المبحث الخامس: موقف عبد الله بن عبد الله بن أبي من أبيه
١٥ فقرة، ج ٢ ص ١٩٠
- ج ٢ ص ١٩٠
١- ما رواه ابن إسحاق قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن عبد الله أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغنك عنه، فإن كنت لابد فاعلا فمرني به، فأنا
ج ٢ ص ١٩١أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فأقتله، فأقتل مؤمنا بكافر، فأدخل النار "، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بل نترفق به، ونحسن صحبته ما بقي معنا ".
-
وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه، ويعنفونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب حين بلغه من شانهم: "كيف ترى يا عمر، أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله، لأرعدت له آنف، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته ".
قال: قال عمر: "قد والله علمت لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمري "١.
-
ومن طريقه رواه ابن جرير الطبري وابن كثير٢.
- (٢)تفسير الطبري ٢٨/ ١١٦، والتاريخ ٢/ ٦٠٨، وتفسير ابن كثير ٤/ ٣٧٢، والبداية والنهاية ٤/ ١٥٨.
-
٢- ما رواه الحميدي: حدثنا سفيان٣ قال: ثنا أبو٤ هارون المدني قال: قال عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول لأبيه: "والله لا تدخل المدينة أبدا حتى تقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعز وأنا الأذل "، قال: وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " يا رسول الله، إنه بلغني أنك تريد أن تقتل أبي، فوالذي بعثك بالحق ما تأملت وجهه قط هيبة له، وإن شئت أن آتيك برأسه، أتيتك، فإني أكره أن أرى قاتل أبي"٥.
- (٣)هو ابن عيينة وذلك لأن الحميدي كان رئيس أصحاب ابن عيينة، انظر تهذيب التهذيب ٥/ ٢١٥.
- (٤)هو موسى بن أبي عيسى الحناط، بمهملة ونون ثقيلة آخره مهملة الغفاري، أبو هارون المدني، مشهور بكنيته واسم أبيه ميسرة، ثقة، من السادسة/ خت م د ق. التقريب ٢/ ٢٨٧.
-
٣- ورواه الطبراني من طريق عروة بن الزبير ولفظه: أن عبد الله ابن عبد الله بن أبي استأذن النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتل أباه،
ج ٢ ص ١٩٢قال: "لا تقتل أباك" ١. قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح" ، إلا أن عروة بن الزبير لم يدرك عبد الله بن عبد الله بن أبي.
قلت: وذلك لأن عبد الله بن عبد الله بن أبي، قتل في خلافة أبي بكر الصديق سنة اثنتي عشرة، كما ذكر ذلك ابن سعد وابن الأثير وابن حجر٢. وكانت ولادة عروة في خلافة عمر بن الخطاب٣.
- (١)سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٢- ٢٩٣.
- (٥)مسند الحميدي ٢/ ٥٢٠، وتفسير ابن كثير ٤/ ٣٧٢.
- (٢)انظر طبقات ابن سعد ٣/ ٥٤٢، وأسد الغابة ٣/ ٢٩٨، والإصابة ٢/ ٣٣٦.
- (٣)انظر تهذيب التهذيب ٧/ ١٨٣- ١٨٤. والتقريب ٢/ ١٩.
-
فتكون ولادته بعد وفاة عبد الله.
-
٤- ورواه البزار من حديث أبي هريرة ولفظه: قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن أبي وهو في ظل أطم٤، فقال، عبر علينا ابن أبي كبشة٥، فقال: ابنه عبد الله بن عبد الله: يا رسول الله، والذي أكرمك، لئن شئت أتيتك برأسه، فقال: "لا، ولكن بر أباك وأحسن صحبته" ٦.
قال الهيثمي: "رجاله ثقات" .
- (٤)الأطم: بالضم: بناء مرتفع، وجمعه آطام، النهاية في غريب الحديث لابن الأثير١/٥٤.
- (٥)ابن أبي كبشة: يريد به النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن حجر: "قال ابن قتيبة والخطابي والدارقطني: هو رجل من خزاعة خالف قريشا في عبادة الأوثان فعبد الشعرى فنسبوا النبي صلى الله عليه وسلم إليه للاشتراك في مطلق المخالفة"، ثم قال ابن حجر: "وكذا قاله ابن الزبير قال: واسم هذا الرجل: وجز بن عامر بن غالب وقيل غير ذلك". وقد ورد في حديث أبي سفيان عند هرقل لما سأله عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو سفيان لما خرجوا من عند هرقل وسمع منه تعظيمه لأمر النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لقد أمر أمر ابن أبي كبشة". انظر صحيح البخاري ١/٦- ٧ (باب كيف كان بدء الوحي) ، وفتح الباري ١/ ٤٠.
-
٥- ما أورده ابن كثير بقوله: وذكر عكرمة٧ وابن زيد٨ وغيرهما أن
ج ٢ ص ١٩٣الناس لما قفلوا راجعين على المدينة وقف عبد الله بن عبد الله هذا على باب المدينة واستل سيفه فجعل الناس يمرون عليه، فلما جاء أبو عبد الله ابن أبي، قال له ابنه وراءك؟ فقال مالك ويلك؟ فقال: "والله لا تجوز من ههنا حتى يأذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه العزيز وأنت الذليل" ، قلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان إنما يسير ساقة فشكا إليه عبد الله بن أبي ابنه، فقال ابنه عبد الله: "والله يا رسول الله لا يدخلها حتى تأذن له" ، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أما إذا أذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجز الآن" ١.
قلت: وهو منقطع أيضا وذلك لما تقدم من أن وفاة عبد الله بن عبد الله بن أبي، كانت سنة اثنتي عشرة، وعكرمة أقل ما قيل في وفاته أنها سنة (١٠٤) وكان عمره ثمانين سنة، فتكون ولادته سنة أربع وعشرين بعد وفاة عبد الله باثنتي عشرة سنة٢، وبهذا تكون الأحاديث الأربعة منقطعة، ولكن بمجموعها يؤيد بعضها بعضا وترتقي إلى درجة الحسن لغيره.
- (٧)عكرمة بن عبد الله، مولى ابن عباس، أصله بربري، ثقة ثبت، عالم بالتفسير، لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا يثبت عنه بدعة، من الثالثة، (ت١٠٧) وقيل بعدها/ ع. التقريب ٢/ ٣٠.
- (٨)هو محمد بن يزيد بن المهاجر بن قنفذ، بضم القاف والفاء بينهما نون ساكنة وآخره ذال عجمة، التيمي، المدني، ثقة، من الخامسة/م عم. المصدر السابق٢/ ١٦٢.
- (١)مجمع الزوائد ٩/ ٣١٨.
- (٦)مجمع الزوائد ٩/ ٣١٨.
- (٢)انظر تهذيب التهذيب ٧/ ٢٧١.
-
ويقويها ما رواه الترمذي: حدثنا ابن أبي عمر أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار سمع جابر بن عبد الله يقول: "كنا في غزاة قال سفيان يرون أنها غزوة بني المصطلق فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال المهاجري: يا للمهاجرين، وقال الأنصاري: يا للأنصار" . الحديث ...
-
وفي آخره، وقال غير عمرو فقال له ابنه عبد الله بن عبد الله: والله لا تنقلب حتى تقر أنك الذليل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم العزيز ففعل. "هذا حديث حسن صحيح" ٣.
-
والحديث أخرجه الشيخان دون هذه الزيادة، وقد تقدم٤. ومجموع هذه الروايات المختلفة يبرز لنا موقفا صلبا قويا من مواقف العقيدة الإسلامية إذا
ج ٢ ص ١٩٤تمكنت من قلب المسلم ورسخت فيه، ذلك لأن بناء الشخصية الإسلامية على هذه العقيدة يخرج للبشرية نمطا فريدا من الناس يتحدون جميع الروابط والأواصر التي عهدها البشر في أعرافهم وتقاليدهم ومذاهبهم الاجتماعية، وتكون الآصرة الوحيدة في حياة المسلم هي آصرة العقيدة وحدها، ومن هنا نفهم ما ورد في التاريخ الإسلامي من رسوخ المسلم وثباته في وجه أبيه وأخيه الكافرين ولو أدى به ذلك إلى قتلهما، لأن أغلى شيء يملكه المسلم هو عقيدته، فإذا وقف في سبيل الدعوة إليها عرف اجتماعي أو رابطة قبلية أو مذاهب تقليدية، تحداها المسلم بعزم وإصرار.
- (٤)انظر ص ١٧٥، وما بعدها.
- (١)تفسير ابن كثير ٤/ ٣٧٢، وتاريخه ٤/ ١٥٨.
- (٣)الترمذي ٥/ ٩٠، كتاب التفسير.
-
ومن ذلك هذا الموقف المشرف الذي وقفه عبد الله بن عبد الله بن أبي من أبيه عبد الله بن أبي ابن سلول، حتى وصل به الأمر إلى مراودة الرسول صلى الله عليه وسلم واستئذانه في قتله إن كان يحب ذلك.
-
وليس في الدنيا مذهب يخلق هذا النوع الفريد من التفاني في سبيل المبدأ أو العقيدة وتلك معجزة عقيدة الإسلام التي يفتقر إليها الناس في كل زمان ومكان، وهي وحدها الكفيلة بسعادة البشرية ووحدتها وقوتها فما أحوجها إلى مثل هذا الغرس الطيب لينشأ جيل فريد في تصوره الإسلامي، وسلوكه العملي في واقع الحياة، لانتشال شباب الأمة الإسلامية من وهده الضلال إلى قمة العقيدة الإسلامية واستعلائها. {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ، [سورة آل عمران، من الآية: ١٣٩] .
-
ويدل لهذا قوله تعالى: {لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ، [سورة المجادلة، الآية: ٢٢] .
قال ابن كثير: "قوله {وَلَو كَانُوا آبَاءَهم} نزلت في أبي عبيدة قتل أباه يوم بدر. {أَوْ أَبْنَاءَهَم} نزلت في أبي بكر الصديق هم صلى الله عليه وسلم يومئذ بقتل ابنه عبد الرحمن،
ج ٢ ص ١٩٥{أَوْ إِخْوَانَهُم} في مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يومئذ، {أَوْ عَشِيْرَتَهُم} في عمر بن الخطاب قتل قريبا له يومئذ.
-
وفي حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث قتلوا: عقبة وشيبة والوليد بن عتبة يومئذ وهو من عشيرتهم"١.
- (١)تفسير ابن كثير ٤/ ٣٢٩.