مقدمة
٨٥ فقرة، ج ١ ص ١٥
الصفحة ١ من ٣
- ج ١ ص ١٥
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
-
وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
-
أما بعد: فإن علم التاريخ من أعظم العلوم قدراً وأجلها مكانة، لأنه سجل حافل بتجارب البشرية على مدار التاريخ، والعلم به وإدراك أبعاده يكسب صاحبه خبرة وحنكة١، وفهماً لأحداث الأمم، يضاف إلى تجارب العالم به، فيكون بمثابة عاقل مشهود له، تجمعت لديه عقول البشرية، فهو يستشيرها ويأخذ بأحسنها سداداً وأصوبها رأياً.
- (١)الحنكة: بضم الحاء المهملة وسكون النون، والكاف المفتوحة: السن والتجربة والبصر بالأمور. انظر: لسان العرب ١٢/٢٩٩.
-
هذا وإن واسطة العقد في علم التاريخ هو علم السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وإن الأحداث تشرق وتتعالى بقدر علو وشرف محدثيها ومن هنا كان شرف وعظمة علم السير والمغازي، لأنه يناط٢ بأفضل البشرية وأكرمها على خالقها، ألا وهو الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم
ج ١ ص ١٦التسليم، فلذا يجدر بي أن أنوّه١ بشأن هذا الموضوع، والكتابة فيه، وأن أشير إلى أن العناية بالسيرة والكتابة فيها ضرورة لازمة.
- (٢)يناط: يتعلق.
- (١)أنوه: نوّهت بالشيء ونوهته تنويهاً رفعته، ونوهت باسمه، رفعت ذكره. لسان العرب ١٧/٤٤٢.
- ضرورة العناية بالسيرة النبوية:
-
من المعلوم أن كل أمة لها أبطالها ورجالها الخالدون بأعمالهم، ومفاخرهم، فهي تحرص على تسجيل جميع ما يتصل بهؤلاء الأفذاذ من أبنائها، لأنها تعتبر ذلك مفخرة من مفاخرها، ومأثرة٢ من مآثرها، وليس ذلك فحسب، بل إنها تريد أن تظل حياة هؤلاء الرجال سيرة طاهرة نقية ترتادها الأجيال المقبلة لتقتدي بهم، وتسلك سبيلهم، وهذا ما فعلته الأمم الراقية ذات الحضارات الخالدة في سجل التاريخ. وإذا فعلت ذلك أية أمة من الأمم الأرض برجالها، فإن أمة الإسلام أولى بذلك وأحرى لأنه ليس لأمة من الأمم تاريخ مشرق وضاء، مثل ما لأمة الإسلام.
- (٢)الأثرة والمأثرة، بسكون الثاء وفتحها وضمها: المكرمة لأنها تؤثر، أي: تذكر ويأثرها قرن عن قرن يتحدثون بها. وفي المحكم: المأثرة: المكرمة المتوارثة. انظر: لسان العرب ٥/٦٢.
-
وما كانت تستطيع ذلك أو تحلم به لولا أن اختار الله منها أفضل الخلق أجمعين سيد الأولين والآخرين النبي الأمين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، فدخلت بسببه في سجل التاريخ، (وما كان لها ذكر) ثم أصبحت سيدة الأمم كلها، وخير أمة بما حباها الله به من نور الإيمان والقيام بمتطلبات الإسلام، فكانت بذلك خير أمة أخرجت للناس، وليست أمة من الناس.
-
وكان ذلك بفضل اقتدائها بسيرة نبيها صلى الله عليه وسلم، ومن هنا وجبت العناية بهذه السيرة العطرة، فهي سيرة مفردة من بين سائر الرجال والأبطال، لأنها سلمت من العيوب والمثالب، وكانت كلها فضائل ومناقب إذ هي معصومة بعصمة الله لصاحبها من الوقوع في الأخطاء البشرية التي لا يسلم منها عادة أحد من الناس فكانت حجة على الناس يجب تبنيها والعمل بمقتضاها، والبحث عن جميع ما يتصل بها بحثاً علمياً يعتمد على الدراسة النقدية المستندة
ج ١ ص ١٧إلى علم الإسناد، لأن سيرته صلى الله عليه وسلم بجميع أحداثها تطبيق عملي للإسلام وقد قال تعالى لنبيه: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} ، [سورة الأنعام، الآيتان: ١٦٢ - ١٦٣] .
-
فحياته صلى الله عليه وسلم لله يعني أن ذلك عمل بأوامر الله، وبه صرحت الآية {وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ} فكانت العناية بسيرته صلى الله عليه وسلم عناية بشريعته، بل بالجانب العملي التطبيقي لهذه الشريعة.
-
ومن العجائب أن نجد عناية فائقة بحديثه صلى الله عليه وسلم من علماء خصصوا أنفسهم لذلك، ولا نجد تلك العناية بسيرته صلى الله عليه وسلم، وتنقيتها من الشوائب، على أن علم الحديث يشتمل على جزء كبير من سيرته صلى الله عليه وسلم، غير أنه لا يشتمل على جميع السيرة، فكان جديراً بالجامعات الإسلامية أن تفرد علم السِّير والمغازي بأهمية خاصة تتمثل في البحوث التخصصية التي تعنى بتصفية السيرة النبوية مما علق بها من تحريف وزيادة، أو كذب وافتراء، كما تعني بتحليل هذه السيرة بأسلوب علمي يتناسب مع لغة المثقف المعاصر، ليتسنى له قراءتها والتأسي بها، وهي حاجة إسلامية ملحة في الوقت الحاضر أكثر من أي وقت مضى.
-
غير أن تلبية هذه الحاجة تحتاج إلى جهود علمية موفقة على مستوى عال، ودراسة جادة تعنى بالجانب العلمي والجانب التحليلي ليتيسر للقارئ الإستفادة من هذه السيرة الطاهرة العامرة بكل خير وفضيلة.
- الدافع لي على الكتابة في السيرة:
-
يمكن أن ألخص الأسباب التي حفزتني للكتابة في السيرة فيما يلي:
أولا: أن السيرة النبوية الشريفة، هي الميدان العملي الذي طبقت فيه شريعة الإسلام، فالكتابة فيها تكتسب منهجاً تطبيقياً وعملياً أبعد ما يكون عن الفروض والنظريات الجافة.
- ج ١ ص ١٨
ومن هنا أحسست بأهمية الموضوع الذي أخوض غماره، فهو مجال تربوي عملي، يشعر فيه المسلم أنه أمام حياة حافلة بالأمجاد الواقعية، والبطولات الإسلامية النادرة التي تجسدت في خطوات المصطفى صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام.
-
ثانياً: أن علم السيرة والمغازي من العلوم الإسلامية التي اختلط فيها الحق بالباطل والسليم بالسقيم، والصحيح بالضعيف من جرّاء الجمع الذي لا يراعى فيه إلاَّ حشد الوقائع والأحداث دون تمحيص أو تدقيق، وكان هذا هو الأسلوب المتبع لدى كُتّاب السير والمغازي.
-
وقد يكون عذرهم مقبولاً في ذلك، لأنهم قد أوردوا ذلك بالأسانيد منسوبة إلى قائليها، ومن أراد التحقيق فله ذلك، غير أن هذا الأسلوب الذي سلكه كتّاب السير والمغازي، أساء إلى السيرة النبوية كثيراً، وخلط فيها خلطاً مشيناً، فرأيت أن أختار هذه الغزوة فأقوم بتمحيص مروياتها، لأن الكذب في سيرته صلى الله عليه وسلم كالكذب في حديثه، يحتاج إلى بذل الجهود المخلصة لتنفيه من سيرته صلى الله عليه وسلم كما نفته من حديثه، فكان ذلك من جملة البواعث والأسباب التي دفعتني للكتابة في هذه الغزوة.
-
ثالثاً: أن سيرته صلى الله عليه وسلم في حياته ليست مجرد أوصاف لعاداته وصفاته الطبيعية، وإنما هي بالإضافة إلى ذلك أحكام ومعاملات وعقود ومعاهدات وحياة حافلة بالأعمال النبوية في شتى المجالات.
-
وتجتمع هذه الحياة النبوية الشريفة في نطاق الأسوة والقدوة التي أمرنا الله بها في كتابه، في قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} ، [سورة الأحزاب، الآية: ٢١] .
-
ولا يتأتى للمسلم أن يقتدي به عليه الصلاة والسلام في سيرته إلاَّ إذا كانت تلك السيرة ثابتة عنه صلى الله عليه وسلم، وفق مناهج المحدثين، وهذا أمر شائك، لا يستطيع القيام به إلاَّ من توفرت لديه وسائله العلمية المطلوبة،
ج ١ ص ١٩وأهمها علم الإسناد، ولا أدعي أنني قد توفرت لدي هذه الوسائل، فذلك أمر دونه خرط القتاد١.
- (١)هو مثل يضرب للأمر الذي دونه مانع، والخرط: هو قشرك الورق عن الشجرة اجتذاباً بكفك، والقتاد: شجر له شوك أمثال الإبر. مجمع الأمثال ١/٢٦٥،رقم المثل ١٣٩٥.
-
ولكن حاولت جهد طاقتي بوسائلي المتواضعة أن أجرد نفسي للكتابة في هذه الغزوة، فإن أكن أصبت فالحمد لله، وإن أخطأت فإنني أرجو ممن عثر على خطأ أن يسدده وينبهني عليه، فإنني قليل البضاعة في هذه المسالك العلمية.
- سبب اختياري لهذه الغزوة:
-
أما سبب اختياري غزوة بني المصطلق موضوعاً لرسالتي فأجمله فيما يلي:
١-أن هذه الغزوة من أهم الغزوات خطورة في حياة المسلمين في عهدهم الأول، لأنها كانت مرتعاً خصباً للمنافقين حيث اتخذوا فيها صنوفاً من الكيد للإسلام والمسلمين ولنبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، فقد حاولوا تمزيق وحدة المسلمين بإيجاد الشقاق بين المهاجرين والأنصار، وإعادة النعرة٢الجاهلية، كما وقعت فيها حادثة الإفك التي كان الهدف من إثارتها زعزعة اليقين في ساحة النبوة ونشر البلبلة في صفوف المسلمين بإثارة العصبية القبلية، كما حصل بين قبيلتي الأوس والخزرج، فلهذه الغزوة إذاً أهمية خاصة لما تشتمل عليه من الأحداث الجسام التي كانت في عهد الإسلام الأول.
-
٢-تعدد الروايات وكثرتها بحيث تستحق أن تفرد ببحث خاص بها يحقق ما جاء فيها ويجمعها في موضوع واحد من مظانها الكثيرة.
-
٣-أن هذه الغزوة تشتمل على مباحث علمية وأحكام شرعية كثيرة، بعضها
ج ١ ص ٢٠شرع في هذه الغزوة كحد القذف، والعزل، وجعل العتق صداقاً، وغير ذلك مما تكفّلت الرسالة بإيضاحه.
- (٢)النعرة: كهمزة: الخيلاء والكبر، والنعرة أيضاً: ذباب أزرق يلسع الدواب وربما دخل أنف الحمار فيركب رأسه، ولا يرده شيء، سميت بذلك لنعيرها وهو صوتها، ثم استعيرت للنخوة والأنفة والكبر. انظر: لسان العرب ٧/٧٩، وانظر القاموس المحيط ٢/١٤٥.
-
وهذه الأمور التي ذكرتها بإجمال لبيان أهمية هذه الغزوة، تدل على مبلغ الفائدة التي تقدمها هذه الرسالة المتواضعة لطلاب العلم المشتغلين بعلم الحديث والفقه، وهي فائدة عظيمة النفع إن شاء الله.
- تَقْوِيم المَصَادِر وتحلِيلِها:
-
إن المصادر التي رجعت إليها واعتمدتها في بحث الرسالة كثيرة ويحسن بي أن أعطي نبذة عن أهمها وأوسعها استيعاباً في موضوع الرسالة، وألصقها بفن التاريخ والمغازي والسير، وعلم الإسناد والحديث، ولا يتسع المقام لتحليل جميع ما رجعت إليه منها، وإنما أكتفي ببعضها منبهاً على أهمية وثناء العلماء عليه، ومدى الفائدة التي أفدتها منه.
-
١-فأول هذه المصادر كتاب الحربي المسمى (كتاب المناسك وأماكن طرق الحج ومعالم الجزيرة) وهو كتاب أثري قديم؛ لأن مؤلفه من علماء القرن الثالث الهجري، حيث كانت ولادته عام ١٩٨هـ، وتوفي عام ٢٧٥هـ.
-
والكتاب أفدت منه كثيراً في تحديد الأماكن ووصفها، وقد تنوزع في نسبته إلى مؤلفه، والتحقيق أنه من مؤلفاته كما جزم بذلك المحقق للكتاب حمد الجاسر، واستدل لذلك بأدلة بسطها في مقدمة تحقيقه للكتاب المذكور١.وأقره على ذلك أكرم العمري٢.
- (١)انظر ص ٢٦٨–٢٧٠ من كتاب المناسك.
- (٢)موارد الخطيب البغدادي، ص٣٥٧.
-
وأبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم عالم جليل ومحقق قدير، أثنى عليه العلماء ثناءً عظيماً، ووصفوه بغزارة العلم وحسن الخلق والتقوى والورع، وهو من كبار علماء الحديث وأصوله، وقد تتلمذ على الإمام أحمد بن حنبل وأخذ
ج ١ ص ٢٤عنه علم الحديث بعد أن جهد كثيراً في الوصول إلى مدرسة الإمام أحمد، ولازمه مدة طويلة تقدر بعشرين عاماً ابتداء من ٢٢١هـ حتى وفاة الإمام أحمد بن حنبل عام ٢٤١هـ فهو من جلة أصحاب الإمام بن حنبل رحمه الله.
-
فال الخطيب: "ان إماماً في العلم رأساً في الزهد عارفاً بالفقه بصيراً بالأحكام حافظاً للحديث، مميزاً لعلله، قيماً بالأدب جماعاً للغة" .وله مؤلفات كثيرة مبسوطة في تراجمه.
-
وقد كان هذا الإمام يقاس بالإمام أحمد بن حنبل في زهده وعلمه وورعه، كما قال ذلك الدارقطني رحمه الله، وكفى بذلك دلالة على عظمة هذا الإمام١.
- (١)راجع تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/٥٨٤، وموارد الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد لأكرم العمري ص ٣٥٧ (*) النصب هو: عداوة علي بن أبي طالب رضي الله عنه. والنواصب طائفة من الخوارج. ١ لسان الميزان ٦/٢٤٠.
-
وكتابه هذا الذي رجعت إليه من أهم الكتب التي ضبطت على وجه التحديد الأماكن التاريخية من الوجهة الجغرافية؛ فهو يتحدث عن الأماكن التي وقعت فيها أحداث تاريخية، حديثاً موثوقاً به، عن رواة عالمين بهذه الأماكن حديثي عهد بها، ولذلك عد هذا الكتاب مصححاً لكثير من الأخطاء التي وقع فيها الذين عنوا بالكتابة في تحديد الأماكن ومعالم الجزيرة، كما اعتبر وثيقة تاريخية في بابه، لما يشتمل عليه من المادة العلمية الغزيرة، المتعلقة بموضوعه، وهي مادة غنية بالوصف الدقيق والتحديد المميز لمعالم الجزيرة، مما أفادني فائدة عظيمة في توضيح الأماكن التاريخية الواردة في موضوع الرسالة.
-
٢-ويتصل بهذا الجانب الجغرافي كتاب (معجم البلدان) لمؤلفه شهاب الدين أبي عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي، وهو من المراجع الهامة التي رجعت إليها في توضيح وتحديد الأماكن ذات الأحداث والوقائع التاريخية المتصلة بموضوعي، والكتاب المذكور من أعظم الكتب التي عنيت بتحديد المواقع الجغرافية والبلدان الإسلامية، وقد كان مؤلفه كثير الرحلات والتنقلات مما
ج ١ ص ٢٥أكسبه خبرة جغرافية وأدبية، فتهيأ له أن يؤلف هذا المعجم الواسع ليحدد به مواقع البلدان وما يتصل بها من أحداث وعلوم، فكان كتابه شاملاً للجانب الجغرافي والأدبي والعلمي، ونظراً لأن ياقوتا الحموي يعتمد عدداً ضخماً من المؤلفات المتقدمة عليه، بعضها من مؤلفات القرن الثالث الهجري، والبعض الآخر متأخر، فإن الاعتماد عليه يحتاج إلى تدقيق كبير لمعرفة وصف المكان كما كان عليه وقت الأحداث وتمييز ما طرأ عليه من تغير في زمن تصنيف المؤلفات المتأخرة.
-
والكتاب ديوان ضخم في هذا الباب اتخذه العلماء منهلاً عذباً ومرجعاً هاماً في موضوعه.
-
ولذا فقد أخذت منه كثيراً واعتمدته مرجعاً في بابه، ومؤلفه عالم جليل وأديب كبير ضمّن كتابه هذا علوماً جمة وسدّ ثغرة علمية مهمة أفادت الباحثين في كل الأزمنة التي تلته.
-
وقد رُمي ياقوت الحموي بالنصب* بسبب منازعة جرت بينه وبين شخص بغدادي في دمشق في علي بن أبي طالب رضي الله عنه فبدر من كلامه ما لزم منه أنه نسب إلى رأي الخوارج في التعصب على علي رضي الله عنه، ولكن هذه التهمة لم تثبت عن ياقوت رحمه الله وذلك لأنه يذكر في كتبه فضائل الإمام علي بن أبي طالب ولم يبدر منه فيها ما يؤيد نسبة النصب إليه، حتى قال ابن حجر: "لم أر في شيء من تصنيفه التصريح بالنصب، بل يحكي فيها فضائل علي ما يتفق ذكره" ١.
-
وكانت وفاة ياقوت سنة ٦٢٦?ـ، وأما ولادته فلم يعلم عنها شيء على وجه التحديد.
-
وهناك مراجع كثيرة استعنت بها في هذه الناحية الجغرافية لا يتسع المقام لتحليلها كلها.
- ج ١ ص ٢٦
٣-ومن أخص المراجع وأهمها كتاب (سيرة ابن هشام) وهو كتاب جليل اعتنى فيه مؤلفه بتنقيح السيرة النبوية وتهذيبها وحذف الفضول منها، وقد اشتهرت سيرة ابن هشام شهرة فائقة حتى كاد ينسى الأصل الذي أخذت منه وهو سيرة ابن إسحاق، والسبب في اشتهارها يعود إلى ما امتازت به من تنقيح وتهذيب، فقد كان ابن هشام في تهذيبه للسيرة محققاً للنصوص ومنتقداً لما وقع لابن إسحاق من هفوات، ومتمماً لما فاته من الروايات ذات الصلة بموضوع السيرة، هذا وقد كانت هذه السيرة أصلاً عظيماً ومرجعاً هاماً في موضوعي لأنها ألصق المراجع بالمادة العلمية المتصلة بموضوع هذه الغزوة حيث استقيت منها جل النصوص التاريخية المتعلقة بأحداث غزوة بني المصطلق، وهذه السيرة مستقاة من سيرة ابن إسحاق الإمام المقدم في السير والمغازي، ومن هنا كانت أهمية هذه السيرة وقوة الاستناد إليها، فابن إسحاق وإن كان صاحب الفضل السابق في هذا العمل الجليل، لكن ابن هشام لا يقل فضله عن فضل ابن إسحاق، في التهذيب والترتيب وحذف ما لا تعلق له بالسيرة النبوية الشريفة وترك ما لا يحسن ذكره مما لصق بالسيرة، وترك أشياء كثيرة كان مصيباً في تركها، مثل حذفه كثيراً من الإسرائيليات وخاصة في قسم المبتدأ من سيرة ابن إسحاق، كما حذف كثيراً من الأشعار المنتحلة١.
- (١)مقدمة السيرة لصاحبها ابن هشام ١/٤.