المبحث الثالث: اعتراض ذي الخويصرة التميمي على الرسول صلى الله عليه وسلم في قسم الغنائم

٣٣ فقرة، ج ١ ص ٣٧٦

  1. كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد أمر - وهو لحنين - بالغنائم أن تجتمع وأن تحبس في الجعرانة حتى يعود من الطائف، ثم توجه صلى الله عليه وسلم بمن معه من المسلمين إلى الطائف فضرب عليها الحصار كما مر ذلك مفصلاً١.

    ج ١ ص ٣٧٦
  2. ثم قرر صلى الله عليه وسلم العودة إلى الجعرانة فوصلها ليلة الخميس لخمس ليال خلون من ذي القعدة، وأقام بها ثلاث عشرة ليلة ينتظر هوازن لعلها أن تقدم مسلمة فيرد إليها سبيها وأموالها، ولما لم تقدم في هذه المدة٢، شرع صلى الله عليه وسلم في توزيع الغنائم حسب ما تقتضيه المصلحة العامة، فوضعها في موضعها اللائق بها، غير أن بعض أهل الزيغ والنفاق عباد الدينار والدرهم انتقد رسول الله صلى الله عليه وسلم في صنيعه هذا ونسبه إلى الجور والظلم فخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم بلهجة قاسية تنبئ عما انطوت عليه نفسه من الحقد والغل والبعد عن هدي الإسلام وتعاليمه السامية "يا محمد اعدل" فتألم رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وغضب غضبا شديدا حتى طلب عمر بن الخطاب الإذن منه في قتل هذا المنافق الخبيث، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم منعه من ذلك وقال: "معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي" . ذلك أن هذا القائل معدود في الصحابة وله شيعة وأتباع، فالحكمة تقتضي عدم قتله وأن يتركه وما تولى، وهذا ما دلت عليه الأحاديث الآتية:

    أ- فقد جاء في حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - عند البخاري ومسلم وغيرهما وهذا سياقه وهذا سياق مسلم:

    ١٨٢- حدثنا محمد بن رمح بن المهاجر، أخبرنا الليث٣ عن يحيى٤ بن سعيد عن أبي الزبير٥ عن جابر بن عبد الله قال:

    ج ١ ص ٣٧٧أتى رجل١ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة منصرفه من حنين وفي ثوب بلال فضة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض منها يعطي الناس، فقال: يا محمد! اعدل٢.

    قال: "ويلك٣! ومن يعدل إذا لم أكن أعدل؟ لقد خبت٤ وخسرت، إن لم أكن أعدل" .

    فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "دعني٥ يا رسول الله فأقتل هذا

    ج ١ ص ٣٧٨المنافق، فقال: "معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي. إن هذا١ وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم٢ يمرقون منه٣ كما يمرق السهم من الرمية" ٤.

    1. (١)وعند أحمد "رجل من بني تميم" وفي حديث أبي سعيد الخدري وعبد الله بن عمرو ابن العاص أنه ذو الخويصرة التميمي، انظر حديث (١٨٤) وتعليقة (٤) من ص ٣٨٤ وفتح الباري ٨/٦٩.
    2. (٢)وعند البخاري: "بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم غنيمة الجعرانة إذ قال له رجل: اعدل، قال: "لقد شقيت إن لم أعدل" وعند الحميدي: قال قال أبو الزبير: سمعت جابر بن عبد الله يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم غنائم حنين بالجعرانة والتبر في حجر بلال، فجاءه رجل فقال: يا محمد اعدل فإنك لم تعدل، قال: "ويحك، فمن يعدل إذا لم أعدل". وعند ابن ماجة "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة وهو يقسم التبر والغنائم وهو في حجر بلال، فقال رجل: اعدل يا محمد، فإنك لم تعدل، فقال: "ويلك ومن يعدل بعدي إذا لم أعدل"؟ وعند أحمد: قال أبو الزبير سمعت جابراً يقول: بصر عيني وسمعت أذني رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة وفي ثوب بلال فضة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقبضها للناس يعطيهم، فقال رجل: اعدل. وعند الطبراني عن جابر، قال: "أبصرت عيناي وسمعت أذناي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة وفي ثوب بلال فضة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقبضها للناس فيعطيهم، فقال له رجل: يا رسول الله! اعدل".
    3. (٤)عند البخاري وأحمد "لقد شقيت إن لم أعدل". قال النووي: قوله: "خبت وخسرت" روي بفتح التاء فيهما وضمهما ومعنى الضم ظاهر، وتقدير الفتح خبت أنت أيها التابع إذا كنت لا أعدل لكونك تابعا ومقتديا بمن لا يعدل، والفتح أشهر". وقال ابن حجر: في رواية البخاري "لقد شقيت": هو بضم المثناة للأكثر، ومعناه ظاهر ولا محذور فيه والشرط لا يستلزم الوقوع؛ لأنه ليس ممن لا يعدل حتى يحصل له الشقاء، بل هو عادل فلا يشقى، ثم قال: وحكى عياض فتحها ورجحه النووي، وحكاه الإسماعيلي عن رواية شيخه المنيعي من طريق عثمان بن عمر عن قرة والمعنى: "لقد شقيت أي ضللت أنت أيها التابع حيث تقتدي بمن لا يعدل أو حيث تعتقد في نبيك هذا القول الذي لا يصدر عن مؤمن" (انظر: شرح صحيح مسلم للنووي ٣/١٠٦ وفتح الباري لابن حجر ٦/٢٤٣) .
    4. (٥)وعند ابن ماجة: "دعني يا رسول الله حتى أضرب عنق هذا المنافق" وعند أحمد فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله دعني أقتل هذا المنافق الخبيث". وعنده أيضا فقال عمر: يا رسول الله ألا أقوم فأقتل هذا المنافق، قال: "معاذ الله أن تتسامع الأمم أن محمد يقتل أصحابه" وقد جاء في بعض طرق حديث أبي سعيد الخدري في الصحيحين أن خالد بن الوليد استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله أيضا، قال ابن حجر: "ولا تنافي في ذلك لاحتمال أن يكون كل منهما سأل في ذلك، ثم رأيت عند مسلم من طريق جرير عن عمارة بن القعقاع بسنده فيه: "فقام عمر بن الخطاب فقال يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ قال: لا، ثم أدبر فقام إليه خالد بن الوليد سيف الله فقال يا رسول الله أضرب عنقه؟ قال: لا.". فهذا نص في أن كليهما سأله.. ثم قال: وقد استشكل سؤال خالد في ذلك لأن بعث علي إلى اليمن كان عقب بعث خالد بن الوليد إليها والذهب المقسوم أرسله علي من اليمن كما في صدر حديث ابن أبي نعم عن أبي سعيد، ويجاب بأن عليّاً لما وصل إلى اليمن رجع خالد منها إلى المدينة فأرسل علي الذهب فحضر خالد قسمته. وأما حديث عبد الله بن عمرو فإنه في قصة قسم وقع بالجعرانة من غنائم حنين والسائل في قتله عمر بن الخطاب جزما، وقد ظهر أن المعترض في الموضعين واحد. فتح الباري ٨/٦٩ و١٢/٢٩١ و٢٩٣) . وانظر تخريج حديث أبي سعيد الخدري تحت (١٨٤) تعليقة (٤) ص ٣٨٤ وحديث عبد الله بن عمرو (١٨٤) .
    5. (٣)ويل: كلمة تقال لمن وقع في هلكة يستحقها، والويل: حلول الشر وكلمة عذاب (هدي الساري لابن حجر ص ٢٠٧ والمعجم الوسيط ٢/١٠٦١) .
    6. (١)عند ابن ماجة "إن هذا في أصحابي أو أصيحاب له". وعند الحميدي وابن الجارود: "فإن هذا مع أصحاب له أو في أصحاب له".
    7. (٢)وعند ابن ماجة وأحمد: "لا يجاوز تراقيهم". وعند أحمد أيضا "لا يجاوز حناجرهم أو تراقيهم". وعند الطبراني: "لا يجاوز حلوقهم - أو حناجرهم" والحناجر جمع حنجرة وهي الحلقوم وهو العظم الناتيء في وسط الحلق. والتراقي جمع ترقوة - بفتح أوله وسكون الراء وضم القاف وفتح الواو- وهي العظم الذي بين نقرة النحر والعاتق، وهما ترقوتان من الجانبين. والمعنى أن قراءتهم لا يرفعها الله ولا يقبلها، وقيل لا يعملون بالقرآن فلا يثابون على قراءته فلا يحصل لهم إلا سرده. وقيل: المراد أنهم ليس لهم فيه حظ إلاّ مروره على ألسنتهم لا يصل إلى حلوقهم فضلاً عن أن يصل إلى قلوبهم لأن المطلوب تعقله وتدبره ووقوعه في القلب. (النهاية لابن الأثير ١/١٨٧، و٤٤٩، وشرح صحيح مسلم للنووي ٣/١٠٧ وفتح الباري ١٢/٢٩٣ وهدي الساري ص ٩٢ و١٠٨، كلاهما لابن حجر) .
    8. (٣)وعند ابن ماجة وأحمد والحميدي وابن الجارود: "يمرقون من الدين" وعند أحمد أيضا والطبراني "يمرقون من الدين مرور السهم من الرمية". وعند احمد أيضا "يمرقون من الدين كما يمرق المرماة من الرمية". وفي حديث أبي سعيد الخدري "يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية". قال القاضي عياض: "معناه يخرجون منه خروج السهم إذا نفذ من الصيد من جهة أخرى، ولم يتعلق به شيئ منهم". (شرح النووي على صحيح مسلم ٣/١٠٧) .
  3. حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الوهاب الثقفي قال: سمعت يحيى ابن سعيد يقول أخبره أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله.

    1. (٤)الرمية بفتح الراء وكسر الميم وتشديد التحتانية، أي الشيء الذي يرمى به ويطلق على الطريدة من الوحش إذا رماها الرامي، وهي فعيلة بمعنى مفعولة (فتح الباري ٦/٦١٨ و١٢/٢٨٨ و٢٨٩ وهدي الساري ص: ١٢٥ وشرح النووي على صحيح مسلم ٣/١٠٧ والنهاية لابن الأثير ٢/٢٦٨-٢٦٩) .
  4. ح- وحدثنا أبو بكر١ عن أبي شيبة حدثنا زيد٢ بن الحباب، حدثنا قرة٣ بن خالد حدثني أبو الزبير عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم غنائم، وساق الحديث٤.

    1. (١)هو عبد الله بن محمد.
    2. (٢)زيد بن الحباب - بضم المهملة وموحدتين -.
    3. (٣)قرة بن خالد - بضم القاف وتشديد الراء ثم هاء- السدوسي.
    4. (٤)مسلم: الصحيح ٢/٧٤٠ كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم.
    ج ١ ص ٣٧٩
  5. والحديث رواه أحمد والطبراني والبيهقي الجميع من طريق يحيى بن السعيد عن أبي الزبير به٥.

    1. (٥)أحمد المسند ٣/٣٥٣ والطبراني ٢/٢٠٠-٢٠١ والبيهقي دلائل النبوة ٣/٥٣أ.
  6. ورواه ابن ماجة والحميدي وابن الجارود كلهم من طريق سفيان ابن عيينة عن أبي الزبير به٦.

    1. (٦)ابن ماجة: السنن١/٦١ في المقدمة باب في ذكر الخوارج والحميدي المسند٢/٥٣٤ وابن الجارود: المنتقى ص ٣٦٣.
  7. ورواه أيضا أحمد من طريق معان٧ ابن رفاعة حدثنا أبو الزبير به٨.

    1. (٧)معان - بضم أوله وتخفيف المهملة أخره نون - ابن رفاعة السلامي بتخفيف اللام الشامي - لين الحديث، كثير الإرسال، من السابعة/ ق (التقريب ٢/٢٥٨ وتهذيب التهذيب ٦/٣٦٩ و١٠/٢٠١ وميزان اعتدال ٤/١٣٤. والخلاصة للخزرجي ٣/٨٢-٨٣ ووقع في المسند (معاذ) بالذال المعجمة وهو خطأ.)
    2. (٨)المسند ٣/٣٥٤-٣٥٥
  8. فقد روى هذا الحديث عن أبي الزبير يحيى بن سعيد الانصاري وعيينة ومعان بن رفاعة وقرة بن خالد كما هو عند مسلم٩ من طريق زيد بن الحباب عن قرة بن خالد عن أبي الزبير١٠.

    1. (٩)الحديث عند مسلم من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري ومن طريق قرة بن خالد كلاهما عن أبي الزبير.
    2. (١٠)تقدم في حديث ١٨٢
  9. ورواه البخاري عن مسلم بن إبراهيم وأحمد عن أبي عامر١١ والعقدي كلاهما عن قرة بن خالد عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله.

    1. (١١)هو عبد الملك بن عمرو القيسي، أبو عامر العقدي - بفتح المهملة والقاف- ثقة من التاسعة (ت ٢٠٤أو ٢٠٥) / ع التقريب ١/٥٢١ وتهذيب التهذيب ٦/٤٠٩ وتذكرة الحفاظ للذهبي ١/٣٤٧ والخلاصة للخزرجي ٢/١٧٨ وقد سقطت من تهذيب التهذيب علامة من أخرج له) .
  10. فقرة في هذا السند يروي عن عمرو بن دينار بدل أبي الزبير.

    ج ١ ص ٣٨٠
  11. وهذا سياق الحديث عند البخاري:

    قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا قرة بن خالد حدثنا عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم غنيمة بالجعرانة إذ قال له رجل: اعدل، فقال له: " شقيت إن لم أعدل " ١.

  12. ب- وفي حديث عبد الله بن مسعود عند البخاري ومسلم وغيرهما وهذا سياقه عند البخاري:

    ١٨٣- قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير٢ عن منصور عن أبي وائل عن عبد الله - رضي الله عنه - قال: لما كان يوم حنين آثر النبي صلى الله عليه وسلم أناسا٣ في القسمة: فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناسا من أشراف العرب فآثرهم يومئذ في القسمة، قال رجل: "والله إن هذه القسمة ما عدل فيها٤ وما أريد بها وجه الله فقلت والله لأخبرن النبي صلى الله عليه وسلم فأتيته فأخبرته٥، فقال: "فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟ "

    1. (٢)جرير: هو ابن عبد الحميد بن قرط. ومنصور: هو ابن معتمر. وأبو وائل: هو شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي.
    2. (٣)عند مسلم "ناسا".
    3. (٤)وعند مسلم "إن هذه لقسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه الله".
    4. (٥)عند مسلم "فأتيته فأخبرته بما قال، قال: فتغير وجهه حتى كان كالصرف ثم قال: "فمن يعدل" الخ.
    5. (١)البخاري: الصحيح ٤/٧٢ كتاب فرض الخمس، باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين إلخ. وأحمد: المسند ٣/٣٣٢. قال ابن حجر: "وقد خالف زيد بن الحباب مسلم بن إبراهيم فيه فقال: "عن قرة عن أبي الزبير" "بدل" عمرو بن دينار أخرجه مسلم، وسياقه أتم، ورواية البخاري أرجح فقد وافق شيخه على ذلك عن قرة عثمان بن عمر - هو ابن فارس - عند الإسماعيلي، والنضر بن شميل عند أبي نعيم، فاتفاق هؤلاء الحفاظ الثلاثة أرجح من انفراد زيد بن الحباب على ما في رواية هؤلاء كلهم عن قرة عن عمرو (فتح الباري ٦/٢٤٢-٢٤٣) . قلت: وكون الحديث عند قرة عن شيخين هو الظاهر بمعنى أن قرة روى الحديث عن أبي الزبير وعن "عمرو بن دينار" ويكون قد وافقه في روايته عن "أبي الزبير" ابن عيينة ويحيى بن سعيد ومعان بن رفاعة ووافقه في روايته عن (عمرو بن دينار) عثمان بن عمر والنضر بن شميل وأبو عامر العقدي.
  13. رحم١ الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر ".

    1. (١)عند مسلم "ثم قال: يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر" قال: قلت: "لا جرم لا أرفع إليه بعدها حديثا".
    ج ١ ص ٣٨١
  14. وأخرجاه من طريق حفص بن غياث حدثنا الأعمش٢ قال: سمعت شقيقا يقول: قال عبد الله: "قسم النبي صلى الله عليه وسلم قسمة - كبعض ما كان يقسم - فقال رجل من الأنصار ٣: والله إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله، قلت: أما٤ لأقولن للنبي صلى الله عليه وسلم فأتيته - وهو في بعض أصحابه - فساررته٥ فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وتغير وجهه وغضب حتى وددت أني لم أكن أخبرته، ثم قال: "قد أوذي موسى بأكثر من ذلك فصبر" ٦.

    1. (٢)الأعمش هو سليمان بن مهران.
    2. (٤)قوله (أما لأقولن) قال ابن حجر: "قال ابن التين: هي بتخفيف الميم ووقع في رواية (أما) بتشديدها، وليس ببين ثم قال ابن حجر قلت: "وقع للكشميهني "أم" بغير ألف وهو يؤيد التخفيف ويوجه التشديد على أن في الكلام حذفا تقديره أما إذا قلت: ذلك لأقولن" (فتح الباري ١٠/٥١٢) .
    3. (٥)عند مسلم "فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فساررته فغضب من ذلك غضبا شديدا واحمر وجهه حتى تمنيت أني لم أذكره له".
    4. (٣)قوله: "فقال رجل من الأنصار" قال ابن حجر: "وفي رواية الواقدي: أنه معتب بن قثير من بني عمرو بن عوف وكان من المنافقين، وفيه تعقب على مغلطاي حيث قال: لم أر أحداً قال إنه من الأنصار إلاّ ما وقع هنا، وجزم بأنه حرقوص بن زهير السعدي، وتبعه ابن الملقن وأخطأ في ذلك فإن قصة حرقوص غير هذه كما سيأتي قريبا من حديث أبي سعيد الخدري" اهـ. (فتح الباري ٨/٥٦ و٦٩ و١٠/٥١٢ و١١/١٣٨ و١٢/٢٩٢، وانظر: مغازي الواقدي ٣/٩٤٩ والروض الانف ٧/٢٨٩ وانظر الحديث رقم (٢٠٦) وقد ذكر ابن حجر معتب بن قشير في الإصابة ٣/٤٤٣ فقال قيل إنه كان منافقا، وقيل إنه تاب، وقد ذكره ابن إسحاق فيمن شهد بدرا.) .
    5. (٦)البخاري: الصحيح ٤/٧٥ كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس الخ. و٥/١٣١ كتاب المغازي، باب غزوة الطائف، و٨/٢٢ كتاب الأدب باب الصبر على الأذى، والأدب المفرد ص ١٤١ واللفظ له. ومسلم: الصحيح ٢/٧٣٩ كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوى إيمانه. قال ابن حجر: "وفي الحديث جواز إخبار الإمام وأهل الفضل بما يقال فيهم مما لا يليق بهم ليحذورا القائل، وفيه بيان ما يباح من الغيبة والنميمة لأن صورتها موجودة في صنيع ابن مسعود هذا، ولم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أن قصد ابن مسعود كان نصح النبي صلى الله عليه وسلم وإعلامه بمن يطعن فيه ممن يظهر الإسلام ويبطن النفاق ليحذر منه، وهذا جائز كما يجوز التجسس على الكفار ليؤمن من كيدهم، وقد ارتكب الرجل المذكور بما قال إثما عظيما فلم يكن له حرمة. وفيه أن أهل الفضل قد يغيظهم ما يقال فيهم مما ليس فيهم، ومع ذلك فيتلقون ذلك بالصبر والحلم كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم اقتداء بموسى - عليه السلام -. وأشار بقوله صلى الله عليه وسلم: "قد أوذي أوذي أخي موسى بأكثر من ذلك فصبر" إلى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى} . قد حكي في صفة أذاهم له ثلاث قصص: إحداها: قولهم هو آدر وذلك أن اليهود كانوا يغتسلون عراة يرى أحد بعضهم عورة بعض وكان موسى - عليه السلام - حييا لا يحب أن يرى أحد عورته فاتهموه لأنه آدر. الثانية: إتهامهم له بقتل هارون وذلك أنه توجه معه إلى زيارة فمات هارون فدفنه موسى، فطعن فيه بعض بني إسرائيل وقالوا: أنت قتلته. الثالثة: إتهامهم له بانه زنى بامرأة وذلك بتواطئ قارون مع بني إسرائيل، حتى يقام عليه الحد فيرجم حتى يموت فيستريحوا منه، وقد برأه الله مما قالوا فيه من زور وبهتان". (انظر فتح الباري ٦/٤٣٨ز٤٤٨ و ٨/٥٦ و١٠/٤٧٦و٥١٢) .
  15. والحديث رواه البخاري أيضا من طريق سفيان الثوري، ومن طريق أبي حمزة السكري محمد بن ميمون، ومن طريق شعبة بن الحجاج الجميع عن الأعمش به١.

    1. (١)البخاري: الصحيح ٤/١٢٥ كتاب أحاديث الأنبياء. و٥/١٣١كتاب المغازي، باب غزوة الطائف، و٨/١٦ كتاب الأدب، باب من أخبر صاحبه بما يقال فيه، و٨/٥٤-٥٥ كتاب الاستذان، باب إذا كانوا أكثر من ثلاثة فلا بأس بالمسارة والمناجاة، و٨/٦٢ كتاب الدعوات، باب قوله الله تعالى (وصل عليهم) .
    ج ١ ص ٣٨٢
  16. ورواه أحمد عن أبي معاوية الضرير محمد بن خازم عن الأعمش به. ومن طريق شعبة عن الأعمش به٢.

    1. (٢)أحمد المسند: ١/٣٨٠ و٤١١ و٤٤١، ورواه أيضا أبو يعلى في مسنده ٥/٤٧٠-٤٧١ ب - أو٥/٤٧٩ أرقم ٣٠٥، والبيهقي دلائل النبوة ٣/٥٢ ب.
  17. كما رواه أيضا من طريق عاصم بن بهدلة عن أبي وائل، ولفظه يخالف ما تقدم بعض المخالفة وهذا سياقه: حدثنا يونس، حدّثنا حماد - يعني ابن زيد عن عاصم٣ عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال: لما قسم رسول الله غنائم حنين بالجعرانة، ازدحموا عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن عبدا من عباد الله بعثه الله إلى قومه فضربوه وشجوه٤، قال: فجعل يمسح الدم عن جبهته ويقول: رب اغفر لقومي إنهم لا يعلمون" قال عبد الله كأني انظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح الدم عن جبهته يحكي الرجل ويقول: "رب اعفر لقومي إنهم لا يعلمون" .

    1. (٣)عاصم بن بهدلة بن أبي النجود الأسدي مولاهم الكوفي، أبو بكر المقرئ، صدوق له أوهام حجة في القراءة وقال الذهبي هو حسن الحديث وقد تقدم في حديث١١٩.
    2. (٤)الشج مختص من الجراح بالرأس والوجه (هدي الساري ص ١٣٧) .
  18. حدثنا عفان ثنا حماد بن سلمة قال أنا عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: تكلم رجل من الأنصار كلمة فيها موجدة على النبي صلى الله عليه وسلم فلم تقرني نفسي أن أخبرت بها النبي صلى الله عليه وسلم، فلوددت أني افتديت منها بكل أهل ومال، فقال: "قد آذوا

    ج ١ ص ٣٨٣موسى - عليه الصلاة والسلام - أكثر من ذلك فصبر، ثم أخبر أن نبيا كذبه قومه وشجوه حين جاءهم بأمر الله، فقال وهو يمسح الدم عن وجهه "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" ١.

  19. ج- ما أخرجه ابن إسحاق من حديث عبد الله بن عمرو وهذا سياقه:

    ١٨٤- قال: حدثني أبو عبيدة ٢ بن محمد بن عمار بن يسار عن مقسم٣ أبي

    ج ١ ص ٣٨٤القاسم، مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: خرجت أنا وتليد١ بن كلاب الليثي حتى أتينا عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو يطوف بالبيت معلقا نعله٢ بيده، فقلنا له: هل حضرت رسول الله حين كلمه التميمي٣ يوم حنين؟

    قال: "نعم جاء رجل من بني تميم، يقال له ذو الخويصرة٤، فوقف عليه وهو

    ج ١ ص ٣٨٥يعطي الناس، فقال: يا محمد، قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أجل١ كيف رأيت؟ فقال: لم أرك عدلت، قال: " فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: "ويحك! ٢ إذا لم يكن العدل عندي، فعند من يكون! " فقال عمر بن الخطاب يا رسول الله ألا أقتله؟ فقال: "لا دعه فإنه سيكون له شيعة يتعمقون٣ في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية، ينظر في النصل٤، فلا يوجد شيء، ثم في القدح٥،

    ج ١ ص ٣٨٦فلا يوجد شيء ثم في الفوق١، فلا يوجد شيء، سبق الفرث٢ والدم " ٣.

    1. (٣)مقسم قال عنه ابن حجر في التقريب ٢/٢٧٣: صدوق وكان يرسل وفي التهذيب التهذيب ١٠/٢٨٨-٢٨٩. وثقه أحمد بن صالح المصري والعجلي ويعقوب بن سفيان والدارقطني. وقال أبو حاتم: صالح الحديث لا بأس به. وضعفه ابن سعد والساجي وابن حزم. ورمز له الذهبي في ميزان الاعتدال ٤/١٧٦ (بصح) إشارة إلى توثيقه، ثم قال: والعجب من أن البخاري أخرج له في صحيحه، وذكره في كتاب الضعفاء فساق له حديث شعبة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس: "احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وهو صائم" ثم روى عن شعبة أن الحكم لم يسمع من مقسم حديث الحجامة. وانظر: التاريخ للبخاري ص: ١٣٣-١٣٤ وقد تقدمت ترجمة مقسم في حديثها (٧٥) .
    2. (١)مسند أحمد ١/٤٥٣ و ٤٥٦ وفي الصحيحين من طريق الأعمش حدثني شقيق قال: قال عبد الله: كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه، فهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: "رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" لفظ البخاري. (صحيح البخاري ٩/١٤ كتاب استتابة المرتدين) باب (٥) . وصحيح مسلم ٣/١٤١٧ كتاب الجهاد والسير باب غزوة أحد. قال النووي: "قوله (يحكى نبيا من الأنبياء الخ) فيه ما كانوا عليه صلوات الله وسلامه عليهم من الحلم والتصبر، والعفو والشفقة على قومهم، ودعائهم لهم بالهداية والغفران وعذرهم في جنايتهم على أنفسهم بأنهم لا يعلمون وهذا النبي المشار إليه من المتقدمين، وقد جرى لنبينا صلى الله عليه وسلم مثل هذا في أحد" (شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٤٣٤) وأشار ابن حجر إلى ما حصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد، ثم قال: وعند أحمد من رواية عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم قال نحو ذلك يوم حنين لما ازدحموا عليه عند قسمة الغنائم". (فتح الباري ١٢/٢٨٢) ، وعلى هذا فتكون هذه الحكاية حصلت في غزوة أحد، وفي غزوة حنين.
    3. (٢)كذا في الحديث: (أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر) والحديث عند أحمد في المسند ٢/٢١٩ من طريق ابن إسحاق وفي نهاية الحديث قال عبد الله بن أحمد: أبو عبيدة اسمه محمد وهو ثقة، وأخوه سلمة بن محمد ابن عمار لم يرو عنه الأعلى بن زيد، ولا يعلم خبره. ومقسم ليس به بأس ولهذا الحديث طرق في هذا المعنى وطرق أخر في هذا المعنى صحاح قلت: وقد وثق أبا عبيدة ابن معين وقال أبو حاتم: منكر الحديث وعقب الذهبي عليه بقوله: قلت: صدوق إن شاء الله، وختم ترجمته بقوله: وثقه غير واحد. (ميزان الاعتدال ٤/٥٤٩) . أما ابن حجر فقال عنه في التقريب٢/٤٤٨: أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، أخو سلمة، وقيل هما واحد "مقبول" من الرابعة / ع (انظر تهذيب التهذيب ١٢/١٦٠-١٦١) . وعلى كل فإن أبا عبيدة يكون من رجال الحسن على أقل تقدير وقد حسن هذا الحديث ابن حجر نفسه في فتح الباري ١٢/٢٩١.
    4. (١)تليد بن كلاب الليثي، ذكره ابن حجر في الإصابة ١/١٨٨-١٨٩ في القسم الرابع فيمن ذكر في الصحابة على سبيل التصحيف والغلط، وقال: استدركه الذهبي في التجريد، فقال حديثه في مسند أحمد في قول ذي الخويصرة "اعدل". رواه ابن إسحاق عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار عن مقسم عن رجل عنه، ثم عقب ابن حجر على قول الذهبي هذا بقوله قلت: والحديث المذكور وقع في مسند عبد الله بن عمرو بن العاص من مسند أحمد، وليس لتليد بن كلاب فيه رواية، بل له فيه مجرد ذكر. ثم ساق حديث الباب عن أحمد من طريق ابن إسحاق، ثم قال: وكذا أخرجه الطبراني في المعجم الكبير في مسند عبد الله بن عمرو بن العاص وقد تبين أن مقسما أخذ هذا الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص مشافهة، وليس في السياق ما يقتضي أن يكون لتليد بن كلاب صحبة ولا له فيه رواية.
    5. (٢)عند أحمد والطبري "معلقا نعليه".
    6. (٣)عند أحمد (حين يكلمه) .
    7. (٤)جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري: أن علي بن أبي طالب بعث من اليمن بذهبية فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أربعة نفر: بين عيينة والأقرع بن حابس وزيد الخيل، وعلقمة بن علاثة. فقال ذو الخويصرة رجل من بني تميم، يا رسول الله اعدل، قال: "ويلك من يعدل إذا لم أعدل" فقال عمر: ائذن لي فلأضرب عنقه "قال: "لا، إن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية" الحديث. قال ابن حجر: "تنبيه: هذه غير القصة المتقدمة في غزوة حنين وقد وهم من خلطها بها". ثم قال: "ولمسلم من حديث جابر بن عبد الله نحو حديث أبي سعيد وفيه فقال: عمر: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق، فقال: "معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم"، يمرقون منه، لكن القصة التي في حديث جابر صرح في حديثه بأنها كانت منصرف النبي صلى الله عليه وسلم من الجعرانة، وكان ذلك في ذي القعدة سنة ثمان، وكان الذي قسمه النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ فضة كانت في ثوب بلال، وكان يعطي كل ما جاء منها". والقصة التي في حديث أبي سعيد صرح في رواية ابن أبي نعيم عنه أنها كانت بعد بعث عليّ إلى اليمن، وكان ذلك في سنة تسع، وكان المقسوم فيها ذهبا وخص به أربع أنفس، فهما قصتان في وقتين اتفق في كل منهما إنكار القائل، وصرح في حديث أبي سعيد أنه ذو الخويصرة التميمي ولم يسم القائل في حديث جابر ووهم من سماه ذا الخويصرة ظانا إتحاد القصتين. ووجدت لحديث جابر شاهدا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتاه رجل يوم حنين وهو يقسم شيئا، فقال: يا محمد اعدل، ولم يسم الرجل أيضا. وسماه محمد بن إسحاق بسند حسن عن عبد الله بن عمرو بن العاص وأخرجه أحمد والطبري أيضا ولفظه: أتي ذو الخويصرة التميمي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم الغنائم بحنين فقال: يا محمد اعدل، فذكر نحو هذا الحديث المذكور، فيمكن أن يكون تكرر ذلك منه في الموضعين عند قسمة الغنائم حنين وعند قسمة الذهب الذي بعثه علي فظهر أن المعترض في الموضعين واحد إهـ. (فتح الباري ٨/٦٨ و١٢/٢٩١ و٢٩٣ بتصرف، وحديث أبي سعيد في البخاري ٤/١٠٩ و١٥٩-١٦٠ و٥/١٣٤ و٦/٥٦ و١٦٢ و٨/٣٢ و١٥ و١٠٢ و١٣٠، ومسلم: الصحيح ٢/٧٤١-٧٤٦، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج. والروايات الواردة في هذا الباب جاء فيها بأن القائل لرسول الله صلى الله عليه وسلم "لعدل" أنه رجل، وفي بعضها رجل من بني تميم وفي بعضها ذو الخويصرة التميمي، وفي بعضها ابن ذي الخويصرة التميمي وفي بعضها عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي، وقد اتفقت جميعها بأنه تميمي، وجاء عن الثعلبي ومن طريقه أخرجه الواحدي في أسباب النُّزول، فقال: ابن ذي الخويصرة التميمي وهو حرقوص بن زهير أصل الخوارج. وكذا جاء عند أبي يعلى من طريق أفلح بن عبد الله بن المغيرة. قال ابن حجر: "وما أدري من الذي قال هو حرقوص، وقد اعتمد على ذلك ابن الأثير، فترجم لذي الخويصرة في الصحابة، ثم ذكر رواية الثعلبي وقال في نهايتها: فقد جعل في هذه الرواية اسم ذي الخويصرة حرقوها". والله أعلم قال ابن حجر: "وقد زعم بعضهم بأنه ذو الثدية وليس كذلك، وأكثر ما جاء ذكر هذا القائل في الأحاديث مبهما، ووصف بأنه مشرف الوجنتين غائر العينين ناشز الجبهة محلوق الرأس. الخ اهـ. والخلاصة: أن تسمية القائل حرقوصا، جاء في رواية الثعلبي وقد قال ابن تيمية: الثعلبي: في نفسه خير ودين ولكنه حاطب ليل وقال ابن كثير: يوجد في كتبه من الغرائب شيء كثير". وأما رواية أبي يعلى فإن فيها أبا معشر السندي، وهو ضعيف وأيضا فإن أفلح بن عبد الله قد روى هذا الحديث عن الزهري، فقال عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود عن أبي سعيد الخدري، بينما رواه عن الزهري معمر وشعيب فقالا: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري، ورواه الأوزاعي عن الزهري فقال فيه عن أبي سلمة الضحاك المشرقي عن أبي سعيد الخدري، ولذا فقد قال ابن حجر: وقد شذ أفلح بن عبد الله بن المغيرة عن الزهري، فروى هذا الحديث عنه فقال عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة عن أبي سعيد الخدري، أخرجه أبو يعلى. (انظر فتح الباري١٢/٢٩٢بتصرف، وأسد الغابة٢/١٧٢والبداية النهاية لابن كثير ١٢/٤٠ والتبيان في علوم القرآن للصابوني ص:٢١١ وأسباب النزول للواحدي ص:١٦٧ ومسند أبي يعلى١/١١٩ و٢/١٢٠ رقم ٣٠١ ومجمع الزوائد٦/٢٣٤.
    8. (١)أجل: بفتحتين: حرف جواب بمعنى "نعم".
    9. (٣)يتعمقون في الدين: التعمق: التنطع والتعمق البعيد الغور الغالي في القصد المتشدد في الأمر الذي يطلب أقصى غايته.
    10. (٤)النصل: حديدة السهم والرمح.
    11. (٥)القدح: بالكسر السهم قبل أم يراش وينصل جمعه قداح وأقاديح.
    12. (٢)ويحك: كلمة زجر لمن أشرف على هلكة.
    13. (١)الفوق: طرف السهم الذي يباشر الوتر.
    14. (٢)الفرث: ما يوجد في الكرش (النهاية ١/٢٦ و٣/٢٩٩ و٤٨٠ و٤/٢٠ و٥/٦٧ والقاموس المحيط ١/١٧١ و٢٤١ و٢٥٦ و٣/٢٦٨ و٢٧٨، و٣٢٧ و٤/٥٧ وهدي الساري ص ٧٥ و١٦٠ و١٦٦ و١٧٠ و١٩٥ و٢٠٧. قال ابن حجر: "في معنى الحديث: أي يخرجون من الإسلام بغتة كخروج السهم إذا رماه رام قوي الساعد فأصاب ما رماه فنفذ منه بسرعة بحيث لا يعلق بالسهم ولا بشيء منه من المرمى شيء فإذا التمس الرامي سهمه وجده ولم يجد الذي رماه فينظر في السهم ليعرف هل أصاب أو أخطأ فإذا لم يره علق فيه شيء من الدم ولا غيره ظن أنه لم يصبه والفرض أنه أصابه، وإلى ذلك أشار بقوله "سبق الفرث والدم" أي: جاوزهما ولم يتعلق فيه منهما شيء، بل خرجا بعده" (فتح الباري ٦/٦١٨ و ١٢/٢٩٤) .
  20. والحديث رواه أحمد والطبري والبيهقي الجميع من طريق ابن إسحاق به٤.

    1. (٤)أحمد: المسند ٢/٢١٩ والطبري: تاريخ الرسل والملوك ٣/٩٢. والبيهقي: دلائل النبوة ٣/٥٣ أ.
  21. وأورده الهيثمي ثم قال: "رواه أحمد والطبراني باختصار ورجال أحمد ثقات "٥.

    وقال ابن حجر: "بسند حسن "٦.

    ثم قال ابن إسحاق: "وحدثني محمد٧ بن علي بن الحسين أبو جعفر بمثل حديث أبي عبيد وسماه ذا الخويصرة".

    1. (٧)هو الباقر ثقة فاضل تقدم في حديث (١٩) .
  22. وحدثني عبد الله٨ بن أبي نجيح عن أبيه٩ بمثل ذلك١٠.

    1. (٨)عبد الله بن أبي نجيح، يسار المكي، أبو يسار الثقفي مولاهم ثقة رمي بالقدر، وربما دلس، من السادسة (ت ١٣١تو بعدها) / ع (التقريب ١/٤٥٦ وتهذيب التهذيب ٦/٥٤) .
    2. (٩)هو يسار المكي، أبو نجيح مولى ثقيف، مشهور بكنيته، ثقة من الثالثة وهو والد عبد الله بن أبي نجيح (ت١٠٩) / م د ت س (التقريب ٢/٢٧٤ وتهذيب التهذيب ١١/٣٧٧) .
    3. (١٠)سيرة ابن هشام ٢/٤٩٧ والروض الأنف ٧/٢٥١ وتاريخ الرسل الملوك ٣/٩٢.
  23. ومما مضى من الأحاديث يتبين لنا جفاء من صدر منه هذا القول السيء وخبث طويته حيث خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم ذلك الخطاب اللاذع المملوء بالحقد والغلظة والشراسة، كما يتضح لنا جليا حلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحمله لملاقاة هذا القول وغيره إقتداء بسلفه

    ج ١ ص ٣٨٧الصالح من الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: "رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر" إن صفة الصبر والحلم من أبرز الصفات التي يجب أن تتوافر في المسلم اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ذلك أن طريق الدعوة إلى الإسلام محفوف بالمكاره والمصاعب، فالإيذاء والبطش والاتهام والتعيير والسخرية، كلها من العقبات التي تزدحم في وجه العاملين الدائبين في الدعوة إلى الله عز وجل، كي تثبط هممهم وتشل حركتهم وتصرفهم عن الدعوة إلى الله.

    1. (٣)سيرة ابن هشام ٢/٤٩٦ والروض الأنف ٧/٢٥١ والبداية والنهاية ٤/٣٦٢.
    2. (٥)مجمع الزوائد ٦/٢٢٧-٢٢٨.
    3. (٦)فتح الباري ١٢/٢٩١.
  24. ومن هنا فإن مهمة الداعية أن يتحمل ما يقال له من لذعات وسخرية وأن يقابل ذلك بالصبر والحلم، ولهذا كانت التوجيهات القرآنية والنبوية تفيض بالحث على التحلى بالصبر والحلم والأناة، وفي هذه الحادثة بالذات نرى كيف قابل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك القول السيّئ "يا محمد اعدل لم أرك عدلت" كان مقتضى ذلك قتله ولكن رسول صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك، واكتفى بقوله: "ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل" .

    ثم قال: "رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر" .

  25. ولقد قال بعض الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ائذن لي في قتل هذا المنافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي" .

  26. ذلك أن هذا القائل معدود في الصحابة، فلو أمر بقتله لقال الذي لا يعرف حقيقة الأمر إن محمدا يقتل أصحابه فكان في ذلك تنفير الناس عن الدخول في الإسلام، وتشويه سمعته، ولعل هذا وجه الحكمة في عدم معاقبة هذا القائل مع تصريحه بما يوجب قتله وإخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن له أصحابا يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.

  27. وقد بوب البخاري بقوله: "باب من ترك قتال الخوارج للتآلف ولئلا ينفر الناس عنه" ثم ساق حديث أبي سعيد الخدري١.

    قال ابن حجر: "في أثناء شرحه للحديث، قوله: " فإن له أصحابا " " هذا ظاهره أن ترك الأمر بقتله بسبب أن له أصحابا" بالصفة المذكورة، وهذا لا يقتضي ترك قتله مع ما أظهره من مواجهة النبي صلى الله عليه وسلم بما واجهه.

    1. (١)الصحيح ٩/١٥ كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم.
  28. فيحتمل أن يكون لمصلحة التألف كما فهمه البخاري، لأنه وصفهم بالمبالغة في العبادة مع إظهار الإسلام، فلو أذن في قتلهم لكان ذلك تنفيرا عن دخول غيرهم في الإسلام١.اهـ.

    وقال المارزي: "وجه الحكمة في ترك قتل هذا القائل: يحتمل أن يكون لم يفهم منه الطعن في النبوة، وإنما نسبه إلى ترك العدل في القسمة، والمعاصي ضربان: كبائر وصغائر، فهو صلى الله عليه وسلم معصوم من الكبائر بالإجماع، واختلفوا في الصغائر، ومن جوزها منع من إضافتها إلى الأنبياء على طريق التنقيص، وحينئذ فلعله صلى الله عليه وسلم لم يعقب هذا القائل: لأنه لم يثبت عليه ذلك، وإنما نقله عنه واحد، وشهادة الواحد لا يراق بها الدم" ٢.

    1. (١)فتح الباري ١٢/٢٩٣.
    ج ١ ص ٣٨٨
  29. وقد رد هذا القاضي عياض بقوله:

    "هذا التأول باطل يدفعه قوله " اعدل يا محمد " " واتق الله يا محمد " وخاطبه خطاب المواجهة بحضرة الملأ حتى استأذن عمر بن الخطاب، وخالد بن الوليد النبي صلى الله عليه وسلم في قتله، فقال: " معاذ الله أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه " فهذه هي العلة، وسلك معه مسلكه مع غيره من المنافقين الذين آذوه، وسمع منهم في غير موطن ما كرهه، لكنه صبر استبقاء لانقيادهم وتأليفاً لغيرهم، لئلا يتحدث الناس أنه يقتل أصحابه فينفروا، وقد رأى الناس هذا الصنف في جماعتهم وعدوه من جملتهم" ٣اهـ.

  30. والخلاف طويل في تكفير الخوارج وقتالهم، وليس هذا محله وقد ذكرنا ما يتطلبه المقام.

  31. وأورد ابن تيمية اعتراض هذا المعترض على قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم واستئذان عمر بن الخطاب في قتله، وجواب الرسول صلى الله عليه وسلم له بقوله: "معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي" .

    ج ١ ص ٣٨٩ثم قال: "فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمنع عمر من قتله إلا لئلا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، ولم يمنعه لكونه في نفسه معصوماً كما قال في حديث حاطب بن أبي بلتعة عندما كتب لأهل مكة: يخبرهم بغزو الرسول صلى الله عليه وسلم لهم، فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: " إنه شهد بدرا وما يدرك لعل الله اطلع على أهل بدر " فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" .

    1. (٢)شرح النووي على صحيح مسلم ٣/١٠٦.
    2. (٣)شرح النووي على صحيح مسلم ٣/١٠٦.
  32. فبيّن صلى الله عليه وسلم أنه باق على إيمانه، وأنه صدر منه ما يغفر له الذنوب فعلم أن دمه معصوم، وهنا علل بمفسدة زالت فعلم أن قتل مثل هذا القائل في غزوة حنين إذا أمنت هذه المفسدة جائز.

    ثم قال: "ومما يشبه هذا أن عبد الله بن أبي لما قال: " لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل " استأمر عمر في قتله فقال: " إذن ترعد له أنوف كثيرة بالمدينة " وقال: " لا يتحدث الناس أنّ محمداً يقتل أصحابه".

  33. فعلم أن من آذى النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الكلام جاز قتله كذلك مع القدرة، وإنما ترك النبي صلى الله عليه وسلم قتله لما خيف في قتله من نفور الناس عن الإسلام لما كان ضعيفاً١.

    1. (١)ابن تيمية: الصارم المسلول على شاتم الرسول ص ١٧٨-١٧٩ بتصرف، وانظر: قصة حاطب وعبد الله بن أبي غزوة بني المصطلق ص ١٧٢ و١٨٤ و١٨٧ و١٨٩، وحاشية ص ٢١١ تعليقة (٦) من غزوة بني المصطلق أيضاً.