الفصل الرابع: سبب وتاريخ غزوة بني المصطلق
٦٥ فقرة، ج ٢ ص ٨٩
الصفحة ٢ من ٢
- ج ٢ ص ٩٧
أ- كان نزوله في السنة الثالثة، وبه جزم خليفة بن خياط وأبو عبيدة٦ وغير واحد.
- (٦)هو معمر بن المثنى التيمي، مولاهم، البصري، النحوي اللغوي، صدوق، أخباري وقد رمى برأي الخوارج، من السابعة (ت٢٠٨) وقيل بعد ذلك وقد قارب المائة. خت د، التقريب ٢/٢٦٦، وتهذيب التهذيب ١٠/٢٤٦.
- (١)فقه السيرة للبوطي القسم الثاني: ٩٣.
- (٢)السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة ١٩٦.
- (٣)الفتح الرباني ترتيب مسند أحمد ١٤/١٠٩، روائع البيان تفسير آيات الأحكام للصابوني ٢/١١٩.
- (٤)ما عدا موسى بن عقبة وابن قتيبة فإنهما يريان أن الخندق في السنة الرابعة. انظر: ص٩٠.
- ج ٢ ص ٩٨
ب- في السنة الرابعة عند جماعة من العلماء، وبه جزم الدمياطي١ والذهبي وابن حجر.
- (١)تقدمت ترجمته ص؟.
-
ج- كان في ذي القعدة من السنة الخامسة، وبه قال قتادة والواقدي٢.
- (٢)انظر: الاستيعاب لابن عبد البر ٤/٣١٤ مع الإصابة، وأسد الغابة لابن الأثير ٧/١٢٥، والمستدرك للحاكم ٤/٣، وتاريخ الإسلام للذهبي ٢/٣٤، وتفسير ابن كثير ٣/٥٠٣، وفتح الباري ٧/٤٣٠و ٨/٤٦٢-٤٦٣.
-
فعلى القول بأن الحجاب كان في السنة الثالثة أو الرابعة فيترجح كون غزوة بني المصطلق بعد ذلك، في السنة الخامسة، بعد نزول الحجاب وزواج رسول صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش، للتصريح بذلك في سياق قصة الإفك. أما قول قتادة والواقدي فلا يلتفت إليه بعد جزم من ذكر بمخالفتهم٣.
- (٣)مع أن الواقدي قد تناقض في هذا فذكر في مغازيه بأن غزوة بني المصطلق كانت في السنة الخامسة من شعبان، وذكر فيها حديث الإفك المصرح بأن ذلك وقع بعد نزول الحجاب وزواج زينب بنت جحش، ثم ذكر بأن الحجاب كان في ذي القعدة من سنة خمس كما نقل عنه. انظر: المغازي للواقدي ١/٤٠٤ و ٢/٤٢٨، وانظر فتح الباري ٨/٤٦٢.
-
٢- وجود سعد بن معاذ فيها، فهذا مما يرجح تقدمها على غزوة الأحزاب، ولا يلتفت إلى من قال: بأن ذكره في غزوة بني المصطلق وهم من بعض الرواة٤، إذ التوهيم لا يكون إلا بأمر قاطع، وما دام الخلاف قائماً في تحديد زمن كل من الغزوتين، وتقديم أحداهما على الأخرى. فلا يستقيم التوهيم، بل الإقدام عليه من الصعوبة بمكان لا يخفى، لا سيما أنه مصرح بذكره في أصح الصحيح بعد كتاب الله صحيحي البخاري ومسلم.
- (٤)انظر: القائلين بهذا ص؟.
-
ولذا قال إسماعيل٥ القاضي: "الأولى أن تكون المريسيع قبل
ج ٢ ص ٩٩الخندق للحديث الصحيح عن عائشة "١.
- (٥)هو إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم أبو إسحاق الأزدي مولى آل جرير بن حازم من أهل البصرة، سمع مسدد بن مسرهد، والقعنبي وابن المديني وغيرهم، وعنه عبد الله بن أحمد بن حنبل، ويحيى بن صاعد وغيرهم، قال الخطيب البغدادي: كان إسماعيل فاضلاً عالماً متقناً فقيهاً على مذهب مالك بن أنس، ثم ذكر شيئاً من مصنفاته. (ت ٢٨٢هـ) تاريخ بغداد ٦/٢٨٤.
-
وأما ما أبداه القطب٢ الحلبي من الاحتمال بقوله: "وقع في نسخة سماعنا (فقام سعد بن معاذ) ٣ وفي موضع آخر (فقام سعد أخو بني عبد الأشهل) ٤.
- (٢)هو عبد الكريم بن عبد النور بن منير الحلبي، الحافظ المتقن المقرئ، أبو علي الحلبي، ثم المصري مفيد الديار المصرية، صنف وخرج وأفاد، وشرح أكثر صحيح البخاري في عدة مجلدات (ت ٧٣٥) . ذيل تذكرة الحفاظ لمحمد بن علي الدمشقي ص١٣.
-
فيحتمل أن يكون آخر غير سعد بن معاذ، فإن في بني عبد الأشهل جماعة من الصحابة، يسمى كل منهم سعداً، منهم: سعد بن زيد الأشهلي، شهد بدراً، وكان على سبايا قريظة الذين بيعوا بنجد، وله ذكر في عدة أخبار، منها: في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته، فيحتمل أن يكون هو المتكلم في قصة الإفك فهذا مردود بتصريح القطب الحلبي نفسه بأنه سعد بن معاذ، في الموضع الأول. وأما الموضع الآخر فإن الرواية أيضاً في البخاري "فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل" كما أثبت ذلك في الحاشية. فكيف يتطرق الاحتمال بعد هذا التصريح بأنه سعد بن معاذ، إلى غيره. وأيضاً فإن في رواية معمر بن راشد عند مسلم "فقام سعد بن معاذ الأنصاري" ٥.
-
فيتعين بهذا أن يكون المذكور هو سعد بن معاذ، لا غيره. ويندفع الاحتمال الذي أورده القطب الحلبي رحمه الله.
-
٣- ما ذكره المقريزي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الرجوع من غزوة بني المصطلق أخذ بيد سعد بن معاذ، في نفر فخرج يقود به حتى
ج ٢ ص ١٠٠دخل به على سعد بن عبادة ومن معه، فتحدثا عنده ساعة، وقرب سعد بن عبادة طعاماً، فأصاب منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسعد بن معاذ ومن معه، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمكث أياماً، ثم أخذ بيد سعد بن عبادة ونفر معه، فانطلق به، حتى دخل منزل سعد بن معاذ، فتحدثا ساعة، وقرب سعد بن معاذ طعاماً، فأصاب منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسعد بن عبادة ومن معهم، ثم خرج الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ليذهب ما كان في أنفسهم من ذلك القول الذي تقاولا١ اهـ.
- (١)انظر: شرح مسلم للنووي ٥/٦٣٥، وزاد المعاد لابن القيم ٢/١٢٨، وفتح الباري لابن حجر ٨/٤٧٢.
- (٣)انظر هذه الرواية في البخاري ٣/١٥٣، كتاب الشهادات، باب تعديل النساء بعضهنّ بعضاً.
- (٤)انظر هذه الرواية في البخاري ٥/٩٨، كتاب المغازي، باب حديث الإفك. وهذا لفظها "فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل" وليس كما ذكر القطب الحلبي بقوله: "فقام سعد أخو بني عبد الأشهل".
- (٥)انظر: صحيح مسلم ٨/١١٥، كتاب التوبة. وانظر فتح الباري ٨/٤٧١-٤٧٢.
- (١)إمتاع الأسماع ١/٢١٠، وانظر السيرة الحلبية ٢/٣١٩.
-
٤- اتفاق أهل المغازي على أن غزوة بني المصطلق كانت في شعبان، وأن غزوة الأحزاب كانت في شهر شوال، فمن هذه الناحية تكون غزوة بني المصطلق قبل الأحزاب، إذا غضضنا النظر، عن الخلاف في تحديد سنة كل منهما، وبهذا التقرير يكون الراجح في تحديد زمن هذه الغزوة أنها في شعبان من سنة خمس، وبوجه أعم تكون سابقة على غزوة الأحزاب، إذ الأحزاب في شوال من السنة المذكورة على الأصح كما تقدم٢.
- (٢)انظر: ص٩٢.
-
ويندفع ما تعلق به الذاهبون إلى تأخرها عن غزوة الأحزاب اعتماداً على ما ذكره ابن إسحاق في تحديدها بالسنة السادسة، وأن المحاورة في شأن أهل الإفك، كانت بين أسيد بن حضير وسعد بن عبادة، ومستند ابن إسحاق لا مطعن فيه، غير أن إطباق كتب الصحاح على ذكر سعد بن معاذ في هذه الغزوة، مما يرجح كون غزوة بني المصطلق كانت قبل الخندق، ولا داعي إلى تطرّق الوهم إلى أصحّ الكتب بعد كتاب الله؛ لأنه يمكن اللجوء في مثل هذه القضايا إلى الترجيع بين الأدلة وتمييز الصحيح والأصح أو الراجح والمرجوح، ولا شك أن ما ذكر في الصحيحين أرجح مما ذكر في غيرهما ولاسيما كتب المغازي والتواريخ٣.
- (٣)راجع نظرة في مصادر ودراسة السيرة النبوية، لأكرم ضياء العمري ص١و ٣.
- ج ٢ ص ١٠١
والآن نبدأ الحديث مع القائلين بأنها كانت في السنة الرابعة.
-
ج- القائلون بأن غزوة بني المصطلق في السنة الرابعة:
١- موسى بن عقبة كما نقل ذلك عنه البخاري، وقد تقدم أن الذي حصل للبخاري سبق قلم، وأن الثابت عن موسى بن عقبة سنة خمس١.
- (١)انظر: ص؟ وما بعدها.
-
٢- المسعودي: ذكرها في السنة الرابعة، وذكر أن الخندق في السنة الخامسة٢.
- (٢)مروج الذهب ٢/٢٩٥.
-
٣- ابن العربي المالكي: صرح أيضاً بأنها في السنة الرابعة وأن الخندق بعدها٣.
- (٣)عارضة الأحوذي شرح جامع الترمذي ٧/١٧٣.
-
٤- أبو بكر العامري: اعتمد على النقل عن موسى بن عقبة بأنها كانت في السنة الرابعة٤.
- (٤)قال شارح بهجة المحافل محمد الأشخر: "كذا نقل البخاري عن موسى بن عقبة وهو سبق قلم والذي في مغازيه أنها في سنة خمس".
-
ونقل قول ابن إسحاق بأنها كانت في السادسة، ثم عقب عليه بقوله: والصواب الأول- أي أنها كانت في الرابعة - بدليل أن فيها حديث الإفك، وجرى فيه ذكر سعد بن معاذ، وسعد أصيب يوم الخندق، والخندق في السنة الرابعة على الأصح، فعلم بهذا أن المريسيع قبلها٥.
- (٥)بهجة المحافل ١/٢٤١.
-
٥- ومن المعاصرين محمد أحمد باشميل فقد ذكرها في حوادث سنة أربع، ضمن الحوادث الواقعة بين غزوتي أحد والأحزاب٦.
- (٦)غزوة الأحزاب ص ٩٤.
-
ويلاحظ مما ذكره هؤلاء العلماء في شأن غزوة بني المصطلق: أنها سابقة على غزوة الأحزاب، وهذا من المرجحات على تقدمها على غزوة الخندق.
- ج ٢ ص ١٠٢
غير أن تحديد زمنها بالسنة الرابعة، مردود بما أطبق عليه أهل المغازي بأن في السنة الرابعة كانت بدر الموعد، وكانت في شعبان، ومن المعلوم أن غزوة بني المصطلق كانت في شعبان اتفاقاً، وكانت مدة غياب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ثمانية وعشرين يوماً، ابتداء من ليلتين خلتا من شعبان١.
- (١)انظر: ص٩٣و٩٦.
-
فإذا كانت غزوة بني المصطلق في السنة الرابعة على ما ذهب إليه هؤلاء العلماء، فمتى كانت بدر الموعد؟.
-
وعلى كل حال فكون غزوة بني المصطلق في شعبان سنة أربع، لا يستقيم مع قول أهل المغازي بأن في هذا التاريخ كانت بدر الموعد، وهذا مما يرجح تأخر غزوة بني المصطلق عن هذا التحديد.
-
الخليفة على المدينة في غياب الرسول صلى الله عليه وسلم:
اختلف العلماء فيمن استخلف على المدينة في غياب رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق. وأقوالهم تنحصر في أحد أشخاص أربعة:
وهم: زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، وأبو ذر الغفاري، ونميلة ابن عبد الله الليثي، وجعيل بن سراقة الضمري.
-
ولم أجد ما يرجح قول أحد على آخر، إذ هو مجرد قول بدون إسناد. غير أن الأكثر على أن الخليفة أبو ذر، أو نميلة بن عبد الله الليثي٢.
- (٢)انظر: أنساب الأشراف للبلاذري ص ٣٤٢، سيرة ابن هشام ٢/٢٨٩، والروض الأنف للسهيلي ٦/٣٩٩، وعيون الأثر لابن سيد الناس ٢/٩٢، وتاريخ ابن خلدون ٢/٣٣، زاد المعاد ٢/١٢٥، شرح المواهب اللدنية للزرقاني ٢/٩٧، وأسد الغابة لابن الأثير ١/٣٣٨.