المبحث الرابع: في رمي النبي صلى الله عليه وسلم حصيات في وجوه المشركين
٥ فقرات، ج ١ ص ٢٣٨
- ج ١ ص ٢٣٨
٩ - قال أبو نعيم١: حدثنا أبو بكر٢ بن مردويه، حدثنا علي ابن أحمد٣، ودعلج٤ بن أحمد، قالا: حدثنا محمد٥ بن أيوب، قال: أخبرني إبراهيم٦ بن يحيى بن عباد، قال: حدثني أبي٧، عن محمد بن
ج ١ ص ٢٣٩إسحاق ١، عن الزهري، عن عروة عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت صوت حصيات وقعت من السماء كأنهن وقعن في طست، فلما اصطف الناس أخذهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرمى وجوه المشركين، فانهزموا، فذلك قول الله عزوجل: {ومَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى} ٢.
- (١)دلائل النبوة لأبي القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل الأصبهاني، رقم (٣٣٠) . تحقيق: محمد بن محمد الحداد، الطبعة الأولى ١٤٠٩هـ دار طيبة للنشر والتوزيع.
- (٢)ابن مردويْه: هو أبو بكر أحمد بن محمد بن الحافظ الكبير أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويْه بن فورك بن موسى الأصبهاني، مات سنة ثمان وتسعين وأربع مائة، قال السِّلَفيُّ: (كتبنا عنه كثيراً، وكان ثقة جليلاً) السير ١٩/٢٠٧.
- (٣)هو علي بن أحمد بن محمد بن بادويه القزويني المعروف ببادويه، أبو الحسن، وثقه الخطيب، تاريخ بغداد، ١١/٣٢٢ – ٣٢٣، والخليلي، انظر: الإرشاد، ٢/٧٧١، رقم [٦٤٥] .
- (٤)هو: دَعْلَج بن أحمد بن دَعْلَج بن عبد الرحمن، أبو محمد السجستاني المعدل، قال الخطيب: كان ثقة ثبتاً، تاريخ بغداد، ٨/٣٨٧ –٣٨٨.
- (٥)هو محمد بن أيوب بن يحيى الضُّريس الرازي، قال ابن أبي حاتم: كتبنا عنه، وكان ثقة صدوقاً، الجرح والتعديل، ٧/١٩٨، وقال الخليلي في الإرشاد، ٢/٦٨٤ رقم: (٤٤٦) : ثقة متفق عليه.
- (٦)هو إبراهيم بن يحيى بن محمد بن عباد بن هانئ الشجري - بفتح المعجمة والجيم - لين الحديث، من العاشرة، ت، التقريب، ٩٥.
- (٧)هو يحيى بن محمد بن عباد بن هانئ الشجري - بمعجمة وجيم مفتوحتين - ضعيف، وكان ضريراً يَتَلقن، من التاسعة، ت، التقريب، ٥٩٦ رقم (٧٦٣٧) .
-
١٠ - قال الواقدي٣: حدثني محمد بن عبد الله٤، عن
ج ١ ص ٢٤٠الزهري، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثْمة١، قال: سمعت حكيم بن حزام، يقول: ما وجهت وجهاً قط كان أكره لي من مسيري إلى بدر، ولا بان لي في وجه قط ما بان لي قبل أن أخرج، ثم يقول: قدم ضمضم فصاح بالنفير، فاستقسمت بالأزلام، كلّ ذلك يخرج الذي أكره، ثم خرجت على ذلك حتى نزلنا مرّ الظهران، فنحر ابن الحنظلية٢ جُزُراً، فكانت جزور منها بها حياة، فما بقي خباء٣ من أخبية العسكر إلا أصابه من دمها، فكان هذا بيّناً، ثم هممت بالرجوع، ثم أذكر ابن الحنظلية وشؤمه، فيردني حتى مضيت لوجهي، فكان حكيم يقول: لقد رأيتنا حتى بلغنا الثنية البيضاء - والثنية البيضاء التي تهبطك على فخ وأنت مقبل
ج ١ ص ٢٤١من المدينة - إذا عَدّاس١ جالس عليها، والناس يمرون، إذ مرّ عليه ابنا ربيعة، فوثب إليهما فأخذ بأرجلها في غَرْزهما، وهو يقول: بأبي وأمي أنتما، والله إنه رسول الله، وما تساقان إلا إلى مصارعكما، وإن عينيه لتسيل دموعهما على خديه، فأردت أن أرجع أيضاً، ثم مضيت، ومرّ به العاص بن منبه بن الحجاج فوقف عليه حين ولى عتبة وشيبة، فقال: ما يبكيك؟ فقال: يبكيني سيداي وسيدا أهل هذا الوادي، يخرجان إلى مصارعهما، ويقاتلان رسول الله، فقال العاص: وإن محمداً رسول الله؟ قال: فانتفض عدّاس انتفاضة، واقشَعرّ جلده، ثم بكى، وقال: إي والله إنه لرسول الله إلى الناس كافّة، قال: فأسلم العاص بن منبه، ثم مضى وهو على الشكّ حتى قتل مع المشركين على شكٍّ وارتياب، ويقال: رجع عدّاس ولم يشهد بدراً، ويقال: شهد بدراً وقتل يومئذ، والقول الأول أثبت عندنا٢.
- (٣)هو محمد بن عمر بن واقد الأسلمي الواقدي المدني القاضي، نزيل بغداد، متروك مع سعة علمه، من التاسعة، توفي سنة ٢٠٧ هـ وله ثمان وسبعون، ق، التقريب ٤٩٨ رقم (٦١٧٥) .
- (٤)هو محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري المدني، ابن أخي الزهري، صدوق له أوهام، من السابعة، توفي سنة اثنتين وخمسين، وقيل: بعدها، (ع) ، التقريب، ص (٤٩٠) .
- (١)صدوق إذا صرّح بالتحديث، وقد تقدم.
- (٢)سورة الأنفال، آية (١٧) . ورميُ النبي صلى الله عليه وسلم بالتراب أو الحصى في وجوه المشركين يوم بدر؛ قد وردت من طرق لا تخلو من مقال؛ انظر: مغازي الواقدي ١/٩٥، والطبري في تفسيره، رقم: (١٥٨٢٢) ، والطبراني في الكبير رقم (٣١٢٧) ، والأوسط، رقم (٩٠٩٧) ، وتاريخ الطبري ٢/٤٢١-٤٢٤، وفي التفسير رقم (١٥٨٢٧) والبيهقي في الدلائل ٣/٧٩، وأبو نعيم في الدلائل ٢/ ٦٠٥ –٦٠٦، والطبراني في الكبير رقم: (١١٧٥٠) ، وأبو القاسم الأصبهاني في دلائل النبوة، رقم (٣٩) تحقيق مساعد الراشد، فهذه الروايات على ضعفها تدل على أن الرمية حصلت من النبي صلى الله عليه وسلم في بدر. وقد ثبت عن الزهري ما يدل على أن تلك الرمية كانت في أُحد، في قصة قتل أبي بن خلف، كما أخرج ذلك عبد الرزاق عن الزهري، انظر: المصنف ٥/٣٤٧ رقم (٩٧٢٥) ، والتفسير ١/٢٥٦، وتفسير الطبري ١٠/١٣٦ _ ١٣٧، وقد رواه الحاكم في المستدرك ٢/ ٣٢٧، موصولاً عن سعيد بن المسيّب عن أبيه، والواحدي في أسباب النزول ٢٣٦ رقم (٤٧١) وسيأتي إن شاء الله عند الحديث عن غزوة أحد.
- (١)هو أبو بكر بن سليمان بن أبي حثْمة عبد الله بن حذيفة العدوي، المدني، ثقة عارف بالنسب، من الثالثة، خ م د ت س، التقريب ٦٢٣.
- (٢)ابن الحنظلية: هو أبو جهل، قال ابن هشام (١/٦٢٣) : "والحنظلية أم أبي جهل، وهي أسماء بنت مُخرَّبة، أحد بني نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم".
- (٣)الخباء: أحد بيوت العرب من وبر أو صوف، ولا يكون من شعر، ويكون على عمودين أو ثلاثة، والجمع: أَخْبية. النهاية ٢/٩.
- (١)هو عدّاس النصراني غلام عتبة وشيبة ابني ربيعة، السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٤٢١.
- (٢)مغازي الواقدي ١/ ٣٤- ٣٥، والواقدي متروك.
-
١١ - وأخرج الواقدي من طريق معمر عن الزهري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم اكفني نوفل بن خويلد) ٣، وأقبل نوفل يومئذ
ج ١ ص ٢٤٢وهو مرعوب، قد رأى قتل أصحابه، وكان في أول ما التقوا هم والمسلمون، يصيح بصوت له زجل رافعاً صوته: يا معشر قريش إن هذا اليوم يوم العلاء والرفعة، فلما رأى قريشاً قد انكسرت جعل يصيح بالأنصار: ما حاجتكم إلى دمائنا؟ أما ترون ما تقتلون؟ أما لكم في اللبن من حاجة؟ فأسره جَبَّار بن صخر١ فهو يسوقه أمامه فجعل نوفل يقول لجبار - ورأى عليا ً مقبلاً نحوه - قال: يا أخا الأنصار، من هذا؟ واللات والعزّى إني لأرى رجلاً إنه ليريدني، قال: هذا علي بن أبي طالب، قال: ما رأيت كاليوم رجلاً أسرع في قومه منه، فيصمد له عليٌّ فيضربه، فنشب سيف عليّ في حَجَفته ساعة، ثم نزعه، فيضرب ساقيه، ودرعه مشمرة، فقطعها، ثم أجهز عليه فقتله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من له علم بنوفل بن خويلد؟ فقال علي بن أبي طالب: أنا قتلته، قال: فكبر رسول الله وقال: "الحمد لله الذي أجاب دعوتي فيه" .
- (٣)هو نوفل بن خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصي القرشي الأسدي أخو خديجة. الإصابة ١/ ٤٦ (ترجمة ابنه: الأسود بن نوفل) رضي الله عنه، وقد قتل نوفل يوم بدرٍ كافراً. نسب قريش، ص: ٢٢٩ _٢٣٠.
- (١)هو جبار بن صخر بن أمية بن خنساء بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري ثم السلمي، يكنى أبا عبد الله ... كان خارصاً للنبي صلى الله عليه وسلم على أهل خيبر بعد عبد الله بن رواحة، توفي سنة ثلاثين في خلافة عثمان رضي الله عنه وهو ابن اثنتين وستين سنة، الإصابة ١/ ٢٢٠.
-
وأقبل العاص بن سعيد يحث للقتال، فالتقى هو وعلي فقتله علي، فكان عمر يقول لابنه سعيد بن العاص: إني لأراك معرضاً تظن أني قتلت
ج ١ ص ٢٤٣أباك؟ - في أصل ابن أبي حية -، والله ما قتلت أباك، ولا أعتذر من قتل مشرك، ولقد قتلت خالي بيدي؛ العاص بن هشام بن المغيرة، فقال سعيد: لو قتلتَه لكان على الباطل وأنت على الحق.
قال: قريش أعظم الناس أحلاماً وأعظمها أمانة لا يبغيهم أحد الغوائل إلا كبه الله لفيه.
-
وكان علي يقول: إني يومئذ بعدما ارتفع النهار ونحن والمشركون قد اختلطت صفوفنا وصفوفهم، خرجت في إثر رجل منهم، فإذا رجل من المشركين على كثيب رمل وسعد بن خيثمة، وهما يقتتلان حتى قَتل المشركُ سعدَ بنَ خيثمة والمشرك مقنع في الحديد وكان فارساً، فاقتحم عن فرسه، فعرفني وهو معلّم ولا أعرفه، فناداني:
هلمّ ابن أبي طالب لِلبَراز، قال: فعطفت عليه فانحط إليّ مقبلاً، وكنت رجلاً قصيراً فانحططت راجعاً لكي ينزل إليّ، فكرهت أن يعلوني بالسيف، فقال: يا ابن أبي طالب، فررت؟ فقلت: قريباً مفَرُّ ابن الشترا١، قال:
ج ١ ص ٢٤٤فلما استقرت قدماي وثبتُّ، أقبل فلما دنا مني ضربني فاتقيت بالدرقة فوقع سيفه فلحِج - يعني لزك - فأضربه على عاتقه وهو دارع فارتعش، ولقد فضّ سيفي درعه، فظننت أن سيفي سيقتله، فإذا بريق سيف ورائي، فطأطأت رأسي، ويقع السيف فأطن قِحْف رأسه بالبيضة، وهو يقول: خذها وأنا ابن عبد المطلب، فالتفت من ورائي فإذا حمزة بن عبد المطلب١.
- (١)قال مصعب الزبيري في كتابه نسب قريش (ص: ٢٠٠) "إن هذا مثل تضربه العرب". قال الزمخشري في الفائق (١/ ٦٣٦) وابن الأثير في النهاية (٢/٤٤٣) : "ابن الشترا" رجل كان يصيب الطريق، وكان يأتي الرفقة فيدنو منهم، حتى إذا هموا به نأى قليلاً، ثم عاودهم حتى يصيب منهم غرة، زاد ابن الأثير: المعنى: أن مفرّه قريب وسيعود، فصار مثلاً.
- (١)المغازي ١/ ٩١-٩٣. ولم أر أحداً خرجه غير الواقدي، وهو متروك.