المبحث السادس: هبوب العاصفة في طريق العودة من المريسيع

١٩ فقرة، ج ٢ ص ١٩٥

  1. ذكر ابن إسحاق في حديثه الطويل الذي يرويه عن مشايخه: عاصم ابن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر، ومحمد بن يحيى بن حبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قفل من غزوة بني المصطلق سلك بالناس طريق الحجاز، حتى نزل على ماء بالحجاز فويق النقيع١ يقال له: نقعاء، فلما راح رسول الله صلى الله عليه وسلم هبت ريح شديدة آذتهم، وتخوفوها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تخافوها فإنما هبت لموت عظيم من عظماء الكفار" ، فلما قدموا المدينة، وجدوا رفاعة بن زيد ابن التابوت أحد بني قينقاع، وكان عظيما من عظماء يهود، وكهفا للمنافقين، مات في ذلك اليوم، الحديث٢ ...

    1. (١)النقيع من ديار مزينة، وكان طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق، ونقعاء: موضع فوق النقيع، وبين النقيع والمدينة عشرون فرسخا، معجم البلدان لياقوت ٥/ ٢٩٩ و٣٠١. قلت: وهو يقدر ب ١٠٠ كيلومتر لأن الفرسخ يعادل خمس كيلوات. انظر نسب حرب ص ٣٨٩.
    2. (٢)سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٢.
    ج ٢ ص ١٩٥
  2. والحديث عند ابن جرير الطبري من هذه الطريق٣. وكذا أورده ابن كثير من هذه الطريق أيضا، وزاد: وهكذا ذكر موسى بن عقبة والواقدي، ثم قال:

    ج ٢ ص ١٩٦وروى مسلم من طريق الأعمش عن أبي سفيان١ عن جابر، نحو هذه القصة، إلا أنه لم يسم الذي مات من المنافقين، قال: هبت ريح شديدة، والنبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، فقال: "هذه لموت منافق" ، فلما قدمنا المدينة إذا هو قد مات عظيم من عظماء المنافقين. انتهى٢.

    قلت: حديث مسلم المشار إليه هو: حدثني أبو كريب٣ محمد بن العلاء حدثنا حفص٤ (يعني بن غياث) عن الأعمش٥، عن أبي سفيان، عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم من سفر فلما كان قرب المدينة هاجت ريح شديدة تكاد أن تدفن الراكب فزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بعثت هذه الريح لموت منافق" ، فلما قدم المدينة، فإذا منافق عظيم من المنافقين قد مات٦.

    1. (٣)تفسير الطبري ٢٨/ ١١٥- ١١٦، وتاريخه ٢/ ٦٠٤- ٦٠٧.
    2. (١)أبو سفيان: هو طلحة بن نافع، أبو سفيان الإسكاف، نزيل مكة، صدوق من الرابعة /ع. تقريب التذيب ١/ ٣٨٠.
    3. (٢)البداية والنهاية ٤/ ١٥٨.
    4. (٣)تقدمت ترجمته.
    5. (٤)حفص بن غياث بمعجمة مكسورة، وياء ومثلثة، ابن طلق بن معاوية النغعي، أبو عمر الكوفي، القاضي، ثقة فقيه، تغير حفظه قليلا في الآخر، من الثامنة، (ت١٩٤) / ع. التقريب ١/ ١٨٩.
    6. (٥)سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي، أبو محمد الكوفي، الأعمش، ثقة حافظ، عارف بالقراءة ورع، لكنه يدلس، من الخامسة، (ت١٤٧أو١٤٨) /ع. المصدر السابق١/ ٣٣١.
    7. (٦)مسلم ٨/ ١٢٤، كتاب صفة المنافقين.
  3. وأورده عبد بن حميد من هذه الطريق وسمى المنافق رافع بن التابوت وهذا نصه: حدثنا إبراهيم٧ بن الأشعث، ثنا فضيل٨ بن عياض عن سليمان٩، عن أبي سفيان، عن جابر - رضي الله عنه - "كنا مع النبي صلى الله

    ج ٢ ص ١٩٧عليه وسلم في سفر، فهاجت ريح تكاد تدفن الراكب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هبت هذه الريح لموت منافق" ، فلما رجعنا إلى المدينة وجدنا مات في ذلك اليوم منافق عظيم النفاق، فسمعت بعد يقولون هو رافع بن التابوت١.

    1. (٧)إبراهيم بن الأشعث خادم الفضيل، وثقه ابن حبان، والحاكم وضعفه أبو حاتم: لسان الميزان ١/ ٣٦.
    2. (٨)فضيل بن عياض بن مسعود أبو علي الزاهد المشهور، أصله من خراسان وسكن مكة ثقة، عابد إمام ن من الثامنة، (ت١٨٧) وقيل قبلها/ خ م د ت س. المصدر السابق ٢/ ١١٣.
    3. (٩)سليمان: هو الأعمش.
    4. (١)مسند عبد بن حميد ٢/ ١٣٥ ق. أ.
  4. وأورده أحمد من ثلاث طرق:
  5. ١- من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر.

  6. ٢ و ٣- ومن طريق ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، وبين في طريق ابن لهيعة جهة السفر الذي عصفت فيه الريح.

  7. وهذا نص الحديث: حدثنا حسن٢، ثنا ابن لهيعة، ثنا أبو الزبير، عن جابر أنهم غزوا فيما بين مكة والمدينة، فهاجت عليهم ريح شديدة حتى دفعت الرجال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا لموت المنافق" ، فرجعنا إلى المدينة فوجدنا منافقا عظيم النفاق قد مات٣.

    1. (٢)الحسن بن موسى الأشيب بمعجمة، ثم تحتانية أبو علي البغدادي، قاضي الموصل وغيرها، ثقة من التاسعة، (ت٢٠٩) /ع. التقريب ١/ ١٧١.
    2. (٣)مسند أحمد ٣/ ٣١٥ و ٣٤١ و ٣٤٦.
  8. وأورده الواقدي من ثلاث طرق أيضاً:
  9. أ- من طريق جابر بن عبد الله وهذا نصه: حدثني خارجة بن الحارث، عن عباس٤ بن سهل، عن جابر بن عبد الله قال: كانت الريح يومئذ أشد ما كانت قط، إلى أن زالت الشمس، ثم سكنت آخر النهار، قال جابر: فسألت حين قدمت قبل أن أدخل بيتي، من مات؟ فقالوا: زيد بن رفاعة بن التابوت.

    1. (٤)عباس بن سهل بن سعد الساعدي، ثقة، من الرابعة، (ت١٢٠) ، وقيل قبل ذلك / خ م د ت ق. التقريب ١/ ٣٩٧.
  10. وذكر أهل المدينة أنهم وجدوا مثل ذلك من شدة الريح حتى دفن عدو الله فسكنت الريح٥.

    1. (٥)مغازي الواقدي ٢/ ٤٢٣.
  11. ب- من حديث رافع بن خديج: حدثني عبيد الله١ بن الهرير عن أبيه٢، عن رافع بن خديج، قال: لما رجعنا من المريسيع قبل الزوال كان الجهد بيننا يومنا وليلتنا الحديث طويل وفيه "ثم راح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس مبرداً، فنزل من الغد ماء يقال له نقعاء فوق النقيع، وسرح الناس ظهرهم، فأخذتهم ريح شديدة حتى أشفق الناس منها، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وخافوا أن يكون عيينة بن حصن خالف إلى المدينة، وقالوا: لم تهج هذه الريح إلا من حدث وإنما بالمدينة الذراري والصبيان، وكانت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين عيينة بن حصن مدة، فكان ذلك حين انقضائها، فدخلهم أشد الخوف، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خوفهم، فقال: " ليس عليكم بأس منها، ما بالمدينة من نقب ٣ إلا عليه ملك يحرسه، وما كان ليدخلها عدو حتى تأتوها، ولكنه مات اليوم منافق عظيم النفاق بالمدينة، فلذلك عصفت الريح، وكان موته للمنافقين غيظا شديدا"، وهو زيد بن رفاعة بن التابوت، مات ذلك اليوم٤.

    1. (١)عبيد الله بن الهرير بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج الأنصاري، الحارثي، المدني، مستور، من السابعة، /د. التقريب ١/ ٥٤٠.وفي تهذيب التهذيب ٧/ ٥٤ روى عن أبيه وعمرو بن عبيد الله بن حنظلة، وعنه ابن أبي فديك والواقدي، قال البخاري: حديثه ليس بالمشهور، وذكره ابن حبان في الثقات. وفي ميزان الاعتدال: ٣/ ١٦- ١٧، ما رأيت من وثقه.
    2. (٢)هرير مصغرا ابن عبد الرحمن بن رافع بن خديج الأنصاري المدني، مقبول من الخامسة، /د. المصدر السابق ٢/ ٣١٧، وفي تهذيب التهذيب ١١/ ٢٩، وثقه ابن معين وابن حبان، وقال الأزدي يتكلمون في حديثه.
    3. (٤)مغازي الواقدي ٢/ ٤٢٢.
    ج ٢ ص ١٩٨
  12. ج- ومن حديث عبادة بن الصامت: حدثني عبد الحميد٥ بن جعفر

    ج ٢ ص ١٩٩عن أبيه١ قال: قال عبادة بن الصامت٢ يومئذ لابن أبي: "أبا حباب٣، مات خليلك! " . قال: "أي أخلائي؟ "

    قال: "من موته فتح للإسلام وأهله" ، قال: "من؟ " قال: "زيد بن رفاعة ابن التابوت" .

    قال: "يا ويلاه، كان والله وكان! " فجعل يذكر٤، فقلت: "اعتصمت بالذنب الأبتر" ٥، قال: "من أخبرك يا أبا الوليد بموته؟ " قلت: "رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا الساعة أنه مات هذه الساعة" ، قال: "فأسقط في يديه وانصرف كئيبا حزينا" ، قالوا: "وسكنت الريح آخر النهار، فجمع الناس ظهورهم" ٦.

    1. (٥)عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع الأنصاري، صدوق رمي بالقدر، وربما وهم، من السادسة، (ت١٥٣) ، /خت م عم. التقريب ١/ ٤٦٧.
    2. (٣)النقب: الطريق بين جبلين. غريب الحديث لابن الأثير ٥/ ١٠٢.
    3. (١)هو جعفر بن عبد الله بن الحكم الأنصاري والد عبد الحميد، ثقة، من الثالثة/ بخ م عم. التقريب ١/ ١٣١.
    4. (٢)عبادة بن الصامت بن قيس الأنصاري، الخزرجي أبو الوليد المدني، أحد النقباء، بدري مشهور، مات بالرملة سنة ٣٤ وله ٧٢ سنة، وقيل عاش إلى خلافة معاوية /ع. المصدر السابق ١/ ٣٩٥.
    5. (٣)أبو حباب: كنية عبد الله بن أبي ابن سلول، بابنه عبد الله بن عبد الله، كان اسمه حبابا فكان يكتني به، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله، وكان من خيرة الصحابة، انظر الاستعياب لابن عبد البر ٢/ ٣٣٥، والإصابة لابن حجر ٢/ ٣٣٥- ٣٣٦. وأسد الغابة لابن الأثير ٣/ ٢٩٦، وقد ورد النهي عن تسمية حباب، فروى ابن سعد بسند مرسل: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول، وكان اسمه حبابا، فقال: "أنت عبد الله، فإن حبابا اسم شيطان"، وأورد أيضا من مرسل عروة بن الزبير وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعامر الشعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الحباب: شيطان"، انظر طبقات ابن سعد ٣/ ٥٤١، والبداية والنهاية لابن كثير ٦/٣٣٨.
    6. (٤)أي يعدد محاسنه.
  13. مناقشة الأحاديث:

    حديث ابن إسحاق مرسل ورجاله ثقات.

    1. (٥)الأبتر: المقطوع، النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ١/ ٩٣.
    2. (٦)مغازي الواقدي ٢/ ٤٢٣.
  14. وحديث مسلم وعبد بن حميد فيهما الأعمش وأبو سفيان، والأعمش مدلس وقد عنعن١، وقد وضعه ابن حجر في المرتبة الثانية من طبقات المدلسين وهي المرتبة التي احتمل الأئمة تدليسهم.

    1. (١)وقد صرّح الأعمش بالتحديث عند أبي يعلى ٢/٢٣٤. وهذا نصّ الحديث: ثنا ابن نمير - محمّد بن عبد الله - ثنا محاضر - ابن مورع - ثنا الأعمش، ثنا أبو سفيان عن جابر، قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فهاجت ريح تكاد تدفن الراكب. ثم ساق الحديث كسياق مسلم.
    ج ٢ ص ٢٠٠
  15. وهذا نص كلامه: "الثانية: من احتمل الأئمة تدليسه وأخرجوا له في الصحيح لإمامته وقلة تدليسه في جنب ما روى، كالثوري، أو كان لا يدلس إلا عن ثقة كابن عيينة" ٢.

    وقال النووي في تقريبه: "وما كان في الصحيحين وشبههما عن المدلسين بعن محمول على ثبوت السماع من جهة أخرى" ٣.

  16. وأما أبو سفيان: "فقال أبو خيثمة٤ عن ابن عيينة ووكيع عن شعبة: حديث أبي سفيان عن جابر إنما هي صحيفة" ، وقال أبو حاتم٥: "عن شعبة أيضان لم يسمع أبو سفيان من جابر إلا أربعة أحاديث، وكذا قال علي ابن المديني" .

    قال ابن حجر: "ولم يخرج البخاري له سوى أربعة أحاديث عن جابر وأظنها التي عناها شيخه علي ابن المديني. منها حديثان في الأشربة والثالث في الفضائل حديث اهتز العرش - يعني لموت سعد بن معاذ - مقرونا بأبي صالح٦، والرابع في تفسير سورة الجمعة قرنه

    ج ٢ ص ٢٠١بسالم بن أبي الجعد". انتهى كلام ابن حجر١.

    1. (٤)هو زهير بن حرب بن شداد، أبو خيثمة النسائي، نزيل بغداد، ثقة ثبت من العاشرة، (ت٢٣٤) / خ م د س ق. التقريب ١/ ٢٦٤.
    2. (٥)أبو حاتم: هو محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي الرازي أحد الأئمة الأعلام (ت٢٧٧) ، ومقدمة علل الحديث لابن أبي حاتم ١/ ٨.
    3. (٦)هو ذكوان السمان.
    4. (٢)طبقات المدلسين لابن حجر ص (٢٣) .
    5. (٣)تقريب النووي ص ١٤ (تدريب الراوي) انظر فتح المغيث للسخاوي١/ ١٧٦.
    6. (١)تهذيب التهذيب ٥/ ٢٧، وانظر الأحاديث الأربعة في البخاري ٥/ ٣٠، كتاب الفضائل (باب مناقب سعد بن معاذ) و٦/ ١٢٦ كتاب التفسير و٧/ ٩٤، كتاب الأشربة باب شرب اللبن.
  17. وعلى هذا فرواية أبي سفيان عن جابر بطريق الوجادة، وهي مختلف في الاحتجاج بها لأنها من قبيل المنقطع٢.

    1. (٢)انظر تقريب النووي ٢٨١- ٢٨٤ (تدريب الراوي) .
  18. ولكن قد تابعه أبو الزبير في جابر بن عبد الله وصرح بإخبار جابر له عند أحمد في مسنده٣.

    1. (٣)مسند الإمام أحمد ٣/ ٣٤٦.
  19. وبهذا يكون الحديث قد ورد مرسلا عند ابن إسحاق ورجاله ثقات ووصله مسلم وأحمد وعبد بن حميد والواقدي. فيكون حديث ابن إسحاق عندئذ حسنا لغيره.