المبحث الثامن عشر: في سرية ذات السلاسل.

فقرة واحدة، ج ٣ ص ٦٧٨

  1. ١٣٧- عبد الرزاق١ عن معمر عن الزهري قال: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما هاجر وجاء الذين كانوا بأرض الحبشة، بعث بعثين قِبَل الشام إلى كَلْب٢ وبَلْقَين٣ وغَسّان٤ وكفار العرب الذين في مشارف الشام، فأمّر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أحد البعثين أبا عبيدة بن الجراح٥ وهو

    ج ٣ ص ٦٧٩أحد بني فهر، وأمّر على البعث الآخر عمرو بن العاص١، فانتدب في بعث أبي عبيدة أبو بكر وعمر، فلما كان عند خروج البعثين دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح وعمرو بن العاص فقال لهما: "لا تعاصيا" ٢، فلما فصلا عن المدينة جاء أبو عبيدة فقال لعمرو بن العاص: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلينا أن لا نتعاصيا فإما أن تطيعني وإما أن أطيعك، فقال عمرو بن العاص: بل أطعني، فأطاعه أبو عبيدة، فكان عمرو أمير البعثين كليهما، فوجد من ذلك عمر بن الخطاب وجداً شديداً، فكلم أبا عبيدة فقال: أتطيع ابن النابغة٣ وتؤمّره على نفسك وعلى أبي بكر وعلينا ما هذا الرأي، فقال أبو عبيدة لعمر بن الخطاب: ابن أم، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إليّ وإليه أن لا نتعاصيا فخشيت إن لم أطعه أن أعصي رسول الله صلى الله عليه وسلم

    ج ٣ ص ٦٨٠وشكى إليه ذلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أنا بمؤمريها١ عليكم إلا بعدكم" ، يريد المهاجرين، وكانت تلك الغزوة تسمَّى ذات السَّلاسِل٢ أسر فيها ناس كثيرة من العرب، وسُبُوا٣.

    1. (١)مصنف عبد الرزاق (٥/ ٤٥٢) رقم (٩٧٧٠) ، وهي رواية صحيح إلى الزهري، لكنها مرسلة.
    2. (٢)هو: كلب بن وبَرَة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحافي بن قضاعة، جمهرة أنساب العرب (٣٥٢ و٤٥٥) .
    3. (٣)بلقين: أو بنو القين: وهو النعمان بن جَسْر بن شيع الله بن أسد بن وبَرَة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحافي بن قضاعة. جمهرة أنساب العرب (٤٥٤) .
    4. (٤)غسان: طوائف نزلوا بماء يقال له: "غسّان"، فنسبوا إليه. جمهرة أنساب العرب (٤٦٢) . وهذه الطوائف والبطون من الأزد، منهم: بنو امرئ القيس، وجُهادة، وعدي، وعمرو، والجريش، وغيرهم من البطون، انظر: جمهرة أنساب العرب (٤٧٢) .
    5. (٥)هو: عامر بن عبد الرحمن بن الجراح بن هلال بن أهيب، ويقال: وهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر القرشي الفهري، أبو عبيدة، كان إسلامه قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، أحد العشرة السابقين إلى الإسلام، وهاجر الهجرتين، وشهد بدراً. الإصابة (٢/ ٢٥٢) .
    6. (١)عمرو بن العاص بن وائل القرشي السهمي، أمير مصر، يكنى أبا عبد الله، وأبا أحمد، أسلم قبل الفتح في صفر سنة ثمان، وقيل بين الحديبية وخيبر. الإصابة ٣/٢.
    7. (٣)النابغة: أم عمرو بن العاص رضي الله عنه، وهي من بني عَنَزَة - بفتح المهملة والنون - انظر: الإصابة (٣/٢) .
    8. (٢)العصيان: خلاف الطاعة، عصاه يعصيه عَصْياً، ومعصية، وعصاه، فهو عاص وعصي. القاموس (عصى) .
    9. (١)هكذا في نص المصنف، ولعل الصواب: (بمؤثر بها) كما قال محقق المصنف (٥/ ٤٥٣ ح: ٦) .
    10. (٢)ذات السلاسل: - بالمهملتين، والمشهور أنها بفتح الأول على لفظ جمع السلسلة - فتح الباري (٧/ ٢٦) شرح حديث (٣٦٦٢) ، وسميت بذلك لأن المكان الذي كانت فيه هذه المعركة كان به رمل بعضه على بعض كالسلسلة. فتح الباري (٧/ ٢٦) ، وضبطها ابن الأثير - بضم السين الأولى وكسر الثانية - النهاية (٢/ ٣٨٩) ، وذكر سبب تسميتها فقال: ماء بأرض جذام وبه سميت الغزوة وهو في اللغة الماء السلسال، وقيل: هو بمعنى السلسال. النهاية (٢/ ٣٨٩) . وقد سبق ابن إسحاق ابن الأثير في ذكر سبب تسميتها فذكر أنها سميت بذلك لماء بأرض جذام، يقال له: السلسل. ابن هشام (٢/ ٦٢٣) . وقيل: بل سميت بذلك لأن المشركين ارتبط بعضهم إلى بعض مخافة أن يفروا، فتح الباري (٨/ ٧٤) . وقد ذكر ابن سعد أنها وراء وادي القرى، بينها وبين المدينة عشرة أيام وأنها كانت في جمادى الآخرة سنة ثمان من الهجرة. الطبقات الكبرى (٢/ ١٣١) ، وقال النووي: وكانت هذه الغزوة في جمادى الآخرة سنة ثمان من الهجرة، وكانت مؤتة قبلها في جمادى الأولى من سنة ثمان أيضاً، قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: "كانت ذات السلاسل بعد مؤتة فيما ذكره أهل المغازي، إلا ابن إسحاق فقال قبلها". شرح النووي على مسلم (١٥/ ١٥٣) .
    11. (٣)هذه السرية أشار إليها البخاري رقم (٤٣٥٨) ومسلم بشرح النووي (١٥/ ٢٥٣) ، ولكن بدون تفصيل. وانظر هذه السرية في مغازي عروة (ص: ٢٠٧) ، من طريق موسى بن عقبة عن عروة وابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٦٢٣) ، ومغازي الواقدي (٢/ ٧٦٩- ٧٧١) والطبقات الكبرى (٢/ ١٣١) ، ومسند أحمد (الفتح الرباني ٢١/ ١٣٩- ١٤٠) من مرسل الشعبي وتفاصيل السرية رويت بطرق كلها مرسلة، ولكن أصلها ثابت في الصحيحين كما سبق. وكان من شأن هذه السرية ما ذكره الواقدي وملخصها: أن أبا عبيدة أطاع عمراً فآب إلى عمرو جمعٌ، فصاروا خمسمائة، فسار الليل والنهار حتى وطئ بلاد بَليٍّ ودوّخَها، وكلما انتهى إلى موضع بلغه أنه كان بهذا الموضع جمع، فلما سمعوا به تفرقوا، حتى انتهى إلى أقصى بلاد بليّ وعُذْرة وبَلْقَيْن، ولقي في آخر ذلك جمعاً ليس بالكثير، فقاتلوا ساعة وتراموا بالنبل، ورمي يومئذ عامر بن ربيعة بسهم فأصيب ذراعه، وحمل المسلمون عليهم فهربوا وأعجزوا هرباً في البلاد وتفرقوا، ودوّخ عمرو ما هنالك وأقام أياماً لا يسمع لهم بجمع ولا بمكان صاروا فيه، وكان يبعث أصحاب الخيل فيأتون بالشاء والنّعم، وكانوا ينحرون ويذبحون، لم يكن في ذلك أكثر من ذلك، ولم تكن غنائم تُقسم إلا ما ذكر له. مغازي الواقدي (٢/ ٧٧١) ، ودلائل البيهقي (٤/ ٤٠١) ، والبداية والنهاية (٤/ ٢٧٣) .
    ج ٣ ص ٦٧٨