حديث حليمة السعدية

فقرة واحدة، ج ١ ص ١٠١

  1. (حديث حليمة عما رأته من الخير بعد تسلمها له - صلى الله عليه وسلم -) :

    قال ابن إسحاق: وحدثني جَهْم بن أبي جَهْم مولى الحارث بن حاطب الجُمحيّ، عن عبد الله بن جَعْفر بن أبي طالب. أو عمَّن حدّثه عنه قال: كانت حليمة بنت أبى ذُؤَيب السّعْدية. أمْ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي أرضعته، تحدّث: أنها خرجتْ من بَلَدها مع زوجها، وابن لها صغير (١) تُرضعه في نِسْوة من بني سَعد بن بَكْر، تلتمس الرضعاء، قالت: وذلك في سنة شَهْباء، لم تُبْق لنا شيئا. قالت: فخرجت على أتان لي قَمراء (٢) ، معنا شارف (٣) لنا، والله ما تَبِضّ (٤) بقطرة، وما ننام ليلَنا أجمعَ من صبيِّنا الذي معنا، من بكائه من الجوع، ما في ثديىّ ما يُغْنيه، وما في شارفنا ما يغديه - قال ابن هشام: ويقال: يغذيه (٥) - ولكنَّا كنّا نرجو الغيثَ والفرج فخرجت على أتاني تلك فلقد أدَمْتُ (٦) بالرَّكب حتى شق ذلك عليهم ضعفا وعجَفا (٧) ، حتى قَدِمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منَّا امرأة إلا وقد عُرض عليها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فتأباه، إذا قيل لها إنه يَتيم، وذلك أنا إنما كنّا نَرْجو المعروفَ من أبى الصبيّ، فكنَّا نقول، يتيم! وما عسى أن تَصْنع أمُّه وجدُّه! فكنا نكرهه لذلك، فما بقيت امرأة قدمتْ معي إلا أخذتْ رضيعا غيري، فلمَّا أجْمعنا الانطلاق قلت لصاحبي: والله إني لأكره أن أرجعَ من بين صَواحبي رقم آخذْ رضيعا، والله لأذهبنّ إلى ذلك اليَتيم فلآخذنه؛

    ج ١ ص ١٠٢قال: لا عليك أن تَفْعلي، عسى الله أن يجعلَ لنا فيه بركة. قالت: فذهبتُ إليه فأخذته، وما حَمَلني على أخْذه إلا أنى لم أجد غيره. قالت: فلما أخذتُه، رجعت به إلى رَحْلي، فلما وضعته في حِجْري أقبل عليه ثَدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روى، وشرب معه أخوه حتى روى، ثم ناما، وما كنَّا ننام معه قبلَ ذلك، وقام زوجي إلى شارفنا تلك، فإذا إنها لحافل، فحَلب منها ما شَرب، وشربتُ معه حتى انتهينا رِيًّا وشِبعَا فبتنا بخير ليلة. قالت: يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلمي والله يا حليمة، لقد أخذت نَسمة مباركة؛ قالت: فقلت: والله إني لأرجو ذلك. قالت: ثم خرجنا وركبت (أنا) أتاني، وحملتُه عليها معي، فوالله لقطعتْ بالرَّكب ما يقدر عليها شيءٌ من حُمُرهم، حتى إن صَواحبي ليقلن لي: يا ابنة أبى ذُؤَيب، ويحك أربعي (١) علينا، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟ فأقول لهن: بلى والله إنها لهي هي؛ فقلت: والله إن لها لشأنا. قالت: ثم قدمنا منازلَنا من بلاد بني سَعد وما أعلم أرضًا من أرض الله أجدَب منها، فكانت غَنمى تروح عليّ حين قَدِمنا به معنا شِباعا لُبَّنا، فنحلُب ونشرب، وما يحلُب إنسان قَطْرة لبن، ولا يجدها في ضَرع، حتى كان الحاضرون من قَوْمنا يقولون لرُعيانهم: ويلكم اسْرحوا حيث يسرح راعى بنت أبى ذُؤَيب، فتروح أغنامهم جياعًا ما تَبِض بقطرة لبن، وتروح غنمي شِباعا لُبَّنا. فلم نزل نتعرّف من الله الزيادةَ والخير حتى مضت سنتاه (٢) وفصلتُه، وكان يشِبّ شبابا لا يشبُّه الغِلمان، فلم يبلغ سنتَيه حتى كان غلاما جَفْرًا (٣) قالت: فقَدمْنا به على أُمِّه ونحن أحرصُ شيءٍ على مُكثه فينا، لما كنَّا نرى من بَركته. فكلَّمنا أمَّه وقلت لها: لو تركتِ بُنَيّ عندي حتى يغلُظَ فإني أخشى عليه وَبَأ (٤) مكة، قالت: فلم نزل بها حتى ردّته معنا.

    1. (١)يقال: إن اسمه عبد الله بن الحارث. (راجع شرح المواهب والمعارف والطبقات).
    2. (٢)القمرة (بالضم): لون إلى الخضرة، أو بياض فيه كدرة. يقال: حمار أقمر، وأتان قمراء.
    3. (٣)الشارف: الناقة المسنة.
    4. (٤)ما تبض: ما ترشح بشيء.
    5. (٥)وما ذكره ابن هشام أتم في المعنى من الاقتصار على ذكر الغداء دون العشاء. ويروى: "ما يعذبه" أي ما يقنعه حتى يرفع رأسه وينقطع عن الرضاع.
    6. (٦)كذا في ١ - ولقد شرحها أبو ذر فقال: فلقد أدمت بالركب، أي أطالت عليهم المسافة لتمهلهم عليها، مأخوذ من الشيء الدائم. وفي سائر الأصول: "أذمت" أذمت الركاب: أعيت وتخلفت عن جماعة الإبل، ولم تلحق بها. يريد أنها تأخرت بالركب، أي تأخر الركب بسببها.
    7. (٧)العجف: الهزال.
    8. (١)أربعي: أقيمي وانتظري. يقال: ربع فلان على فلان إذا أقام عليه وانتظره. ومنه قول الشاعر: عودي علينا وأربعي يا فاطما
    9. (٢)في الطبري:"سنتان".
    10. (٣)الجفر: الغليظ الشديد.
    11. (٤)الوبأ: يهمز ويقصر (والوباء) بالمد: الطاعون.
    ج ١ ص ١٠١