المبحث الرابع: في مسير النبي صلى الله عليه وسلم لفتح مكة

١٤ فقرة، ج ٣ ص ٧١١

  1. ١٤٧- قال الطبراني١: حدثنا أبو شعيب الحراني٢، ثنا أبو جعفر النفيلي٣، ثنا محمد بن سلمة٤ عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن مسلم الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس قال: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف على المدينة أبا رُهم كلثوم ابن حصين الغفاري٥، وخرج لعشر٦ مضين من رمضان فصام رسول

    ج ٣ ص ٧١٢الله صلى الله عليه وسلم وصام الناس معه حتى إذا كان بالكديد ما بين عسفان وأمَجَ١ أفطر، ثم مضى حتى نزل مر الظهران٢ في عشرة آلاف من المسلمين من مزينة٣ وسُليم، وفي كل القبائل عدد وإسلام، وأوعب٤ مع رسول الله

    ج ٣ ص ٧١٣صلى الله عليه وسلم المهاجرون والأنصار فلم يتخلف منهم أحد، فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمر الظهران وقد عميت الأخبار عن قريش فلم يأتهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ولا يدرون ما هو فاعل، خرج في تلك الليلة أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام١ وبديل بن ورقاء٢ يتحسسون٣ وينتظرون هل يجدون خبراً أو يسمعون به، وقد كان العباس بن عبد المطلب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الطريق، وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب٤ وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة٥ قد لقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخول عليه فكلمته أم سلمة فيهما فقالت: يا رسول الله ابن عمك وابن عمتك وصهرك، قال: (لا حاجة لي بهما، أما ابن عمي فهتك٦ عرضي، وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي

    ج ٣ ص ٧١٤بمكة ما قال) ، فلما أخرج إليهما بذلك١، ومع أبي سفيان بُنَي له، فقال: والله ليأذنن لي أو لآخذن بيد ابني هذا، ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشاً وجوعاً، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم رقَّ لهما٢، ثم أذن لهما فدخلا وأسلما، فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمر الظهران قال العباس: واصباح٣ قريش، والله لئن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة قبل أن يستأمنوه إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر، قال: فجلست على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت عليها حتى جئت الأَراك٤، فقلت: لعلِّي ألقى بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتي مكة، فيخبرهم بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة، قال: فوالله إني لأسير عليها وألتمس ما خرجت له إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان وأبو سفيان يقول: ما رأيت كاليوم قط نيراناً ولا

    ج ٣ ص ٧١٥عسكراً، قال: يقول بديل: هذه والله نيران خزاعة حمشتها١ الحرب، قال: يقول أبو سفيان: خزاعة والله أذل وألأم من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها، قال: فعرفت صوته فقلت: يا أبا حنظلة٢؟

    1. (١)المعجم الكبير (٨/ ٩) رقم (٧٢٦٤) .
    2. (٢)لم أهتد إلى معرفته.
    3. (٣)هو: عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل، - بنون وفاء مصغر -، أبو جعفر النفيلي الحراني، ثقة حافظ، من كبار العاشرة، توفي سنة أربع وثلاثين، خ، التقريب (٣٢١) ، رقم (٣٥٩٤) .
    4. (٤)هو: محمد بن سلمة بن عبد الله الباهلي مولاهم، الحراني، ثقة، من التاسعة، توفي سنة ٩١هـ- على الصحيح، ر م، التقريب (٤٨١) ، رقم (٥٩٢٢) .
    5. (٥)أبو رُهم: هو: كلثوم بن حصين بن خالد بن العسعس بن زيد بن العميس بن أحمس بن غفار، وقيل: ابن حصين بن عبيد بن خلف بن حماس بن غفار الغفاري، مشهور باسمه وكنيته، كان ممن بايع تحت الشجرة، واستخلفه النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة في غزوة الفتح، الإصابة (٤/ ٧٠- ٧١) .
    6. (٦)قوله: " ... وخرج لعشر مضين من رمضان" أخرجها ابن سعد في الطبقات (٢/ ١٣٧) ، من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن عبد الله بن عباس.
    7. (٢)مرور النبي صلى الله عليه وسلم بمر الظهران قد ذكره البخاري (رقم ٥٤٥٣) من طريق الزهري، وذكره من غير طريق الزهري رقم (٤٢٨٠) . وقد ذكر الواقدي في المغازي (٢/ ٦٥٠- ٦٥١) هذه الرواية مطولاً بدون إسناد وفي سياقه بعض الاختلاف. أما ابن إسحاق فقد أشار إلى مظاهرة غطفان ليهود خيبر ولكن بسياق آخر فقد قال: فبلغني أن غطفان لما سمعت بمنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر جمعوا له ثم خرجوا ليظاهروا يهود عليه حتى ساروا مَنقلة - أي مرحلة - سمعوا خلفهم في أموالهم وأهليهم حساً، ظنوا أن القوم قد خالفوا إليهم فرجعوا على أعقابهم، فأقاموا في أهليهم وأموالهم، وخلوا بين رسول الله وبين خيبر. (ابن هشام ٢/ ٣٣٠) .
    8. (٣)مزينة: من قبائل طابخة بن إلياس، وهم بنو عثمان وأوس ابني عمرو بن أد طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، انظر: جمهرة أنساب العرب لابن حزم (٤٨٠) .
    9. (٤)أوعب: أي لم يتخلف منهم أحد عنه، والإيعاب: الاستقصاء في كل شيء، النهاية (٥/ ٢٠٥) .
    10. (١)أمَج: - بالتتحريك وآخره جيم -، ويعرف أمج اليوم: بخليص، واد زراعي على مائة كيل من مكة شمالاً على الجادة العظمى، معجم المعالم الجغرافية (٣٢) .
    11. (١)تقدمت ترجمته.
    12. (٢)تقدمت ترجمته في ص (٤٣٦) . وذكر بديل بن ورقاء مع أبي سفيان ذكره البخاري (رقم ٤٢٨٠) .
    13. (٣)يتحسسون: التحسس: الاستماع لحديث القوم، وطلب خبرهم في الخبر، القاموس (حسَّ) .
    14. (٤)تقدمت ترجمته.
    15. (٥)هو: عبد الله بن أبي أمية واسمه حذيفة، وقيل: سهل بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم المخزومي، صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته عاتكة وأخو أم سلمة رضي الله عنها. الإصابة (٢/ ٢٧٧) .
    16. (٦)الهتك: خرق الستر عما وراءه، وقد هتكه فانهتك، والهتيكة: الفضيحة. النهاية (٥/ ٢٤٣) .
    17. (١)أي: بما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم.
    18. (٢)الرِّقة: بالكسر: الرحمة، القاموس (رَقَقَ) ، والمراد بالرقة ضد القسوة. النهاية (٢/ ٢٥٢) . (يا صباحاه) هذه كلمة يقولها المستغيث، وأصلها إذا صاحوا للغارة، لأنهم أكثر ما كانوا يغيرون عند الصباح، ويسمون يوم الغارة يوم الصباح، فكأن القائل: يا صباحاه، يقول: قد غشينا العدو. النهاية (٣/ ٦- ٧) . ٤ الأراك: - بفتح أوله - على لفظ جمع أراكة، وهو من مواقف عرفة من ناحية الشام، معجم ما استعجم للبكري (١/ ١٣٤) ، هكذا ذكر البكري، ولكن الموضع المذكور هنا ليس بعرفة قطعاً فلعل العباس رضي الله عليه وسلم يقصد الموضع الذي يكثر به شجر الأراك، وهو موضع يقع شمال مكة، ولم أجد من عرفَّه.
    19. (١)حمشتها الحرب: يقال: حمش الشر: اشتد، وأحمشته أنا، وأحمشت النار إذا ألهبتها، النهاية (١/ ٤٤١) .
    ج ٣ ص ٧١١
  2. فعرف صوتي فقال: أبو الفضل؟

    فقلت: نعم، قال: مالك فداك أبي وأمي، فقلت: ويحك يا أبا سفيان هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس، واصباح قريش والله، قال: فما الحيلة فداك أبي وأمي؟

    قال: قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب معي هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم أستأمنه لك، قال: فركب خلفي ورجع صاحبه، فحركتُ به كلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟

  3. فإذا رأوا بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: عم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب رضي الله عليه وسلم، فقال: من هذا؟

  4. وقام إليّ فلما رأى أبا سفيان على عجز البغلة، قال: أبو سفيان، عدو الله، الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم وركضت البغلة فسبقته بما تسبق الدابة الرجل البطيء،

    ج ٣ ص ٧١٦فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عمر فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد، فدعني فلأضرب عنقه، قال: قلت يا رسول الله إني أَجَرْتُه، ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه، فقلت: لا والله لا يناجيه الليلة رجل دوني، فلما أكثر عمر في شأنه قلت: مهلاً يا عمر أما والله لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت هذا ولكنك عرفت أنه رجل من رجال بني عبد مناف، قال: مهلاً يا عباس، فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إليّ من إسلام الخطاب لو أسلم وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اذهب به إلى رحلك يا عباس فإذا أصبح فائتني به، فذهبت به إلى رحلي فبات عندي، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ " . قال: بأبي أنت وأمي ما أكرمك وأوصلك، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى عني شيئاً. قال: "ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ " .

    قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، هذه والله كان في نفسي منها شيء حتى الآن، قال العباس: ويحك يا أبا سفيان أسلم وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله قبل أن تضرب عنقك.

    قال: فشهد بشهادة الحق وأسلم، قلت: يا رسول الله إن أبا سفيانض

    ج ٣ ص ٧١٧رجل يحب هذا الفخر، فاجعل له شيئاً، قال: "نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن" .

    1. (٢)هي: كنية لأبي سفيان، انظر: الإصابة (٢/ ١٧٨) ، وقد بحثت في كتب النسب فلم أجد في عقب أبي سفيان من يدعى (حنظلة) .
  5. فلما ذهب لينصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عباس احبسه بمضيق١ الوادي عند خطم٢ الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها"، قال: فخرجت به حتى حبسته حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحبسه، قال: ومرت به القبائل على راياتها كلما مرت قبيلة قال: من هؤلاء؟ فأقول: سُليم، فيقول: مالي ولسُليم، قال: ثم تمر القبيلة، قال: من هؤلاء؟ فأقول: مزينة، فيقول: مالي ولمزينة، حتى تعدت القبائل لا تمر قبيلة إلا قال: من هؤلاء؟ فأقول: بنو فلان، فيقول: مالي ولبني فلان، حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخضراء كتيبة فيها المهاجرون والأنصار لا يُرى منهم إلا الحدق٣، قال: سبحان الله من هؤلاء يا عباس؟ قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن

    ج ٣ ص ٧١٨أخيك الغداة عظيماً، قلت: يا أبا سفيان إنها النبوة، قال: فنعم إذاً، قلت: النجاة إلى قومك، قال: فخرج حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقامت إليه امرأته هند بنت عتبة، فأخذت بشاربه، فقالت: اقتلوا الدسم الأحمس١ فبئس من طليعة قوم.

    قال: ويحكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاء ما لا قبل لكم به، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، قالوا: ويلك وما تغني عنا دارك؟

    قال: ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد٢.

    1. (١)المضيق: ما ضاق من الأماكن والأمور، وهو ضد الاتساع، القاموس (ضفق) .
    2. (٢)خطم: أصل الخطم في السباع: مقاديم أنوفها وأفواهها، فاستعارها للناس. النهاية (٢/ ٥٠) . فيكون المعنى: مقدمة الجبل أو طرفه. والمراد أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر العباس أن يقعد أبا سفيان في طرف ذلك المضيق حتى يرى جيش الفتح وهو يمر من ذلك المضيق حيث لا طريق إلا منه فيكثر في عينه فيعلم أنه لا طاقة لأهل مكة بهذا الجيش.
    3. (٣)تقدم معناها.
    4. (١)الدَّسم الأحمس: أي الأسود الدنيء. النهاية (٢/ ١١٨) .
    5. (٢)قال الهيثمي بعد ذكره لهذا الحديث: "رجاله رجال الصحيح". المجمع (٦/ ١٦٧) . وقد أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ١٣) رقم (٢٧٦٥) من طريق يونس بن بكير عن جعفر بن برقان عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس، فذكر مثل حديث محمد بن إسحاق وأخرجه أبو داود برقم (٣٠٢١) مقتصراً على ذكر إسلام أبي سفيان وقول الرسول له: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن طريق يونس بن بكير أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٤٣- ٤٤) ، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، وأقره الذهبي. قال الألباني في تعليقه على فقه السيرة للغزالي (٤٠٨) بعد تصحيح الحاكم له قال: "وإنما هو حسن فقط"، ومن طريق الحاكم أخرجه البيهقي في الدلائل (٥/ ٢٧) . وقد أخرجه إسحاق في مسنده والذهلي في الزهريات من طريق جرير بن حازم كما في المطالب العالية المسندة (٤/ ٤١٨) وما بعدها، وقد حكم عليه بالصحة. وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٢١) ، وصححه، وأخرجه البيهقي في الدلائل (٥/ ٣١) مختصراً، وفي معرفة السنن والآثار له (١٣/ ٢٩٧) . وأخرج البخاري في صحيحه مع الفتح (٨/ ٥- ٦ رقم ٤٢٨٠) نحوه من غير طريق الزهري عن هشام بن عروة عن أبيه، وأخرجه من غير طريق الزهري ابن جرير في تاريخه (٣/ ٥٢) من حديث ابن عباس، والبيهقي في الدلائل (٥/ ٣٢) . وذكره ابن إسحاق بدون إسناد (ابن هشام ٢/ ٤٠٠) فما بعدها.
  6. ١٤٨- قال البيهقي: أخبرنا الحسين١ بن بشران ببغداد، أخبرنا أبو جعفر٢ الرزاز، قال: حدثنا أحمد٣ بن الوليد الغمام، قال: حدثنا أبو بلال٤ الأشعري، قال: حدثنا زياد٥ بن عبد الله البكائي عن محمد بن

    ج ٣ ص ٧٢٠إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: جاء العباس بن عبد المطلب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان بن حرب فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان يشهد أن لا إله إلا الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا الفضل انصرف بضيفك الليلة إلى أهلك واغد به" .

    1. (١)ثقة، تقدم في الرواية رقم [٦٥] .
    2. (٢)أبو جعفر الرزاز هو: محمد بن عمرو بن البختري أبو جعفر، وكان ثقة ثبتاً، تاريخ بغداد (٣/ ١٣٢) .
    3. (٣)أحمد بن الوليد، بن أبي الوليد أبو بكر الغمام، وقال الخطيب: وكان ثقة، تاريخ بغداد (٥/ ١٨٨) .
    4. (٤)أبو بلال الأشعري: اسمه مرداس بن محمد بن الحارث بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري، وقيل: اسمه محمد، وقيل: عبد الله، ضعفه الدارقطني، يقال: توفي سنة اثنتين وعشرين ومائتين، ميزان الاعتدال (٤/ ٥٠٧) .
    5. (٥)زياد بن عبد الله بن الطفيل العامري البكائي، - بفتح الموحدة وتشديد الكاف -، أبو محمد الكوفي، صدوق ثبت في المغازي، وفي حديثه عن غير ابن إسحاق لين، ولم يثبت أن وكيعاً كذبه، وله في البخاري موضع واحد متابعة، من الثامنة مات سنة ثلاث وثمانين، خ م ت ق، التقريب (٢٢٠) .
    ج ٣ ص ٧١٩
  7. فلما أصبح غدا به عليه، فقال العباس: يا رسول الله بأبي أنت وأمي إن أبا سفيان رجل يحب الشرف والذكر، فاعطه شيئاً يتشرف به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" ١، فقال أبو سفيان: وما تسع داري؟ فقال: "من دخل الكعبة فهو آمن" ، فقال: وما تسع الكعبة؟ فقال: "من دخل المسجد فهو آمن" .

    فقال: وما يسع المسجد؟ فقال: "من أغلق بابه فهو آمن" ، فقال: هذه واسعة٢.

    1. (٢)دلائل النبوة (٥/ ٣٢) ، وهي رواية ضعيفة لعنعنة ابن إسحاق، لكن قد وردت شواهد تدل على ثبوتها، فقد أخرج نحوها مختصراً ابن أبي شيبة في المصنف (١٤/ ٤٩٦) ، وأبو داود في السنن (٣/ ١٦٢ رقم ٣٠٢١) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١/ ٣٦٤ رقم ٤٨٦) والطبراني في الكبير (٨/ ١٠ رقم ٧٢٦٤) ، والبيهقي في السنن أيضاً (٩/ ١١٨) ، ومعرفة السنن والآثار (١٣/ ٢٩٧) ، كلهم من طريق ابن إسحاق عن الزهري، وفيها جميعاً عنعنة ابن إسحاق، علماً بأن الألباني قد حكم عليها بأنها (حسنة) كما في صحيح سنن أبي داود (٢/ ٥٨٦ رقم ٢٦١٠) .
    2. (١)قوله: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" أخرجها مسلم في صحيحه من غير طريق الزهري عن أبي هريرة في حديث طويل (٣/ ١٤٠٥ رقم ١٧٨٠) وله شاهد آخر عند أبي داود من غير طريق الزهري عن ابن عباس، رقم (٣٠٢٢) وحسن إسناده الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢/ ٥٨٦ رقم ٢٦١١) .
  8. ١٤٩- وقال البيهقي١: أخبرنا أبو عبد الله الحاكم٢، قال: أنبأنا إسماعيل بن محمد بن الفضل بن محمد الشعراني، قال: حدثنا جدي، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب، (ح) . وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد واللفظ له، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أحمد بن عتاب العبدي قال: حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا ابن أبي أويس، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة قال: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما يقال - في اثني عشر ألفاً٣ من المهاجرين والأنصار ومن طوائف العرب: من أسلم، وغفار، ومزينة، وجهينة، ومن بني سُليم، وقادوا الخيول، فأخفى الله عزوجل مسيره على أهل مكة حتى نزلوا بمر

    ج ٣ ص ٧٢٢الظهران، وبعثت قريش أبا سفيان وحكيم بن حزام ومعهما بديل بن ورقاء، فلما طلعوا على مر الظهران حين بلغوا الأراك، وذلك عشاءً رأوا النيران والفساطيط١ والعسكر، وسمعوا صهيل٢ الخيل، فراعهم ذلك فقالوا: هذه بنو كعب٣ حشَّتها٤ الحرب، ثم رجعوا إلى أنفسهم فقالوا: هؤلاء أكثر من بني كعب، قالوا: فلعلهم هوازن انتجعوا٥ الغيث بأرضنا ولا والله ما نعرف هذا أيضاً، فبينما هم كذلك لم يشعروا حتى أخذهم نفر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثهم عيوناً لهم بخطيم أبعرتهم، فقالوا: من أنتم؟

    قالوا: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال أبو سفيان: هل سمعتم بمثل هذا الجيش نزلوا على أكباد قوم لم يعلموا بهم؟ فلما دخل بهم العسكر لقيهم عباس بن عبد المطلب٦ فأجارهم وقال: يا أبا حنظلة

    ج ٣ ص ٧٢٣ثكلتك١ أمك وعشيرتك، هذا محمد صلى الله عليه وسلم في جمع المؤمنين فادخلوا [عليه فأسلموا فدخلوا] ٢ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فمكثوا عنده عامة الليل يحادثهم ويسألهم، ثم دعاهم إلى الإسلام فقال لهم: اشهدوا أنه لا إله إلا الله، فشهدوا، ثم قال: اشهدوا أني رسول الله، فشهد حكيم وبديل، وقال أبو سفيان: ما أعلم ذلك، وخرج أبو سفيان مع العباس فلما نودي للصلاة، ثار الناس ففزع أبو سفيان، وقال للعباس: ماذا يريدون؟

    قال: الصلاة، ورأى أبو سفيان المسلمين يتلقون وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما رأيت ملكاً قط كالليلة ولا ملك كسرى، ولا ملك قيصر، ولا ملك بني الأصفر، فسأل أبو سفيان العباس أن يدخله على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدخله، فقال أبو سفيان: يا محمد قد استنصرتُ آلهتي، واستنصرت إلهك، فوالله ما لقيتك من مرة إلا ظهرت عليّ، فلو كان إلهي محقاً وإلهك مبطلاً لقد غلبتك، فشهد أن محمداً رسول الله، وقال أبو سفيان وحكيم: يا رسول الله أجئت بأوباش الناس من يعرف ومن لا يعرف إلى أصلك وعشيرتك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هم أظلم وأفجر، قد غدرتم بعقد الحديبية،

    ج ٣ ص ٧٢٤وظاهرتم على بني كعب بالإثم والعدوان في حرم الله وأمنه ".

    فقال بديل: قد صدقت يا رسول الله، قد غدروا بنا والله لو أن قريشاً خلّوا بيننا وبين عدونا ما نالوا منا الذي نالوا.

    فقال أبو سفيان وحكيم: قد كنت يا رسول الله حقيقاً أن تجعل عُدّتك وكيدك لهوازن فإنهم أبعد رحماً وأشد عداوة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأرجو أن يجمعهما لي ربي: فتح مكة، وإعزاز المسلمين بها، وهزيمة هوازن، وغنيمة أموالهم وذراريهم".

    فقال أبو سفيان وحكيم: يا رسول الله ادع لنا بالأمان، أرأيت إن اعتزلت قريش فكفت أيديها آمنون هم؟

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، من كفّ يده وأغلق داره فهو آمن، قالوا: فابعثنا نؤذن بذلك فيهم: قال: انطلقوا فمن دخل دارك يا أبا سفيان ودارك يا حكيم١، وكف يده فهو آمن -ودار أبي سفيان بأعلى مكة، ودار حكيم بأسفل مكة -فلما توجها ذاهبين، قال العباس: يا رسول الله إني لا آمن أبا سفيان أن يرجع عن إسلامه فيكفر، فاردده حتى نقفه فيرى جنود الله معك، فأدركه عباس فحبسه، فقال أبو سفيان: أغدراً يا بني هاشم؟

    فقال العباس: ستعلم أنا لسنا نغدر، ولكن لي إليك حاجة، فأصبح

    ج ٣ ص ٧٢٥حتى ترى جنود الله وإلى ما أعد للمشركين، فحبسهم بالمضيق دون الأراك إلى مكة، حتى أصبحوا وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم منادياً فنادى: لتصبح كل قبيلة قد ارتحلت ووقفت مع صاحبها عند رايته، وتظهر ما معها من الأداة والعدة، فأصبح الناس على ظهر، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه الكتائب، فمرت كتيبة على أبي سفيان، فقال: يا عباس أفي هذه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا، قال: فمن هؤلاء؟ قال: قضاعة، ثم مرت القبائل على راياتها، فرأى أمراً عظيماً رعبه الله به، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام على المهاجرين وخيلهم وأمره أن يدخل من كَدَاء١ من أعلى مكة وأعطاه رايته وأمره أن يغرزها بالحجون٢ ولا يبرح حيث أمره أن يغرزها حتى يأتيه، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فيمن كان أسلم من قضاعة وبني سُليم وناساً أسلموا قبل ذلك وأمره أن يدخل من أسفل مكة، وأمره أن يغرز رايته عند أدنى البيوت وبأسفل مكة بنو بكر وبنو الحارث بن عبد مناف

    1. (١)دلائل البيهقي (٥/ ٣٩- ٤٩) بسند حسن إلى الزهري إلا أنها مرسلة، لكن يشهد لكثير من فقراتها ما جاء في الصحيحين وغيرهما كما سيأتي.
    2. (٢)تقدمت تراجم سند هذه الرواية.
    3. (٣)تقدم توفيق الحافظ ابن حجر بين من ذكر عددهم عشرة آلاف وبين من ذكرهم اثني عشر ألفاً في المبحث الثاني.
    4. (١)الفساطيط: جمع فسطاط، وهو: - بالضم والكسر - المدينة التي فيها مجتمع الناس، وكل مدينة فسطاط، قال الزمخشري: (هو ضرب من الأبنية في السفر دون السرادق) النهاية (٣/ ٤٤٥) .
    5. (٢)صهيل الخيل: أي: صوته. النهاية (٣/ ٦٣) .
    6. (٣)بنو كعب: يعني خزاعة، وكعب أكبر بطون خزاعة. فتح الباري (٨/ ٧) .
    7. (٤)حشّتها الحرب، وفي رواية أبي الأسود عن عروة: حاشتها الحرب، أي: جاشت بهم الحرب. الفتح (٨/ ٧) .
    8. (٥)انتجعوا: التنجع والانتجاع والنجعة: طلب الكلأ ومساقط الغيث. النهاية (٥/٢٢)
    9. (٦)في البخاري (٨/ ٥- ٦) رقم (٤٢٨٠ مع الفتح) من مرسل عروة: (أن حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم هم الذين أخذوا هؤلاء الثلاثة وأتوا بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم أبو سفيان ... ) .
    10. (١)ثكلتك: أي: فقدتك، والثكل: فقد الولد، وهي من الألفاظ التي تجري على ألسنة العرب ولا يراد بها الدعاء، كقولهم: تربت يداك، وقاتلك الله. النهاية (١/ ٢١٧) .
    11. (٢)ما بين الحاصرتين ليس في [ح] كما قال محقق الدلائل، عبد المعطي قلعجي.
    12. (١)قوله ودارك يا حكيم، ورد ما يشهد له عند الطبري في تاريخه (٣/ ٥٤- ٥٦) من رواية هشام بن عروة عن أبيه.
    13. (١)كَدَاء: - بالتحريك والمد - الثَّنيَّة العليا بمكة مما يلي المقابر، وهو: المعلاة. النهاية (٤/ ١٥٦) .
    14. (٢)الحجون: - بضم الحاء المهملة والجيم، وآخره نون - هي الثنية التي تفضي على مقبرة المعلاة والمقبرة عن يمينها وشمالها مما يلي الأبطح، تسمى الثنية اليوم (ريع الحجون) ، معجم المعالم الجغرافية (٩٤) .
    ج ٣ ص ٧٢١
  9. وهذيل ومن كان معهم من الأحابيش قد استنصرت بهم قريش، وأمرتهم أن يكونوا بأسفل مكة، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن عبادة في كتيبة الأنصار في مقدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفع سعد رايته إلى قيس بن سعد ابن عبادة١ وأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفوا أيديهم فلا يقاتلون أحداً إلا من قاتلهم، وأمرهم بقتل أربعة نفر، منهم: عبد الله بن سعد ابن أبي سرح٢، والحويرث بن نقيذ٣، وابن خطل٤، ومقيس بن

    ج ٣ ص ٧٢٧صُبابة١ أحد بني ليث وهو من كلب بن عوف، وأمر بقتل قينتين٢ لابن خطل كانت تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرت الكتائب يتلو بعضها بعضاً على أبي سفيان وحكيم وبديل ولا تمر عليهم كتيبة إلا سألوا عنها حتى مرت عليهم كتيبة الأنصار فيها سعد بن عبادة فنادى سعد أبا سفيان فقال:

    اليوم يوم الملحمة ... اليوم تستحل الحرمة٤

    ج ٣ ص ٧٢٨فلما مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان في المهاجرين، قال: يا رسول الله أمرت بقومك أن يقتلوا، فإن سعد بن عبادة ومن معه حين مروا بي ناداني سعد فقال:

    اليوم يوم الملحمة ... اليوم تستحل الحرمة

    وإني أناشدك الله في قومك، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن عبادة فعزله وجعل الزبير بن العوام مكانه على الأنصار مع المهاجرين، فسار الزبير بالناس حتى وقف بالحجون، وغرز بها راية رسول الله صلى الله عليه وسلم، واندفع خالد بن الوليد حتى دخل من أسفل مكة، فلقيته بنو بكر فقاتلوه فهزموا، وقتل من بني بكر قريباً من عشرين رجلاً، ومن هذيل ثلاثة أو أربعة، وانهزموا وقُتلوا بالحزورة١ حتى بلغ قتلهم باب المسجد وفرّ بعضهم حتى دخلوا الدور، وارتفعت طائفة منهم على الجبال، واتبعهم المسلمون بالسيوف ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين الأولين وأخريات الناس، وصاح أبو سفيان حين دخل مكة: من أغلق داره وكف يده فهو

    ج ٣ ص ٧٢٩آمن، فقالت له هند بنت عتبة وهي امرأته: قبحك الله من طليعة قوم وقبح عشيرتك معك، وأخذت بلحية أبي سفيان ونادت يا آل غالب: اقتلوا الشيخ الأحمق، هلاّ قاتلتم ودفعتم عن أنفسكم وبلادكم، فقال لها أبو سفيان: ويحك اسكتي وادخلي بيتك، فإنه جاءنا بالحق.

    1. (١)هو: قيس بن سعد بن عبادة بن دليم الأنصاري الخزرجي، مختلف في كنيته فقيل: أبو الفضل، وأبو عبد الله وأبو عبد الملك ... أخرج البغوي من طريق ابن شهاب قال: كان قيس حامل راية الأنصار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من ذوي الرأي من الناس ... شهد مع علي صفين ثم كان مع الحسن حتى صالح معاوية، فرجع قيس إلى المدينة ومات بها في آخر خلافة معاوية، الإصابة (٣/ ٢٤٩) .
    2. (٢)هو: عبد الله بن سعد بن أبي سرح بن الحارث بن حبيب - بالمهملة مصغراً - ابن حذافة بن مالك بن حسن بن عامر بن لؤي القرشي العامري، يكنى أبا يحيى، وكان أخا عثمان من الرضاعة، وكانت أمه أشعرية، كان عبد الله بن سعد يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فأزلّه الشيطان فلحق بالكفار، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتل يوم الفتح، فاستجار له عثمان فأجاره النبي صلى الله عليه وسلم، أمّره عثمان على مصر، ولما وقعت الفتنة سكن عسقلان ولم يبايع لأحد ومات بها سنة ست وثلاثين. الإصابة (٢/ ٣١٦-٣١٧) .
    3. (٣)هو: الحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد بن قصي، السيرة النبوية لابن هشام (٢/ ٤١٠) وقتله علي بن أبي طالب.
    4. (٤)اسمه: عبد الله بن خطل، رجل من بني تيم بن غالب، السيرة النبوية لابن هشام (٢/ ٤٠٩) ، وقد ذكر ابن إسحاق أنه اشترك في قتله سعيد بن حريث المخزومي وأبو برزة الأسلمي. المصدر السابق. وذكر الواقدي في المغازي (٢/ ٨٥٩) أقوالاً أخرى في من قتله، وسيأتي الخلاف في اسمه.
    5. (١)مقيس بن صبابة: - بمهملة مضمومة وموحدتين الأولى خفيفة - الفتح (٨/ ١١) وعند ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٤١٠) مقيس بن حبابة، وأن الذي قتله نميلة بن عبد الله رجل من قومه.
    6. (٢)القينة: الأمة غنَّت أو لم تغن، والماشطة، وكثيراً ما تطلق على المغنية من الإماء. النهاية (٤/ ١٣٥) . واسم الأولى: فرتنى (ابن هشام ٢/ ٤١٠) والثانية: قرينة فتح الباري (٨/ ١١) ، وقد استؤمن للأولى فأسلمت، وقتلت الثانية. المصدر السابق. وقد أحصى الحافظ ابن حجر عدد من أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمهم فبلغ عددهم ثمانية رجال وست نسوة. الفتح (٨/ ١٢) .
    7. (٤)وكذلك وردت عند ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٤٠٦) ، والواقدي في مغازيه (٢/ ٨٢١) ، والطبراني في الكبير ٨/ ٦ رقم ٧٢٦٣) ، ومغازي الأموي، انظر: عيون الأثر (٢/ ٢٢٣) . وفي البخاري مع الفتح (٨/ ٥- ٦) رقم (٤٢٨٠) من مرسل عروة (اليوم تستحل الكعبة) .
    8. (٣)يوم الملحمة: - بالحاء المهملة - أي يوم حرب لا يوجد منه مخلص، ومراد سعد بقوله: يوم الملحمة: يوم المقتلة الكبرى. الفتح (٨/ ٨) .
    9. (١)الحَزْوَرَة: - بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي - هي ما يعرف اليوم باسم القشاشية، مرتفع يقابل المسعى من مطلع الشمس كان ولا يزال سوقاً من أسواق مكة، معجم المعالم الجغرافية (٩٨) .
    ج ٣ ص ٧٢٦
  10. ولماّ علا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثنية كداء نظر إلى البارقة١ على الجبل مع فضض٢ المشركين فقال: "ما هذا؟ وقد نهيت عن القتال؟ " .

    1. (١)البارقة: السيوف: أي رأى لمعانها. النهاية (١/ ١٢٠) .
    2. (٢)فضض المشركين: الفضض كل متفرق ومنتشر، القاموس، (فضض) . والمعنى: مع بعض المشركين الذين تفرقوا عن بعض.
  11. فقال مهاجرون نظن أن خالداً قاتل، وبدئ بالقتال، فلم يكن له بد من أن يقاتل من قاتله، وما كان يا رسول الله ليعصيك، ولا يخالف أمرك٣، فهبط رسول الله صلى الله عليه وسلم من الثنية فأجاز على الحجون، فاندفع الزبير ابن العوام حتى وقف بباب المسجد وجُرح رجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: كُرز بن جابر٤ أخو بني محارب بن فهر، وحُبيش بن خالد٥،

    ج ٣ ص ٧٣٠وخالد - يدعى الأشعر وهو أحد بني كعب، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ في قتل النفير أن يقتل عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكان قد ارتد بعد الهجرة كافراً، فاختبأ حتى اطمأن الناس، ثم أقبل يريد أن يبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعرض عنه ليقوم إليه رجل من أصحابه ليقتله، فلم يقم إليه أحد ولم يشعروا بالذي كان في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهم١: لو أشرت إليّ يا رسول الله لضربت عنقه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تفعل ذلك" .

    1. (٣)وقد ذكر عبد الرزاق في المصنف (٥/ ٣٧٨) عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي بعث خالداً بمن معه يقاتل المشركين بأسفل مكة.
    2. (٤)هو كُرز بن جابر بن حسل بن لاحب بن حبيب بن عمرو بن سفيان بن محارب بن فهر القرشي الفهري، كان من رؤساء المشركين قبل أن يسلم، وأغار على سرح المدينة مرة، ثم أسلم. الإصابة (٣/ ٢٩٠- ٢٩١) .
    3. (٥)هو: حبيش بن خالد بن سعد بن منقذ بن ربيعة بن أصرم بن خبيس - بمعجمة ثم موحدة ثم مهملة مصغراً - بن حرام بن حبيشة بن كعب بن عمرو الخزاعي، يكنى أبا صخر وهو أخو أم معبد، قتل مع خالد بن الوليد يوم فتح مكة. الإصابة (١/ ٣١٠) .
    4. (١)نقل الحافظ ابن حجر عن سبط ابن الجوزي: أن الذي قال ذلك هو عباد بن بشر، وقيل: بل عمر بن الخطاب. الإصابة (٢/ ٣١٧) .
  12. ويقال: أجاره عثمان بن عفان رضي الله عليه وسلم وكان أخاه من الرضاعة، وقتلت إحدى القينتين وكمنت الأخرى حتى استؤمن لها، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت سبعاً على راحلته يستلم الأركان زعموا بمحجن، وكثُر الناس حتى امتلأ المسجد، واستكف المشركون ينظرون إلى رسول الله وأصحابه فلما قضى طوافه نزل، وأخرجت الراحلة، وسجد سجدتين، ثم انصرف إلى زمزم فاطلع فيها، وقال: "لولا أن تغلب بنو عبد المطلب على سقايتهم لنزعت بيدي

    ج ٣ ص ٧٣١دلواً"١ ثم انصرف في ناحية المسجد قريباً من المقام مقام إبراهيم عليه السلام، فكان المقام - زعموا - لاصقاً بالكعبة، فأخره رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانه هذا٢، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسجل٣ من ماء زمزم فشرب

    ج ٣ ص ٧٣٢وتوضأ، والمسلمون يبتدرون وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبونه على وجوههم والمشركون ينظرون إليهم يتعجبون، ويقولون: ما رأينا ملكاً قط بلغ هذا ولا سمعنا به، ومرّ صفوان بن أمية عامداً للبحر، وأقبل عمير بن وهب بن خلف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يؤمن صفوان بن أمية، وقال: إنه قد هرب فاراً نحو البحر، وقد خشيت أن يهلك نفسه فأرسلني إليه بأمان يا رسول الله فإنك قد أمنت الأحمر والأسود. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أدرك ابن عمك فهو آمن" .

    1. (٢)المشهور أن الذي أخر المقام عمر رضي الله عليه وسلم، قال الحافظ ابن حجر: وكان المقام من عهد إبراهيم لزق البيت إلى أن أخّره عمر رضي الله عليه وسلم إلى المكان الذي هو فيه الآن. فتح الباري (٨/ ١٦٩) تحت حديث رقم (٤٤٨٣) . ثم قال: أخرجه عبد الرزاق في مصنفه بسند صحيح عن عطاء وغيره، وعن مجاهد أيضاً، وأخرج البيهقي عن عائشة مثله بسند قوي، ولفظه: (إن المقام كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وفي زمن أبي بكر ملتصقاً بالبيت ثم أخّره عمر) المصدر السابق. وانظر: مصنف عبد الرزاق (٥/ ٤٨ رقم ٨٩٥٥) ، وحديث مجاهد في (٥/ ٤٧-٤٨ رقم ٨٩٥٣) وقد ذكر ابن كثير في تفسيره (١/ ١٧٠) نحواً من كلام الحافظ ابن حجر. وذكر الحافظ ابن حجر أيضاً أن ابن مردويه أخرج بسند ضعيف عن مجاهد: أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي حوّله. قال: والأول أصح. الفتح ٠٨/ ١٦٩) . ونقل ابن كثير في تفسيره رواية ابن مردويه ثم قال: هذا مرسل عن مجاهد وهو مخالف لما تقدم من رواية عبد الرزاق عن معمر عن حميد الأعرج عن مجاهد: أن أول من أخر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب رضي الله عليه وسلم وهذا أصح من طريق ابن مردويه مع اعتضادها بما تقدم. التفسير (١/ ١٧١) .
    2. (٣)السجل: الدلو الملأى ماء، ويجمع على سجال. النهاية، ٢/٣٤٤.
    3. (١)أخرجه أحمد عن علي رضي الله عليه وسلم بلفظ: (يا بني عبد المطلب سقايتكم، ولولا أن يغلبكم الناس عليها لنزعت بها) المسند (٢/ ٥ رقم [٥٦٢] أرناؤوط) والترمذي رقم (٨٨٥) ، وأبو يعلى رقم (٣١٢و ٥٤٤) ، وابن خزيمة رقم (٢٨٣٧ و٢٨٨٩) ، والطحاوي في مشكل الآثار (٢/ ٧٢- ٧٣) ، والبيهقي في السنن (٥/ ١٢٢) من طريق أبي أحمد محمد بن عبد الله الزبيري، وبعضهم يزيد فيه على بعض، وسنده حسن، وأخرج نحوه الفاكهي في أخبار مكة، وقال محققه عبد الملك بن دهيش: سنده حسن (٢/ ٥١ رقم ١١٣٠) ، والأزرقي في أخبار مكة (٢/ ٥٥) .
  13. فطلبه عمير فأدركه فقال: قد أمنك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له صفوان: لا والله لا أقر لك حتى أرى علامة بأمان أعرفها، فقال عمير: امكث مكانك حتى آتيك بها، فرجع عمير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن صفوان أبى أن يوقن لي حتى يرى منك آية يعرفها، فانتزع رسول الله صلى الله عليه وسلم بردة حَبِرة كان معتجراً بها حين دخل مكة، فدفعه إلى عمير بن وهب فلما رأى صفوان البرد أيقن واطمأنت نفسه وأقبل مع عمير حتى دخل المسجد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صفوان: أعطيتني ما يقول هذا من الأمان؟

    ج ٣ ص ٧٣٣قال: (نعم) ، قال: اجعل لي شهراً١ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بل لك شهران لعل الله أن يهديك" .

    وقال ابن شهاب: نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفوان وهو على فرسه فقال: يا محمد أمنتني كما قال هذا، إن رضيت وإلا سيرتني شهرين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انزل أبا وهب) قال: لا والله لا أنزل حتى تبين لي، قال: فلك تسير أربعة أشهر٢، وأقبلت أم حكيم بنت الحارث بن هشام٣ وهي مسلمة يومئذ، وكانت تحت عكرمة بن أبي جهل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنته في طلب زوجها، فأذن لها وأمّنه فخرجت بعبد لها رومي فأرادها على نفسها، فلم تزل تمنيه وتقرب له حتى قدمت على ناس من عكٍّ٤ فاستغاثت بهم عليه فأوثقوه لها، وأدركت زوجها، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عكرمة وثب عليه فرحاً وما عليه رداء حتى بايعه

    ج ٣ ص ٧٣٤وأدركته امرأته بتهامة، فأقبل معها وأسلم، ودخل رجل من هذيل حين هزمت بنو بكر على امرأته فاراً فلامته وعجزته وعيّرته بالفرار، فقال:

    وأنتِ لو رأيتنا بالخندمة

    إذ فر صفوان وفر عكرمة

    وألحقتنا بالسيوف المسلمة

    يقطعن كل ساعد وجمجمة

    لم تنطقي في اللوم أدنى كلمة

    قال ابن شهاب: قالها حِماس١ أخو بني سعد بن ليث، قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد بن الوليد: لم قاتلت وقد نهيتك عن القتال؟ قال: هم بدأونا بالقتال، ووضعوا فينا السلاح، وأشعرونا بالنبل، وقد كففت يدي ما استطعت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قضاء الله عزوجل خير" .

    قال: وكان دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة والفتح في رمضان سنة ثمان، ويقال: قال أبو بكر رضي الله عليه وسلم يومئذ: يا رسول الله أراني في المنام وأراك دنونا من مكة، فخرجت إلينا كلبة تهرُّ٢، فلما دنونا منها استقلت على

    ج ٣ ص ٧٣٥ظهرها فإذا هي تشخب١ لبناً فقال: ذهب كلبهم، وأقبل درّهم، وهم سائلوكم بأرحامكم لاقون بعضهم فإن لقيتم أبا سفيان فلا تقتلوه، فلقوا أبا سفيان وحكيم اً بمرّ، وقال حسان بن ثابت في مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة:

    عدمت بنيتي٢ إن لم تروها ... تثير النقع٣ من كتفي كَداءُ

    ينازعن الأعنة٤ مصفيات٥ ... يلطمهن بالخُمر النساء

    فإن أعرضتموا عنا اعتمرنا ... وكان الفتح وانكشف الغطاء

    وإلا فاصبروا لجلاد يوم ... يعين الله فيه من يشاء

    وجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء

    هجوتَ٦ محمداً فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء

    ج ٣ ص ٧٣٦فمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء

    لساني صارم لا عيب فيه ... وبحري لا تَكَيده١ الدلاء

    قال: فذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبسم إلى أبي بكر رضي الله عليه وسلم حين رأى النساء يلطمن الخيل بالخمر٢.

    1. (٢)تخييره بأربعة أشهر ورد ما يشهد له عند مالك في الموطأ عن الزهري (الموطأ ٢/ ٥٤٣) رقم (٤٤) وستأتي.
    2. (٣)هي: أم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومية زوج عكرمة بن أبي جهل قال أبو عمر: حضرت يوم أحد وهي كافرة، ثم أسلمت في الفتح، واستأمنت أم حكيم بنت الحارث لعكرمة فأمّنه النبي صلى الله عليه وسلم، الإصابة (٤/ ٤٤٣- ٤٤٤) .
    3. (١)قوله: (اجعل لي شهراً) ورد مثله عند البيهقي من رواية أبي الأسود عن عروة. الدلائل (٥/ ٤٦) .
    4. (٤)عك: قبيلة تنسب إلى اليمن، وعك هو: عك بن عدنان بن عبد الله بن الأزد. جمهرة أنساب العرب لابن حزم (٣٧٥) .
    5. (١)هو: حماس - بكسر أوله وتخفيف ثانيه وآخره مهملة - ابن قيس ويقال: ابن خالد بن قيس بن مالك الدئلي، ذكر ابن إسحاق والواقدي أنه كان بمكة يوم الفتح، فلما قرب رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة أعد سلاحه وقال لامرأته: إني لأرجو أن يخدمك الله منهم، ثم فرّ وذكر الأبيات. الإصابة (١/ ٣٥٢) .
    6. (٢)هَرَّ الكلب يهرُّ هَريراً، فهو هارٌّ وهرَّارٌ إذا نبح وكشّر عن أنيابه، وقيل: هو صوته دون نباحه. النهاية (٥/ ٢٥٩) .
    7. (١)شخب: الشخب السيلان، وأصل الشخب من يخرج من تحت يد الحالب عند كل غمزة وعصرة بضرع الشاة. النهاية (٢/ ٤٥٠) .
    8. (٢)في ديوانه (١٩) : عدمنا خيلنا، والبنية اسم من أسماء الخيل، انظر اللسان (بني) .
    9. (٣)النقع: الغبار. النهاية (٥/ ١٠٩) .
    10. (٤)في الديوان (١٩) يبارين الأعنة، والمعنى: يجارينها في السرعة، والعُنة: سير اللجام الذي تمسك به الدابة، القاموس (عنن) .
    11. (٥)في الديوان (١٩) مصعدات، وفي البداية والنهاية (٤/ ٣١٠) مصغيات، بالغين المعجمة.
    12. (٦)الذي هجا النبي صلى الله عليه وسلم هو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وأخوه من الرضاعة، وقد أسلم عام الفتح. الإصابة (٤/ ٩٠) .
    13. (١)في الديوان (٢١) : لا تكدره الدلاء، والمعنى: أن لسانه كالسيف القاطع وأن شعره كالبحر لا تؤثر فيه الدلاء التي يستقي بها، شرح الديوان (ص: ٢١) .
    14. (٢)ذكر ابن كثير في البداية مقتطفات متفرقة من هذه الرواية، انظر: (٤/ ٢٩١، ٢٩٤، ٢٩٥، ٢٩٦) .
  14. ١٥٠- قال الحاكم٣حدثنا أبو العباس محمد٤ بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: حدثنا الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عام الفتح حتى نزل مر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين فسبعت٥سليم، وأَلَّفَت٦مزينة، وفي كل القبائل عدد وإسلام، وأوعب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرون والأنصار، فلم

    ج ٣ ص ٧٣٧يتخلف عنه منهم أحد، وقد عميت الأخبار على قريش فلا يأتيهم خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يدرون ما هو صانع، وكان أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة قد لقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم بثنية العقاب؛ فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخول عليه فكلمته أم سلمة فيهما، فقالت: يا رسول الله ابن عمك١ وابن عمتك وصهرك٢، فقال: لا حاجة لي بهما؛ أما ابن عمي فهتك عرضي، وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال، فلما خرج الخبر إليهما بذلك ومع أبي سفيان بن الحارث ابن٣ له، فقال: والله ليأذننّ لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لآخذن بيد ابني هذا، ثم لنَذْهبَنَّ في الأرض حتى نموت عطشاً أو جوعاً، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم رقَّ لهما فدخلا عليه فأنشده أبو سفيان قوله في إسلامه واعتذاره مما كان مضى منه فقال:

    لعمرك أني يوم أحمل راية ... لتغلب خيل اللات خيل محمد

    لكالمدلج٤ الحيران أظلم ليلهُ ... فهذا أوانُ الحق أُهدي وأهتدي

    ج ٣ ص ٧٣٨هدانيَ هادٍ غير نفسي ونالني

    إلى الله من طردّت كل مطرِّدِ

    أفر سريعاً جاهداً عن محمد

    وأدعى ولو لم أنتسب من محمد

    هُم عصبة من لم يقل بهواهم

    وإن كان ذا رأي يلَم ويفنَّد١

    أريد لأرضيهم ولست بلائط٢

    مع القوم ما لم أهد في كل مقعد

    فقل لثقيف لا أريد قتالكم

    وقل لثقيف تلك غيري وأوعدي

    فماكنت في الجيش الذي نال عامراً

    ولا كل عن خير لساني ولا يدي

    قبائل جاءت من بلاد بعيدة

    توابع جاءت من سهام٣ سردد٤

    قال: فذكروا أنه حين أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم: ومن طردت كل مطرد، ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدره وقال: أنت طردتني كل مطرد٥.

    1. (٤)تقدمت تراجم سند هذه الرواية.
    2. (٣)مستدرك الحاكم (٣/٤٣-٤٤) ، وقال: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي وإنما هو حسن فقط، كما قال الألباني، في تعليقه على فقه السيرة للغزالي (ص٤٠٨)
    3. (٥)أي كملت سبعمائة رجل. النهاية (٢/٣٣٦)
    4. (٦)أي صارت ألفاً.
    5. (١)تريد أبا سفيان بن الحارث لأنه ابن عمّ النبي صلى الله عليه وسلم.
    6. (٢)لأن عبد الله بن أبي أمية أخو أم سلمة، وابن عمته عاتكة. الإصابة (٢/٢٧٧) .
    7. (٣)ابنه هو: جعفر بن أبي سفيان وقد اسلم مع أبيه. الاستيعاب (٤/٢٣٧) . وذكر الحافظ ابن حجر نقلاً عن الزبير بن بكار وغيره أن جعفراً كان ممن ثبت يوم حنين مع النبي صلى الله عليه وسلم. الفتح (٨/٣٠) .
    8. (٤)الدلجة: هي السير ليلاً، يقال: أدلج بالتخفيف إذا سار من أول الليل، وادَّلج - بالتشديد - إذا سار من آخره. النهاية (٢/ ١٢٩) .
    9. (١)الفند في الأصل: الكذب، والمفند هو الذي لا فائدة من كلامه. النهاية (٣/ ٤٧٥)
    10. (٢)اللائط: الملصق: يقال: لاط به يلوط لوطاً ولياطاً، إذا لصق به. النهاية (٤/ ٢٧٧) .
    11. (٣)سهام: اسم موضع باليمامة كانت به وقعة أيام أبي بكر رضي الله عليه وسلم بين ثمامة بن أثال ومسيلمة الكذاب، معجم البلدان (٣/ ٢٨٨- ٢٨٩) ، والمعالم الأثيرة (١٤٤) . وسهام اسم وادٍ باليمن قرب صنعاء اليمن، وسهام اسم رجل سمي به الموضع، وهو سهام بن الغوث بن حمير، ووادي سهام: قرب زبيد بيوم ونصف، معجم البلدان (٢/ ٢٨٩) .
    12. (٤)سُردد: - بضم أوله وسكون ثانيه ودال مهملة مكررة الأولى منها مضمومة -، موضع من أرض زبيد باليمن، معجم البلدان (٢/ ٢٠٩) ، والمعالم الأثيرة (١٣٩) .
    13. (٥)ومن طريق الحاكم أخرجه البيهقي في الدلائل (٥/ ٢٧- ٢٨) ، وابن الأثير في أسد الغابة (٦/ ١٤٥) ، وأخرجه ابن إسحاق بدون إسناد (ابن هشام ٢/ ٤٠٠- ٤٠١) . ووصله ابن جرير في التاريخ عن ابن إسحاق من غير طريق الزهري (٢/ ٥-- ٥١) ، ومعنى قوله: (أنت طردتني ... ) أي أنك ممن ساعد على إخراجي من مكة، والله أعلم. وانظر: النهاية (٣/ ١٢٨) .