المبحث السادس: في استثناء النساء من شرط صلح الحديبية
فقرتان، ج ٣ ص ٦٠٢
- ج ٣ ص ٦٠٢
٩٩- قال البخاري١: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث عن عُقيل عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أنه سمع مروان والمسور ابن مخرمة رضي الله عنهما يخبران٢ عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لما كاتب سهيل بن عمرو يومئذ، كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يأتيك منا أحد٣ وإن كان على دينك إلا رددته إلينا
ج ٣ ص ٦٠٣وخليت بيننا وبينه، فكره المؤمنون ذلك وامتعضوا١ منه وأبى سهيل إلا ذلك، فكاتبه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، فرد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة، وإن كان مسلماً،
ج ٣ ص ٦٠٤وجاء المؤمنات١ مهاجرات، وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ وهي عاتق٢، فجاء أهلها٣ يسألون النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجعها إليهم فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله فيهن: {إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ
ج ٣ ص ٦٠٥إلى قوله: {لا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} ١.
- (١)صحيح البخاري مع الفتح ٥/ ٣١٢ رقم (٢٧١١، ٢٧١٢) .
- (٢)في هذه الرواية تصريح بأن مروان والمسور أخذا حديث الحديبية عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال ابن كثير: "هذا هو الأشبه فإن مروان ومسوراً كانا صغيرين يوم الحديبية، والظاهر أنهما أخذاه عن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين". السيرة النبوية ٣/ ٣٣٦. وقال الحافظ ابن حجر: "هكذا قال عُقيل عن الزهري، واقتصر غيره على رواية الحديث عن المسور بن مخرمة ومروان، وقد تبين برواية عُقيل أنه عنهما مرسل، وهو كذلك، لأنهما لم يحضرا القصة، وعلى هذا فهو من سند من لم يسم من الصحابة لأن مروان لا يصح له سماع من النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحبة، وأما المسور فصح سماعه منه لكنه إنما قدم مع أبيه وهو صغير بعد الفتح، وكانت هذه القصة قبل ذلك بسنتين". الفتح ٥/ ٣١٣.
- (٣)ألا يأتيك منا أحد: يدل على أن هذا الشرط يشمل الرجال والنساء على حد سواء، وظل سارياً حتى هاجر نسوة من المؤمنات فاستثنى الرسول صلى الله عليه وسلم النساء من هذا الشرط، وذلك لن-زول الآية وهي قوله تعالى: {إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ ... } الآية وهذا هو الأظهر، ويدل على ذلك ما جاء في رواية ابن أخي الزهري عند البخاري (الفتح ٧/ ٤٥٣) وفيه: " ... لا يأتيك أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا". ورواية الإمامين عن الزهري عند ابن أبي شيبة، (المصنف ١٤/ ٤٤٩) ورواية ابن إسحاق عن الزهري وفيه: "من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليه رد عليهم" ابن هشام ٢/ ٣١٧. وقد ورد الشرط المذكور مفيداً للعموم من غير طريق الزهري عند مسلم من حديث أنس (مسلم بشرح النووي ١٢/ ١٣٩) وعند ابن سعد في الطبقات من حديث عمر بن الخطاب والبراء بن عازب (الطبقات الكبرى ٢/ ١٠١) . ومما يدل على أن الشرط المذكور عام أيضاً مجيء الوليد بن عقبة وأخوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسألانه رد أختهما، فإن قريشاً قد فهموا أن الشرط عام للرجال والنساء. ولا يعكر على هذا رواية معمر عن الزهري عند البخاري (الفتح ٥/ ٣٢٩) والتي جاء فيها: " ... وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا ... " فلفظ رجل يدل على أن النساء مستثنيات من البداية، لكن يظهر أن معمر تفرد بهذه اللفظة مخالفاً بذلك سائر الروايات التي ذكرت الشرط على العموم، وكان ذلك حتى نزلت الآية، والله أعلم.
- (١)امتعضوا منه: بعين مهملة وضاد معجمة؛ أي: أنفوا وشق عليهم. الفتح (٥/ ٣١٣) .
- (١)نقل ابن حجر أسماء بعضهن فقال: وسمى من المؤمنات المهاجرات المذكورات: أميمة بنت بشر، وكانت تحت حسان - ويقال: ابن الدحداحة - قبل أن يسلم فتزوجها سهل بن حنيف، وسبيعة بنت الحارث الأسلمية وكانت تحت مسافر المخزومي، ويقال: صيفي بن الراهب. وأم الحكم بنت أبي سفيان، كانت تحت عياض بن شداد، وبروع بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان، وعبدة بنت عبد العزى بن نضلة، كانت تحت عمرو بن ود، قلت: لكن عمرو بن ود قتل بالخندق، وكأنها فرت بعد قتله، وكان من سنة الجاهلية أن من مات زوجها كان أهلها أحق بها، فتح الباري ٥/ ٣٤٨ تحت رقم (٢٧٣٢) . قال ابن حجر: "ويقال كانت تحت عمرو بن العاص". الفتح ٥/ ٣٤٨.
- (٢)وهي عاتق: أي بلغت واستحقت التزويج ولم تدخل في السن، وقيل: هي الشابة. الفتح ٧/ ٤٥٤.
- (٣)ذكر البيهقي في السنن الكبرى ٩/ ٢٢٩ من طريق الزهري مرسلاً أن الذي جاء في ردها الوليد بن عقبة وأخ له لم يسمه. وقال ابن حجر: "فخرج أخواها الوليد وعمارة ابنا عقبة بن أبي معيط حتى قدما المدينة فكلما رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يردها إليهم ... "، ثم قال: أخرجه ابن مردويه في تفسيره. الفتح ٧/ ٤٥٤.
-
١٠٠- قال ابن إسحاق٢: فحدثني الزهري عن عروة ابن الزبير قال: دخلت عليه يكتب كتاباً إلى ابن أبي هنيدة٣ صاحب الوليد بن عبد الملك، وكتب إليه يسأله عن قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} ٤، قال: فكتب إليه عروة بن الزبير: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلمكان صالح قريشاً يوم الحديبية على أن يرد عليهم من جاء بغير إذن وليه، فلما هاجر
ج ٣ ص ٦٠٦النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى الإسلام، أبى الله أن يُرْدَدْن إلى المشركين إذا هن امتحنّ بمحنة الإسلام فعرفوا أنهن إنما جئن رغبة في الإسلام، وأمر برد صَدُقاتهن إليهم إن احتبسن عنهم، إن هم ردوا على المسلمين صداق من حبسوا عنهم من نسائهم ذلك حكم الله يحكم بينكم، والله عليم حكيم، فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء ورد الرجال، وسأل الذي أمره الله به أن يسأل من صدقات نساء من حبسوا منهن، وأن يردوا عليهم مثل الذي يردون عليهم إن هم فعلوا، ولولا الذي حكم الله به من هذا الحكم لرد رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء كما رد الرجال، ولولا الهدنة والعهد الذي كان بينه وبين قريش يوم الحديبية لأمسك النساء، ولم يردد لهن صداقاً، وكذلك كان يصنع بمن جاءه من المسلمات قبل العهد"١.
- (٢)سيرة ابن هشام ٢/ ٣٢٦- ٣٢٧ بسند حسن إلى عروة لتصريح ابن إسحاق بالتحديث.
- (٣)هو: عبد الرحمن بن هنيدة أو ابن أبي هنيدة العدوي، مولاهم المدني، رضيع عبد الملك، ثقة من الرابعة، قد، التقريب ٣٥٢.
- (١)سورة الممتحنة، آية (١٢) وأخرجه البخاري من طريق ابن أخي الزهري عن عمه، فتح الباري، ٧/ ٤٥٣- ٤٥٤ رقم (٤١٨٠) .
- (٤)سورة الممتحنة آية رقم (١٠) .
- (١)وأخرجه الطبري في تفسيره ٢٨/ ٦٩ من طريق سلمة بن الفضل الأبرش، والبيهقي في السنن الكبرى ٩/ ٢٢٨- ٢٢٩، من طريق يونس بن بكير، والواحدي في أسباب النزول ص٤٨٩- ٤٩٠، من طريق عبد الله بن إدريس ثلاثتهم عن ابن إسحاق، وفيها بعض الاختصار. وأخرجه الواقدي مطولاً في المغازي ٢/ ٦٣١، من طريق محمد بن عبد الله عن الزهري عن عروة. والواقدي متروك.