مقدمة

٨٥ فقرة، ج ١ ص ١٥

الصفحة ٢ من ٣

  1. فجاءت سيرته على أكمل الوجوه وأحسنها اختصاراً واستيعاباً للأحداث الأساسية الهامة في حياته صلى الله عليه وسلم.

    ج ١ ص ٢٦
  2. وابن هشام هو أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري، كان مشهوراً بحمل العلم متقدماً في علم النسب والنحو واللغة، ذكر الذهبي وابن كثير أنه حين جاء إلى مصر اجتمع به الشافعي وتناشدا من أشعار العرب أشياء كثيرة، وقال عن الشافعي: "إنه حجة في العربية، ورغم تصنيفه كتاباً في أنساب حمير وملوكها يقال له (التيجان لمعرفة ملوك الزمان) وكتاباً شرح فيه ما وقع في أشعار السير من الغريب" ٢، فإنه لا يكاد يذكر إلا مقروناً بسيرته التي طبقت

    ج ١ ص ٢٧الآفاق شهرة، وقد وفق فيها غاية التوفيق، وبذل فيها مجهوداً كبيراً سيظل أعظم عمل علمي قام به. وكانت وفاته سنة ٢١٨هـ وقيل سنة ٢١٣هـ.

    1. (٢)البداية والنهاية لابن كثير ١٠/٢٨١-٢٨٢، ومقدمة سيرة ابن هشام ١/١٨.
  3. ٤ و ٥- وقد رجعت إلى مؤلفين كبيرين من مؤلفات ابن جرير الطبري وهما (تاريخ الرسل والملوك) وتفسيره المسمى (جامع البيان في تأويل أي القرآن) .

  4. وسوف أعطي عن كل واحد منهما نبذة من ناحية التحليل والفائدة التي استفدتها منهما.

  5. فأبدأ بالكلام على التاريخ وهو من أعظم الكتب التاريخية وقد عني فيه ابن جرير بالجمع والاستقصاء، وبناه على منهج المحدثين من حيث الرواية بالسند، ولم يكن يعني فيه بالتحقيق والتمحيص والنقد، وإنما كان يهمه الجمع، وذكر الوقائع منسوبة إلى قائليها ورواتها١.

    1. (١)مقدمة تاريخ ابن جرير ١/٧.
  6. وقد اعتذر هو عن نفسه فقال: "وليعلم الناظر في كتابنا هذا أن اعتمادي في كل ما أحضرت ذكره مما شرطت أني راسمه فيه، إنما هو على ما رويت من الأخبار التي أنا ذاكرها فيه والآثار التي أنا مسندها إلى رواتها فيه ..." إلى أن قال:

    "فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجهاً في الصحة ولا معنى في الحقيقة فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أتي من قبل بعض ناقليه إلينا وأنا إنما أدّينا ذلك على نحو ما أدي إلينا" ٢.

  7. وهذا المسلك الذي سار عليه ابن جرير رحمه الله، برغم أنه محدث كبير يدل على أن علماء الحديث لا يعاملون الأحداث التاريخية بمثل ما يعاملون به الحديث النبوي من نقد وتمحيص، بل يتساهلون برواية الحوادث التاريخية، ولا

    ج ١ ص ٢٨يتشددون فيها تشددهم في ثبوت الحديث، وهو مسلك فيه كثيرة من المخاطرة، ووقع بسببه كثير من كتبة التاريخ في أخطاء جسيمة تحتاج إلى تمحيص دقيق، لا يقوى عليه إلا الجهابذة ١، ومع ذلك فقد كان ابن جرير أميناً في النقل دقيقاً في التحري ونسبة الرواية إلى راويها تاركاً لمن جاء بعده أن يحقق ويمحص ويبحث في تحري الصواب بقدر ما تمكنه وسائله.

    1. (٢)انظر كلام ابن جرير عن منهجه في تاريخه ١/٧-٨.
  8. والكتاب سجلّ تاريخي كبير يعد أوفى عمل تاريخي بين مصنفات المؤرخين المسلمين، أكمل به ابن جرير رحمه الله ما قام به المؤرخون قبله مثل الواقدي وابن سعد وخليفة بن خياط ويعقوب بن سفيان الفسوي والبلاذري واليعقوبي، ومهد السبيل لمن جاء بعده كالمسعودي وابن الأثير وابن خلدون وابن كثير.

  9. ويبقى أنني كنت أجهد نفسي كثيراً في الكلام على الرواة معتمداً في ذلك على كتب الجرح والتعديل سالكاً مسلك نقدة الحديث في تحقيق الرواية، وهذا ما لا وجود له في تاريخ الطبري، لأنه لم يكن يعنيه إلا الجمع، وهذا هو الطابع الغالب الذي سار عليه في تاريخه٢.

    1. (٢)انظر مقدمة تاريخه ١/٧-٨، ونظرة في مصادر ودراسة السيرة النبوية للدكتور أكرم ضياء العمري، ص٦
  10. أما الكتاب الثاني الذي رجعت إليه من كتب ابن جرير الطبري فهو كتاب التفسير المسمى (جامع البيان) وهو أعظم ديوان ألف في تفسير كتاب الله عز وجل، وقد أجمع العلماء على أن ابن جرير إمام المفسرين بما أودع في هذا الكتاب من معارف وعلوم، جمع فيها بين الدراية٣ والرواية، فجاء هذا التفسير أوفى تفسير لكتاب الله العزيز.

    1. (٣)التفسير بالدراية ويسمى (التفسير بالرأي) أو التفسير بالمعقول، لأن المفسر لكتاب الله تعالى يعتمد فيه على اجتهاده، لا على المأثور المنقول عن الصحابة أو التابعين بل يكون فيه الاعتماد على اللغة العربية وفهم أسلوبها على طريقة العرب، ومعرفة طريقة التخاطب عندهم، وإدراك العلوم الضرورية التي ينبغي أن يكون المفسر ملماً بها كالنحو والصرف وعلوم البلاغة وأصول الفقه وأسباب النزول ...الخ. التبيان في علوم القرآن للصابوني، ص ١٧٣.
    2. (١)الجهبذ: بكسر الجيم والباء وبينهما ها ساكنة: الناقد الخبير (القاموس المحيط ١/٣٥٢) .
  11. وأوسع مرجع في بابه، وقد تتبع فيه مؤلفه التفسير بالأثر محاولاً الاستقصاء مما لم يسبق إليه، فكان إمام المفسرين بالأثر، ثم فإن يتبع ذلك بذكر الخلاف في معنى الآية، وترجيح الصواب فيها، كما أنه كان يعنى باللغة عناية فائقة فكان يستشهد بالشعر لتفسير الغامض من مفردات القرآن ويذكر أقوال أهل النحو والصرف والمعاني ويبين أقربها لأسلوب القرآن بما هداه إليه فهمه، وكان خبيراً باختلاف القراءات معتنياً بتوجيهها مستشهداً لها من أساليب العرب وشعرها، وقد كان إماماً في فنون كثيرة وحجة في الفقه والتفسير والأصول والقراءات وعلوم اللغة على اختلافها، فاستخدم هذه الوسائل كلها في تفسيره، كما أنه كان محدِّثاً ضليعاً فلم يغفل الأحاديث الواردة في سبب نزول أو توضيح آية، وكان بالجملة جماعاً في تفسيره بين علوم شتى مزج بينها مزجاً فريداً بروح علمية فذة، ظهرت فيها شخصيته العلمية ظهوراً بيناً فاستحق بذلك ثناء العلماء عليه وتقديمهم له على غيره من المفسرين، فاحتل تفسيره مكان الصدارة بين كتب التفسير جميعها.

    ج ١ ص ٢٩
  12. على أنه قد وقع في سرد بعض الإسرائيليات التي يختلط فيها الحق بالباطل، غير أنه لم يكن يسردها على سبيل الاحتجاج، وإنما كان يوردها من أجل توضيح حادثة أشار القرآن إليها وقد كان ينبه على بطلان بعض القصص الإسرائيلية، وإن أهمل كثيراً منها بدون تنبيه مما كان مثار النقد له رحمه الله، في إيراده هذه القصص الإسرائيلية١.

    1. (١)انظر تفسير الطبري ٢٣/١٥٨، وتفسير ابن كثير ٤/٣٥، وانظر التبيان في علوم القرآن للصابوني ص ٢١٠.
  13. هذا وقد استفدت من هذا الكتاب العظيم فوائد متنوعة أهمها الرجوع إليه في تفسير الآيات الواردة في هذه الغزوة إلى فوائد أخرى كثيرة مشار إليها في مواقعها. وابن جرير هو محمد بن جرير الطبري من علماء القرن الثالث الهجري، فقد كانت وفاته سنة ٣١٠هـ وقد أجمع العلماء على جلالته وإمامته وتقدمه في جميع معارف عصره، وله مؤلفات كثيرة مبسوطة في مواضعها من تراجمه، وهي تدل على سعة اطلاعه وعلو شأنه وتفوقه على غيره٢.

    1. (٢)انظر تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/٧١٠ - ٧١٦، والبداية النهاية لابن كثير ١١/١٤٥- ١٤٧، ومقدمة تاريخ الطبري لمحققه محمد أبو الفضل إبراهيم ١/١٥ - ٢٠.
  14. ٦-ومن المصادر العلمية التي استفدت منها (كتاب النهاية في غريب الحديث) لابن الأثير رحمه الله، وهذا الكتاب من أجل ما صنف في غريب الحديث وأعظم ما كتب في بابه، وذلك أنه سبقت جهود كبيرة للعلماء في الكتابة في غريب الحديث على زمن ابن الأثير فأنارت له معالم الطريق، ولكنها على اختلاف مناهج مؤلفيها لم تف بالغرض، ولم تستوعب غريب الحديث حتى جاء ابن الأثير فوقف على جميع الكتب التي عنيت بهذا الموضوع وطالعها كلها واستوعب ما تضمنته وعرف ما فاتها من غريب الحديث فشمر عن ساعد الجد للقيام بسد هذه الثغرة العلمية إسهاماً منه في خدمة الحديث النبوي الشريف، وبذل جهداً علمياً كبيراً في تمحيص هذا الكتاب واستيعابه لما وصل إليه من غريب الحديث، وقد جمع فيه بين كتابين جليلين لمن سبقه هما أهم ما كتب قبله في هذا الفن؛ وهما كتاب أبي عبيد١ الهروي وهو يشتمل على غريب القرآن والحديث، وكتاب أبي موسى٢ الأصفهاني الذي جمع ما فات الهروي من غريب القرآن والحديث٣. فجمع ابن الأثير في كتابه ما في الكتابين من غريب الحديث دون غريب القرآن. ولم يقف عند الجمع فحسب، وإنما ضم إليهما ما فاتهما من غريب الحديث، وهو كثير وافر، مستقرئا له من مطالعته لكتب الصحاح والمسانيد والمجاميع وكتب السنن والغرائب قديمها وحديثها إلى زمنه، وكتب اللغة على اختلافها.

    قال ابن الأثير: "فرأيت فيها من الكلمات الغريبة مما فات الكتابين، كثيراً، فصدفت حينئذ عن الاقتصار على الجمع بين الكتابين وأضفت ما عثرت عليه

    ج ١ ص ٣١ووجدته من الغرائب إلى ما في الكتابين في حروفها مع نظائرها وأمثالها"١.

    1. (١)هو أحمد بن محمد بن أبي عبيد العبدي اللغوي البارع، كان من أعلم الناس في الأدب واللغة، وكتابه يسمى (الغريبين) أي في معرفة غريب القرآن والحديث، كانت وفاته سنة (٤٠١هـ) البداية النهاية لابن كثير ١١/٣٤٤.
    2. (٢)هو محمد بن عمر بن محمد الأصبهاني الحافظ الموسوي المديني، أحد حفاظ الدنيا الرحالين الجوالين، له مصنفات عديدة، وشرح أحاديث كثيرة، وكتابه هذا يسمى (المغيث في غريب القرآن والحديث) وكانت وفاته سنة (٥٨١هـ) ، البداية والنهاية لابن كثير ١٢/٣١٨، ومقدمة كتاب ابن الأثير ١/٧.
    3. (٣)مقدمة ابن الأثير ١/٩.
    ج ١ ص ٣٠
  15. وقد سلك رحمه الله في منهجه طريقة أهل المعاجم من ترتيب الكلمات على حروف المعجم بالتزام الحرف الأول والثاني من كل كلمة، واتباعهما بالحرف الثالث على سياق الحروف، غير أنه لا يلتزم بالترتيب على حسب الحروف الأصلية، خاصة إذا كانت الكلمة قد بنيت على الحرف الزائد حتى صار كأنه من بنية الكلمة.

  16. وإنما راعى ذلك المسلك قصداً للسهولة واليسر على طلاب غريب الحديث، لا سيما أن أكثر طلبة غريب الحديث لا يكادون يفرقون بين الأصلي والزائد. ونبه على زيادة الحرف عند ذكره في غير بابه، لئلا يظن به أنه وضعه في هذا المكان للجهل به٢.فجاء كتابه هذا أعظم كتاب في غريب الحديث وأوسع الكتب التي سبقته في هذا الباب، وأصبح مرجعاً هاماً للعلماء على مدار الزمن، فكل من حاول الكتابة بعده في هذا الشأن فهو عيال عليه، ولذلك لم يظهر في المكتبات الإسلامية حتى الآن كتاب يدانيه في بابه. ومصنفه هو أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الشهير بابن الأثير الجزري، شافعي المذهب كان إماماً في علوم كثيرة، كما أنه ألف كتاباً مفيدة في سائر العلوم منها جامع الأصول الستة٣، وكتباً٤ أخرى مفيدة تدل على غزارة علمه وسعة إطلاعه من أعظمها كتاب هذا الذي رجعت إليه وأفدت منه كثيراً في حل غوامض الحديث الشريف.

    1. (٢)المصدر السابق ١/١١.
    2. (٣)المراد بالأصول الستة عند ابن الأثير: هي البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وموطأ مالك.
  17. وكانت وفاة ابن الأثير رحمه الله سنة ٦٠٦هـ وكانت ولادته سنة ٥٤٤هـ على الأرجح.

  18. ٧-ومن أهم المصادر التي اعتمدتها (زاد المعاد في هدي خير العباد) لمؤلفه ابن قيم الجوزية، وقد تطرق في هذا الكتاب إلى مباحث السيرة النبوية،

    ج ١ ص ٣٢فكتب عنها كتابة تمتاز بالتحليل والاختصار واستخلاص العبرة من وراء ما يورده من أحداث السيرة والمغازي وكان إلى جانب ذلك يعتني بالأحكام الفقهية المستنبطة من السيرة النبوية وقد كان ابن القيم غزير العلم قوي البيان مبرزاً١ في فنون كثيرة، فنهج في الكتابة عن السيرة منهجاً متفرداً يحقق الهدف الأساسي من وراء دراسة السيرة، وهو الهدف التربوي الذي يراد منه تحقيق الأسوة والقدوة برسول الله صلى الله عليه وسلم، في حياته كلها في السلم والحرب على حد سواء، وكان من منهجه رحمه الله الاقتصار على ما صح عنده من السيرة دون التطويل في سرد جميع ما قيل في السير والمغازي، لأن كتابه هذا لم يكن خاصاً بالسيرة وإنما هو في هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم عموماً فهو كتاب أحكام ومعاملات وعبادات وشمائل وآداب وطب وغير ذلك من العلوم المتنوعة، وأضاف إلى هذه المباحث كلها موضوع السيرة النبوية، مبيناً فيها المراحل التي مر بها الإسلام في عهده الأول بأسلوب علمي رائع، هادفاً إلى استخلاص العبرة، واستنباط الحكم الشرعي، وحاثاً على الاقتداء به صلى الله عليه وسلم، في هديه وسيرته، فجاءت مباحثه في السيرة فريدة في نوعها ذات منهج متميز، لأن كُتّاب السير والمغازي درجوا على سرد وقائع السيرة وما يتصل بها بأسانيدها ومتونها دون العناية بالجوانب التربوية، كما أنهم في الأعم الأغلب ما كانوا يستنبطون الأحكام الفقهية من السيرة النبوية، فجاء ابن القيم فكتب عن السيرة النبوية بمنهج مختلف عما ألفه الناس في تصنيف مباحث السيرة، وهو منهج يجدر الاقتداء به والسير على منواله، وقد سبق بيان أن السيرة بحاجة إلى كتابة على مناهج المحدثين في تحقيق نصوص السيرة ونفي ما علق بها من تهويل الأخباريين، وأضيف هنا أن كتابتها من الوجهة التربوية المعاصرة حاجة ماسة لا تقل في شأنها عن تلك الحاجة، فلا بد من الجمع بين الحسنيين، لأن ذلك هو المطلوب منا٢.

    1. (١)مقدمة ابن الأثير ١/١١.
    2. (٤)انظر: مقدمة كتاب ابن الأثير ١/١٦- ١٨، والبداية والنهاية لابن كثير ١٣/٥٤.
    3. (٢)ظهرت في العصر الحاضر كتابات قيمة في هذا المجال مثل فقه السيرة للغزالي، والبوطي، والسيرة النبوية للندوي، والسيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة، لأبي شهبة. ولكن الموضوع بحاجة إلى جهود أكثر.
  19. هذا وقد استفدت من هذا الكتاب فوائد جمة خاصة في المباحث الفقهية

    ج ١ ص ٣٣والأحكام، واستخلاص العبر واختلاف العلماء، وترجيح الأقوال، وغير ذلك من الفوائد.

    1. (١)برز تبريزاً: فاق أصحابه فضلاً أو شجاعة. انظر: القاموس المحيط ٢/١٦٦.
  20. وابن القيم هو العلامة محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن جرير الدمشقي، شمس الدين ابن قيم الجوزية، الحنبلي، إمام جليل من أئمة الدين، كان من ملازمي ابن تيمية، وكان واسع المعارف عالماً بالقرآن والسنة وعلومهما متبحراً في ذلك عارفاً باللغة على اختلافها، كما كان على علم غزير بالفرق الإسلامية، ومعرفة ما وقعت فيه من أخطاء، وله في ذلك مؤلفات جليلة، تدل على سعة علمه ودقة فهمه، وامتازت مؤلفاته بالعذوبة وحسن التصرف والتحقيق والاقتدار على أفصح الأساليب، وكان كثير العبادة حتى قال عنه ابن كثير: "لا أعلم في زماننا أكثر عبادة منه" ١.

  21. وقد ترجم له الإمام الشوكاني ترجمة واسعة، وصفه فيها بأوصافه اللائقة به، وبعلمه وفضله وجهاده، وسرد كثيراً من مؤلفاته٢.وكانت ولادته سنة ٦٩١هـ ووفاته سنة ٧٥١هـ.

    1. (٢)البدر الطالع ٢/١٤٣-١٤٦.
  22. ٨ و٩-ومن جملة هذه المصادر التي رجعت إليها (البداية والنهاية وتفسير القرآن العظيم) للحافظ ابن كثير رحمه الله.

  23. وكتاب البداية والنهاية يعد من أهم المراجع التاريخية إن لم يكن أهمها وأفضلها، وظاهر من اسمه أنه تاريخ شامل لمراحل البشرية من بدايتها إلى زمن المؤلف، وقد اجتهد مؤلفه في تحقيقه وترتيبه وحشد المعلومات التاريخية الواسعة فيه، وقد التزم أنه لا يذكر من الإسرائيليات إلا ما أذن الشارع فيه، مما لا يخالف كتاب الله وسنة رسوله، وعرّفه بأنه القسم الذي لا يصدق ولا يكذب، مما فيه بسط لمختصر عندنا أو تسمية لمبهم ورد به شرعنا مما لا فائدة في تعيينه لنا، فنذكره على سبيل التحلي به، لا على سبيل الاحتياج إليه والاعتماد عليه، وإنما

    ج ١ ص ٣٤الاعتماد والاستناد على كتاب الله وسنة رسوله ما صح نقله أو حسن، وما كان فيه ضعف نبينه١.

    1. (١)البداية والنهاية لابن كثير ١٤/٢٣٥.
    2. (١)مقدمة البداية والنهاية ١/٦، وقد أفردت السيرة بالطبع في أربع مجلدات مأخوذة من البداية والنهاية بتحقيق مصطفى عبد الواحد وقد طبعت سنة ١٣٨٤هـ.
  24. وهذه الطريقة التي التزمها ابن كثير في تاريخه الواسع، لم يكن يلتزمها كثير من المؤرخين قبله، وهي طريقة حسنة امتاز بها تاريخه هذا، وقد كتب ابن كثير عن أحداث السيرة النبوية ضمن الأحداث التاريخية التي عني بتسجيلها، وكان يلتزم في حديثه عن التاريخ الإسلامي طريقة الترتيب على حسب السنين ابتداء من أول سنة هجرية إلى زمنه.

  25. وقد رجعت إلى ما كتبه في السيرة وأخذت ما له صلة وثيقة بموضوعي وأفدت منه كثيراً، كما رجعت إليه في تراجم بعض العلماء.

  26. أما الكتاب الثاني الذي رجعت إليه من مؤلفات ابن كثير فهو (تفسير القرآن العظيم) ، وهو تفسير ذائع الصيت٢ منتشر في الآفاق انتشاراً واسعاً وقد تداوله العلماء وأثنوا عليه ثناء عظيماً وقدموه على غيره من كتب التفسير، لما امتاز به من ميزات كثيرة، وذلك أن مؤلفه رحمه الله على رغم تبحره في العلوم وتفننه في فنون كثيرة جرد تفسيره من الحشو والتطويل واهتم بتفسير القرآن بالقرآن، كما أوضح ذلك في مقدمته، مما لم يسبق إليه، ولم يهتم بالإكثار من المباحث اللغوية من نحو وصرف وبلاغة، مع أنه كان عالماً كبيراً فيها كلها، وذلك لأن هذه العلوم قد شغلت كثيراً من المفسرين عن الغرض الأساسي لتفسير كتاب الله جل وعلا، حتى كأن مؤلف التفسير منهم لم يضع تفسيراً للقرآن وإنما وضع كتاباً في العربية، وكل من أتقن من العلوم شيئاً فإنها تغلب على تفسيره، مما جعل معظم التفاسير تفقد المنهج الصحيح لتفسير القرآن.

    1. (٢)الصيت بالكسر: الذكر الحسن. القاموس المحيط ١/١٥٢.
  27. فجاء ابن كثير فنهج في تفسيره، منهج تفسير القرآن بالقرآن وأضاف إلى ذلك تفسيره بالسنة الصحيحة، والأثر الصحيح، فجاء تفسيره واضح المنهج عظيم الفائدة، سهل العبارة، إذ إنه يذكر أولاً الآية ثم يورد نظائرها من

    ج ١ ص ٣٥القرآن، ثم يعقبها بالحديث الموضح لها، أو تفسير الصحابة إن وجد أو تفسير كبار التابعين، وكان يعني بتحقيق الروايات وتمحيصها وبيان صحيحها من سقيمها، ولم يذكر من الإسرائيليات إلا ما لم يكن فيه محظور مما يذكر فلا يصدق ولا يكذب١.

    1. (١)مقدمة تفسير ابن كثير١/٣-٤،والتبيان في علوم القرآن للصابوني ص٢١٢-٢١٣.
  28. وخلاصة القول أن هذا التفسير من خير التفاسير وأجودها يمتاز بالإيضاح الكامل لمعنى الآية، مع السهولة واليسر والعناية بالهدف الأساسي من فهم القرآن الكريم. وابن كثير هو أبو الفداء إسماعيل بن عمر الدمشقي عالم كبير ومقرئ قدير تفنن في علوم كثيرة، واشتهر بالحديث والتفسير والتاريخ، وله مؤلفات عظيمة النفع انتشرت في الآفاق، وقد أثنى عليه العلماء ثناء كبيراً، كان مولده سنة (٧٠١هـ) ووفاته سنة٢ (٧٧٤هـ) .

    1. (٢)انظر: ذيل تذكرة الحفاظ لأبي المحاسن تلميذ الذهبي ص ٥٧-٥٩، والبدر الطالع للشوكاني ١/١٥٣.
  29. ١٠-ومن المصادر الهامة ذات الشأن العظيم (فتح الباري شرح صحيح البخاري) لحافظ الزمان أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، وهذا الكتاب أعظم ديوان في شروح السنة النبوية، وأكبر مرجع في علم الحديث والفقه، وهو من الشهرة والانتشار وذيوع الصيت بمكان عظيم، فهو أوفى شروح صحيح البخاري على الإطلاق؛ فقد بذل فيه مؤلفه جهوداً علمية ضخمة لم تجتمع لغيره من علماء عصره، وقد أمضى في تأليفه زمناً طويلاً يقدر بخمسة وعشرين عاماً، وهو يتحرى فيه الصواب، ويحقق ويمحص ويعرض على علماء عصره، فخرج هذا الكتاب فتحاً جديداً في علوم الإسلام، وفنون الحديث، وسائر المعارف الشرعية، مما لم يسبق له نظير، ولم يأت بعده مثله إلى اليوم، فقد وفق فيه مؤلفه غاية التوفيق، ووصل في تحقيق مسائله نهاية التدقيق، فاجتمعت على الإعجاب به والثناء عليه كلمة العلماء على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم، وكان كاسمه (فتح الباري) فهو اسم طابق المسمى.

  30. وقد نهج فيه مؤلفه منهجاً واضح المعالم، بينه في مقدمته بقوله: "أسوق إن شاء الله الباب وحديثه أولاً، ثم أذكر وجه المناسبة بينهما إن كانت خفية، ثم

    ج ١ ص ٣٦أستخرج ثانياً ما يتعلق به عرض صحيح في ذلك الحديث من الفوائد المتنية والإسنادية من تتمات وزيادات وكشف غامض وتصريح مدلس بسماع، ومتابعة سامع من شيخ اختلط قبل ذلك، منتزعاً كل ذلك من أمهات المسانيد، والجوامع والمستخرجات والأجزاء والفوائد، بشرط الصحة أو الحسن فيما أورده من ذلك.

  31. وثالثاً: أصل ما انقطع من معلقاته١ وموقوفاته، وهناك تلتئم زوائد الفوائد وتنتظم شوارد الفرائد.

    1. (١)أي معلقات صحيح البخاري.
  32. ورابعاً: أضبط ما يشكل من جميع ما تقدم أسماء وأوصافاً مع إيضاح معاني الألفاظ اللغوية والتنبيه على النكت البيانية.

  33. وخامساً: أورد ما استفدته من كلام الأئمة مما استنبطوه من ذلك الخبر من الأحكام الفقهية والمواعظ الزهدية والآداب المرعية مقتصراً على الراجح من ذلك متحريا للواضح دون المستغلق في تلك المسالك مع الاعتناء بالجمع بين ما ظاهره التعارض مع غيره، والتنصيص على المنسوخ بناسخه، والعام بمخصصه والمطلق بمقيده، والمجمل بمبينه والظاهر بمؤوله والإشارة إلى نكت من القواعد الأصولية، ونبذ من فوائد العربية ونخب من الخلافات المذهبية، بحسب ما اتصل بي من كلام الأئمة، واتسع فهمي من المقاصد المهمة، وأراعي هذا الأسلوب إن شاء الله تعالى في كل باب ..."الخ ٢.

  34. هذا هو المنهج الذي أوضحه في مقدمته وقد سار عليه فعلاً، في شرحه لصحيح البخاري، وهذا الشرح يجمع علوماً شتى ومعارف عظيمة أهمها علم الحديث والإسناد والفقه، والتراجم، وفيه علوم أخرى كثيرة كعلم التاريخ والمغاوي والسير، وعلوم اللغة العربية، وأنواع من العلوم لا تدخل تحت حصر، ولو وضع لكل علم فهرس خاص به لبلغ مجلدات، وهذا كله يدل على عظمة هذا الكتاب وجلالة قدر مؤلفه، ومبلغ ما ضمنه فيه من المعارف الواسعة التي تحتاج إلى خدمة وتيسير للوصول إليها، فعسى الله أن يقيض لذلك من يقوم به.

    1. (٢)هدي الساري مقدمة فتح الباري ص ٤.
  35. هذا وقد استفدت من هذا الكتاب فوائد عظيمة مشاراً إليها في أماكنها من الرسالة، وهو أعظم مرجع استفدت منه مطلقاً في جميع ما يتصل بمباحث الرسالة، حتى لا تكاد تخلو صفحة منها من ذكره، فهو يشتمل على مباحث غزوة بني المصطلق ورواياتها واختلاف طرقها ووصل ما انقطع منها، بطريقة فريدة امتاز بها ابن حجر في كتابه هذا، فكنت أرجع إليه في حل ما أشكل علي، من جهة المتن أو السند، كما كان مرجعا هاماً في تخريج الروايات.

    ج ١ ص ٣٧
  36. ١١-كما رجعت إلى تقريب التهذيب (لابن حجر أيضاً) .

  37. وهذا الكتاب خلاصة تجارب طويلة وممارسة عظيمة لعلم الرجال قام بها ابن الحجر الحافظ الحجة، والخبير المقدم في هذه المسالك العلمية، والتقريب المذكور اختصار (لتهذيب التهذيب) لابن حجر أيضاً، كما أن تهذيب التهذيب اختصار لتهذيب الكمال للمزي، حافظ عصره، مع زيادات قام بها ابن حجر، وضم إليه مقصود إكماله للعلامة علاء١ الدين مغلطاي مقتصراً منه على ما اعتبره عليه وصححه من مظانه مع بيان أحوال الرواة. ولقد كان التهذيب ولا يزال من أعظم المراجع في بابه، غير أن مؤلفه سئل من بعض طلبة الحديث أن يجرد له الأسماء خاصة.

    قال ابن حجر: "فلم أوثر ذلك لقلة جدواه على طالبي هذا الفن ثم رأيت أن أجيبه إلى مسألته وأسعفه بطلبته، على وجه يحصل مقصوده بالإفادة، ويتضمن الحسنى التي أشار إليها وزيادة.

    1. (١)هو مغلطاي بن قليج بن عبد الله البكجري: بفتح الموحدة وسكون الكاف وفتح الجيم ثم راء، الحنفي الحافظ علاء الدين صاحب التصانيف ولد سنة (٦٩٠هـ) وقيل (٦٨٩) وتوفي سنة ٧٦٢هـ. له ذيل على (تهذيب الكمال) للمزي قال الشوكاني: يكون في قدر الأصل واختصره مقتصراً على الاعتراضات على المزي في نحو مجلدين ثم في مجلد لطيف، ثم قال الشوكاني: وغالب ذلك لا يرد على المزي. انظر: البدر الطالع للشوكاني ٢/٣١٢-٣١٣.
  38. وهي: أني أحكم على كل شخص منهم بحكم يشمل أصح ما قيل فيه، وأعدل ما وصف به، بألخص عبارة، وأخلص إشارة، بحيث لا تزيد كل ترجمة على سطر واحد غالباً، يجمع اسم الرجل واسم أبيه وجده، ومنتهى أشهر نسبته

    ج ١ ص ٣٨ونسبه، وكنيته ولقبه، مع ضبط ما يشكل من ذلك بالحروف، ثم صفته التي يختص بها من جرح أو تعديل، ثم التعريف بعصر كل راو منهم، بحيث يكون قائماً مقام ما حذفته من ذكر شيوخه والرواة عنه، إلا من لا يؤمن لبسه"١.

  39. والكتاب المذكور رجعت إليه في موضوع بحثي وأفدت منه جملة من الفوائد الإسنادية من حيث الحكم على كل راو ومعرفة طبقته، وقد امتاز هذا الكتاب بالدقة والتحري والاختصار غير المخل، والاقتصار على المهم في بابه.

  40. وقد ظل هذا الكتاب مرجعاً علمياً هامّا في موضوعه لطلاب علم الحديث والإسناد، وأثنى عليه العلماء ثناء عظيماً، واعتمدوه في بابه، لأنه من تراث الحافظ ابن حجر الذي أجمع العلماء على حفظه وتقدمه في هذا العلم وغيره.