن؟ قالوا: نعم، وعرفه أبو محجن٤ فقال: إذن فدنا فقال: ادخل فدخل عليهم الحصن، فقال فداؤكم أبي وأمي! والله لقد سرني ما رأيت منكم والله لو أن في العرب أحدا غيركم! والله ما لاقى محمد مثلكم قط، ولقد مل المقام، فاثبتوا في حصنكم، فإن حصنكم حصين، وسلاحكم كثير، وماءكم واتن٥ لا تخافون قطعه! قال: فلما خرج قالت ثقيف لأبي محجن فإنا كرهنا دخوله، وخشينا أن يخبر محمدا بخلل إن رآه في حصننا، وقال أبو محجن: أنا كنت أعرف له، ليس منا أحد أشد على محمد منه وإن كان معه، فلما رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ما قلت لهم؟

    ج ١ ص ٣٣٢قال: "قلت ادخلوا في الإسلام، والله لا يبرح محمد عقر داركم حتى تنزلوا فخذوا لأنفسكم أمانا، قد نزل بساحة أهل الحصون قبلكم قينقاع والنضير وقريظة وخيبر أهل الحلقة والعدة والآطام فخذلتهم ما استطعت ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت عنه، حتى إذا فرغ من حديثه، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كذبت! قلت لهم كذا وكذا للذي قال. قال عيينة: "أستغفر الله! "

    فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله، دعني أقدمه فأضرب عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يتحدث الناس أني أقتل أصحابي" ويقال: أن أبا بكر - رضي الله عنه - أغلظ له يومئذ وقال: "ويحك يا عيينة! إنما أنت أبدا توضع في الباطل، كم لنا منك من يوم بني النضير وقريظة وخيبر، تجلب علينا وتقاتلنا بسيفك ثم أسلمت كما زعمت فتحرض علينا عدونا! "

    قال: "أستغفر الله يا أبا بكر وأتوب إليه، لا أعود أبدا" ١!

    1. (٤)أبو محجن الثقفي الشاعر مختلف في اسمه له صحبة، وهو الذي سجنه سعد بن أبي وقاص من أجل شربه الخمر وكان ذلك يوم القادسية، ولما دارت المعركة رحاها استأذن أبو محجن من زوجة سعد بن أبي وقاص أن تفكه من السجن وتعطيه فرس سعد وأعطاها العهد أن يعود من المعركة فقاتل قتال الأبطال وعاد إلى سجنه فعفا عنه سعد وتاب من شرب المسكرات (الإصابة ٤/١٧٣-١٧٦) .
    2. (٥)الواتن: الشيء الثابت الدائم في مكانه، والماء المعين الدائم (القاموس المحيط٤/٢٧٤) .
    3. (٢)البيهقي: دلائل النبوة ٣/٤٨ أ- ب وأبو نعيم: دلائل النبوة ص ٤٦٤ وابن كثير: البداية والنهاية ٤/٣٤٨-٣٤٩ والسيوطي: الخصائص الكبرى ٢/٩٧، وانظر حديث (١٣٢) .
  11. وكان استعصاء ثقيف وعدم استسلامهم في ذلك الوقت هو أن الله - جل وعلا - لم يأذن في فتح الطائف حينئذ وأن ثقيفاً ستأتي معلنة إسلامها وولاءها للمسلمين عما قريب بدون مشقة وقتال، ولذا فقد أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصحابة بترك حصار الطائف ولما رأى في أصحابه الرغبة في مواصلة القتال والتصميم على الفتح، أذن لهم في ذلك وقال: اغدوا على القتال، فغدوا فأصابتهم جراحات شديدة من وقع نبال ثقيف فأعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته في ترك الحصار، ففرح الصحابة بذلك وعملوا أن ما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الصواب، وسارعوا إلى الرحيل، طالبين من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو على ثقيف جزاء صنيعهم السيئ ضد المسلمين، فقال صلى الله عليه وسلم "اللهم اهد ثقيفا" وقد ذكر ابن كثير الحكمة في تأخير الفتح عامئذ فقال:

    وكانت الحكمة الإلهية تقتضي أن يؤخر الفتح عامئذ لئلا يستأصلوا قتلا، لأنه قد تقدم أنه عليه السلام لما كان خرج إلى الطائف فدعاهم إلى الله تعالى وإلى أن يؤووه حتى يبلغ رسالة ربه عز وجل وذلك بعد موت عمه أبي طالب، فردوا عليه قوله وكذبوه، فرجع مهموما فلم يستفق إلا عند قرن الثعالب، فإذا هو بغمامة وإذا فيها جبريل

    ج ١ ص ٣٣٣فناداه ملك الجبال، فقال: يا محمد إن ربك يقرأ عليك السلام وقد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، فإن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بل أستأني بهم، لعل الله أن يخرج من أصلابهم مَنْ يعبده، لا يشرك به شيئاً" . فناسب قوله: "بل أستأني أن لا يفتح حصنهم لئلا يقتلوا عن آخرهم وأن يؤخر الفتح ليقدموا بعد ذلك مسلمين في رمضان من العام المقبل" ١. إهـ.

    1. (١)مغازي الواقدي ٣/٩٣٢-٩٣٣.
  12. وفيما يلي الأحاديث الواردة في هذا المقام:
  13. ١٦٤- أخرج ابن أبي شيبة فقال: حدثنا عبد الوهاب٢ الثقفي عن عبد الله٣ بن عثمان بن خشيم عن أبي الزبير٤ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاصر أهل الطائف فجاءه أصحابه فقالوا: يا رسول الله أحرقتنا نبال ثقيف فادع الله عليهم فقال: اللهم اهد ثقيفاً مرتين. قال: وجاءته خولة٥ فقالت: إن بنت خزاعى٦ ذات حلي فنفلني حليها إن فتح الله عليك الطائف غدا، قال: إن لم يكن أذن لنا في قتالهم، فقال رجل تراه عمر يا رسول الله ما مقامك على قوم لم يؤذن لك في قتالهم، قال: "فأذن في الناس بالرحيل فنزل الجعرانة فقسم بها غنائم حنين، ثم دخل منها بعمرة ثم انصرف إلى المدينة" ٧.

    1. (٢)عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصلت، الثقفي، أبو محمد البصري، ثقة تغير قبل موته بثلاث سنين، من الثامنة، (ت ١٩٤) /ع (التقريب ١/٥٢٨ وتهذيب التهذيب ٦/٤٤٩) . ورمز له الذهبي (بصح) إشارة إلى توثيقه وأنه لا يلتفت إلى ما قيل فيه (ميزان الاعتدال ٣/٦٨٠) .
    2. (٣)عبد الله بن عثمان بن خثيم - بالمعجمة والمثلثة، مصغراً - القاري المكي أبو عثمان، صدوق، من الخامسة (ت١٣٢) / خت م ع (التقريب ١/٤٣٢ وتهذيب التهذيب ٥/٣١٤) .
    3. (٤)أبو الزبير هو محمد بن مسلم بن تدرس المكي، صدوق مدلس تقدم في حديث (١٠٩) .
    4. (٥)خولة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص بن مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سليم السلمية، امرأة عثمان بن مظعون، يقال كنيتها أم شريك. ويقال لها خويلة بالتصغير، وكانت صالحة فاضلة وهي التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم في قول بعض العلماء (الاستيعاب ٤/٢٨٩-٢٩٠ وأسد الغابة ٧/٩٣ والتقريب ٢/٥٩٦ وتهذيب التهذيب ١٢/٤١٥ والإصابة ٤/٢٩١ وطبقات ابن سعد ٨/١٥٨.
    5. (٦)في سيرة ابن هشام ٢/٤٨٤ وكذا في الإصابة فقالت خولة: أعطني حلي بادية بنت غيلان بن سلمة أو حلي الفارعة بنت عقيل وكانتا من أحلى نساء ثقيف) وعند الواقدي الفارعة بنت خزاعي ٣/٩٣٥.
  14. والحديث مرسل.

    1. (١)البداية والنهاية ٤/٣٥٢ والزرقاني: شرح المواهب ٣/٣٣ وانظر: حديث رقم (٠٨) . وانظر: ص ٣٣٩ تعليقة (٣) .
    2. (٧)تاريخ ابن أبي شيبة ص ٨٥ و٨٦ ب رقم (٦٦٥) .
  15. ورواه البيهقي من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة مرسلا ولفظه: وأقبلت امرأة يقال لها خولة بنت حكيم وكانت ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت تحت عثمان بن مظعون فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ما يمنعك أن تنهض إلى أهل الطائف، قال: "لم يؤذن لنا حتى الآن فيهم، وماأظن أن نفتحها الآن" ، فأقبل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فلقيها خارجة من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هل ذكر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، قالت: أخبرني أنه لم يؤذن له في قتال الطائف بعد، فلما رأى ذلك عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله ألا تدعو الله على أهل الطائف وتنهض لعل الله يفتحها فإن أصحابك كثير وقد شق عليهم الحبس ومنعهم معاشهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لم يؤذن لنا في قتالهم" فلما رأى ذلك عمر قال: أفلا آمر الناس فلا يسرحوا ظهرهم حتى يرتحلوا بالغداة؟

    قال: "بلى فانطلق عمر حتى أذن في الناس بالقفول وأمرهم أن لا يسرحوا ظهرهم، فأصبحوا فارتحل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه" .

    ج ١ ص ٣٣٤
  16. ودعا النبي - صلى الله عليه وسلم - حين ركب قائلا: "اللهم اهدهم واكفنا مؤنتهم" ١.

  17. ١٦٥- وأخرجه ابن إسحاق بلاغا فقال: ثم إن خويلة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص السلمية، وهي امرأة عثمان بن مظعون قالت: يا رسول الله أعطني إن فتح الله عليك الطائف حلي بادية٢ بنت غيلان بن سلمة أو حلي الفارعة بنت عقيل، وكانتا من أحلى نساء ثقيف. فذكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: "وإن كان لم يؤذن لي في ثقيف يا خويلة؟ "

    1. (٢)بادية بنت غيلان بن سلمة الثقفي أسلمت عند إسلام أبيها ولها رواية. قال ابن حجر: "وقد حكى ابن منده: في ضبطها وجهين: (بادية) بالموحدة (ونادية) بالنون، وقال: إنه وهم، وحكى غيره فيها: بالموحدة أوّلها، ثم نون بعد الدال" (بادنة) الإصابة ٤/٢٤٩ وأسد الغابة ٧/٣٤. وقال السهيلي في الروض الأنف ٧/٢٧١ "وأما بادية بنت غيلان فقيل فيها" "بادنة" بالنون والصحيح "بادية بالياء".
  18. فخرجت خويلة فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله ماحديث حدثتنيه خويلة، زعمت أنك قلته؟ قال: قد قلته، قال: أو ما أذن لك فيهم يا رسول الله؟

    ج ١ ص ٣٣٥قال: لا، قال: أفلا أؤذن بالرحيل؟ قال: بلى، فأذن عمر بالرحيل "، فلما استقل الناس نادى سعيد١ بن عبيد بن أسيد بن أبي عمر بن علاج ألا إن الحي مقيم، قال: يقول عيينة بن حصن: أجل، والله مجدة كراما، فقال له رجل٢ من المسلمين: قاتلك الله يا عيينة، أتمدح المشركين بالامتناع من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جئت تنصر رسول الله صلى الله عليه وسلم!

    فقال: "إني والله ما جئت لأقاتل ثقيفا معكم، ولكني أردت أن يفتح محمد الطائف، فأصيب من ثقيف جارية أطؤها، لعلها تلد لي رجلا، فإن ثقيفا قوم مناكير "٣.

    1. (١)البيهقي: دلائل النبوة ٣/٤٩ب وانظر ابن كثير: البداية والنهاية ٤/٣٥٠ والسيوطي: الخصائص الكبرى ٢/٩٧-٩٨ وانظر حديث (١٣٢) .
    2. (١)هكذا ساق ترجمته ابن إسحاق والطبري والسهيلي وابن كثير والواقدي إلاّ أنه قال "سعد" بدل "سعيد". وقد تقدم في حديث (١٥٨) ص ٣٢٣ في سياق نسبه غير هذا.
    3. (٢)وعند الواقدي: فقال عمرو بن العاص: قاتلك الله، تمدح قوما مشركين بالامتناع من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جئت تنصره؟ فقال: "إني والله ما جئت معكم أقاتل ثقيفاً، ولكن أردت أن يفتح محمد الطائف فأصيب جارية من ثقيف فأطأها لعلها تلد لي رجلا فإن ثقيف قوم مباركون. فأخبر عمرو النبي صلى الله عليه وسلم بمقالته، فتبسم صلى الله عليه وسلم ثم قال: "هذا الحمق المطاع".
  19. ١٦٦- وأخرج ابن أبي شيبة قال: حدثنا حسين٤ بن علي عن زائدة٥ قال: قال عبد الملك٦، قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو محاصر ثقيفاً ما رأيت الملك منذ نزلت منزلي هذا، قال: "فانطلقت خولة بنت حكيم السلمية فحدثت ذلك عمر بن الخطاب،

    ج ١ ص ٣٣٦فأتى عمر النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له قولها، فقال: صدقت، فأشار عمر على النبي صلى الله عليه وسلم بالرحيل، فارتحل النبي صلى الله عليه وسلم " ١ والحديث مرسل ورجاله ثقات.

    1. (٤)الحسين بن علي بن الوليد الجعفي - بضم الجيم وسكون العين المهملة - المقرئ، ثقة عابد، من التاسعة (ت ٢٠٣ - أو ٢٠٤) / ع (التقريب ١/١٧٧ وتهذيب التهذيب ٢/٣٥٧) .
    2. (٥)زائدة بن قدامة الثقفي، أبو الصلت الكوفي، ثقة ثبت، صاحب سنة، من السابعة (ت١٦٠) وقيل بعدها / ع (التقريب ١/٢٥٦ وتهذيب التهذيب ٣/٣٠٦) .
    3. (٦)عبد الملك بن عمير بن سويد اللخمي، حليف بني عدي الكوفي، ويقال له: الفرسي - بفتح الراء والفاء ثم المهملة - نسبة إلى فرس له سابق، كان يقال له القبطي - بكسر القاف وسكون الموحدة وربما قيل ذلك أيضا لعبد الملك، ثقة فقيه، تغير حفظه وربما دلس من الثالثة (ت ١٣٦) / ع (التقريب ١/٥٢١ وتهذيب التهذيب ٦/٤١١) .
    4. (٣)سيرة ابن هشام ٢/٤٨٤ والطبري: تاريخ الرسل والملوك ٣/٨٥. والسهيلي: الروض الأنف ٧/٢٣٧ وابن الأثير: الكامل ٢/١٨١. والواقدي: المغازي ٣/٩٣٥ والديار بكري: تاريخ الخميس ٢/١١١. والحلبي: السيرة الحلبية ٣/٨١ والبداية والنهاية ٤/٣٥٠ لابن كثير. ومناكير: أصحاب دهاء وفطنة (ابن الأثير: النهاية ٥/١١٥) . والفيروز آبادي: القاموس المحيط ٢/١٤٨) .
  20. ١٦٧- وأخرج ابن سعد قال: أخبرنا عمرو٢ بن عاصم الكلابي، أخبرنا أبو الأشهب٣ أخبرنا الحسن٤ قال: حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الطائف، قال: فرمى رجل من فوق سورها فقتل، فأتى عمر فقال: "يا نبي الله ادع على ثقيف، قال: إن الله لم يأذن في ثقيف، قال: فكيف نقتل في قوم لم يأذن الله فيهم؟ قال: فارتحلوا، فارتحلوا٥.

    1. (٢)عمرو بن عاصم: صدوق تقدمت ترجمته في حديث (٧١) .
    2. (٣)أبو الأشهب: هو جعفر بن حيان، ثقة، تقدمت ترجمته في حديث (١٥٦) .
    3. (٤)الحسن: هو البصري، ثقة فقيه، فاضل مشهور تقدمت ترجمته في حديث (١٥٦) ومرسله ضعيف عند العلماء (انظر تدريب الراوي للسيوطي ص ١٢٣-١٢٤) .
    4. (٥)الطبقات الكبرى ٢/١٥٩.
  21. والحديث مرسل، ورجاله ثقات.

  22. وعند ابن إسحاق بلاغا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر الصديق وهو محاصر ثقيفا: "يا أبا بكر، إني رأيت أني أهديت لي قعبة٦ مملوءة زبدا، فنقرها ديك فهراق ما فيها" . فقال أبو بكر: "ما أظن أن تدرك منهم يومك هذا ما تريد" ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وأنا لا أرى ذلك" ٧.

    1. (٦)قعبة: القعب: القدح الضخم الجافي، أو إلى الصغر، أو يروي الرجل، جمع أقعب وقعاب وقعبة. والزبد: بضم الزاي وسكون الموحدة: زبد اللبن القاموس المحيط ١/١١٨و٢٩٧) .
  23. ١٦٨- وروى الواقدي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما مضت خمس عشرة ليلة من حصارهم استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم نوفل٨ بن معاوية الديلي، فقال: "يا نوفل ما تقول أو ترى؟ "

    1. (٨)نوفل بن معاوية بن عروة بن صخر الديلي - بكسر المهملة وسكون التحتانية - أبو معاوية شهد بدراً والخندق مع المشركين وكان له ذكر ونكاية. ثم أسلم وشهد الفتح وحنينا والطائف، ونزل المدينة فمات بها في خلافة معاوية وقيل في أول خلافة يزيد، عاش نوفل مائة وعشرين سنة، ستون سنة في الجاهلية وستون سنة في الإسلام (التقريب ٢/٣٠٩ وتهذيب التهذيب ١٠/٤٩٢) .
    2. (١)تاريخ ابن أبي شيبة ص ٨٦ و٨٧ أرقم (٦٦٥) .
    3. (٧)سيرة ابن هشام ٢/٤٨٤ وتاريخ الرسل والملوك ٣/٨٤ والروض الأنف ٧/٢٣٦، ومغازي الواقدي ٣/٩٣٦ وتقدم الحديث برقم (١٦٤) .
  24. فقال نوفل يا رسول الله، ثعلب في جحر إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرك شيئا ".

    قال أبو هريرة: "ولم يؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم في فتحها "١.

    ج ١ ص ٣٣٧
  25. وعنده أيضا: "قال: قال أبو محجن بن حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي، وهو على حصن الطائف: يا عبيد محمد، إنكم والله ما لاقيتم أحدا يحسن قتالكم غيرنا، تقيمون ما أقمتم بشر محبس، ثم تنصرفون لم تدركوا شيئا مما تريدون.

  26. نحن قسي وقسا أبونا

    والله لا نسلم ما حيينا٢

    وقد بنينا طائفا حصينا

    فناداه عمر: "يا ابن حبيب والله لنقطعن عليك معاشك حتى تخرج من جحرك هذا، إنما أنت ثعلب في جحر يوشك أن يخرج، فقال أبو محجن: إن قطعتم يا ابن الخطاب حبات عنب، فإن في الماء والتراب ما يعيد ذلك" .

    فقال عمر: "لا تقدر أن تخرج إلى ماء ولا تراب، ولن نبرح عن باب جحرك حتى تموت! "

    قال: يقول أبو بكر: "يا عمر لا تقل هذا، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤذن له في فتح الطائف، فقال عمر: وهل قال لك هذا رسول الله؟ "

    فقال: نعم، فجاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "لم يؤذن لك يا رسول الله في فتحها؟ قال: " لا ". قال: أفلا أؤذن في الناس بالرحيل! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بلى" فأذن عمر بالرحيل، فجعل المسلمون يتكلمون، يمشي بعضهم إلى بعض، فقالوا: ننصرف ولا نفتح الطائف!

    1. (٢)في مغازي الواقدي: "نحن قسي وأبونا قسا" وهذا لا يستقيم مع ما بعده وقد صوبتها من أنساب الأشراف للبلاذري الذي هو تلميذ ابن سعد المعروف، بكاتب الواقدي، وانظر أنساب الأشراف ص ٣٦٧.
    2. (١)مغازي الواقدي ٣/٩٣٦-٩٣٧ وطبقات ابن سعد ٢/١٥٩ وزاد المعاد ٣/٤٩٧ والبداية والنهاية ٤/٣٥٠ والسيرة الحلبية ٣/٨٢ وفتح الباري ٨/٤٥) .
  27. لا نبرح حتى يفتح الله علينا؟ والله إنهم لأذل وأقل من لاقينا قد لقينا جمع مكة وجمع هوازن، ففرق الله تلك الجموع! وإنما هؤلاء ثعلب في جحر، لو حصرناهم لماتوا في حصنهم هذا! وكثر القول بينهم والاختلاف، فمشوا إلى أبي بكر فتكلموا، فقال أبو بكر - رضي الله عنه -: الله ورسوله أعلم، والأمر ينزل عليه من السماء، فكلموا عمر فأبى وقال: قد رأينا الحديبية ودخلني في الحديبية من الشك ما لا يعلمه إلا الله، وراجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بكلام ليت أني لم أفعل، وأن أهلي ومالي ذهبا ثم كانت الخيرة لنا من الله فيما صنع، فلم يكن فتح كان خيراً للناس من صلح الحديبية – بلا سيف دخل فيه من أهل الإسلام مثل من كان دخل – من يوم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يوم كتب الكتاب، فاتهموا الرأي، والخيرة فيما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولن أراجعه في شيء من ذلك الأمر أبدا! والأمر أمر الله وهو يوحي إلى نبيه ما يشاء! ١.

    ج ١ ص ٣٣٨
  28. وهذه الآثار تدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤذن له في فتح الطائف، وقد تقدم ما نقله ابن كثير من الحكمة في ذلك٢.

    1. (٢)ص ٣٣٢.
  29. ولذا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى صعوبة الموقف وتأزم الأمور وكثرة الإصابات في أصحابه، أشار إليهم بترك الحصار والرجوع إلى الجعرانة ولكن لما رأى تحمس أصحابه وتصميمهم على الفتح ورغبتهم في ذلك واصل بهم حتى وافقوا في نهاية المطاف وعلموا أن المصلحة فيما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا هو صريح حديث الصحيحين وغيرهما، وهذا سياقه عند البخاري:

    ١٦٩- حدثنا علي٣ بن عبد الله حدثنا سفيان عن عمرو عن أبي العباس الشاعر الأعمى عن عبد الله٤ بن عمرو قال: لما حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائف،

    ج ١ ص ٣٣٩فلم ينل منهم شيئا، قال: إنا قافلون إن شاء الله، فثقل١ عليهم وقالوا: نذهب ولا نفتحه٢، وقال مرة: نقفل، فقال: اغدوا على القتال، فغدوا، فأصابهم جراح، فقال: إنا قافلون غدا إن شاء الله، فأعجبهم فضحك٣ صلى الله عليه وسلم. وقال سفيان مرة: فتبسم. قال: قال الحميدي: حدثنا سفيان بالخبر كله٤.

    1. (٣)علي بن عبد الله هو ابن المديني، وسفيان: هو ابن عيينة، وعمرو: هو ابن دينار، وأبو العباس: هو السائب بن فرخ المكي الأعمى.
    2. (٤)اختلف في هذا الحديث هل هو عن عبد الله بن عمرو بن العاص أو عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ومدار الحديث على سفيان بن عيينة، وقد اختلف فيه عليه، فمنهم من قال عبد الله بن عمر بن الخطاب، ومنهم من رواه عبد الله بن عمرو بن العاص ومنهم من رواه بالشك، وقد رجح كونه عن عبد الله بن عمر بن الخطاب: يحيى بن معين، والدارقطني، وأبو زيد المروزي، وأبو بكر البرقاني قال ابن حجر: واخرج الحديث الطبراني من رواية إبراهيم بن يسار وهو ممن لازم ابن عيينة جدا، والذي قال عن ابن عيينة في هذا الحديث: "عبد الله بن عمر" وهم الذين سمعوا منه متأخراً كما نبه عليه الحاكم، وقد بالغ الحميدي في إيضاح ذلك فقال في مسنده في روايته لهذا الحديث عن سفيان "عبد الله بن عمر بن الخطاب" وأخرجه البيهقي في الدلائل من طريق عثمان الدارمي عن عليّ بن المديني قال: "حدثنا به سفيان غير مرة يقول عبد الله بن عمر بن الخطاب لم يقل عبد الله بن عمرو بن العاص. وعند أبي عوانة: بلغني أن إسحاق بن موسى الأنصاري وغيره قالوا": "عبد الله بن عمرو" ورواه عنه - أي سفيان - من أصحابه ممن يفهم ويضبط فقالوا: "عبد الله ابن عمر". وعند أحمد في هذا الحديث: فقيل لسفيان: ابن عمرو، قال: لا. ابن عمر (شرح النووي لصحيح مسلم ٤/٤٠٩ وفتح الباري ٨/٤٤-٤٥ و ١٠/٥٠٥) .
    3. (١)مغازي الواقدي ٣/٩٣٥-٩٣٦.
    4. (١)وعند أحمد: "فكان المسلمون كرهوا ذلك".
    5. (٢)وعند مسلم: قال أصحابه "نرجع ولم نفتحه". وعند ابن أبي شيبة: "فقال المسلمون نرجع ولم نفتحه". وعند أبي يعلى فقال أصحابه: "نرجع ولم نفتح". وعند أبي عوانة فقال المسلمون: "نرجع ولم نفتحه".
    6. (٣)قال النووي::معنى الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قصد الشفقة على أصحابه والرفق بهم بالرحيل عن الطائف لصعوبة أمره، وشدة الكفار الذين فيه، وتقويتهم، مع أنه صلى الله عليه وسلم علم أو رجا أنه سيفتحه بعد هذا بلا مشقة، كما جرى، فلما رأى حرص أصحابه على المقام والجهاد أقام، وجد في القتال، فلما أصابتهم الجراح رجع إلى مكان قصده أولا من الرفق بهم ففرحوا بذلك، لما رأوا من المشقة الظاهرة، ولعلهم نظروا فعلموا أن رأي النبي صلى الله عليه وسلم أبرك وانفع وأحمد عاقبة وأصوب من رأيهم، فوافقوا على الرحيل، وفرحوا، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم تعجبا من سرعة تغير رأيهم" شرح صحيح مسلم ٤/٤١٠) وشرح المواهب ٣/٣٣.
    7. (٤)البخاري: الصحيح ٥/١٢٨ كتاب المغازي، باب غزوة الطائف.
  30. ورواه عن قتيبة بن سعيد حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار به ولفظه لما كان رسول الله بالطائف قال: إنا قافلون غدا إن شاء الله، فقال ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا نبرح أو نفتحها٥، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "فاغدوا على القتال، فغدوا

    ج ١ ص ٣٤٠فقاتلوهم قتالا شديدا، وكثر فيهم الجراحات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنا قافلون غدا إن شاء الله، قال فسكتوا١، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم" .

    1. (٥)قوله: (لا نبرح أو نفتحها) قال ابن التين: "ضبطناه بالرفع والصواب: النصب، لأن "أو" إذا كانت بمعنى "حتى أو إلى أن نصبت"، وهي هنا كذلك (فتح الباري ١٠/٥٠٥) . وانظر: قطر الندى لابن هشام ص:٦٨،وشرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك ٢/٣٤٦.
    2. (١)وعند أحمد: "فسر المسلمون، وضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم".
  31. ورواه عن عبد الله بن محمد٢ حدثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار به، ولفظه قال: "حاصر النبي صلى الله عليه وسلم أهل الطائف فلم يفتحها، فقال: إنا قافلون إن شاء الله، فقال المسلمون: " نقفل ولم نفتح؟ " قال: فاغدوا على القتال، فغدوا فأصابتهم٣ جراحات، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنا قافلون غدا إن شاء الله، فكأن٤ ذلك أعجبهم، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم " ٥.

    1. (٢)هو أبو بكر بن أبي شيبة.
    2. (٣)وعند الحميدي "فأصابتهم جراحة شديدة".
    3. (٤)وعند الحميدي "فكأنهم اشتهوا ذلك وسكنوا إليه، قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
  32. ورواه مسلم والحميدي وابن أبي شيبة وأحمد وأبو يعلى وأبو عوانة والبيهقي كلهم من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار به٦.

    1. (٦)مسلم: الصحيح ٣/١٤٠٢ كتاب الجهاد والسير، باب غزوة الطائف. الحميدي: المسند ٢/٣٠٩، وابن أبي شيبة: التاريخ ص ٨٥و ٨٦ أرقم ٦٦٥. وأحمد: المسند ٢/١١، وأبو يعلى: المسند ٥/٥٢٩ أرقم (٣٠٥) . وأبو عوانة: المسند ٤/٢١٣ و ٢١٤، والبيهقي: دلائل النبوة ٣/٤٩ أ - ب.
  33. وعند الواقدي من حديث أبي هريرة قال: "وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر ابن الخطاب فأذن في الناس بالرحيل فضج الناس من ذلك وقالوا: نرحل ولم يفتح علينا الطائف؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فاغدوا على القتال" ، فغدوا فأصابت المسلمين جراحات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنا قافلون إن شاء الله، فسروا بذلك وأذعنوا وجعلوا يرحلون ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك، وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده" .

    1. (٥)البخاري: الصحيح ٨/٢٠ كتاب الآداب، باب التبسم والضحك و٩/١١٣ كتاب التوحيد، باب في قوله الله تعالى: تؤتي الملك من تشاء إلخ.
  34. فلما ارتحلوا واستقلوا قال: "قولوا آيبون تائبون لربنا حامدون" ١.

    ج ١ ص ٣٤١
  35. وقيل: "يا رسول الله ادع على ثقيف، فقال: اللهم اهد ثقيفا وآت بهم" ٢.

  36. وحديث الدعاء على ثقيف أخرجه الترمذي وأحمد من حديث أبي الزبير، مسندا، وابن أبي شيبة مرسلا.

  37. ١٧٠- وهذا سياق الترمذي: حدثنا أبو سلمة٣ يحيى بن خلف أخبرنا عبد الوهاب٤ الثقفي عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: قالوا: "يا رسول الله أحرقتنا نبال ثقيف فادع الله عليهم، فقال: " اللهم أهد ثقيفا " ٥. ثم قال الترمذي: " هذا حديث حسن صحيح غريب ".

    قال الألباني: "هذا الحديث على شرط مسلم ولكنه من رواية أبي الزبير معنعنا وهو مدلس".

    1. (٣)يحيى بن خلف الباهلي، أبو سلمة البصري، الجوباري - بجيم مضمومة وواو ساكنة ثم موحدة - صدوق من العاشرة (ت ٢٤٢) /م د ت ق (التقريب ٢/٣٤٦ وتهذيب التهذيب ١١/٢٠٤) .
    2. (٤)عبد الوهاب ثقة، وعبد الله بن عثمان صدوق، وقد تقدمت ترجمتها في حديث (١٦٤) .
    3. (١)هكذا ذكر هذا الدعاء الواقدي وابن سعد في هذه الغزوة، وقد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ما يشهد لهذا ولفظه: قال ابن عمر: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون. صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده". (البخاري ٣/٧ كتاب العمرة، باب ما يقول إذا رجع من الحج أو العمرة أو الغزو) . و٤/٦١ كتاب الجهاد، باب ما يقول إذا رجع من الغزو. و٥/٩٣ كتاب المغازي، باب غزوة الخندق، و ٨/٦٩ كتاب الدعوات، باب الدعاء إذا أراد سفراً أو رجع. ومسلم ٢/٩٨٠ كتاب الحج، باب ما يقول إذا قفل من سفر الحج وغيره. ورواه مالك في الموطأ ١/٤٢١ كتاب الحج، باب جامع الحج.
    4. (٢)الواقدي: المغازي ٣/٩٣٦-٩٣٧، وابن سعد: الطبقات الكبرى ٢/١٥٩ والزرقاني شرح المواهب ٣/٣٤ وانظر الحديث رقم (١٦٧) .
    5. (٥)الترمذي: السنن ٥/٣٨٥-٣٨٦ كتاب المناقب، باب في ثقيف وبني حنيفة.
  38. وقد تابعه عبد الرحمن١ بن سابط عند أحمد، ولكنه لم يسمع من جابر، كما قال ابن معين٢.

    1. (١)عبد الرحمن بن سابط، ويقال عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط وهو الصحيح ثقة كثير الإرسال من الثالثة (ت ١١٨) م د ت س ق (التقريب ١/٤٨٠ وتهذيب التهذيب ٦/١٨٠) .
    2. (٢)حاشية مشكاة المصابيح ٣/١٦٩٠ وحاشية فقه السيرة للغزالي ص ٤٣٢ ودفاع عن الحديث النبوي والسيرة في الرد على البوطي ٧-٨ و٣٤-٣٥ وانظر: تهذيب التهذيب ٦/١٨٠.
    ج ١ ص ٣٤٢
  39. وهذا سياق حديث أحمد المشار إليه قال:

    حدثنا محمد٣ بن الصباح ثنا إسماعيل٤ بن زكريا عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن عبد الرحمن بن سابط وأبي الزبير عن جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم اهد ثقيفاً" .

    قال عبد الله٥: "وسمعته أنا من محمد بن الصباح، فذكر مثله" ٦.

    1. (٣)محمد بن الصباح الدولابي، أبو جعفر البغدادي، صاحب السنن- ثقة حافظ، من العاشرة (ت ٢٢٧) /ع (التقريب ٢/١٧١ وتهذيب التهذيب ٩/٢٢٩) .
    2. (٤)إسماعيل بن زكريا بن مرة، الخلقاني - بضم المعجمة وسكون اللام بعدها قاف- أبو زياد الكوفي، لقبه شقوصا- بفتح المعجمة وضم القاف الخفيفة وبالمهملة - صدوق يخطئ قليلا، من الثامنة (ت ١٧٤ وقيل قبلها) / ع (المصدر السابق ١/٦٩و١/٢٩٧ وتاريخ بغداد ٦/٢١٨ وميزان الاعتدال ١/٢٢٩) . وقد وقع في التقريب أن وفاة إسماعيل ٩٤ أي بعد المائة وهو خطأ.
    3. (٥)عبد الله هو ابن أحمد بن حنبل.
  40. وهذه المتابعة لا تجدي شيئا لأن عبد الرحمن بن سابط لم يسمع من جابر فيكون الحديث منقطعا.