المبحث الثاني: في أحداث الغزوة إجمالا
٨ فقرات، ج ٣ ص ٥٥٧
- ج ٣ ص ٥٥٧
٩٤- أخرج البخاري١ من طريق معمر، قال: أخبرني الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان - يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه - قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية، حتى كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقَتَرة الجيش٢، فانطلق يركض نذيراً لقريش، وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية٣ التي يُهبط عليهم منها بركت به راحلتُه، فقال الناس: حَلْ حَلْ٤، فألحت.
ج ٣ ص ٥٥٨فقالوا: خَلأتِ١ القَصواء٢. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل٣، ثم قال: والذي نفسي بيده، لا يسألونني خطةً يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها" .
- (١)صحيح البخاري مع الفتح ٥/ ٣٢٩- ٣٣٣ رقم (٢٧٣١، ٢٧٣٢) .
- (٢)القترة: - بفتح القاف والمثناة -: الغبار الأسود. الفتح ٥/ ٣٣٥.
- (٣)المراد بالثنية؛ ثنية المِرَار، كما عند ابن إسحاق ٢/ ٣٠٨- ٣٠٩، وستأتي بطولها، والفتح ٥/ ٣٣٥، وثنية المِرَار: - بكسر الميم والتخفيف الراء -: هي طريق في الجبل تشرف على الحديبية، الفتح ٥/ ٣٣٥، وقال البلادي: "إذا وقفت في الحديبية ونظرت شمالاً عدلاً، رأيت جبلين بارزين بينهما فج واسع هذا الفج ثنية المرار" معجم المعالم، ١٠٦.
- (٤)حَلْ حَلْ: - بفتح المهملة وسكون اللام -: كلمة تقال للناقة إذا تركت المسير، وقال الخطابي: "إن قلت حل واحدة فالسكون، وإن أعدتها نونت في الأولى وسكنت في الثانية". الفتح ٥/ ٣٣٥.
- (٢)القصواء: - بفتح القاف بعدها مهملة ومد -: اسم ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقصو قطع طرف الأذن. الفتح ٥/ ٣٣٥.
- (٣)حبسها حابس الفيل: أي حبسها الله عن دخول مكة كما حبس الفيل عن دخولها، ومناسبة ذكرها: أن الصحابة لو دخلوها على تلك الصورة وصدتهم قريش لوقع بينهم قتال قد يفضي إلى سفك الدماء، كما لو قدر دخول الفيل. الفتح ٥/ ٣٣٥.
-
ثم زجرها فوثَبَتْ. قال فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثَمَدٍ٤ قليل الماءِ يَتَبَرَّضُهُ٥ الناسُ تَبَرُّضَاً، فلم يلبِّثْهُ٦ الناسُ حتى نزحوه، وشُكِيَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطشُ، فانتزَعَ سهماً من كِنانتهِ٧، ثم أمرهم
ج ٣ ص ٥٥٩أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش١ لهم بالرِّيِّ حتى صدروا عنه٢.
- (١)خلأت: أي بركت. القاموس (خلأت) .
- (٤)على ثمد: بفتح المثلثة والميم، أي حفيرة فيها ماء مثمود أي: قليل. الفتح ٥/ ٣٦٦.
- (٥)يتبرضه الناس: - بالموحدة والتشديد والضاد المعجمة -: هو الأخذ قليلاً قليلاً، والبرض: - بالفتح والسكون - اليسير من العطاء، قال صاحب العين: هو جمع الماء بالكفين. الفتح ٥/ ٣٣٧.
- (٦)فلم يلبث حتى نزحوه: - بضم أوله وسكون اللام -: من الألباث، وقال ابن التين: بفتح اللام وكسر الموحدة الثقيلة، أي لم يتركوه يلبث أي يقيم. الفتح ٥/ ٣٣٧.
- (٧)فانتزع سهماً من كنانته: أي أخرج سهماً من جعبته، الفتح ٥/ ٣٣٧.
- (١)يجيش: - بفتح أوله وكسر الجيم وآخره معجمة -: أي يفور. الفتح ٥/ ٣٣٧.
- (٢)إلى هنا أخرجه الواقدي في المغازي ٢/ ٥٨٧.
-
فبينما هم كذلك إذ جاء بُدَي لُ بن وَرْقاء الخزاعيّ٣ في نفر من قومه من خُزاعة - وكانوا عيبة٤ نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تِهامة٥ - فقال إني تركتُ كعب بنَ لؤيّ٦ وعامرَ بنَ لؤيّ نزلوا أعداد مياه الحديبية، ومعهم العُوذُ٧ المطافيلُ٨، وهم مقاتلوك وصادوك
ج ٣ ص ٥٦٠عن البيت.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنا لم نجئ لقتال أحدٍ، ولكنّا جئنا معتمرين، وإنّ قريشاً قد نَهِكتْهُم١ الحرب وأضرّت بهم، فإن شاؤوا مادَدْتهم مدةً ويُخَلُّوا بيني وبين الناس، فإنْ أظهرْ، فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جَمُّوا٢، وإن هم أبَوا، فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، وليُنفِذَنَّ الله أمرَهُ" .
فقال بُديل: سأبلِّغُهم ما تقول.
قال: فانطلق حتى أتى قريشاً، قال: إنّا جئناكم من هذا الرجل، وسمعناه يقول قولاً، فإن شئتم أن نعرِضَه عليكم فعَلنا.
فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرونا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعتَه يقول.
قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
- (٤)وكانوا عيبة نصح: العيبة - بفتح المهملة وسكون التحتانية بعدها موحدة -: ما توضع فيه الثياب لحفظها، أي أنهم موضع النصح له والأمانة على سره، ونصح بضم النون، وحكى ابن التين فتحها، كأنه شبه الصدر الذي هو مستودع السر بالعيبة التي هي مستودع الثياب. الفتح ٥/ ٣٣٧.
- (٥)من أهل تهامة: لبيان الجنس، لأن خزاعة كانوا من جملة أهل تهامة - بكسر المثناة - هي مكة وما حولها، وأصلها من التهم وهو شدة الحر وركود الريح. الفتح ٥/ ٣٣٧.
- (٣)هو: بديل بن ورقاء بن عمرو بن ربيعة بن عبد العزى بن ربيعة بن جزي ... الخزاعي، كان إسلامه قبل الفتح، وقيل يوم الفتح. الإصابة ١/ ١٤١.
- (٦)قوله: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي: إنما اقتصر على ذكر هذين لكون قريش الذين كانوا بمكة أجمع ترجع أنسابهم إليهما. الفتح ٥/ ٣٣٨.
- (٧)العوذ: - بضم المهملة وسكون الواو بعدها معجمة -: جمع عائذ وهي الناقة ذات اللبن، النهاية ٣/ ٣١٩، والفتح ٥/ ٣٣٨.
- (٨)المطافيل: الأمهات اللائي معها أطفالها. الفتح ٥/ ٣٣٨.
- (١)نهكتهم الحرب: - بفتح أوله وكسر الهاء -: أي أبلغت فيهم حتى أضعفتهم، الفتح ٥/ ٣٣٨.
- (٢)فقد جموا: أي استراحوا. الفتح ٥/ ٣٣٨.
-
فقام عروة بن مسعود٣ فقال: أيْ قومِ! ألستُم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: أوَ لستُ بالولد؟ قالوا:
ج ٣ ص ٥٦١بلى، قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أني استنفرت١ أهل عكاظ٢ فلما بلّحوا٣ عليّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى.
قال: فإن هذا قد عرض لكم خطة رشدٍ اقبلوها ودعوني آته، قالوا: ائته، فأتاه فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نحواً من قوله لبديل فقال عروة عند ذلك: أيْ محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح٤ أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فإني والله لا أرى وجوهاً، وإني لأرى أشواباً٥ من الناس خليقاً
ج ٣ ص ٥٦٢أن يفرُّوا ويدَعوك، فقال له أبو بكر: امصص١ بَظْرَ اللات، أنحن نفرُّ عنه ونَدَعُهُ؟ فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر.
- (٣)هو: عروة بن مسعود بن معتب - بالمهملة والمثناة المشددة - ابن مالك بن كعب بن عمرة بن سعد بن عوف بن ثقيف الثقفي، وهو عم والد المغيرة بن شعبة، كان أحد الأكابر من قومه، وثبت ذكره في الحديث الصحيح في قصة الحديبية وكانت له اليد البيضاء في تقرير الصلح، أسلم لما انصرف الرسول صلى الله عليه وسلم من الطائف، ورماه رجل من ثقيف فقتله، الإصابة ٢/ ٤٧٧.
- (١)استنفرت: أي دعوتهم إلى نصركم. الفتح ٥/ ٣٣٩.
- (٢)عكاظ: - بضم المهملة وتخفيف الكاف -: من أشهر أسواق العرب كان يوجد في الجهة الشرقية الشمالية من بلدة (الحويّة) اليوم، ويقع شمال شرقي الطائف على قرابة خمس وثلاثين كيلاً في أسفل وادي شَرِب. معجم المعالم الجغرافية ٢١٥.
- (٣)فلما بلحوا: - بالموحدة وتشديد اللام المفتوحتين ثم مهملة مضمومة -: أي امتنعوا، والتبلح: التمنع من الإجابة. الفتح (٥/ ٣٣٩) .
- (٤)اجتاح: - بجيم ثم مهملة -: أي أهلك بالكلية. الفتح ٥/ ٣٤٠.
- (٥)أشواباً: - بتقديم المعجمة على الواو -، كذا للأكثر، ووقع (أوشاباً) بتقديم الواو، والأشواب: الأخلاط من أنواع شتى، والأوباش: الأخلاط من السفلة، فالأوباش أخص من الأشواب. الفتح ٥/ ٣٤٠.
- (١)امصص بظر اللات: - بألف وصل ومهملتين الأولى مفتوحة بصيغة الأمر -، والبظر: بفتح الموحدة وسكون المعجمة قطعة تبقى بعد الختان في فرج المرأة، واللات: اسم أحد الأصنام التي كانت قريش وثقيف يعبدونها وكان عادة العرب الشتم بذلك، لكن بلفظ الأم، فأراد أبو بكر المبالغة في سب عروة. الفتح ٥/ ٣٤٠.
-
قال أما والذي نفسي بيده لولا يد٢ كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك، قال: وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فكلما تكلم أخذ بلحيته، والمغيرة ابن شعبة٣ قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف٤ وقال له: أخِّرْ يدَك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟
ج ٣ ص ٥٦٣قالوا: المغيرة بن شعبة، فقال: أيْ غُدَر١، ألستُ أسعى في غدرتك؟
- (٢)لولا يد: أي نعمة. الفتح ٥/ ٣٤٠، وقال ابن حجر: "إن اليد المذكورة في الحديث: أن عروة كان تَحمَّل بدية فأعانه أبو بكر فيها بعون حسن، وفي رواية الواقدي: عشر قلائص" الفتح ٥/ ٣٤٠.
- (٣)هو: المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد ... الثقفي أبو عيسى أو أبو محمد، أسلم قبل عمرة الحديبية، وشهدها وبيعة الرضوان، وشهد اليمامة وفتوح الشام والعراق، ولاه معاوية الكوفة فاستمر على إمرتها حتى مات سنة خمسين. الإصابة ٣/ ٤٥٢- ٤٥٣.
- (٤)نعل السيف: هو ما يكون في القراب من فضة ونحوها. الفتح ٥/ ٣٤١.
- (١)أي غدر: - بالمعجمة - بوزن عمر معدول عن غادر مبالغة في وصفه بالغدر، الفتح ٥/ ٣٤١. قال ابن حجر: "وذلك أنه خرج مع ثلاثة عشر نفراً إلى ثقيف من بني مالك فغدر بهم وقتلهم، وأخذ أموالهم فتهايج الفريقان بنو مالك والأحلاف رهط المغيرة، فسعى عروة عم المغيرة حتى أخذوا منه دية ثلاثة عشر نفراًً واصطلحوا". الفتح ٥/ ٣٤١.
-
وكان المغيرة صحب قوماً في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أمّا الإسلام فأقبلُ، وأما المال فلست منه في شيء" ، ثم إن عروة جعل يرمُق٢ أصحابَ النبي صلى الله عليه وسلم بعينيه، قال: فوالله ما تنخّم٣ رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كفِّ رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يُحِدُّون٤ إليه النظر تعظيماً له، فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أيْ قومِ، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدتُ على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إنْ رأيت مليكاً قط
ج ٣ ص ٥٦٤يعظمه أصحابُه ما يعظم أصحابُ محمد صلى الله عليه وسلم محمداً. والله إنْ يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدَلَكَ بها وجهَه وجلدَه، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلَّم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون إليه النظر تعظيماً له، وإنه قد عرض عليكم خطة رُشْد فاقبلوها.
فقال رجل١ من بني كنانة: دعوني آتيه، فقالوا: ائته.
- (٢)يرمق: - بضم الميم - أي يلحظ. الفتح ٥/ ٣٤١.
- (٣)تنخم: النخامة: البزقة التي تخرج من أقصى الحلق، ومن مخرج الخاء المعجمة. النهاية ٥/ ٣٤.
- (٤)وما يحدون: - بضم أوله وكسر المهملة -: أي: يديمون. الفتح ٥/ ٣٤١.
- (١)فقال رجل: هو: (الحليس) - بمهملتين مصغر -، ابن علقمة، وهو من بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة وكان من رؤوس الأحابيش، وهم (بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وبنو المصطلق بن خزاعة، وبنو القارة بن الهون بن خزيمة) الفتح ٥/ ٣٤٢.
-
فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا فلان، وهو من قوم يعظِّمون البُدْنَ٢، فابعثوها٣ له" ، فبعثت له، واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يُصدوا عن البيت، فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البُدن قد قُلّدت٤ وأشعرت٥، فما أرى أن يُصدوا عن البيت، فقام رجل منهم يقال له:
ج ٣ ص ٥٦٥مِكْرَ زُ بن حفص١، فقال: دعوني آتيه.
فقالوا: ائته، فلما أشرف عليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "هذا مِكرَز، وهو رجل فاجر" ، فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو٢.
قال معمر: فأخبرني أيوب٣ عن عكرمة أنه لما جاء سهيل بن عمرو قال النبي صلى الله عليه وسلم: " قد سهل لكم من أمركم" .
قال معمر: قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هاتِ اكتب بيننا وبينكم كتاباً، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الكاتب٤ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
ج ٣ ص ٥٦٦"بسم الله الرحمن الرحيم" ، فقال سهيل: أما "الرحمن" فوالله ما أدري ما هي، ولكن اكتب: "باسمك اللهم" كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا "بسم الله الرحمن الرحيم" ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اكتب باسمك اللهم" ثم قال: "هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله" ، فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله، ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكنِ اكتب: "محمد بن عبد الله" .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب " محمد ابن عبد الله ".
قال الزهري: وذلك لقوله: "لا يسألونني خطة يعظمون فيها
ر
ج ٣ ص ٥٦٧حرمات الله إلا أعطيتهم إياها "، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " على أن تُخلّوا بيننا وبين البيت فنطوف به". فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أُخذنا ضغطة١، ولكن ذلك من العام المقبل فكتب، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منّا رجل - وإن كان على دينك - إلا رددتَه إلينا. قال المسلمون: سبحان الله، كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلماً؟
- (٣)فابعثوها له: أي أثيروها دفعة واحدة. الفتح ٥/ ٣٤٢.
- (٤)تقليد البدنة: شيء تعلم به أنها هدي. القاموس (قلد) .
- (٥)إشعار البدن: هو أن يشق أحد جنبي سنام البدنة حتى يسيل دمها ويجعل ذلك لها علامة تعرف بها أنها هدي. النهاية ٢/ ٤٧٩.
- (٢)البدن: البدنة تقع على الجمل والناقة والبقرة، وهي بالإبل أشبه، وسميت بدنة لعظمها وسمنها. النهاية ١/ ١٠٨.
- (١)مكرز: - بكسر الميم وسكون الكاف، وفتح الراء بعدها زاي -: بن حفص بن الأخيف، من بني عامر بن لؤي. الفتح ٥/ ٣٤٢.
- (٢)هو: سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي القرشي العامري، خطيب قريش أبو زيد، هو الذي تولى أمر الصلح بالحديبية، ذكره ابن إسحاق فيمن أعطاه النبي مائة من الإبل من المؤلفة، توفي بالطاعون سنة ثمان عشرة. الإصابة ٢/ ٩٣- ٩٤.
- (٣)هو: أيوب بن أبي تميمة: كيسان السختياني - بفتح المهملة بعدها معجمة ثم مثناة ثم تحتانية، وبعد الألف نون - أبو بكر البصري، ثقة، ثبت حجة، من كبار الفقهاء العباد، من الخامسة، توفي سنة ١٣١ هـ-، وله خمس وستون، (ع) ، التقريب ١١٧.
- (٤)هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه كما ذكر ذلك عبد الرزاق في المصنف من رواية الزهري ٥/٣٤٣، والبخاي من غير طريق الزهري. صحيح البخاري مع الفتح ٥/٣٠٣. وذكر الحافظ ابن حجر: أن ابن شبة أخرج من طريق عمرو بن سهيل بن عمرو عن أبيه أن الكتاب عندنا، كاتبه محمد بن مسلمة. وذكر أنه يُجمع بأن أصل كتاب الصلح بخط علي كما هو في الصحيح، ونسخ مثله محمد بن مسلمة لسهيل بن عمرو. الفتح ٥/٣٤٣. وقد ذكر الواقدي أن الرسول صلى الله عليه وسلم اختلف هو وسهيل بن عمرو على أخذ الكتاب بعدما كتب، فقال سهيل عندي، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: بل عندي، فاختلفا، فكتب له نسخة فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب الأول، وأخذ سهيل نسخته. المغازي ٢/٦١٢. وهذا يؤيد ما ذكره الحافظ ابن حجر في جمعه بين الروايتين. والله أعلم
- (١)والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة: بضمّ الضاد، وسكون الغين المعجمتين، ثم طاء مهملة، أي قهراً. الفتح ٥/٣٤٣.
-
فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو٢ يرسف٣ في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لم نقضِ الكتابَ بعد، قال: فوالله إذاً لم أصالحك على شيء أبداً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فأجزه٤ لي، قال: ما أنا بمجيزه
ج ٣ ص ٥٦٨لك، قال: بلى فافعل، قال: ما أنا بفاعل، قال مِكْرَ ز: بل قد أجزناه لك.
قال أبو جندل: أيْ معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلماً؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذب عذاباً شديداً في الله، قال: فقال عمر بن الخطاب: فأتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ألستَ نبي الله حقاً؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلِمَ نعطي الدّنِيَّة١ في ديننا إذاً؟
قال: إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري، قلت: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوفَ به٢؟
قال: بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قال: قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به، قال: فأتيتُ أبا بكر فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي الله حقاً؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟
قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذاً؟
قال: أيها الرجل: إنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليس يعصي ربه وهو ناصره،
ج ٣ ص ٥٦٩فاستمسك بِغَرْزِه١، فوالله إنه على الحق، قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟
قال: بلى أفأخبرك أنك تأتيه العام؟
قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به، قال الزهري٢: قال عمر فعملت لذلك أعمالاً٣، قال: فلما فرغ من قضيةِ الكتاب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قوموا فانحروا، ثم احلقوا، قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة٤، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة:
ج ٣ ص ٥٧٠يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بُدْنَك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك: نحر بُدْنَه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً، ثم جاءه نسوةٌ مؤمنات١ فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ} حتى بلغ {بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} ٢ فطلق عمر يومئذ امرأتين٣، كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان٤ والأخرى
ج ٣ ص ٥٧١صفوان بن أمية، ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فجاءه أبو بصير١ رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين٢ فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين فخرجا به، حتى بلغا ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيداً، فاستله٣ الآخر فقال: أجل والله إنه لجيد، لقد جربت به، ثم جربت به، ثم جربت، فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه حتى برد٤، وفرّ الآخر، حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه: لقد رأى هذا ذعراً، فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول، فجاء أبو بصير، فقال: يا نبي الله قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم، ثم أنجاني الله منهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم:
ج ٣ ص ٥٧٢"ويل امِّهِ١ مِسْعَرَ حرب٢ لو كان له أحد " ٣، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم فخرج حتى أتى سيف البحر، قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعيرٍ٤ خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا٥ لها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم لما أرسل، فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فأنزل الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} حتى بلغ {الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} ٦ وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله ولم
ج ٣ ص ٥٧٣يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت١.
- (٢)هو أبو جندل بن سهيل بن عمرو القرشيّ العامريّ، قيل اسمه: عبد الله، وكان من السابقين إلى الإسلام، وممن عذب بسب إسلامه، ثبت ذكره في صحيح البخاري في قصة الحديبية، وذكره أهل المغازي فيمن شهد بدراً وكان أقبل مع المشركين فانحاز إلى المسملين، ثم أسر بعد ذلك، وعذب ليرجع عن دينه، استشهد باليمامة، وهوابن ثمان وثلاثين سنة. الإصابة ٤/٣٤.
- (٣)يرسف في قيوده: - بفتح أوله وضم المهملة وبالفاء - أي يمشي مشياً بطيئاً بسبب القيد. الفتح ٥/٣٤٤.
- (٤)فأجزه لي: بصيغة فعل الأمر، من الإجازة أي امض لي فعلي فيه، فلا أرده إليك، أو استثنيه من القضية. الفتح ٥/٣٤٥.
- (١)الدنية: - بفتح المهملة وسكون النون وتشديد التحتانية - أي الخصلة المذمومة. النهاية ٢/١٣٧، والفتح ٥/٣٤٦.
- (٢)في رواية ابن إسحاق: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر الصحابة أنهم سيطوفون بالبيت وذلك لرؤيا رآها، فلما لم تتحقق بسبب الصلح دخل على الناس من ذلك أمر عظيم، انظر: سيرة ابن هشام ٢/ ٣١٨.
- (١)فاستمسك بغرزه: - هو بفتح الغين المهملة وسكون الراء بعدها زاي وهو - أي الغرز - للإبل بمن-زلة الركب للفرس، والمراد به التمسك بأمره وترك المخالفة له كالذي يمسك بركب الفرس فلا يفارقه. الفتح ٥/ ٣٤٦.
- (٢)قال الزهري: "قال عمر: فعملت لذلك أعمالاً": قال الحافظ: "هو موصول إلى الزهري بالسند المذكور، وهو منقطع بين الزهري وعمر" الفتح ٥/٣٤٦.
- (٤)هي: أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشية المخزومية أم المؤمنين اسمها هند، كان قد تزوجها ابن عمها أبو سلمة بن عبد الأسد فمات عنها، فتزوحها النبي صلى الله عليه وسلم في جمادى الآخرة سنة أربع وقيل سنة ثلاث وكانت ممن أسلم قديماً هي وزوجها وهاجرا إلى الحبشة ثم قدما مكة وهاجرا إلى المدينة. توفيت سنة ٦٣هـ-. الإصابة ٤/ ٤٥٨.
- (٣)قوله: أعمالاً: المراد الأعمال الصالحة ليكفر عنه ما مضى من التوقف في الامتثال ابتداءاً. الفتح ٥/٣٤٦. قال الحافظ: "وفي رواية ابن إسحاق (ابن هشام ٢/٣١٧) وكان عمر يقول: ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي، وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به. وعند الواقدي (مغازيه ٢/ ٦٠٧) من حديث ابن عباس وأبي سعيد الخدري قال عمر: "لقد أعتقت بسبب ذلك رقاباً وصمت دهراً". الفتح ٥/ ٣٤٦.
- (١)ثم جاءه نسوة مؤمنات: ظاهره أنهن جئن إليه بالحديبية وليس كذلك وإنما جئن إليه بعد في أثناء المدة. الفتح ٥/ ٣٤٨.
- (٣)المرأتان: قريبة بنت أبي أمية، وابنة جرول الخزاعي، البخاري معلقاً عن عقيل عن الزهري رقم (٢٧٣٣) وذكر أن الأخرى تزوجها أبو جهم، وذكرها ابن إسحاق عن الزهري مرسلاً. ابن هشام ٢/ ٣٢٧.
- (٤)هو: معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس القرشي أمير المؤمنين ولد قبل البعثة بخمس سنين وقيل بسبع وبثلاث عشرة، قيل أسلم بعد الحديبية وكتم إسلامه حتى أظهره عام الفتح، صحب النبي صلى الله عليه وسلم وكتب له وولاه عمر الشام، مات في رجب سنة ستين على الصحيح. الإصابة ٣/ ٤٣٣- ٤٣٤.
- (٢)سورة الممتحنة آية (١٠) .
- (١)أبو بصير: اسمه عتبة بن أَصيد - بالفتح -، ابن جارية - بالجيم - بن أسيد - بالفتح - أيضاً، ابن عبد الله بن غيرة - بكسر المعجمة وفتح التحتانية - ابن عوف بن ثقيف، أبو بصير - بفتح الموحدة - الثقفي، حليف بني زهرة، الإصابة ٢/ ٤٥٢.
- (٢)فأرسلوا في طلبه رجلين: هما: خنيس - مصغراً - ابن جابر، ورجل آخر اسمه: كوثر، مغازي الواقدي ٢/ ٦٢٤، وكذلك ذكرهما ابن سعد كما في الفتح ٥/ ٣٤٩، ودلائل البيهقي ٤/ ١٧٢، وقد سماه جحش بن جابر، وسيأتي.
- (٣)فاستله: أي أخرجه من غمده. الفتح ٥/ ٣٤٩.
- (٤)فضربه حتى برد: - بفتح الموحدة والراء -: أي خمدت حواسه، وهي كناية عن الموت، الفتح ٥/ ٣٤٩.
- (٢)مسعر حرب: - بكسر الميم وسكون المهملة وفتح العين المهملة وبالنصب على التمييز -: أي يسعرها. الفتح ٥/ ٣٥٠.
- (٥)إلا اعترضوا لها: أي وقفوا في طريقها بالعرض، وهي كناية عن منعهم لها من السير. الفتح ٥/ ٣٥٠.
- (١)ويل امه: - بضم اللام ووصل الهمزة وكسر الميم المشددة -، وهي كلمة ذم تقولها العرب في المدح ولا يقصدون معنى ما فيها من الذم، لأن الويل: الهلاك. الفتح ٥/ ٣٥٠.
- (٣)لو كان له أحد: أي ينصره ويعاضده ويناصره. الفتح ٥/ ٣٥٠.
- (٤)ما يسمعون بعير: أي بخبر عير - بالمهملة المكسورة - أي: قافلة. الفتح ٥/ ٣٥٠.
- (٦)سورة الفتح آية (٢٤- ٢٦) . قال الحافظ ابن حجر: "وظاهره أنها نزلت في شأن أبي بصير وفيه نظر، والمشهور في نزولها ما أخرجه مسلم من حديث سلمة بن الأكوع ومن حديث أنس: أنها نزلت بسبب القوم الذين أرادوا من قريش أن يأخذوا من المسلمين غرة، فظفروا بهم فعفا عنهم النبي صلى الله عليه وسلم فن-زلت الآية، وقيل في نزولها غير ذلك" الفتح ٥/ ٣٥٠، وانظر الحديث الذي أخرجه مسلم ١٢/ ١٨٧ بشرح النووي، وأحمد في المسند ٢٧/ ٣٥٤ رقم [١٦٨٠٠] أرناؤوط.
- (١)أخرجه أحمد أيضاً ٣١/ ٢٤٣- ٢٥٣ رقم [١٨٩٢٨] أرناؤوط، وعبد الرزاق في المصنف ٥/ ٣٣٠-٣٤٢ رقم (٩٧٢٠) ، والطبراني في الكبير ٢٠/ ٩- ١٥، رقم (١٣) ، والسنن الكبرى للبيهقي ٩/ ٢١٨- ٢٢١، ودلائل النبوة له ٤/ ٩٩- ١٠٨.