الخاتمة: في الأحكام والفوائد والعبر المستنبطة من هذه الغزوة
٨٦ فقرة، ج ١ ص ٤٢٩
الصفحة ١ من ٣
- ج ١ ص ٤٢٩
أذكر في هذه الخاتمة خلاصة لما اشتلمت عليه هذه الغزوة من أحكام، وفوائد، وعبر، وذلك من خلال دلالة النصوص الواردة، أو مقتضى عمله صلى الله عليه وسلم، وقد مرت بعض الأحكام في مواضعها.
-
وإنما جعلت هذه الخاتمة لإجمال ما سبق تفصيله وليكون كالخلاصة الجامعة يمكن للقارئ من خلالها الوقوف بسهولة على بعض تلك الأحكام.
-
وقد أكون مقلداً في هذا العمل الإمام ابن القيم١ –رحمه الله- فقد ذكر أشياء كثيرة عقب كل غزوة، إلا أنه للأسف لم يعرج على غزوة الخندق كما فعل ذلك أيضاً في غزوة بدر الكبرى حيث لم يتكلم عن الأحكام المستفادة من الغزوتين٢.
- (١)في كتابه القيم زاد المعاد.
- (٢)بدر والخندق.
- ج ١ ص ٤٣٠
ولكنْ حسبي أن أنهج نهجه في بقية الغزوات، حيث سأذكر بعض الأحكام الفقهية المستنبطة من هذه الغزوة المباركة، والتي كانت بمثابة درس أخير للكفر وأهله. فأيقنوا أن الله مع المؤمنين ومن كان الله معه كفاه شر أعدائه.
-
ومن تلك الأحكام:
- ١- الشورى:
-
الشورى في الإسلام مبدأ من مبادئ نظام الحكم الإسلامي، وعليه المعول عندما لا يوجد دليل من الكتاب أو السنة يحتم الأخذ بشيء معين.
-
وقد شاور الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه كثيراً، كما فعل ذلك الخلفاء الراشدون بعده.
-
والشورى مصطلح إسلامي لا ينبغي أن يطلق على غير مدلوله الشرعي؛ لأن الشورى في الإسلام لها ميزات لا توجد في أي نظام آخر، أو أي قانون مستحدث١.
- (١)مرويات غزوة بدر الكبرى ١٤٢.
-
وهي خاصة بأهل الحل والعقد، فلا يدخل فيها من لا يستحقها لأن ذلك يخل بهذا المبدأ العظيم، وفي غزوة الخندق حصلت المشاورة من النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه حول خطة الدفاع التي يتخذونها حيال الجموع الزاحفة
ج ١ ص ٤٣١صوب المدينة، التي جاءت من بلادها عاقدة النية استئصال هذا الدين الحنيف الذي أصبح يهدد كيانهم ويبدد أصنامهم.
-
وقد أشار عليه سلمان الفارسي١ –رضي الله عنه- بحفر الخندق وذلك لإقتناعه بأنها خطة عظيمة جيدة في هذا الظرف الخطير؛ والوقت القصير؛ ولأنها قد نفذت في بلاد فارس ونفعت.
- (١)تقدمت ترجمته في الباب الثالث الفصل الأول منه.
-
واقتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الرأي السديد، وسارع إلى تنفيذه، وسارع أصحابه –رضي الله عنهم- في هذا العمل العظيم، وأنجزوه في مدة وجيزة٢ حيث لا تستطيع الآلات الحديثة في هذا العصر المتطور مادياً أن تفعل فعلهم إذا أخذنا في الحسبان أنهم حفروا من طرف الحرة الغربية٣ الشرقي إلى طرف الحرة الشرقية٤ الغربي.
- (٢)ذلك لأنه قد تقدم الخلاف في ذلك والأكثر متفقون على أنهم مكثوا في الحفر ستة أيام.
- (٣)الحرة الغربية وتسمى – حرة الوبرة-.
- (٤)وتسمى حرة واقم لكنهم بدأوا من طرف حرة بني حارثة.
-
علماً بأن الحفر واسع وعميق بحيث لم تستطع الخيل اقتحامه مما يدل دلالة واضحة على عِظمه واتساعه، وما ذلك إلا بقدرة الله وقوته وتوفيقه
ج ١ ص ٤٣٢لرسوله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه الكرام –رضي الله عنهم- {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} ١.
-
٢ - مشروعية جعل الإمام من ينوب عنه أثناء غيابه في قتال أو غيره.
-
وهذا مبدأ إسلامي مشروع شرعه النبي صلى الله عليه وسلم في عهده فالاقتداء به في ذلك مشروع.
-
وقد كان صلى الله عليه وسلم في كل غزوة، وفي كل سفر يعزم عليه يعين نائباً على المدينة يقوم بالصلاة بأهلها ممن تخلفوا عن القتال لعجز، أو إعالة ضعفاء، أو تمريض مرضى، وغير ذلك من رعاية شئون أهل المدينة.
-
وفي هذه الغزوة عين صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم وقد تقدم الخلاف في اسمه. قال الحافظ: وكون اسمه عمرو أشهر وأكثر قال وقد استخلفه النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة ثلاثة عشرة مرة قال وكان يستخلفه على المدينة يصلي بالناس في عامة غزواته وأشار إلى هذا قبله ابن الأثير٢.
- (٢)تهذيب التهذيب ٨/٣٤، أسد الغابة ٤/١٠٣.
- ٣ - التواضع في الإسلام:
-
مبدأ شرعي من مبادئ هذا الدين الحنيف وخلق كريم، ولقد وقف النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة في حجته التي تسمى حجة الوداع وقال: "يأيها الناس
ج ١ ص ٤٣٣ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى. أبلغت..." ١. الحديث، من هذا المنطلق يتبين أن التواضع من الرئيس لمرؤسيه؛ ومن الكبير للصغير، بل التواضع من كل أحد مما دعا إليه الإسلام وقد فعل ذلك صلى الله عليه وسلم وطبق بنفسه هذا المبدأ العظيم.
- (١)سورة الحج الآية ٤٠.
-
حيث باشر بنفسه في هذه الغزوة حفر الخندق، ونقل التراب وقد روى البراء بن عازب - رضي الله عنه - أنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك حتى اغبر بطنه.
-
وما ذلك إلا لمعرفته بالله، وتواضعه لمن شرح صدره، ووضع وزره ورفع ذكره، حيث لا يذكر الله إلا ويذكر صلى الله عليه وسلم. وتواضعه يتجلى دائماً بين أصحابه سواء في الحرب أو في السلم وسنته مليئة بمثل ذلك.
- ٤ - المبارزة:
-
وهي ملاقاة الند٢ من المشركين أمام الصفوف واحداً لواحد.
- (٢)الند: بالكسر المثل وبالفتح الطيب. القاموس ١/٣٤١.
- (١)مسند الإمام أحمد ٥/٤١١ وقد جاء في صحيح مسلم ٤/٢١٩٩ أن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد. الحديث.
- ج ١ ص ٤٣٤
وقد حصل في هذه الغزوة المباركة لقاء هام بين علي رضي الله عنه وبين أعتى أعداء الله عمرو بن عبد ود حتى إن المؤرخين أثبتوا جميعاً بأنه فارس قريش وأحد شجعانها المبرزين.
-
ومبارزة علي لعمرو رواها الحاكم في مستدركه وهي ثابتة عنده١. وقد تقدم الكلام عليها في مبحث خاص وهي جائزة وبالجواز قال الجمهور وخالف في ذلك الحسن البصري.
- (١)المستدرك ٣/٣٢.
- ٥ - بيع جيفة الكافر جوازها وعدمه:
-
وقد جاء في كتب الحديث ما يمنع ذلك فقد عنون البخاري بقوله: باب (طرح جيف المشركين في البئر ولا يؤخذ لهم ثمن) وفي ذلك دليل على أنه لا يجوز بيع جيفة المشرك قال المباركفوري: وإنما لا يجوز بيعها وأخذ الثمن فيها لانها ميتة لا يجوز تملكها ولا أخذ عوض عنها وقد حرم الشارع ثمنها وثمن الأصنام٢.
قال الحافظ: "قوله ولا يؤخذ لهم ثمن أشار به إلى حديث ابن عباس أن المشركين أرادوا أن يشتروا جسد رجل من المشركين فأبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيعهم" ٣.
- (٢)تحفة الأحوذي ٥/٣٧٦.
- (٣)فتح الباري ٦/٢٨٢ كتاب الجزية.
- ج ١ ص ٤٣٥
٦ - لا يعدل عن الوضوء إلى التيمم مع وجود الماء:
أي أن الوضوء قد أوجبه الله سبحانه وتعالى فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} ١ الآية.
قال الحافظ: "والوضوء بالضم الفعل وبالفتح الماء الذي يتوضأ به على المشهور فيهما" ٢. والوضوء واجب إلا في حالات نادرة.
-
والرسول صلى الله عليه وسلم لم يترك الوضوء حتى في أثناء الحروب ذلك لأنه لما كان في هذه الغزوة وفاتته صلاته العصر كما مر في الأحاديث الصحيحة وفي بعضها أنه فاتته الظهر والعصر والمغرب والعشاء.
-
عمد صلى الله عليه وسلم عندئذ إلى بطحان٣ ليتوضأ، وترك التيمم مع أنه في وقت حرب وأوضاع حرجة؛ ولأنه هو المشرع صلى الله عليه وسلم؛ ولوجود الماء قريباً منه لم يترك الوضوء لما فيه من الأجر العظيم لذلك روى البخاري حيث قال في حديث تقدم وشاهدنا منه هو:
قال عمر بن الخطاب يا رسول الله ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب قال النبي صلى الله عليه وسلم والله: "ما صليتها" فنزلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بطحان
ج ١ ص ٤٣٦فتوضأنا لها. الحديث١.
قال الحافظ: "والوضوء فُرض على النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، كما فرضت الصلاة وأنه لم يصل قط إلا بوضوء، وهذا يوضح أنه من شروط الصلاة؛ لذلك ذكر الحاكم حديث ابن عباس: دخلت فاطمة على النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي فقالت: " هؤلاء الملأ من قريش قد تعاهدوا ليقتلوك " فقال: " ائتوني بوضوء " فتوضأ الحديث. قلت٢ وهذا يصلح رداً على من أنكر وجود الوضوء قبل الهجرة لا على من أنكر وجوبه حينئذ قال وقد جزم ابن الجهم المالكي بأنه كان قبل الهجرة مندوباً٣.
- (٣)أحد أودية المدينة المشهورة وانظر: ١٩٤.
- (١)سورة المائدة الآية ٦.
- (٢)فتح الباري ١/٢٣٢.
- (١)صحيح البخاري ٥/٤٧.
- (٢)أي ابن حجر.
- ٧ - الخديعة في الحرب:
-
قال الحافظ: "وأصل الخداع إظهار أمر وإضمار خلافه"٤.
-
وقد أورد البخاري رحمه الله في ذلك حديثين أحدهما عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم (سمى الحرب خدعة) ٥.
- (٣)فتح الباري ١/٢٣٢.
- (٤)فتح الباري ٦/١٥٨.
- (٥)صحيح البخاري ٤/٢٤ كتاب الجهاد.
- ج ١ ص ٤٣٧
والثاني عن جابر بن عبد الله قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الحرب خدعة١" ، وقد أورد مسلم أحدهما عن أبي هريرة٢.
ثم قال النووي: "واتفق العلماء على جواز خداع الكفار في الحرب كيف أمكن الخداع، إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحل" ٣.
قال الطبري: "إنما يجوز من الكذب في الحرب المعاريض دون حقيقة الكذب فإنه لا يحل" ٤.
قال الحافظ: "ذكر الواقدي أن أول ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " الحرب خدعة" في غزوة الخندق٥.
- (٢)صحيح مسلم ٣/١٣٦٢ كتاب الجهاد.
- (٥)المصدر السابق ٦/١٥٨.
-
وقد فعل ذلك نعيم بن مسعود رضي الله عنه في الخندق حيث أنه كان قد أسلم ولم يعلم به قومه فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بإسلامه وأن قومه لا يعلمون بذلك.
- (١)فتح الباري ٦/١٥٨.
- (٣)المصدر السابق ٣/١٣٦٢.
- (٤)فتح الباري ٦/١٥٩.
- ج ١ ص ٤٣٨
وأراد مساعدة المسلمين فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا ما استطعت، فذهب لتوه إلى بني قريظة فقريش فغطفان وخذلهم الله وفرق جمعهم وشتت شملهم وكان نعيم سبباً هاماً في ذلك.
-
ولذلك قال الحافظ: "وفي الحديث إشارة إلى استعمال الرأي في الحرب بل الاحتياج إليه آكد من الشجاعة" ١.
-
٨ - مشروعية إرسال العيون لأخذ أخبار الأعداء:
قال البخاري: "باب الجاسوس" ٢.
قال الحافظ: "الجاسوس بجيم ومهملتين أي حكمه إذا كان من جهة الكفار ومشروعيته إذا كان من جهة المسلمين. من هذا المنطلق فقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ليلة الأحزاب ليأتيه بأخبار تلك الجموع التي حاولت جاهدة في حرب المسلمين وإيذائهم.
-
وقد قام حذيفة رضي الله عنه بالمهمة خير قيام، حيث ذهب إليهم، وجلس بينهم، وسمع ما يدور في معسكرهم، وقد كان على مسافة قريبة
ج ١ ص ٤٣٩من القائد أبي سفيان وأراد أن يرميه فتذكر تحذير النبي صلى الله عليه وسلم له من ذلك "ولا تذعرهم عليّ١" . فعاد رضي الله عنه يحمل أخباراً سارة وبشرى هامة هي رحيلهم، وانكشافهم عن المدينة التي ضاقت بهم ذرعاً {وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ} "٢ الآية.
- (١)المصدر السابق ٦/١٥٨.
- (٢)صحيح البخاري ٤/١٨.
-
من هنا يؤخذ:
جواز استعمال العيون، وإرسالها للتعرف على حالة الأعداء، ومدى استعدادهم، وكيفية تحركاتهم، حتى يكون المسلمون على علم بأعدائهم فيعد المسلمون لكل أمر عدته ولا ينبغي للمسلمين أن يغفلوا عن تحركات أعدائهم وما يكيدونه للإسلام وأهله.