المبحث الرابع: في بيان حكمة توزيع الغنائم على قوم دون آخرين
٧٦ فقرة، ج ١ ص ٣٩٠
الصفحة ١ من ٢
- ج ١ ص ٣٩٠
في نهاية غزوة حنين وزع رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم بطريقة لم تكن مألوفة للصحابة من قبل، فقد خص صلى الله عليه وسلم المؤلفة قلوبهم بالحظ الأوفر من هذه الغنائم.
-
ولقد أحدث ذلك التقسيم في نفوس أجلاء الصحابة تساؤلا فيما بينهم وعجب بعض مشاهير الصحابة من ذلك الأسلوب الذي اتبع في توزيع غنائم حنين وظن بعض الصحابة أن في ذلك حرمانا لهم وهم القاعدة الصلبة التي تحطمت عليها جحافل الشرك في الغزوات كلها ومنها غزوة حنين، ولم يكن أولئك المؤلفة قلوبهم ومن شاكلتهم ليبلغوا معشار ما بلغه مشاهير الصحابة من النجدة والجهاد والصمود في وجوه أعداء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومن هنا كان لا بد للباحث أن يبين الحكمة في توزيع غنائم حنين خاصة إذا ظهر أنها قد خفيت على أولئك العظماء من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم تظهر لهم إلا بعد أن بين لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه الحكمة من ذلك، فاستبانوا الأمر وزال عنهم الإشكال، وسوف نمضي سياق النصوص الواردة في هذا الصدد لندرك من خلال التأمل والتدبر فيها وجه الحكمة في توزيع الغنائم ويزول الإشكال الذي عبر عنه بعض الأنصار بقولهم: "إن هذا لهو العجب إن سيوفنا تقطر من دمائهم وإن غنائمنا ترد عليهم" ١.
-
لقد حظي بهذه الغنائم الطلقاء والأعراب والرؤساء الذين يحملون الحقد للإسلام ونبي الإسلام والذين كانوا من جملة الأسباب في هزيمة المسلمين في بداية المعركة فقد جاء في حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجرا فكان معها، فرآها أبو طلحة فقال: يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر! ٢، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما هذا الخنجر" ؟ قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه، فجعل رسول الله يضحك، قالت: يا رسول الله
ج ١ ص ٣٩١اقتل من بعدنا من الطلقاء انهزموا بك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أم سليم إن الله قد كفى وأحسن" وفي حديثه أيضا قال: "افتتحنا مكة ثم إنا غزونا حنينا" الحديث وفيه: "ونحن بشر كثير قد بلغنا ستة آلاف، وعلى مجنبة خيلنا خالد بن الوليد، وقال: فجعلت خلينا تلوي خلف ظهورنا فلم نلبث أن انكشفت خيلنا وفرت الأعراب ومن نعلم من الناس" ١.
- (١)انظر: ٤١٩-٤٢٠ من مبحث موقف الأنصار من توزيع الغنائم تحت الحديث ٢٠٣.
- (٢)تقدم تخريجه برقم (٤٧) و (٦٠) .
-
وفي حديث صفوان بن أمية - رضي الله عنه - عند مسلم والترمذي وغيرهما وهذا سياق الترمذي:
١٨٥- "حدثنا الحسن٢ بن علي الخلال أخبرنا يحيى٣ بن آدم عن ابن المبارك٤ عن يونس٥ عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن صفوان بن أمية قال: " أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وإنه لأبغض الخلق إلي، فمازال يعطيني حتى أنه لأحب الخلق إلي ".
قال أبو عيسى: "حدثني بن علي بهذا أو شبهه ".
ثم قال: حديث صفوان: "رواه معمر وغيره عن الزهري عن سعيد ابن المسيب أن صفوان بن أمية قال: أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأن هذا الحديث أصح وأشبه، إنما سعيد بن المسيب أن صفوان بن أمية "٦.
- (٢)هو الحرواني ثقة حافظ.
- (٣)هو ابن سليمان الكوفي أبو زكريا مولى بني أمية ثقة حافظ.
- (٤)هو عبد الله بن المبارك، ثقة ثبت.
- (٥)هو ابن يزيد الأيلي ثقة، إلا أنه في روايته عن الزهري وهما قليلا، قاله ابن حجر في التقريب ٢/٣٨٦.
-
وعند مسلم عن ابن شهاب قال: "غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة الفتح فتح مكة، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من المسلمين فاقتتلوا بحنين، فنصر الله دينه والمسلمين وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ صفوان بن أمية مائة من النعم، ثم مائة، ثم مائة" ٧.
ج ١ ص ٣٩٢قال ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب أن صفوان قال: "والله! لقد أعطاني١ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إلي فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي" ٢.
- (١)تقدم تخريجه برقم (٤٦) .
- (٦)الترمذي: السنن ٢/٨٨ كتاب الزكاة باب ما جاء في إعطاء المؤلفة قلوبهم.
- (٧)وعند الواقدي: "ويقال إن صفوان طاف مع النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يتصفح الغنائم إذ مر بشعب مما أفاء الله عليه، وفيه غنم وإبل ورعاؤها مملوء فأعجب صفوان، وجعل ينظر إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعجبك يا أبا وهب هذا الشعب؟ قال: نعم، قال: هو لك وما فيه. فقال صفوان: أشهد ما طابت بهذا نفس أحد قط، إلا نبي وأشهد أنك رسول الله (مغازي الواقدي ٣/٩٤٦) . وانظر: أنساب الأشراف للبلاذري ص ٣٦٢.
- (١)وعند أحمد: "أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وإنه لأبغض الناس إلي فمازال يعطيني حتى صار وإنه لأحب الناس إلي". وعند ابن سعد: "لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، وإنه لمن أبغض الناس إليّ، فما زال يعطيني حتى إنه لمن أحبّ الناس إليّ".
-
والحديث عند الترمذي وابن سعد وأحمد والطبراني بلفظ عن سعيد بن المسيب "عن صفوان بن أمية" وظاهره الاتصال وعند مسلم والفسوي وابن عبد البر والبيهقي: "أن صفون بن أمية" ٣ وظاهره الانقطاع بين "سعيد بن المسيب وصفوان بن أمية" .
-
وقد رجح الترمذي الأخير.
- (٢)مسلم: الصحيح ٤/١٨٠٦كتاب الفضائل، باب ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط فقال: "لا وكثرة عطائه ". والترمذي: السنن ٢/٨٨ كتاب الزكاة، باب ماجاء في إعطاء المؤلفة قلوبهم. وابن سعد: الطبقات الكبرى ٥/٤٤٩ والطبراني المعجم الكبير ٨/٦٠ وأحمد: المسند ٣/٤٠١ و٦/٤٦٥ وقد رواه بسندين: الأول: قال حدثنا زكريا بن عدي عن سعيد بن المسيب عن صفوان بن أمية به. والثاني: حدثنا زكريا بن عدي قال أنا ابن المبارك عن يونس عن الزهري عن سعيد ابن المسيب عن صفوان بن أمية به. ففي سند أحمد الأوّل زكريا بن عدي عن سعيد بن المسيب مباشرة، وفي السند الثاني بينه وبين سعيد بن المسيب ثلاثة من الرواة، وبهذا يكون قد سقط من السند الأوّل ثلاثة من الرواة. وأيضاً فقد ذكر ابن حجر في تقريبه: سعيد بن المسيب من كبار الطبقة الثانية وزكريا في كبار العاشرة، فبينهما ثمان طبقات (انظر: التقريب ١/٢٦١و٣٠٥) .
- (٣)الفسوي: المعرفة والتاريخ ١/٣٠٩ وابن عبد البر: الشفا ١/١٢٣، والبيهقي: السنن الكبرى ٧/١٩. وحديث صفوان هذا نسبه الزرقاني في شرح المواهب اللدنية ٣/٣٧ للبخاري ومسلم ونسبه السفاريني في شرح ثلاثيات مسند أحمد ٢/٢٨-٢٩، للبخاري دون مسلم، والظاهر أن نسبته للبخاري خطأ وإنما هو عند مسلم عن أبي الطاهر، وأحمد ابن عمرو بن السرح أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب، وقد نسبه ابن الجوزي والمزي والنابلسي لمسلم دون البخاري. انظر: تحفة الأشراف للمزي ٤/١٨٩، حديث (٤٩٤٤) . وذخائر المواريث للنابلسي ١/٢٧٠ حديث (٢٤٢٣) وتلقيح فهوم أهل الأثر لابن الجوزي ص ٣٩٤. والحديث رواه الطبري أيضا في جامع البيان ١٠/١٦٢ من طريق معمر عن الزهري قال: قال صفوان بن أمية الخ بإسقاط "سعيد بن المسيب".
- ج ١ ص ٣٩٣
وأيده ابن العربي في عارضة الأحوذي حيث قال: الصحيح من هذا عن سعيد بن المسيب أن صفوان بن أمية؛ لأن سعيدا لم يسمع من صفوان شيئا وإنما يقول الراوي فلان عن فلان إذا سمع شيئا ولو حديثاً واحداً، فيحمل سائر الأحاديث التي سمعها من واسطة عنه على العنعنة، فأما إذا لم يسمع منه شيئا فلا سبيل إلى أن يحدث عنه لا بعنعنة ولا بغيرها١. اهـ.
- (١)انظر: المباركفوري: تحفة الأحوذي ٣/٣٣٥ والألباني: تخريج أحاديث فقه السيرة للغزالي ص ٤٢٧-٤٢٨.
-
إن هذا العطاء الجزيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم للمؤلفة قلوبهم وغيرهم ليدل على علو نفسه وغزارة جوده وعظيم سخائه، ومعرفته الكاملة بالدواء الذي يحسم الداء من أصله.
-
إن الحكمة والسياسة العادلة في هذا العطاء لأقوام دون آخرين هي إنقاذ أناس من النار بحطام زائل من الدنيا، ووكل آخرين إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، والإيمان واليقين، ويدل على هذا حديث عمرو ابن تغلب عند البخاري وأحمد وغيرهما وهذا سياقه عند البخاري:
١٨٦- حدثنا محمد٢ بن معمر قال حدثنا أبو عاصم٣ عن جرير بن حازم، قال سمعت الحسن٤ يقول حدثنا عمرو٥ بن تغلب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي٦ بمال أو سبي٧ فقسمه، فأعطى رجالا وترك رجالا فبلغه أن الذين ترك عتبوا٨، فحمد٩ الله ثم أثنى عليه ثم قال: "أما بعد: فوالله إني لأعطي الرجل وأدع الرجل، والذي أدع
ج ١ ص ٣٩٤أحب إلي من الذي أعطي ولكن أعطي أقواما لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع١ وأكل أقواما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى٢ والخير، فيهم عمرو بن تغلب٣. "فوالله٤ ما أحب أن لي بكلمة٥ رسول الله صلى الله عليه وسلم حمر النعم" ٦. تابعه يونس٧.
- (٢)هو ابن ربعي القيسي البصري البحراني - بالموحدة والمهملة.
- (٣)أبو عاصم هو الضحاك بن مخلد الشيباني.
- (٤)الحسن: هو البصري.
- (٥)عمرو بن تغلب - بفتح المثناة وسكون المعجمة وكسر اللام ثم الموحدة - النمري - بفتح النون والميم - صحابي تأخر إلى الأربعين / خ س ق (التقريب ٢/٦٦ وتهذيب التهذيب ٨/٨-٩) .
- (٦)وفي لفظ عند البخاري والفسوي "قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم مال، فأعطى قوماً ومنع آخرين، فكأنهم عتبوا عليه" وعند أحمد "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه شيء فأعطاه ناسا وترك ناسا فبلغه عن الذين ترك أنهم عتبوا وقالوا".
- (٧)قال ابن حجر: "في رواية الكشميهني "بشيء" وهو أشمل" (فتح الباري ٦/٢٥٤) وفي رواية أحمد "أتاه شيء".
- (٨)عتب عليه يعتب ويعتب عتبا ومعتباً، والاسم المعتبة بفتح التاء وكسرها من الموجدة والغضب (النهاية ٣/١٧٥) .
- (٩)وعند أحمد "فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: " إني أعطي ناسا وأدع ناساً وأعطي رجالا وأدع رجالاً"، وعنده أيضاً، "إني أعطي أقواماً وأرد آخرين".
- (١)الجزع - محرك ضد الصبر، والهلع: أشد الجزع والضجر. (النهاية ٥/٢٦٩ ومختار الصحاح ص:١٠٣،و٦٩٧) .وفي لفظ عند البخاري "إني أعطي قوماً أخاف ظلعهم وجزعهم".وعنده وعند الفسوي "أعطي أقواماً لما في قلوبهم من الجزع والهلع".
- (٢)الغني: بالكسر والقصر: ضد الفقر (مختار الصحاح ص: ٤٨٣) وفي لفظ عند البخاري "من الخير والغنى".
- (٣)وفي لفظ عند البخاري وأحمد والفسوي وأبي نعيم "منهم عمرو بن تغلب".
- (٤)وعند البخاري أيضا "فقال عمرو بن تغلب: ما أحب أن لي بكلمة رسول الله الخ" وعند أحمد "قال: وكنت جالساً تلقاء وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم".
- (٥)قوله: "ما أحب أن لي بكلمة من رسول الله الخ" أي التي قالها في حقه وهي إدخاله إياه في أهل الخير والغنى. وقيل المراد: "الكلمة التي قالها في حق غيره، فالمعنى: لا أحب أن يكون لي حمر النعم بدلا من الكلمة المذكورة التي لي، أو يكون لي ذلك، وتقال تلك الكلمة في حقي" (فتح الباري ٦/٢٥٣) .
- (٧)قال ابن حجر: "يونس هو: ابن عبيد، وقد وصله أبو نعيم في مسند يونس بن عبيد له، بإسناده عنه عن الحسن عن عمر بن تغلب" (فتح الباري ٢/٤٠٥) والمعنى: أن يونس تابع جريراً في شيخه الحسن البصري.
-
وفي حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إني لأعطي رجالاً حدثاء عهد بكفر أتألفهم أو قال: أستألفهم" ٨.
-
١٨٧- وفي حديث سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسماً، فقلت: يا رسول الله! اعط فلاناً؛ فإنه مؤمن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أو مسلم" أقولها ثلاثاً، ويردها على ثلاثاً "أو مسلم" ثم قال: "إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه مخافة٩ أن يكبه الله في النار" ١٠.
ج ١ ص ٣٩٥قال ابن حجر: "الرجل المتروك اسمه: جعيل بن سراقة الضمري، سماه الواقدي في المغازي" ١.
قلت: قول الواقدي المشار إليه هو "قال سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله، أعطيت عيينة بن حصن والأقرع بن حابس مائة مائة، وتركت جعيل بن سراقة الضمري!.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما والذي نفسي بيده، لجعيل بن سراقة خير من طلاع٢ الأرض كلها مثل عيينة والأقرع، ولكني تألفتهما ليسلما ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه " ٣.
- (٩)وفي لفظ "خشية أن يكب في النار على وجهه".
- (٦)البخاري: الصحيح ٢/١٠، كتاب الجمعة، باب من قال في الخطبة بعد الثناء أما بعد) ٤/٧٤ كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي يعطي المؤلفة وغيرهم من الخمس ونحوه. و٩/١٢٥-١٢٦ كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: {إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً} وأحمد: المسند ٥/٦٥ والفسوي: المعرفة والتاريخ ١/٣٣٠ وأبو نعيم: حلية الأولياء ٢/١١ والبيهقي: السنن الكبرى ٧/١٨) .
- (٨)انظر مبحث موقف الأنصار من توزيع الغنائم حاشية (٤) ص: ٤١٨.
- (١٠)البخاري: الصحيح ١/١١ كتاب الإيمان، باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة الخ، ٢/١٠٥-١٠٦،كتاب الزكاة، باب قول الله تعالى: {لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً} ، ومسلم: الصحيح١/١٣٢-١٣٣كتاب الإيمان، باب تأليف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه، والنهي عن القطع بالإيمان من غير دليل قاطع، و٢/٧٣٢-٧٣٣ كتاب الزكاة باب إعطاء من يخاف على إيمانه واللفظ له وأحمد: المسند١/١٧٦-١٨٢.
- (٢)طلاع الأرض، أي ما يملؤها حتى يطلع عنها ويسيل (النهاية ٣/١٣٣) .
-
١٨٨- وأخرج ابن إسحاق قال: حدثني محد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن قائلا قال: لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه: يا رسول الله اعطيت عيينة بن حصن والأقرع بن حابس مائة ومائة وتركت جعيل بن سراقة الضمري! "٤.
-
ثم ساق مثل حديث الواقدي.
-
وأورده ابن حجر في الإصابة ثم قال: هذا مرسل حسن: لكن له شاهد موصول.
-
١٨٩- روى الروياني٥ في مسنده وابن عبد الحكم٦ في فتوح مصر من طريق بكر٧ بن سوادة عن أبي سالم٨ الجيشاني عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: "كيف ترى جعيلا؟ " .
ج ١ ص ٣٩٦قلت: مسكينا كشكله من الناس.
قال: "وكيف ترى فلانا؟ "
قلت: سيد من السادات
قال: "لجعيل خير من ملء الأرض مثل هذا" .
قال: قلت يا رسول الله، فلان هكذا وتصنع به ما تصنع.
قال: "إنه رأس قومه فتألفهم" . إسناده صحيح وأخرجه ابن حبان من وجه آخر عن أبي ذر، ولكن لم يسم جعيلا١.
- (٥)الروياني، هو: الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن هارون، صاحب المسند المشهور مات سنة سبع وثلاث مائة (تذكرة الحفاظ للذهبي ١/٧٥٢-٧٥٨) .
- (٦)هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم بن أعين المصري، ثقة من الحادية عشرة (ت ٢٥٧) س / له تاريخ مصر وغيره (التقريب ١/٤٨٧ وتهذيب التهذيب ٦/٢٠٨، وشجرة النور الزكية في طبقات المالكية ص ٦٧.
- (٧)بكر بن سوادة بن ثمامة الجذامي أبو ثمامة المصري، ثقة فقيه من الثالثة (ت بضع وعشرين ومائة / خت م ع التقريب ١/١٠٦ وتهذيب التهذيب ١/٤٨٣) .
- (٨)هو سفيان بن هانئ المصري، أبو سالم الجيشاني - بفتح الجيم وسكون التحتانية بعدها معجمة - تابعي مخضرم، شهد فتح مصر، ويقال له صحبة، مات بعد ثمانين / م د س (المصدر السابق ١/٣١٢و٤/١٢٣) وفي الإصابة (٢/١١٣) قال ابن مندة اختلف في صحبته، ثم قال ابن حجر، قلت: "اتفق البخاري ومسلم وأبو حاتم والعجلي وابن حبان على أنه تابعي، وقال ابن يونس: شهد فتح مصر وله رواية عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وكان قد وفد عليه وصحبه وروى أيضا عن أبي ذر وعقبة بن عامر وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهم، وروى عنه ابنه سالم وحفيده سعيد بن سالم ويزيد بن أبي حبيب وبكر بن سوادة وآخرون ومات بالإسكندارية في إمرة عبد العزيز بن مروان، وكان عبد العزيز بن مروان أميراً على مصر من قبل أبيه واستمر عشرين سنة من سنة (٦٠) إلى سنة (٨٦) وهو والد عمر بن عبد العزيز (تهذيب التهذيب ٦/٣٥٦) .
- (١)فتح الباري ١/٨٠.
- (٣)مغازي الواقدي ٣/٩٤٨.
- (٤)سيرة ابن هشام ٢/٤٩٦ وتاريخ الرسل والملوك ٣/٩١ والروض الأنف ٧/٢٥٠.
- (١)الحديث أخرجه ابن حبان مطولا كما في موارد الظمآن ص ٦٣٥ وفيه "قال أبو ذرّ: سألني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل من قريش قال: "هل تعرف فلانا؟ " قلت: نعم يا رسول الله. قال: "فكيف تراه أو تره"؟ قلت: إذا سأل أعطي، وإذا حضر أدخل قال: "ثم سألني عن رجل من أهل الصفة" قال: هل تعرف فلانا؟ قلت: لا والله ما أعرفه يا رسول الله، فما زال يحليه وينعته حتى عرفته يا رسول الله فقلت: قد عرفته يا رسول الله، قال: فكيف تراه؟ فقلت: هو رجل مسكين من أهل الصفة فقال: "هو خير من طلاع الأرض من الآخر"، قلت: "يا رسول الله أفلا يعطى من بعض ما يعطى من بعض الآخر؟ فقال: إذا أعطي خيرا فهو أهله، وإذا صرف عنه فقد أعطي حسنة".
-
١٩٠- وأخرجه البخاري من حديث سهل بن سعد، فأبهم جعيلا وأبا ذر٢.
- (٢)الإصابة ١/٢٣٩ والحديث في صحيح البخاري ٧/٨، كتاب النكاح، باب الأكفاء في الدين ٨/٨٠، كتاب الرقاق، باب فضل الفقر، ولفظه: "عن سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه - قال: مرّ رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ما تقولون في هذا؟ " قالوا: حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال: أن يستمع"، قال: ثم سكت،. فمرّ رجل من فقراء المسلمين، فقال: ما تقولون في هذا؟ "، قالوا: حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال: أن لا يستمع"، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا خير من ملء الأرض مثل هذا". وأخرجه أيضا ابن ماجه في ٢/١٣٧٩ كتاب الزهد، باب فضل الفقراء، قال ابن حجر: في هذا الحديث قوله (مر برجل) لم أقف على اسمه ويؤخذ من رواية ابن إسحاق أنه عيينة بن حصن الفزاري، والأقرع بن حابس ثم ساق حديث ابن إسحاق. وأما المار الثاني: فإني لم أقف على اسمه ويؤخذ مما أخرجه الروياني في مسنده وابن عبد الحكم (في فتوح مصر) أنه جعيل بن سراقة (فتح الباري ٩/١٣٦ و١١/٢٢٧) .
-
وأخرجه أبو نعيم من طريق بكر بن سوادة أيضاً٣.
- (٣)حلية الأولياء ١/٣٥٣.
- ج ١ ص ٣٩٧
١٩١- وفي حديث رافع بن خديج - رضي الله عنه - عند مسلم وغيره وهذا سياق مسلم:
حدثنا محمد١ بن أبي عمر المكي حدثنا سفيان٢ عن عمر٣ بن سعيد بن مسروق عن أبيه٤، عن عباية٥ بن رفاعة عن رافع بن خديج قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب وصفوان٦ بن أمية وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس كل إنسان منهم مائة من الإبل، وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك، فقال عباس بن مرداس:
أتجعل نهبي ونهب العبيد ... بين عيينة والأقرع؟
فما كان بدر ولا حابس ... يفوقان مرداس٧ في المجمع
وما كنت دون امرئ منهما ... ومن تخفض اليوم لا يرفع
قال: فأتم له رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة.
ثم قال مسلم: وحدثنا أحمد بن عبدة الضبي أخبرنا ابن عيينة عن عمر بن سعيد بن مسروق بهذا الإسناد أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم غنائم حنين فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة من الإبل، وساق الحديث بنحوه.
- (١)هو العدني.
- (٢)هو ابن عيينة.
- (٣)هو أخو سفيان الثوري.
- (٤)هو سعيد بن مسروق الثوري.
- (٥)عباية - بفتح أوله والموحدة الخفيفة وبعد الألف تحتانية - خفيفة ابن رفاعة بن رافع ابن خديج الأنصاري الزرقي، من الثالثة.
- (٦)تقدم في حديث (١٨٥) ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه مائة من الغنم، ثم مائة، ثم مائة.
- (٧)قوله (يفوقان مرادس) ، قال النووي: هو كذا في جميع الروايات غير مصروف وهو حجة لمن جوز ترك الصرف بعلة واحدة، وأجاب الجمهور بأنه في ضرورة الشعر (شرح النووي ٣/١٠٣) .
-
وزاد: وأعطى علقمة بن علاثة٨ مائة٩.
- (٨)علاثة: بضم العين المهملة وتخفيف اللام وبثاء مثلثة المصدر السابق ٣/١٠٣.
- (٩)مسلم: الصحيح ٢/٧٣٧ كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إيمانه، والحميدي: المسند ١/٢٠٠، والمعجم الكبير للطبراني ٤/٣٢٥، والبيهقي: دلائل النبوة ٣/٥١ ب.
-
وفي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لما كان يوم حنين آثر رسول
ج ١ ص ٣٩٨الله صلى الله عليه وسلم أناساً في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى ناساً من أشراف العرب، فآثارهم يومئذ في القسمة " الحديث١.
- (١)تقدم تخريجه برقم (١٨٣) .
-
وفي حديث أنس بن مالك إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى أبا سفيان وعيينة والأقرع وسهيل بن عمرو في الآخرين يوم حنين" الحديث٢.
- (٢)انظر حديث (٢٠٤) .
-
وفي لفظ "لما أفاء الله على رسوله أموال هوازن فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي رجالا من قريش المائة من الإبل كل رجل" ٣.
-
وفي لفظ: "وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من غنائم كثيرة فقسم في المهاجرين والطلقاء" ٤.
-
وفي حديث عبد الله بن زيد بن عاصم رضي الله عنه قال: "لما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم" الحديث٥.
- (٥)انظر تخريجه برقم: (٢٠٥) .
-
١٩٢- وعند الطبراني قال: حدثنا إسحاق٦ بن إبراهيم الدبري عن عبد الرزاق عن معمر٧ عن الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، وعن هشام بن عروة عن أبيه، قال أعطى النبي صلى الله عليه وسلم حكيم بن حزام يوم حنين عطاء
ج ١ ص ٣٩٩فاستقبله١ فزاده، فقال: يا رسول الله أي عطيتك خير؟ قال: "الأولى" . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "يا حكيم بن حزام إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذها بسخاوة نفس وحسن أكلة بورك له فيه، ومن أخذه باستشراف نفس وسوء أكلة لم يبارك له، وكان الذي يأكل ولا يشبع، اليد العليا خير من اليد السفلى" . قال: ومنك يا رسول الله، قال: "ومني" . قال: "فوالذي بعثك بالحق لا أرزأ٢ بعدك أحداً شيئاً أبداً" . قال: "فلم يقبل ديوانا ٣ ولا عطاء حتى مات" ٤.
- (٦)إسحاق بن إبراهيم بن عباد أبو يعقوب - الدبر - بفتح الدال المهملة والباء الموحدة وبعدها راء - راوي كتب عبد الرزاق عنه. وقد استصغر في عبد الرزاق فسمع منه تصانيفه وهو ابن سبع سنين أو نحوها وقد روى عن عبد الرزاق أحاديث منكرة فوقع التردد فيها، هل هي منه فانفرد بها، أو هي معروفة مما تفرد به عبد الرزاق. وقد احتج بالدبري أبو عوانة في صحيحه وغيره وأكثر عنه الطبراني. قال الدارقطني في رواية الحاكم: "صدوق ما رأيت فيه خلافا، إنما قيل لم يكن من رجال هذا الشأن قلت: ويدخل في الصحيح! قال: إي والله وقد رمز له الذهبي بـ (صح) إشارة إلى أنه ثقة، مات سنة ٢٨٥ على الأشهر أو ٢٨٧" (ميزان الاعتدال ١/١٨١-١٨٢ ولسان الميزان لابن حجر ١/٣٤٩-٣٥٠ واللباب لابن الأثير ١/٤٨٩) .
- (٧)أي: إن معمراً روى هذا الحديث عن الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير. ورواه أيضا عن هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير.
- (٣)انظر تحت حديث (٢٠٣) تعلقة (٦) ص ٤١٧) .
- (٤)انظر تحت حديث (٢٠٣) ص: (٤١٦) .
- (١)لعل الصواب: فاستقله.
- (٢)لا أرزأ: أي لا آخذ من أحد شيئا بعدك (النهاية ٢/٢١٨) .
-
فكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: "اللهم إني أشهدك على حكيم بن حزام أني ادعوه لحقه من هذا المال وهو يأبى، فقال: " إني والله لا أرزاك ولا غيرك، فمات حين مات وإنه لمن أكثر قريش مالاً "٥.
-
والحديث أخرجه الواقدي من طريق سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير عن حكيم بن حزام قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم بحنين، مائة من الإبل فأعطنيها، ثم سألته مائة فأعطنيها، ثم سألته مائة فأعطنيها، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا حكيم بن حزام، إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه " الحديث.
ثم قال الواقدي أيضا وحدثني ابن أبي الزناد٦ قال: "أخذ حكيم المائة الأولى ثم ترك" ٧.
- (٦)ابن أبي الزناد: هو عبد الرحمن بن عبد الله بن ذكوان.
- (٣)الديوان - ويفتح مجتمع الصحف، والكتاب يكتب فيه أهل الجيش، وأهل العطية، وأول من وضعه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، جمعه دواوين ودياوين (القاموس المحيط ٤/٢٢٤) .
- (٤)قال ابن حجر: "وإنما امتنع حكيم من أخذ العطاء مع أنه حقه لأنه خشي أن يقبل من أحد شيئا فيعتاد الأخذ فتتجاوز به نفسه إلى ما لا يريده ففطمها عن ذلك وترك ما يريبه، وإنما أشهد عليه عمر - رضي الله عنه - لأنه أراد أن لا ينسبه أحد لم يعرف باطن الأمر إلى منع حكيم من حقه" (فتح الباري ٣/٣٣٦) .
- (٥)المعجم الكبير للطبراني ٣/٢١٠.
- (٧)مغازي الواقدي ٣/٩٤٥.
- ج ١ ص ٤٠٠
١٩٣- والحديث في الصحيحين وغيرهما من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير نحوه١ وليس فيه لفظ "حنين" .
- (١)البخاري: الصحيح ٢/١٠٤ كتاب الزكاة، باب الاستعفاف عن المسألة، و٤/٥ كتاب الوصايا، باب تأويل قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} و٤/٧٣ كتاب الفرض الخمس، باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة وغيرهم من الخمس، و٨/٧٩ كتاب الرقاق، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "هذا المال خضرة حلوة". ومسلم: الصحيح ٢/٧١٧ كتاب الزكاة، باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى، الترمذي: السنن ٤/٥٦ كتاب صفة القيامة. والنسائي: السنن ٥/٤٥ كتاب الوكالة، باب اليد العليا، ٥/٧٥-٧٧ من كتاب الزكاة أيضا، باب مسألة الرجل في أمر لا بد منه. والحميدي: المسند ١/٢٥٣ والدارمي: السنن ١/٣٢٦ كتاب الزكاة، باب النهي عن المسألة و٢/٢١٩ كتاب الرقاق، باب الدنيا خضرة حلوة. واحمد: المسند ٣/٤٣٤ والطبراني: المعجم الكبير ٣/٢١٠-٢١٣ والبيهقي: السنن الكبرى ٤/١٩٦ وقد نسب المزي في الأطراف وتبعه صاحب ذخائر المواريث - هذا الحديث للترمذي في كتاب الزهد عن سويد بن نصر، ولم أجده في كتاب الزهد بعد مراجعته مراراً في الطبعة التي بين يدي، وقد تحصلت على الحديث في كتاب القيامة، وهو عن سويد بن نصر. (انظر: الأطراف للمزي ٣/٧٤ حديث: (٣٤٢٦) ، وذخائر المواريث ١/١٩٧، حديث ١٧٨٨) .
-
ومن المعلوم أن حكيم بن حزام من مسلمة الفتح، ومن مؤلفة قلوبهم، وأن هذا تأليف لأهل مكة إنما كان في غزوة حنين.
-
كما صرّح حديث الطبراني والواقدي بذلك، وأن تلك الأموال الكثيرة إنما كانت في غزوة حنين، ولم يقع بعد فتح مكة، غزوة حصلت فيها مثل تلك الغنائم في العهد النبوي سوى غزوة حنين، إن هذه العطايا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وقعت من نفوس القوم موقعها وظهرت الحكمة جلية من وراء ذلك، وهو استئلاف أناس للدخول في الإسلام أو تثبيتهم عليه، ووكل آخرين إلى إيمانهم.
قال ابن حجر: "اقتضت حكمة الله أن غنائم الكفار لما حصلت ثم قسمت على من لم يتمكن الإيمان من قلبه لما بقي من الطبع البشرى في محبة المال فقسمه فيهم لتطمئن قلوبهم وتجتمع على محبته، لأنها جلبت على حب من أحسن إليها، ومنع أهل الجهاد من أكابر المهاجرين ورؤساء الأنصار مع ظهور استحقاقهم لجميعها، لأنه لو قسم ذلك فيهم لكان مقصورا عليهم، خلاف قسمته على المؤلفة، لأن فيه
ج ١ ص ٤٠١استجلاب قلوب أتباعهم الذين كانوا يرضون إذا رضي رئيسهم فلما كان ذلك العطاء سببا لدخولهم في الإسلام ولتقوية قلب من دخل فيه قبل تبعهم من دونهم في الدخول، فكان في ذلك عظيم المصلحة ". إهـ١.
- (١)فتح الباري ٨/٤٩.
-
١٩٤- "وفي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئا إلا أعطاه " ٢.
-
ومن خلال ما سبق من النصوص التاريخية والأحاديث النبوية تبرز أمامنا حقيقتان:
الأولى: دقة نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمق معرفته بدخائل النفوس البشرية وما يقوم اعوجاجها، حيث أعطى تلك العطايا السخية ومنح تلك المنح الهائلة لأناس يعادونه، وكفار لم يدخلوا في دين الله بعد وآخرين يتألف بهم قومهم لعلهم يهتدون ويسلمون، وكانت النتيجة التي توخها صلى الله عليه وسلم من تخصيص هؤلاء الذين تألفهم بهذه العطايا أن أسلموا وحسن إسلامهم وكانوا جنودا صادقين في الدفاع عن الإسلام والانخراط في سلك المهاجرين والأنصار الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه كما دلت على ذلك النصوص السابقة.
-
وعلى وجه الإيجاز كانت تلك الأعطيات بردا وسلاما على نفوس أولئك النفر وشفاء لما في صدورهم من مرض الضلال وحب المادة وقد عبروا أنفسهم عن هذا الإحساس وهذا التحول النفسي الخطير حين قال بعضهم "أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، وإنه لأبغض الخلق إلي، فما زال يعطيني حتى إنه لحب الخلق إلي" وكفى بهذه النتيجة العظيمة دليلا على حسن ذلك التقسيم للغنائم، وأنه واقع موقعه، وكيف لا يكون كذلك وهو عمل المعصوم صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
- (٢)صحيح مسلم ٤/١٨٠٦ كتاب الفضائل، باب ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط فقال: لا، وكثرة عطائه.
- ج ١ ص ٤٠٢
الحقيقة الثانية: في هذه الغزوة تجلت قوة إيمان أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وثباتهم العظيم أمام مغريات المادة وأنهم كانوا كما قيل "يقلون عند الطمع ويكثرون عند الفزع" ١.
-
بل إنهم أعظم من هذا بكثير كانت غايتهم - رضي الله عنهم - الدفاع عن دينه ونشر الحق، ولم تكن المادة مسيطرة على نفوسهم ولا باعثة لهم على الجهاد كما يزعم ذلك أعداء اله من المستشرقين وأذنابهم، وهذا الموقف العظيم لهم من أعظم الأدلة على طهارة نفوسهم ووضوح هدفهم ونبل مقاصدهم في جهادهم في سبيل الله، ولقد رباهم الرسول الله صلى الله عليه وسلم التربية الإسلامية الكاملة في معناها، ووثق صلى الله عليه وسلم من إيمانهم ووكلهم إلى هذا الإيمان، وما كان تساؤلهم في مبدأ توزيع الغنائم ولا تعجبهم من ذلك التقسيم لها إلا بسبب خفاء الحكمة عليهم في ذلك حتى بين لهم الرسول صلى الله عليه وسلم الحكمة من ذلك فرضوا وسلموا له تسليما ولم يبق في نفوسهم حرج ولا ميل عن الحق، بل كانوا مغتبطين بما أوضحه الرسول صلى الله عليه وسلم لهم من أنه وكلهم إلى ما في قلوبهم من الغنى والخير والإيمان واليقين.
-
وما دام الحديث عن المؤلفة قلوبهم والحكمة من إعطائهم فيحسن بنا أن نعرفهم ونسرد أسماءهم كما ذكر ذلك أهل المغازي وغيرهم فنقول:
ج ١ ص ٤٠٣المؤلفة قلوبهم
أ- المؤلفة: جمع مؤلف، مأخوذ من التأليف، وهو المدارة والإيناس، يقال: تألف فلان فلانا إذا داراه وآنسه وقاربه وواصله حتى يستمليه١ إليه.
- (١)ذكر ذلك الجاحظ في البيان والتبيين ٢/٤٥ بلفظ "فمن كلامه صلى الله عليه وسلم حين ذكر الأنصار فقال: "أما والله ما علمتكم إلا لتقلون عند الطمع وتكثرون عند الفزع" ولم أجده في كتاب من كتب الحديث.
- (١)القاموس المحيط ٣/١١٩ ولسان العرب ١٠/ ٣٥٣ والمصباح المنير ١/٢٦) .
-
ب- وفي الاصطلاح: هم السادة المطاعون في عشائرهم ممن يرجى إسلامه أو يخشى شره، أو يرجى بعطيته قوة الإيمان منه، أو إسلام نظيره، أو جباية الزكاة ممن لا يعطيها، أو الدفع عن المسلمين٢.
قال ابن حجر: "المراد بالمؤلفة ناس من قريش أسلموا يوم الفتح إسلاما ضعيفا، وقيل كان فيهم من لم يسلم بعد كصفوان بن أمية، وقد اختلف في المراد بالمؤلفة قلوبهم الذين هم أحد المستحقين للزكاة فقيل: كفار يعطون ترغيبا في الإسلام، وقيل مسلمون لهم أتباع كفار ليتألفوهم وقيل مسلمون أوّل ما دخلوا في الإسلام ليتمكن الإسلام من قلوبهم" .
ثم قال: "وأما المراد بالمؤلفة هنا: فهذا الأخير، لقوله في الحديث " فإني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم" ٣.
- (٢)جامع البيان للطبري ١٠/١٦١ والإفصاح لابن هبيرة ١/٢٢٤-٢٢٥، والمغني لابن قدامة ٦/٤٢٨-٤٢٩ والعدة شرح العمدة للمقدسي ص ١٤٢-١٤٣ والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف لعلاء الدين المرداوي ٣/٢٢٧ وتاريخ الخميس للدياربكري ٢/١١٤ والسيرة الحلبية لبرهان الحلبي٣/٨٥ والفقه على المذاهب الأربعة للجزيري ١/٦٢٣ و٦٢٤ و٦٢٥ ومنهاج المسلم للجزائري ص ٢٥٦.
-
١٩٥- وقال ابن إسحاق٤: أعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤلفة قلوبهم وكانوا أشرافاً من أشراف الناس، يتألفهم ويتألف بهم قومهم، فأعطى أبا سفيان بن حرب مئة بعير٥، وأعطى ابنه معاوية مائة بعير، وأعطى حكيم ابن حزام مئة بعير٦، وأعطى
ج ١ ص ٤٠٤الحارث١ بن الحارث بن كلدة مئة بعير، وأعطى الحارث بن هشام مئة بعير، وأعطى سهيل بن عمرو ومئة بعير٢، وأعطى حويطب بن عبد العزى بن أبي قيس مئة بعير٣، وأعطى العلاء٤ ابن جارية الثقفي حليف بني زهرة مئة بعير، وأعطى عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر مئة بعير، وأعطى صفوان بن أمية مئة بعير٥، فهؤلاء أصحاب المئين.
- (٤)وساق الطبري أسماء المؤلفة قلوبهم من غير طريق ابن إسحاق: فقال: حدثنا عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور عن معمر عن يحيى بن أبي كثير: أن المؤلفة قلوبهم الخ (جامع البيان ١٠/١٦١-١٦٢.
- (٥)وأربعين أوقية فضة، وأعطى ابنه معاوية ويزيد كل واحد مثله، فقال أبو سفيان لرسول الله صلى الله عليه وسلم والله إنك لكريم فداك أبي وأمي، والله لقد حاربتك فلنعم المحارب كنت، ولقد سالمتك فنعم المسالم أنت جزاك الله خيراً (مغازي الواقدي ٣/٩٤٤-٩٤٥) .
- (٦)وعند الواقدي: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه مائة، ثم مئة ثم مئة، ثم وعظه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ المائة الأولى ثم ترك.
- (٣)فتح الباري ٨/٤٨.
- (١)كان أبوه طبيب العرب وحكيمها، وهو من المؤلفة قلوبهم، وكان من أشراف قومه وأما أبوه الحارث بن كلدة فمات أوّل الإسلام ولم يصح إسلامه. (انظر: أسد الغابة ١/٣٨٤ و٤٢٠ و٢/٤٥ و٣/١٠ و٥/٢٠٩ و٤٩١ و٦/١٤٨-١٤٩) وانظر: ترجمة الحارث بن كلدة في الإصابة ١/٢٨٨) .
- (٢)زاد الزرقاني: (أخوه سهل) (شرح المواهب ٣/٣٧ وأسد الغابة ٢/٤٧٥.
- (٣)انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد ٥/٤٥٤.
- (٤)العلاء بن جارية - بجيم وتحتية- كذا في الإصابة ٢/٤٩٧ وشرح المواهب اللدنية ٣/٣٧ ووقع في أسد الغابة ٤/٧٣ وفتح الباري ٨/٤٨. العلاء بن (حارثة) بالحاء المهملة والمثلثة وكذا في جامع البيان للطبري ١٠/١٦٢ وعند الواقدي ٣/٩٤٦ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه خمسين بعيرا.
- (٥)تقدم في حديث (١٨٥) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه مائة من النعم ثم مائة، ثم مائة.
- وأعطى دون المائة رجالا من قريش منهم: