المجلد الخامس

٤٬٨٢٩ فقرة، ج ٥ ص ٣

الصفحة ٣٨ من ١٢١

  1. بفتح أوله وثانيه، ونون ساكنة، ودال:
  2. من مشاهير مدن أذربيجان، بينها وبين تبريز يومان، قد تشعّثت الآن وبدأ فيها الخراب منذ نهبها الكرج وأخذوا جميع أهلها، قال بطليموس: طولها ثلاث وسبعون درجة وسدس، وعرضها سبع وثلاثون درجة وربع، قال البلاذري: كانت مرند قرية صغيرة فنزلها جليس أبو البعيث ثم حصّنها البعيث ثم ابنه محمد ابن البعيث وبنى بها محمد قصرا، وكان قد خالف في خلافة المتوكل فحاربه بغا الصغير حتّى ظفر به وحمله إلى سرّ من رأى وهدم حائط مرند وذلك القصر، وكان البعيث هذا من ولد عتيب بن عمرو بن هنب ابن أفصى بن دعمي بن جديلة، ويقال عتيب بن أسلم بن جذام، ويقال عتيب بن عوف بن سنان، والعتبيّون يقولون ذلك، وينسب إليها كثير من العلماء، منهم: محمد بن عبد الله بن بندار بن عبد الله بن محمد بن كاكا أبو عبد الله المرندي، حدث بدمشق سنة ٤٣٣ عن الدارقطني وابن شاهين وأبي حفص الكناني وغيرهم، روى عنه عبد العزيز الكناني وأبو القاسم بن أبي العلاء وأبو الحسن عليّ بن الحسن ابن حرور وغيرهم، وأبو الوفاء خليل بن أحمد المرندي، حدث عن أبي بصير محمد بن محمد الزّينبي، سمع منه أبو بكر وقال: توفي سنة ٦١٢، وأبو عبد الله محمد بن موسى المرندي ورّاق أبي نعيم الجرجاني، سمع إبراهيم بن الحسين الهمداني، سمع منه شيوخ قزوين وأثنوا عليه، منهم: محمد بن أبي الخليل عبد الرحمن بن أبي حاتم وقال: كتبت عليه أكثر من خمسمائة جزء.

  3. مَرْوَانُ:
  4. هو فعلان من المرو، وهو حجارة بيضاء برّاقة تكون فيها النار: اسم جبل، وقال ابن موسى: أحسبه بأكناف الرّبذة، وقيل جبل، وقيل حصن، وكان مالكه الشّليل جد جرير بن عبد الله البجلي صاحب النبي، صلّى الله عليه وسلّم، وقال عمرو بن الخثارم البجلي ينتمي إلى معدّ في قصة:

    لقد فرّقتم في كلّ قوم ... كتفريق الإله بني معدّ

    وكنتم حول مروان حلولا ... جميعا أهل مأثرة ومجد

    ففرّق بينكم يوم عبوس ... من الأيام نحس غير سعد

  5. المَرْوَانِ:
  6. تثنية مرو، يراد به مرو الشاهجان ومرو الروذ، قال الشاعر يرثي يزيد بن المهلب:

    أبا خالد ضاعت خراسان بعدكم، ... وقال ذوو الحاجات: أين يزيد؟

    فما لسرور بعد فقدك بهجة، ... ولا لجواد بعد جودك جود

    فلا قطرت بالرّيّ بعدك قطرة، ... ولا اخضرّ بالمروين بعدك عود

  7. المَرُّوتُ:
  8. بالفتح ثم التشديد والضم، وسكون الواو، وتاء مثناة، إن كان منتقلا فمن المروت جمع المرت وهي الأرض التي لا تنبت شيئا وإلا فهو مرتجل: وهو اسم نهر، وقيل: واد بالعالية كانت به وقعة بين تميم وقشير، قال:

    سرت من لوى المرّوت

  9. إلى آخره، وقال الحازمي: المرّوت من ديار ملوك غسان وموضع آخر قرب النباج من ديار بني تميم به كانت الواقعة التي قتل فيها بجير بن عبد الله بن عكبر بن سلمة بن قشير قتله قعنب بن الحارث ابن عمرو بن همّام بن يربوع وهزموا جيشه وأسروا أكثرهم، وقال أوس بن بجير يرثي أباه:

    لعمر بني رياح ما أصابوا ... بما احتملوا وعيرهم السقيم

    بقتلهم امرا قد أنزلته ... بنو عمرو وأوهته الكلوم

    فإن كانت رياحا فاقتلوها ... وآل بجيلة الثار المنيم

    فإنهم على المرّوت قوم ... ثوى برماحهم ميت كريم

  10. وحدّث ابن سلام قال: قال جرير بالكوفة:
  11. قد قادني من حبّ ماوية الهوى، ... وما كنت ألقى للحبيبة أقودا

    أحبّ ثرى نجد وبالغور حاجة ... أغار الهوى يا عبد قيس وأنجدا

    أقول له يا عبد قيس صبابة: ... بأيّ ترى مستوقد النار أوقدا؟

    فقال: أراها أرّثت بوقودها ... بحيث استفاض الجزع شيحا وغرقدا

  12. فأعجب أهل الكوفة بهذه الأبيات، فقال جرير:

  13. كأنكم بابن القين قد قال:
  14. أعد نظرا يا عبد قيس فإنما ... أضاءت لك النار الحمار المقيّدا

  15. فلم يلبثوا أن جاءهم قول الفرزدق يقول هذا البيت وبعده:

    حمار بمرّوت السخامة قاربت ... وظيفيه حول البيت حتى تردّدا

    كليبيّة لم يجعل الله وجهها ... كريما ولم يسنح لها الطير أسعدا

  16. فتناشد الناس هذه الأبيات وعجبوا من اتّفاقهما، فقال الفرزدق: كأنكم بابن المراغة قد قال:

    وما عبت من نار أضاء وقودها ... فراسا وبسطام بن قيس مقيّدا

    وأوقدت بالسّيدان نارا ذليلة، ... وأشهدت من سوآت جعثن مشهدا

  17. فكان هذا من أعجب ما اتّفقا عليه.

  18. المرْوَحَةُ:
  19. موضع بالسواد كانت فيه وقائع بين المسلمين والفرس وهي وقعة قسّ الناطف، ويقال لها المروحة

    ج ٥ ص ١١٢أيضا لأن قسّ الناطف على شاطئ الفرات الشرقي والمروحة على شاطئها الغربي.

  20. المَرُّودُ:
  21. بالفتح ثم التشديد والضم، وسكون الواو، ودال مهملة: موضع بين الجحفة وودّان من ديار بني ضمرة من كنانة وهناك رابغ.

  22. مَرُّوذ:
  23. بالفتح ثم التشديد والضم، وسكون الواو، وذال معجمة، وهو مدغم من مرو الروذ، هكذا يتلفظ به جميع أهل خراسان.

  24. مَرَوْرَاةُ:
  25. بالفتح، الكلام فيه مثل الكلام في قرورى إلا أن في آخر هذا ياء، ومرورات، بالتاء، كأنه جمع مرورة، وليس في الكلام مثل هذا البناء، وهو مما ضعفت فيه العين واللام فهو فعلعلة مثل صمحمحة والألف فيه منقلبة عن ياء أصلية، وهو قول سيبويه جعل مثل شجوجاة وأبطل أن يكون من باب عقوقل، وقال ابن السراج في قطوطاة: هو مثل مروراة فهو فعوعل مثل عقوقل، وقال سيبويه فيه: إنه من باب صمحمحة فالياء زائدة على قول ابن السراج ووزنه عنده فعوعلة: موضع كان فيه يوم المروراة ظفر فيه ذبيان ببني عامر، قال زهير:

    تربّص فإن تقو المروراة منهم ... وداراتها لا تقو منهم إذا نخل

    بلاد بها نادمتهم وألفتهم، ... فإن تقويا منهم فإنهم بسل

  26. مَرْوُ الرُّوذ:
  27. المرو: الحجارة البيض تقتدح بها النار، ولا يكون أسود ولا أحمر ولا تقتدح بالحجر الأحمر ولا يسمّى مروا، والروذ، بالذال المعجمة:

    هو بالفارسية النهر، فكأنه مرو النهر: وهي مدينة قريبة من مرو الشاهجان بينهما خمسة أيام، وهي على نهر عظيم فلهذا سميت بذلك، وهي صغيرة بالنسبة إلى مرو الأخرى، خرج منها خلق من أهل الفضل ينسبون مروروذي ومرّوذي، ومات المهلب بر أبي صفرة بمرو الروذ، فقال نهار بن توسعة:

    ألا ذهب الغزو المقرّب للغنى، ... ومات النّدى والعرف بعد المهلب

    أقاما بمرو الروذ رهن ثوائه، ... وقد حجبا عن كل شرق ومغرب

  28. وينسب إليها من المتأخرين أبو بكر خلف بن أحمد ابن أبي أحمد بن محمد بن متّويه المرو الروذي، وأخوه أبو عمرو الفضل كانا من أهل الفضل والحديث، مات خلف في رجب سنة ٥٠٦، ذكره أبو سعد في التحبير وقال: أجاز لي، ومن الأعيان الأكابر المتقدمين القاضي أبو حامد أحمد بن عامر بن يسر المرو الروذي من كبار أصحاب الشافعي، نزل البصرة ودرّس بها وشرح كتاب المزني وكان من أكابر الأعيان وأفراد العلماء، توفي سنة ٣٦٢، وأبو بكر أحمد بن محمد بن صالح بن حجاج المرّوذي صاحب أحمد بن حنبل، قيل: كان خوارزميّا وأمه مروذيّة، وهو مقدّم أصاب أحمد بن حنبل وكان يأنس به وينبسط إليه، خرج إلى الغزو وشيّعه الناس إلى سامرّا فجعل يردّهم ولا يرجعون قال: فحزروا بسامرّا سوى من رجع من دونها نحو خمسين ألف إنسان، فقيل له: يا أبا بكر احمد الله، هذا علم قد نشر لك، فبكى وقال: هذا العلم ليس لي، هذا العلم لأحمد بن حنبل، ومات في بغداد سنة ٢٧٥ ودفن قرب تربة أحمد بن حنبل، رضي الله عنه، ومرو الروذ في الإقليم الخامس، طولها خمس وثمانون درجة وثلثان، وعرضها ثمان وثلاثون درجة وخمسون دقيقة.

  29. مَرْوُ الشاهِجَان:
  30. هذه مرو العظمى أشهر مدن خراسان وقصبتها، نصّ عليه الحاكم أبو عبد الله في

    ج ٥ ص ١١٣تاريخ نيسابور مع كونه ألّف كتابه في فضائل نيسابور إلا أنه لم يقدر على دفع فضل هذه المدينة، والنسبة إليها مروزيّ على غير قياس، والثوب مرويّ على القياس، وبين مرو ونيسابور سبعون فرسخا ومنها إلى سرخس ثلاثون فرسخا وإلى بلخ مائة واثنان وعشرون فرسخا اثنان وعشرون منزلا، أما لفظ مرو فقد ذكرنا أنه بالعربية الحجارة البيض التي يقتدح بها إلا أن هذا عربيّ ومرو ما زالت عجمية ثم لم أر بها من هذه الحجارة شيئا البتّة، وأما الشاهجان فهي فارسية معناها نفس السلطان لأن الجان هي النفس أو الروح والشاه هو السلطان، سميت بذلك لجلالتها عندهم، وقد روي عن بريدة بن الحصيب أحد أصحاب النبي، صلّى الله عليه وسلّم، أنه قال: قال لي رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم:

    يا بريدة إنه سيبعث من بعدي بعوث فإذا بعثت فكن في بعث المشرق ثم كن في بعث خراسان ثم كن في بعث أرض يقال لها مرو إذا أتيتها فانزل مدينتها فإنه بناها ذو القرنين وصلّى فيها عزيز، أنهارها تجري بالبركة، على كل نقب منها ملك شاهر سيفه يدفع عن أهلها السوء إلى يوم القيامة، فقدمها بريدة غازيا وأقام بها إلى أن مات وقبره بها إلى الآن معروف عليه راية رأيتها، قال بطليموس في كتاب الملحمة: مدينة مرو الرقة، كذا قال، طولها سبع وستون درجة، وعرضها أربعون درجة، في الإقليم الخامس، طالعها العقرب تحت ثماني عشرة درجة من السرطان، يقابلها مثلها في الجدي، بيت ملكها مثلها من الحمل، بيت عاقبتها مثلها من الميزان، كذا قال بطليموس، وقد تقدم ذكرها عند ذكر الأقاليم أنها في الإقليم الرابع، قال أبو عون إسحاق بن علي في زيجه: مرو في الإقليم الرابع، طولها أربع وثمانون درجة وثلث، وعرضها سبع وثلاثون درجة وخمس وثلاثون دقيقة، وشنّع على أهل خراسان وادّعي عليهم البخل كما زعم ثمامة أن الديك في كل بلد يلفظ ما يأكله من فيه للدجاجة بعد أن حصل إلا ديكة مرو فإنها تسلب الدجاج ما في مناقيرها من الحبّ، وهذا كذب بيّن ظاهر للعيان لا يقدم على مثله إلا الوقّاع البهّات الذي لا يتوقّى الفضوح والعار وما ديكة مرو إلا كالدّيكة في جميع الأرض، قالوا:

    ولما ملك طهمورث بنى قهندز مرو وبنى مدينة بابل وبنى مدينة ابرايين بأرض قوم موسى ومدينة بالهند في رأس جبل يقال له أوق، قال: وأمرت حماي بنت أردشير بن إسفنديار لما ملكت ببناء الحائط الذي حول مرو، وقال: إن طهمورث لما بنى قهندز مرو بناه بألف رجل وأقام لهم سوقا فيها الطعام والشراب فكان إذا أمسى الرجل أعطي درهما فاشترى به طعامه وجميع ما يحتاج إليه فتعود الألف درهم إلى أصحابه، فلم يخرج له في البناء إلا ألف درهم، وقال بعضهم:

    مياسير مرو من يجود لضيفه ... بكرش فقد أمسى نظيرا لحاتم

    ومن رسّ باب الدار منكم بقرعة ... فقد كملت فيه خصال المكارم

    يسمّون بطن الشاة طاووس عرسهم، ... وعند طبيخ اللحم ضرب الجماجم

    فلا قدّس الرحمن أرضا وبلدة ... طواويسهم فيها بطون البهائم

  31. وكان المأمون يقول: يستوي الشريف والوضيع من مرو في ثلاثة أشياء: الطّبيخ النارنك والماء البارد لكثرة الثلج بها والقطن اللين، وبمرو الرّزيق،

    ج ٥ ص ١١٤بتقديم الراء على الزاي، والماجان: وهما نهران كبيران حسنان يخترقان شوارعها ومنهما سقي أكثر ضياعها، وقال إبراهيم بن شمّاس الطالقاني: قدمت على عبد الله بن المبارك من سمرقند إلى مرو فأخذ بيدي فطاف بي حول سور مدينة مرو ثم قال لي:

    يا إبراهيم من بنى هذه المدينة؟ قلت: لا أدري يا أبا عبد الرحمن، قال: مدينة مثل هذه لا يعرف من بناها! وقد أخرجت مرو من الأعيان وعلماء الدين والأركان ما لم تخرج مدينة مثلهم، منهم:

    أحمد بن محمد بن حنبل الإمام وسفيان بن سعيد الثوري، مات وليس له كفن واسمه حيّ إلى يوم القيامة، وإسحاق بن راهويه وعبد الله بن المبارك وغيرهم، وكان السلطان سنجر بن ملك شاه السّلجوقي مع سعة ملكه قد اختارها على سائر بلاده وما زال مقيما بها إلى أن مات وقبره بها في قبّة عظيمة لها شباك إلى الجامع وقبتها زرقاء تظهر من مسيرة يوم، بلغني أن بعض خدمه بناها له بعد موته ووقف عليها وقفا لمن يقرأ القرآن ويكسو الموضع، وتركتها أنا في سنة ٦١٦ على أحسن ما يكون، وبمرو جامعان للحنفية والشافعية يجمعهما السور، وأقمت بها ثلاثة أعوام فلم أجد بها عيبا إلا ما يعتري أهلها من العرق المديني فإنهم منه في شدة عظيمة قلّ من ينجو منه في كل عام، ولولا ما عرا من ورود التتر إلى تلك البلاد وخرابها لما فارقتها إلى الممات لما في أهلها من الرّفد ولين الجانب وحسن العشرة وكثرة كتب الأصول المتقنة بها، فإني فارقتها وفيها عشر خزائن للوقف لم أر في الدنيا مثلها كثرة وجودة، منها خزانتان في الجامع إحداهما يقال لها العزيزية وقفها رجل يقال له عزيز الدين أبو بكر عتيق الزنجاني أو عتيق بن أبي بكر وكان فقّاعيّا للسلطان سنجر وكان في أول أمره يبيع الفاكهة والريحان بسوق مرو ثم صار شرابيّا له وكان ذا مكانة منه، وكان فيها اثنا عشر ألف مجلد أو ما يقاربها، والأخرى يقال لها الكمالية لا أدري إلى من تنسب، وبها خزانة شرف الملك المستوفي أبي سعد محمد بن منصور في مدرسته، ومات المستوفي هذا في سنة ٤٩٤، وكان حنفيّ المذهب، وخزانة نظام الملك الحسن بن إسحاق في مدرسته وخزانتان للسمعانيين وخزانة أخرى في المدرسة العميدية وخزانة لمجد الملك أحد الوزراء المتأخرين بها والخزائن الخاتونية في مدرستها والضميرية في خانكاه هناك، وكانت سهلة التناول لا يفارق منزلي منها مائتا مجلّد وأكثر بغير رهن تكون قيمتها مائتي دينار فكنت أرتع فيها وأقتبس من فوائدها، وأنساني حبها كل بلد وألهاني عن الأهل والولد، وأكثر فوائد هذا الكتاب وغيره مما جمعته فهو من تلك الخزائن، وكثيرا ما كنت أترنّم عند كوني بمرو بقول بعض الأعراب:

    أقمريّة الوادي التي خان إلفها ... من الدهر أحداث أتت وخطوب

    تعالي أطارحك البكاء فإننا ... كلانا بمرو الشاهجان غريب

  32. ثم أضفت إليها قول أبي الحسين مسعود بن الحسن الدمشقي الحافظ وكان قدم مرو فمات بها في سنة ٥٤٣:

    أخلّاي إن أصبحتم في دياركم ... فإني بمرو الشاهجان غريب

    أموت اشتياقا ثم أحيا تذكّرا، ... وبين التراقي والضلوع لهيب

    فما عجب موت الغريب صبابة، ... ولكن بقاه في الحياة عجيب

    ج ٥ ص ١١٥إلى أن خرجت عنها مفارقا وإلى تلك المواطن ملتفتا وامقا فجعلت أترنم بقول بعضهم:

    ولما تزايلنا عن الشعب وانثنى ... مشرّق ركب مصعد عن مغرّب

    تيقّنت أن لا دار من بعد عالج ... تسرّ، وأن لا خلّة بعد زينب

  33. ويقول الآخر:

    ليال بمرو الشاهجان وشملنا ... جميع سقاك الله صوب عهاد

    سرقناك من ريب الزمان وصرفه، ... وعين النوى مكحولة برقاد

    تنبّه صرف الدهر فاستحدث النوى، ... وصيّرنا شتّى بكل بلاد

  34. ولن تعدم الحسناء ذامّا، فقد قال بعض من قدمها من أهل العراق فحنّ إلى وطنه:

    وأرى بمرو الشاهجان تنكّرت ... أرض تتابع ثلجها المذرور

    إذ لا ترى ذا بزّة مشهورة ... إلّا تخال بأنه مقرور

    كلتا يديه لا تزايل ثوبه ... كلّ الشتاء كأنه مأسور

    أسفا على برّ العراق وبحره! ... إنّ الفؤاد بشجوه معذور

  35. وكنّا كتبنا قصيدة مالك بن الريب متفرّقة وأحلنا في كل موضع على ما يليه ولم يبق منها إلا ذكر مرو وبها تتمّ فإنه قال بعد ما ذكر في السّمينة:

    ولما تراءت عند مرو منيتي، ... وحلّ بها سقمي وحانت وفاتيا

    أقول لأصحابي: ارفعوني فإنني ... يقرّ بعيني إن سهيل بدا ليا

    فيا صاحبي رحلي دنا الموت فانزلا ... برابية إني مقيم لياليا

    أقيما عليّ اليوم أو بعض ليلة، ... ولا تعجلاني قد تبيّن شانيا

    وقوما إذا ما استلّ روحي فهيّئا ... لي السدر والأكفان ثمّ ابكيانيا

    وخطّا بأطراف الأسنّة مضجعي، ... وردّا على عينيّ فضل ردائيا

    ولا تحسداني، بارك الله فيكما، ... من الأرض ذات العرض أن توسعا ليا

    خذاني فجرّاني ببردي إليكما، ... فقد كنت قبل اليوم صعبا قياديا

    وقد كنت عطّافا إذا الخيل أحجمت ... سريعا لدى الهيجا إلى من دعانيا

    وقد كنت محمودا لدى الزاد والقرى ... وعن شتم ابن العمّ والجار وانيا

    وقد كنت صبّارا على القرن في الوغى، ... ثقيلا على الأعداء عضبا لسانيا

    وطورا تراني في رحى مستديرة ... تخرّق أطراف الرماح ثيابيا

  36. وما بعد هذه الأبيات ذكر في الشبيك، وبمرو قبور أربعة من الصحابة، منهم: بريدة بن الحصيب والحكم بن عمرو الغفاري وسليمان بن بريدة في قرية من قراها يقال لها فني ويقال لها فنين وعليه علم، رأيت ذلك كله والآخر نسيته، فأما رستاق مرو فهو أجلّ من المدن وكثيرا ما سمعتهم يقولون رجال مرو من قراها، وقال بعض الظرفاء يهجو

  37. أهل مرو:
  38. لأهل مرو أياد مشهورة ومروّة ... لكنها في نساء صغارهنّ الصّبوّة

    يبذلن كل مصون على طريق الفتوّة ... فلا يسافر إليها إلا فتى فيه قوّة

  39. وإليها ينسب عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله أبو بكر القفّال المروزي وحيد زمانه فقها وعلما، رحل إلى الناس وصنف وظهرت بركته وهو أحد أركان مذهب الشافعي وتخرّج به جماعة وانتشر علمه في الآفاق، وكان ابتداء اشتغاله بالفقه على كبر السن، حدثني بعض فقهاء مرو بفنين من قراها أن القفّال الشاشي صنع قفلا ومفتاحا وزنه دانق واحد فأعجب الناس به جدّا وسار ذكره وبلغ خبره إلى القفّال هذا فصنع قفلا مع مفتاحه وزنه طسّوج وأراه الناس فاستحسنوه ولم يشع له ذكر فقال يوما لبعض من يأنس إليه: ألا ترى كلّ شيء يفتقر إلى الحظ؟ عمل الشاشي قفلا وزنه دانق وطنّت به البلاد، وعملت أنا قفلا بمقدار ربعه ما ذكرني أحد! فقال له: إنما الذكر بالعلم لا بالأقفال، فرغب في العلم واشتغل به وقد بلغ من عمره أربعين سنة وجاء إلى شيخ من أهل مرو وعرّفه رغبته فيما رغب فيه فلقّنه أول كتاب المزني، وهو: هذا كتاب اختصرته، فرقي إلى سطحه وكرّر عليه هذه الثلاثة ألفاظ من العشاء إلى أن طلع الفجر فحملته عينه فنام ثم انتبه وقد نسيها فضاق صدره وقال: أيش أقول للشيخ؟

  40. وخرج من بيته فقالت له امرأة من جيرانه: يا أبا بكر لقد أسهرتنا البارحة في قولك هذا كتاب اختصرته، فتلقنها منها وعاد إلى شيخه وأخبره بما كان منه، فقال له: لا يصدّنّك هذا عن الاشتغال فإنك إذا لازمت الحفظ والاشتغال صار لك عادة، فجدّ ولازم الاشتغال حتى كان منه ما كان فعاش ثمانين سنة أربعين جاهلا وأربعين عالما، وقال أبو المظفّر السمعاني: عاش تسعين سنة ومات سنة ٤١٧، ورأيت قبره بمرو وزرته، رحمه الله تعالى، وأبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن إسحاق المروزي أحد أئمة الفقهاء الشافعية ومقدّم عصره في الفتوى والتدريس، رحل إلى أبي العباس بن شريح وأقام عنده وحصل الفقه عليه وشرح مختصر المزني شرحين وصنف في أصول الفقه والشروط وانتهت إليه رياسة هذا المذهب بالعراق بعد ابن شريح ثم انتقل في آخر عمره إلى مصر وتوفي بها لسبع خلون من رجب سنة ٣٤٠ ودفن عند قبر الشافعي، رضي الله عنه.