المبحث الأول: الحصار الذي لحق بالمسلمين
١٥ فقرة، ج ١ ص ٢٨٥
- ج ١ ص ٢٨٥
...
-
[المبحث الأول: الحصار الذي لحق بالمسلمين]
-
بعد أن تم حفر الخندق ووصلت الأحزاب ونقض بنو قريظة العهد المبرم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونجم النفاق وقال المؤمنون: {هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً} ١.
-
ولكنهم لقتلهم وكثرة العدو وأحاطته بهم من كل مكان ثقل الأمر عليهم وأشتد البلاء حيث بين الله سبحانه وتعالى ذلك الموقف بقوله: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً} الآيات٢.
- (٢)سورة الأحزاب الآيتين ١٠، ١١.
- (١)سورة الأحزاب الآية ٢٢.
- ج ١ ص ٢٨٦
وقبل أن يتوجه صلى الله عليه وسلم إلى المعسكر وكما هي عادته صلى الله عليه وسلم كلما أراد أن يغزو ويحارب يجعل أميراً على المدينة يقوم بشؤونها حتى يعود عليه الصلاة والسلام. وكان في هذه الغزوة قد أمّر عليه الصلاة والسلام المهاجر الصابر الأعمى: عبد الله ابن أم مكتوم١ رضي الله عنه ثم توجه إلى معسكره وبدأ المرابطة وحاصر أعداءُ الله المسلمين وقتاً ليس بالقصير وعرف المسلمون مَنْ يتربص بهم وراء هذا الحصار فقرروا مواصلة المرابطة في مكانهم ينضحون بالنبل كل مقترب ويتحملون لأواء هذه الحراسة التي تنتظم السهل والجبل وتتسع ثغورها يوماً بعد يوم. لذلك قال ابن إسحاق:
فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون وعدوهم محاصروهم ولم يكن بينهم قتال. إلا إن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود بن أبي قيس أخو بني عامر بن لؤي.
قال ابن هشام: "ويقال: عمرو بن عبد بن أبي قيس" :
قال ابن إسحاق: "وعكرمة بن أبي جهل وهبيرة بن أبي وهب واسم أبي وهب - جعدة - المخزوميان وضرار بن الخطاب الشاعر بن مرداس أخو بني محارب بن فهر تلبسوا للقتال ثم خرجوا على خيلهم. حتى مروا
ج ١ ص ٢٨٧بمنازل بني كنانة فقالوا تهيأوا يابني كنانة للحرب فستعلمون من الفرسان اليوم ثم اقبلوا تعنق بهم خيلهم حتى وقفوا على الخندق فلما رأوه قالوا والله أن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها ". أ. هـ. ١
وبدأ الحصار واشتدت وطأته وكره فوارس من قريش أن يقفوا حول المدينة على هذا النحو فإن فرض الحصار وترقب نتائجه ليس من شيمهم وكانوا يحاولون شتى المحاولات لتحطيم هذا الحصار وهم في كل ذلك يفشلون أمام صمود المسلمين.
- (١)الأعمى صحابي جليل شهد القادسية واستشهد بها وقيل رجع إلى المدينة فمات بها. انظر ترجمته في: الإصابة ٣/٥٢٣، أسد الغابة ٤/١٢٧، المعارف لابن قتيبة ١٢٦.
-
أما الحصار فقد اختلف فيه على أقوال:
(١) قال ابن كثير٢ قال ابن إسحاق: "فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم مرابطاً وأقام المشركون يحاصرونه بضعاً وعشرين ليلة قريباً من شهر ولم يكن بينهم حرب إلا الرميا٣ بالنبل. وبه قال ابن جرير الطبري٤ وابن الأثير٥ وابن سيد الناس"٦.
- (١)السيرة النبوية ٢/٢٢٤.
- (٢)البداية والنهاية ٤/١٠٤.
- (٣)الرميا بكسر الراء والميم مشددتين وتخفيف الياء أي المراماة.
- (٤)تاريخ الأمم والملوك٣/٤٧، جامع البيان ٢١/١٢٨.
- (٥)الكامل لابن كثير ٢/١٢٤.
- (٦)عيون الأثر ٢/٦٠.
- ج ١ ص ٢٨٨
(٢) أما ابن سعد فقد ساق في ذلك حديثاً ليبين بأن الحصار دام أربعاً وعشرين ليلة - إلا أن ظاهره الإرسال وهو من رواية ابن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم ١ وقد قال قبل ذلك أي ابن سعد وحُصر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بضع عشرة ليلة٢.
- (٢)الطبقات الكبرى ٢/٦٩ ٣انظر المواهب اللدانية ٢/١١٢ ٤ فتح الباري ٧/٣٩٣. ٥ زاد المعاد ٣/٢٧٢. ٦ المواهب اللدانية ٢/١١٢.
-
والذي ذكره ابن سعد على ضوء الحديث المسند وهو أربع وعشرون ليلة هو مقارب للقائلين بأن الحصار كان شهراً. وهو قول للواقدي٣. لكن قوله بأن المدة كانت بضع عشرة ليلة مغاير للقول الأول.
-
(٣) قال الحافظ٤: "وذكر موسى بن عقبة أن مدة الحصار كانت عشرين يوماً" .
-
(٤) قال ابن القيم٥: "إن الحصار دام شهراً ولم يكن بينهم قتال لأجل ما حال الله به من الخندق بينهم وبين المسلمين" .
-
(٥) قال القسطلاني٦: "وفي الروضة للنووي خمسة عشر يوماً - وهذا يقوي قول ابن سعد المتقدم بأن الحصار دام بضع عشرة ليلة" .
- (١)الطبقات الكبرى ٢/٧٣.
- ج ١ ص ٢٨٩
والصحيح هو ما جزم به ابن القيم بدليل الآثار الآتية. وكذلك وجد في إشعارهم ما يدل على ذلك.
-
أما الآثار فهي:
قال الطبري رحمه الله: حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة١ في قولـ تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا} الآية قال٢ يعني الملائكة قال نزلت هذه الآية يوم الأحزاب وقد حصر رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً ... الخ"٣. من حديث طويل. والأثر بهذا السند حسن لذاته إلى قتادة.
وقال ابن سعد رحمه الله: أخبرنا عارم بن الفضل٤ أخبرنا حماد بن زيد٥ عن يحيى بن سعيد
ج ١ ص ٢٩٠قال: قال سعيد بن المسيب١: "حاصر النبي صلى الله عليه وسلم المشركون في الخندق أربعاً وعشرين ليلة ..." الحديث٢.
- (١)السند تقدمت تراجم رجاله.
- (٢)قال القائل في الأولى والثانية (قتادة) .
- (٤)عارم بن الفضل: عارم لقب واسمه محمد بن الفضل البصري - ثقة ثبت - تغير بأخر عمره من صغار التاسعة مات سنة ثلاث أو أربع وعشرين بعد المائتين روى له (ع) . انظر: التقريب ٣١٥.
- (٥)حماد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي أبو إسماعيل البصري - ثقة ثبت - فقيه قيل إنه كان ضريراً ولعله طرأ عليه لأنه صح أنه كان يكتب - من كبار الثامنة- مات سنة تسع وسبعين وقيل سبع وتسعين وقيل سنة تسع وثمانين ومائة روى له (ع) . التقريب ٨٢.
- (٣)جامع البيان ٢١/١٢٨.
- (١)سعيد بن المسيب بن حزن ابن أبي وهب بن عمرو بن عابد بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي أحد العلماء الاثبات الفقهاء الكبار من كبار - الثانية - اتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل وقال ابن المديني لا أعلم في التابعين أوسع علماً منه. مات بعد التسعين وقد ناهز الثمانين روى له (ع) . التقريب ١٢٦.
- (٢)الطبقات الكبرى ٢/٧٣.
-
والأثر رجاله ثقات إلا أنه مرسل.
-
أما الاشعار الدالة على ذلك فقد جاء في السيرة النبوية ما يلي:
قال ضرار بن الخطاب بن مرداس٣ وكان أحد الفرسان الذين
حاولوا اقتحام الخندق وكان أيضاً أحد الشعراء المشهورين ولا يخفى ما للشعر من تأثير على النفوس في الحروب وغيرها.
ج ١ ص ٢٩١قال يوم الخندق شعراً جاء فيه:
فأحجرناهم شهراً كريتا١ ... وكنا فوقهم كالقاهرينا٢
ومن ذلك أيضاً ما جاء في شعر ابن الزبعرى٣ من قصيدة طويلة:
شهراً وعشرا قاهرين محمداً ... وصحابه في الحرب خير صحاب٤
فقد ذكر عشراً زيادة على الشهر ولعله ضرورة شعرية حتى يستقيم الوزن وإلا فالثابت شهراً.
- (٣)ضرار بن الخطاب بن مرداس بن كثير بن عمرو بن حبيب بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر بن مالك القرشي كان أبوه الخطاب رئيس بني فهر في زمانه وكان يأخذ المرباع لقومه وكان ضرار يوم الفجار على بني محارب بن فهر وكان من فرسان قريش وشجعانهم وشعرائهم وهو أحد الأربعة الذين وثبوا الخندق قال الزبير بن بكار لم يكن في قريش أشعر منه ومن ابن الزبعرى وقد أسلم يوم الفتح ووهم من ظنه أخا لعمر بن الخطاب وممن وهم في ذلك الحلبي في سيرته ٢/٦٤٤ والحقيقة أنهما لا يلتقيان إلا في فهر بن مالك. انظر المعارف لابن قتيبة ٧٧، أسد الغابة ٣/٤٠.
- (١)أحجرناهم حصرناهم وشهراً كريتا تاماً كاملاً قال في القاموس ١/١٥٥ سنة كريت تامة.
- (٢)السيرة النبوية ٢/٢٢٥.
- (٣)هو عبد الله بن الزبعرى بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص القرشي السهمي الشاعر أمه عاتكة بنت عبد الله بن عمرو بن وهب بن حذافة بن جمح وكان أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية وعلى أصحابه بلسانه ونفسه وكان يناضل عن قريش ويهاجي المسلمين وكان من أشهر شعراء قريش. أسلم بعد الفتح وحسن إسلامه. أسد الغابة ٣/١٥٩.
- (٤)السيرة النبوية ٢/٢٥٨.