الحكم الخامس عشر: المؤلفة قلوبهم

٤٥ فقرة، ج ١ ص ٦٩٦

الصفحة ١ من ٢

  1. مر بنا تعريف المؤلفة قلوبهم وأقسامهم ومقدار ما أخذ كل واحد منهم في غزوة حنين١.

    1. (١)انظر ص (٤٠٣) .
    ج ١ ص ٦٩٦
  2. ومن المعلوم أن المؤلفة قلوبهم هم أحد الأصناف الثمانية الذين نصت عليه آية مصارف الزكاة وأنهم يأخذون من الزكاة كغيرهم من بقية الأصناف وقصدنا من هذا المبحث أمران:

    الأمر الأوّل: "هل أعطيات المؤلفة قلوبهم في غزوة حنين كانت من صلب الغنيمة أو من الخمس, أو من خمس الخمس" .

  3. الأمر الثاني: "هل حكم المؤلفة باقي أو أن ذلك زال بقوة الإسلام وعزة أهله" .

  4. أما الأمر الأول, فإن ظاهر الأحاديث الواردة في غزوة حنين تدل على أن العطاء المذكور كان من صلب الغنيمة ".

  5. ومنها: "حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن ناساً من الأنصار قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من أموال هوازن ما أفاء, فطفق يعطي رجالا من قريش المائة من الإبل, فقالوا: "يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشا ويدعنا, وسيوفنا تقطر من دمائهم" الحديث.

  6. وفي لفظ "لما فتحت مكة قسم الغنائم في قريش فقالت الأنصار: " إن هذا لهو العجب إن سيوفنا تقطر من دمائهم وإن غنائمنا ترد عليهم, فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فجمعهم فقال: ما الذي بلغني عنكم؟

    قالوا: "هو الذي بلغك وكانوا لا يكذبون, قال: " أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا إلا بيوتهم وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيوتكم؟ " الحديث.

  7. وفي لفظ "لما كان يوم حنين أقبلت هوازن, وغطفان وغيرهم بذراريهم ونعمهم ومع النبي صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف ومعه من الطلقاء فأدبروا عنه حتى بقي وحده قال: " فنادى يومئذ نداءين لم يخلط بينهما شيئا قال: "فالتفت عن يمينه فقال: " يا معشر الأنصار, فقالوا: لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك قال: ثم التفت عن يساره فقال: "يا معشر الأنصار, قالوا: " لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك, قال: "وهو على بغلة بيضاء فنزل فقال: أنا عبد الله ورسوله فانهزم المشركون وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم كثيرة فقسم في المهجرين والطلقاء ولم يعط الأنصار شيئا فقالت الأنصار: إذا كانت الشدة فنحن ندعى وتعطى الغنائم غيرنا, فبلغه ذلك فجمعهم في قبة فقال: يا معشر الأنصار ما حديث بلغني عنكم؟ فسكتوا, فقال: " يا معشر الأنصار أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون بمحمد تحوزونه إلى بيوتكم؟ قالوا: "بلى يا رسول الله رضينا" الحديث.

    ج ١ ص ٦٩٧
  8. وفي لفظ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن قريشا حديث عهد بجاهلية ومصيبة وإني أردت أن أجبرهم وأتألفهم" ١ ".

  9. وفي حديث عبد الله بن زيد بن عاصم رضي الله عنه قال: لما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئا, فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس, فخطبهم فقال: "يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي, الحديث وفيه "ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم؟ " ٢".

  10. فهذه الأحاديث وغيرها تدل بظاهرها على أن عطاء المؤلفة قلوبهم كان من صلب الغنيمة, إذ لو كان العطاء المذكور من الخمس أو من خمس الخمس, كما قال بعض العلماء٣, لما كان يحق للأنصار أن يتكلموا بما تكلموا به, ولما أقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك, ولما ترضاهم بما ترضاهم به, ولناسب أن يقول لهم إنما أعطيت من

    ج ١ ص ٦٩٨أعطيت مما لا حق لكم فيه, ولأن الخمس مخصوص بأصناف١ وكذا خمس الخمس خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم يدعه حيث شاء لا اعتراض عليه في ذلك.

    1. (٣)وهذا قول مالك والشافعي كما سيأتي في ص (٦٨٧-٦٨٨) .
    2. (١)انظر حديث رقم (٣٠ و٤٠ و٤٦ و٢٠٤) .
    3. (٢)انظر حديث (٢٠٥) .
    4. (١)هم من سماهم الله في قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} ، [سورة الأنفال، من الآية: ٤١] . الآية ٤١من سورة الأنفال.
  11. فلما لم يحصل شيء من ذلك, بل الذي حصل هو استطابة نفوس الأنصار بقوله صلى الله عليه وسلم "أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيوتكم" دلك ذلك على أن العطاء المذكور كان من صلب الغنيمة التي أحرزها الأنصار بسيوفهم ودمائهم, ولهم الحق فيها وقد أقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك, وعوضهم عنها نفسه صلى الله عليه وسلم تطيبا لنفوسهم.

    قال ابن حجر: "عند شرحه لحديث عبد الله بن زيد: " قوله: "ولم يعط الأنصار شيئا" ، ظاهر في أن العطية المذكورة كانت من جميع الغنيمة ".

  12. وقال القرطبي٢ في "المفهم " الإجراء على أصول الشريعة أن العطاء المذكور كان من الخمس , ومنه كان أكثر عطاياه, وقد قال في هذه الغزوة للأعرابي " ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم ".

    1. (٢)هو أبو العباس: "أحمد بن عمر وهذا غير القرطبي المفسر".
  13. وعلى الأول فيكون ذلك مخصوصا بهذه الواقعة, وقد ذكر السبب في ذلك في رواية قتادة عن أنس في الباب حيث قال: "إن قريشاً حديث عهد بجاهلية ومصيبة, وإني أردت أن أجبرهم وأتألفهم ". اهـ.

  14. ثم عقب ابن حجر بقوله: "الأوّل هو المعتمد, والذي رجحه القرطبي جزم به الواقدي, ولكنه ليس بحجة إذا انفرد فكيف إذا خالف٣ ".

    ثم قال ابن حجر: "ويؤكد أن العطاء المذكور كان من صلب الغنيمة ما جاء في رواية هشام بن زيد عن أنس: "إذا كانت شديدة فنحن ندعى, ويعطي الغنيمة غيرنا" .

    1. (٣)وهو أيضا قول أبي عبيد". (انظر فتح الباري ٨/٤٩) .
  15. وهذا ظاهر في أن العطاء كان من صلب الغنيمة بخلاف ما رجحه القرطبي١ ".اهـ.

    وقال السهيلي: "وأما إعطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤلفة قلوبهم من غنائم حنين حتى تكلمت الأنصار في ذلك وكثرت منهم القالة ", وقالت: " يعطي صناديد العرب ولا يعطينا, وأسيافنا تقطر من دمائم, فللعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال:

    أحدها: "أنه أعطاهم من خمس الخمس, وهذا القول مردود لأن خمس الخمس ملك له ولا كلام لأحد فيه" .

    1. (١)فتح الباري ٨/٤٨-٥٠ ومغازى الواقدي ٣/٩٤٧-٩٤٨, كتاب الأموال لأبي عبيد، ٤٤٤ و٤٤٧ و٤٥١-٤٥٢ وشرح المواهب اللدنية ٣/٣٩".
    ج ١ ص ٦٩٩
  16. القول الثاني: "أنه أعطاهم من رأس الغنيمة, وأن ذلك خصوص بالنبي صلى الله عليه وسلم لقوله تبارك وتعالى: {قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} ، [سورة الأنفال، من الآية: " ١] . وهذا القول أيضا يرده ما تقدم من نسخ هذه الآية, وقد تقدم الكلام عليها في غزوة بدر٢, غير أن بعض العلماء احتج لهذا القول بأن الأنصار لما انهزموا يوم حنين فأيد الله رسوله وأمده بملائكته, فلم يرجعوا حتّى كان الفتح, رد الله تعالى أمر الغنائم إلى رسوله من أجل ذلك فلم يعطهم منها شيئا وقال لهم: "ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير, وترجعوا برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم, فطيب نفوسهم بذلك بعد ما فعل ما أمر به.

    1. (٢)انظر: "الروض الألف ٥/٢٢٧
  17. القول الثالث: "وهو الذي اختاره أبو عبيد أن إعطائهم كان من الخمس حيث يرى أن فيه مصلحة للمسلمين٣ ".

    وقال ابن قيم الجوزية: "وهذا العطاء الذي أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم لقريش, والمؤلفة قلوبهم, هل هو من أصل الغنيمة أو من الخمس, أو من خمس الخمس؟

    فقال الشافعي ومالك: "هو من خمس الخمس, وهو سهمه صلى الله عليه وسلم الذي جعله الله له من الخمس, وهو غير الصفي٤ وغير ما يصيبه من المغنم لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستأذن الغانمين في تلك العطية, ولو كان العطاء من أصل الغنيمة, لاستأذنهم لأنهم ملكوها

    ج ١ ص ٧٠٠بحوزها والاستيلاء عليها، وليس من أصل الخمس، لأنه مقسوم على خمس، فهو إذا من خمس الخمس ".

    1. (٣)الروض الألف ٧/٢٨٣".
    2. (٤)الصفي: "ما كان يأخذه ريئس الجيش ويختاره لنفسه من الغنيمة قبل القسمة ويقال له الصفية , والجمع الصفايا". (النهاية لابن الأثير ٣/٤٠) .
  18. وقد نصّ الإمام أحمد على أن النفل يكون من أربعة أخماس الغنيمة، وهذا العطاء هو من النفل، نفل النبي صلى الله عليه وسلم به رؤوس القبائل والعشائر لتألفهم به وقومهم على الإسلام، فهو أولى من تنفيل الثلث بعد الخمس، والربع بعضه١، لما فيه من تقوية الإسلام وشوكته وأهله، واستجلاب عدوه إليه، هكذا وقع سواء كما قال بعض هؤلاء٢ الذين نفلهم: "لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنه لأبغض الخلق إلي فما زال يعطيني حتى أنه لأحب الخلق إليّ " فما ظنك بعطاء قوى الإسلام وأهله، وأذل الكفر وحزبه، واستجلب به قلوب رؤوس القبائل والعشائر الذين إذا غضبوا، غضب لغضبهم أتباعهم، وإذا رضوا، رضوا لرضاهم، فإذا أسلم هؤلاء، لم يتخلف عنهم أحد من قومهم، فلله ما أعظم هذا العطاء وما أجداه وأنفعه للإسلام وأهله٣" .أهـ.

    1. (١)قوله: "فهو أولى بالجواز من تنفيل الثلث بعد الخمس والربع بعده"، معنى ذلكأن الإمام أو نائبه إذا دخل درا الحرب غازيا بعث سرية بين يديه تغير على العدو ويجعل لهم الربع بعد الخمس، فما قدمت به السرية من شيء أخرج خمسه ثم أعطى السرية ما جعل لهم وهو ربع الباقي ثم قسم ما بقي في الجيش والسرية معه، فإذا قفل راجعا بعث سرية تغير وجعل لهم الثلث بعد الخمس فما قدمت به السرية أخرج خمسه، ثم أعطى السيرة ثلث ما بقي ثم قسم باقيه في الجيش والسرية معه". (المغني لابن قدامة ٨/٣٧٩) .
    2. (٢)هو صفوان بن أمية". انظر: "ص (٦٩١) .
  19. والحاصل أن للعلماء في إعطاء المؤلفة قلوبهم يوم حنين ثلاثة أقوال:

    القول الأول: "أنه من الخمس وبهذا قال الواقدي وابن سعد وأبو عبيد وابن حزم والحلبي ومال إلى هذا القول السهيلي، ورجحه القرطبي في (المفهم) ٤" .

  20. وهو اختيار القاضي عياض فقد نقل عنه النووي أثناء شرحه لحديث أنس بن مالك في إعطاء المؤلفة قوله: "ليس في هذا تصريح بأنه صلى الله عليه وسلم أعطاهم قبل إخراج الخمس، وأنه لم يحسب ما أعطاهم من الخمس، قال: " والمعروف في باقي الأحاديث

    ج ١ ص ٧٠١أنه صلى الله عليه وسلم إنما أعطاهم من الخمس ففيه أن للإمام صرف الخمس وتفضيل الناس فيه على ما يراه وأن يعطي الواحد منه الكثير، وأنه يصرفه في مصالح المسلمين وله أن يعطي الغني منه لمصلحة ١ ".أهـ.

    1. (٣)زاد المعاد ٣/٤٨٤-٤٨٥". ٤انظر مغازي الواقدي ٣/٩٤٧-٩٤٨". والطبقات الكبرى لابن سعد ٢/١٥٣ وكتاب الأموال لأبي عبيد ص ٤٤٤-٤٤٧ و٤٥١-٤٥٢، وجوامع السيرة لابن حزم ص ٢٤٥ والسيرة الحلبية للبرهان الدين الحلبي ٣/٨٦ والروض الأنف للسهيلي ٧/٢٨٣".
  21. وبوب البخاري بقوله: "باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه، رواه عبد الله٢ بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم ".

    1. (٢)قال ابن حجر: "قوله: "رواه عبد الله بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم"، يشير إلى حديثه الطويل في قصة حنين وسيأتي هناك موصولا مع الكلام عليه والغرض منه هنا قوله: " (لما أفاء الله على رسوله يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم) . الحديث (فتح الباري ٦/٢٥٢) . وانظر الحديث برقم (٢٠٥) .
  22. ثم ساق تحت هذا الباب جملة أحاديث من ضمنها الأحاديث الواردة في قسمة الغنائم يوم حنين٣".

    وقال ابن حجر: "قال إسماعيل القاضي: " في إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم للمؤلفة من الخمس دلالة على أن الخمس إلى الإمام يفعل فيه ما يرى من المصلحة ".

    وقال الطبري: "استدل بهذه الأحاديث من زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطي من أصل الغنيمة لغير المقاتلين، قال: "وهو قول مردود بدليل القرآن والآثار الثابتة" .

    ثم قال ابن حجر: "قيل ليس في الأحاديث الباب شيء صريح بالإعطاء من نفس الخمس٤" .

  23. القول الثاني: "أن العطاء كان من خمس الخمس وهو قول مالك والشافعي وابن خلدون٥" .

  24. القول الثالث: "أن العطاء المذكور كان من صلب الغنيمة وهو اختيار ابن تيمية وابن حجر٦" .

    1. (١)شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٩٨".
    2. (٣)صحيح البخاري ٤/٧٣ كتاب فرض الخمس".
    3. (٤)فتح الباري ٦/٢٥٢ و٨/٤٩-٥٠، وانظر: "شرح المواهب اللدنية للزرقاني ٣/٣٩".
    4. (٥)السنن الكبرى للبيهقي ٦/٣٣٨ وزاد المعاد لابن قيم الجوزية ٣/٤٨٤ وتاريخ ابن خلدون ٢/٤٨ وأوجز المسالك إلى موطأ مالك لكاندهلوي ٨/٢٥١".
    5. (٦)الفتاوى لابن تيمية ١٧/٤٩٣-٤٩٥، وفتح الباري ٨/٤٩-٥٠".
  25. وعن الإمام أحمد أن النفل كان من أربعة أخماس الغنيمة١ ".

    قال ابن قيم الجوزية: "وهذا العطاء هو من النفل٢ ".

    1. (١)كتاب المغني لابن قدامة ٨/٣٨٤-٣٨٦، والإنصاف لعلي بن سليمان المرادي ٤/١٧٠".
    2. (٢)زاد المعاد ٣/٤٨٤".
    ج ١ ص ٧٠٢
  26. وظاهر الأحاديث الواردة في غزوة حنين أن العطاء المذكور كان من صلب الغنيمة وأن الأنصار لما تكلموا في ذلك حيث إنه لم يصبهم من الغنيمة جمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لهم: "أما ترضون يا معشر الأنصار أن يرجع الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم " قالوا: " رضينا، فكان في ذلك تعويضا لهم عن الغنيمة التي لم ينالوا منها شيئاً ".

    قال محمد الأمين الشنقيطي: "اعلم أن جماهير علماء المسلمين على أن أربعة أخماس الغنيمة للغزاة الذين غنموها، وليس للإمام أن يجعل تلك الغنيمة لغيرهم، ويدل لهذا قوله تعالى: {غَنِمْتُمْ} ٣ فهو يدل على أنها غنيمة لهم فلما قال: {فَأَنَّ لله خُمْسَهُ} ، علمنا أن الأخماس الأربعة الباقية لهم لا لغيرهم فقوله: {فَأَنَّ لله خُمْسَهُ} ، أي: "وللغانمين ما بقي" . وهذا القول هو الحق الذي لا شك فيه، وحكى الإجماع عليه غير واحد من العلماء ".

    ثم قال: "وأما ما وقع في قصة حنين فالجواب عنه ظاهر، هو أن النبي صلى الله عليه وسلم استطاب نفوس الغزاة عن الغنيمة ليؤلف بها قلوب المؤلفة قلوبهم لأجل المصلحة العامة للإسلام والمسلمين، ويدل على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما سمع أن بعض الأنصار قال: "يمنعنا ويعطي قريشا، وسيوفينا تقطر من دمائهم، جمعهم النبي صلى الله عليه وسلم وكلمهم كلامه المشهور البالغ في الحسن ومن جملته أنه قال لهم: " ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاء والبعير وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم ". إلى آخر كلامه، فرضي القوم، وطابت نفوسهم، وقالوا: " رضينا برسول الله صلى الله عليه وسلم قسما وحظا، وهذا ثابت في الصحيح٤ ".إهـ" .

    1. (٤)أضواء البيان ٢/٣٥٤و٣٥٦-٣٥٧ وانظر ص ٣٦٢".
  27. وأما الأمر الثاني: "وهو هل حكم المؤلفة قلوبهم باق أو أن ذلك منسوخ فقد

    ج ١ ص ٧٠٣ساق الترمذي حديث صفوان بن أمية قال: "أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وإنه لأبغض الخلق إلي فما زال يعطيني حتى إنه أحب الخلق إلي" ١.

    ثم قال: "وقد اختلف أهل العلم في إعطاء المؤلفة قلوبهم، فرأى أكثر أهل العلم أن لا يعطوا وقالوا إنما كانوا قوما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يتألفهم على الإسلام حتى أسلموا، ولم يروا أن يعطوا اليوم من الزكاة على مثل هذا المعنى" .

    1. (٣)يشير إلى قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} ، الآية.
  28. وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة وغيرهم، وبه يقول أحمد٢ وإسحاق ".

    وقال بعضهم: "من كان اليوم على مثل حال هؤلاء ورأى الإمام أن يتألفهم على الإسلام فأعطاهم جاز ذلك وهو قول الشافعي٣ ".

    1. (٢)هو قول مرجوح لأحمد، انظر ص (٦٩٢) .
    2. (٣)سنن الترمذي ٢/٨٨-٨٩ كتاب الزكاة، باب ما جاء في إعطاء المؤلفة قلوبهم وقوله وهو قول الشافعي، يوضح قول الشافعي ما قاله النووي".
  29. وقال النووي في أثناء شرحه لحديث صفوان وما ورد في معناه: "وفي هذا مع ما بعده إعطاء المؤلفة، ولا خلاف في إعطاء مؤلفة المسلمين، لكن هل يعطون من الزكاة؟

  30. فيه خلاف، والأصح عندنا أنهم يعطون من الزكاة ومن بيت المال ".

  31. والثاني: "لا يعطون من الزكاة، بل من بيت المال خاصة، وأما مؤلفة الكفار فلا يعطون من الزكاة، وفي إعطائهم من غيرها خلاف، الأصح عندنا لا يعطون، لأن الله تعالى قد أعز الإسلام عن التألف، بخلاف أول الأمر، ووقت قلة المسلمين٤ ".إهـ" .

    1. (٤)شرح النووي على صحيح مسلم ٥/١٦٩ وكفاية الأخيار لتقي الدين أبي بكر الحسيني ١/١٢٢-١٢٣". ١الإفصاح ١/٢٢٤". ٢ هي قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ} ، [سورة التوبة، من الآية: "٦٠] ". ٣ أبو جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين الهاشمي، عده النسائي وغيره في فقهاء التابعين بالمدينة". (تذكرة الحفاظ للذهبي ١/١٢٤-١٢٥) وقد تقدمت ترجمته في حديث (١٩) . ٤ المغني ٢/٦٦٦". ٥ الإنصاف ٣/٢٢٨ وقوله: "من المفردات" يعني أن الإمام أحمد تفرد بالقول ببقاء حكم المؤلفة عن الأئمة الثلاثة". ٦ كتاب الأموال ص ٧٩٧". (إن) هي المخففة من الثقيلة وإذا أهملت لزمتها اللام فارقة بينها وبين (إن) النافية وهي هنا مهملة لوجود اللام في جوابها "ليسلم". (شرح ابن عقيل ١/٣٧٨) . ٢ تقدم تخريجه برقم (١٩٤) وانظر حديث (١٩٧) . ٣ كتاب الإفصاح لابن هبيرة ١/٢٢٤-٢٢٥، المغني لابن قدامة ٢/٦٦٦، الهداية للمرغيناني١/١١٢،والشرح الكبير لأحمد الدردير مع حاشية الدسوقي١/٤٩٥، والأم للشافعي٢/٦١،والمنتقى للباجي٢/١٥٣،والمجموع للنووي٦/٢١٠، وكفاية الأخيار لتقي الدين أبي بكر الحسيني ١/١٢٢، نصب الراية للزيلعي ٢/٣٩٤-٣٩٥، نيل الأوطار للشوكاني ٤/١٨٧ وفتح القدير له ٢/٣٧٣".
  32. والظاهر في هذا هو جواز إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة ومن غيرها سواء أكانوا مسلمين أم كافرين، لأن الله تعالى قال: {وَالمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُم} والآية عامة وهي أصل في جواز إعطاء المؤلفة من الزكاة ولم تخصص مسلما من غيره، وهي محكمة غير منسوخة ". وأما إعطاء مؤلفة الكفار من بيت المال من خمس الخمس أو نحوه فذلك زيادة لهم على إعطائهم من الزكاة" .

    1. (١)تقدم تخريجه برقم (١٨٥) .
  33. ومن المعلوم أن من أهداف التأليف استمالة القلوب إلى الإسلام أو تثبيتها عليه، أو كسب أنصار له، أو كف شر عن دعوته ودولته، فهو بهذا المعنى يحقق مصلحة عامة للمسلمين، ولا تهدر هذه المصلحة لأن من القواعد المقررة أنه متى وجدت المصلحة فثم شرع الله، وما كان كذلك فإن حكمه باق متى دعت الحاجة إليه.

    قال ابن هبيرة: "اختلف العلماء في المؤلفة قلوبهم، هل بقي الآن لهم حكم؟ "

    فقال أحمد: "حكمهم باق لم ينسخ، ومتى وجد الإمام قوماً من المشركين فخاف الضرر بهم، وعلم أن في إسلامهم مصلحة، وجاز أن يتألفهم من مال الزكاة" .

    ج ١ ص ٧٠٤
  34. وعنه رواية أخرى أن حكمهم منسوخ١ ". إهـ.

    وقال ابن قدامة: "وأحكام الأصناف الثمانية المنصوص عليهم في آية براءة٢،كلها باقية، وبهذا قال الحسن والزهري، وأبو جعفر٣ محمد بن عليّ٤ ".

    وقال علاء الدين المرداوي: "الصحيح من المذهب أن حكم المؤلفة باق وعليه الأصحاب، وهو من المفردات٥ ".

    وقال أبو عبيد: "الآية محكمة، لا نعلم لها ناسخا من كتاب ولا سنة، فإذا كان قوم هذه حالهم، لا رغبة لهم في الإسلام، لما عندهم من العز والأنفة فرأى الإمام أن يرضخ لهم من الصدقة، فعل ذلك لخلال ثلاث:

    إحداهن: "الأخذ بالكتاب والسنة" .

  35. والثانية: "البقيا على المسلمين" .

  36. والثالثة: "أنه ليس بيائس منهم إن تمادى بهم الإسلام، أن يتفقهوه وتحسن فيه رغبتهم ٦" .إهـ.

    ج ١ ص ٧٠٥قلت: "وهذا هو الهدف الأساسي من التأليف هو ترغيب الناس في الدخول في هذا الدين الحنيف، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي على الإسلام ما لايعطي على غيره، فقد جاء في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: قال: " ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئا إلا أعطاه، قال: "فجاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال: " يا قوم! أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة ".

  37. وفي لفظ: "أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم غنما بين جبلين فأعطاه إياه فأتى قومه فقال: "أي قوم! فوالله! إن محمد ليعطي عطاء ما يخاف الفقر" .

    فقال أنس: "إن١ كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنياوما عليها" ٢ ".

  38. وذهب الحنفية والشعبي ومالك والشافعي إلى أن هذا المصرف "المؤلفة قلوبهم " إنما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في حال قلة عدد المسلمين وكثرة عدوهم، وأما بعد وفاته عليه الصلاة والسلام فإنهم لا يعطون من الزكاة شيئا لزوال العلة التي من أجلها كان إعطاؤهم وهي الحاجة إليهم، فقد أعز الله الإسلام وأهله، وأغنى عن تألفيهم، فلا يعطى مشرك تأليفا بحال من الأحوال.

  39. ورأوا أن حكمهم منسوخ بإجماع الصحابة على ذلك، فإن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما لم يعطيا المؤلفة قلوبهم شيئا من الصدقات، ولم ينكر عليها أحد من الصحابة فيكون إجماعا منهم ٣.

  40. ورد هذا ابن قدامة بقوله: