ومن هذا الباب (التعريض) .

٤١ فقرة، ج ١ ص ١٦٣

الصفحة ١ من ٢

  1. والعرب تستعمله في كلامها كثيرا، فتبلغ إرادتها بوجه هو ألطف وأحسن من الكشف والتصريح، ويعيبون الرجل إذا كان يكاشف في كل شيء ويقولون «٢» :

    ج ١ ص ١٦٤لا يحسن التّعريض إلّا ثلبا وقد جعله الله في خطبة النساء في عدّتهنّ جائزا فقال: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ [البقرة: ٢٣٥] ولم يجز التصريح.

    ج ١ ص ١٦٣
  2. والتعريض في الخطبة: أن يقول الرجل للمرأة: والله إنك لجميلة، ولعل الله أن يرزقك بعلا صالحا، وإن النساء لمن حاجتني، هذا وأشباهه من الكلام.

  3. وروى بعض أصحاب اللغة أن قوما من الأعراب خرجوا يمتارون فلما صدروا خالف رجل في بعض الليل إلى عكم «١» صاحبه فأخذ منه برّا وجعله في عكمه، فلما أراد الرحلة قاما يتعاكمان فرأى عكمه يشول وعكم صاحبه يثقل، فأنشأ يقول «٢» :

    عكم تغشّى بعض أعكام القوم ... لم أر عكما سارقا قبل اليوم

    فخوّن صاحبه بوجه هو ألطف من التصريح.

  4. وروي في بعض الحديث: أن رجلا كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، من مغزّى كان فيه «٣» :

    ألا أبلغ أبا حفص رسولا ... فدىّ لك- من أخي ثقة- إزاري

    قلائصنا هداك الله إنا ... شغلنا عنكم زمن الحصار

    فما قلص وجدن معقّلات ... قفا سلع بمختلف النّجار

    يعقّلهنّ جعد شيظميّ ... وبئس معقّل الذّود الظّؤار

    ج ١ ص ١٦٥قال أبو محمد:

    وقد ذكرت الحديث والتفسير وطريقه في كتاب (غريب الحديث) .

  5. وإنما كنى بالقلص- وهي: النّوق الشّوابّ- عن النساء وعرّض برجل يقال له:

    جعدة كان يخالف إلى المغيّبات من النساء، ففهم عمر، رضي الله عنه ما أراد، وجلد جعدة ونفاه.

    وقال عنترة «١» :

    يا شاة ما قنص لمن حلّت له ... حرمت عليّ وليتها لم تحرم

    يعرّض بجارية، يقول: أيّ صيد أنت لمن حلّ له أن يصيدك، فأمّا أنا فإنّ حرمة الجوار قد حرّمتك عليّ.

  6. وقد جاء في القرآن التعريض:

    فمن ذلك ما خبّر الله سبحانه من نبإ الخصم إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ [ص: ٢٢] . ثم قال: إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ (٢٣) [ص: ٢٣] .

  7. إنما هو مثل ضربه الله سبحانه له، ونبهه على خطيئته به.

  8. وورّى عن النساء بذكر النّعاج، كما كنى الشاعر عن جارية بشاة، وكنى الآخر عن النساء بالقلص.

  9. وروى المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله سبحانه، حكاية عن موسى صلّى الله عليه وسلم: لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ [الكهف: ٧٣] : لم ينس ولكنها من معاريض الكلام.

  10. أراد ابن عباس أنه لم يقل: إني نسيت فيكون كاذبا، ولكنه قال: لا تؤاخذني بما نسيت، فأوهمه النسيان، ولم ينس ولم يكذب.

  11. ولهذا قيل: إن في المعاريض عن الكذب لمندوحة «٢» .

  12. ومنه قول إبراهيم صلّى الله عليه وسلم: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] أي سأسقم، لأن من كتب عليه الموت، فلا بد من أن يسقم.

    ج ١ ص ١٦٦
  13. ومنه قوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) [الزمر: ٣٠] أي: ستموت ويموتون.

  14. فأوهمهم إبراهيم بمعاريض الكلام أنه سقيم عليل، ولم يكن عليلا سقيما، ولا كاذبا.

  15. وكذلك ما روي في الحديث من قوله حين خاف على نفسه وامرأته: (إنها أختي) لأن بني آدم يرجعون إلى أبوين، فهم إخوة، ولأن المؤمنين إخوة، قال الله عز وجل:

    إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: ١٠] .

  16. وكذلك قوله: قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) [الأنبياء: ٦٣] . أراد: بل فعله الكبير، إن كانوا ينطقون فسلوهم، فجعل النطق شرطا للفعل، أي إن كانوا ينطقون فقد فعله، وهو لا يعقل ولا ينطق.

  17. وقد روي عن النبي، صلّى الله عليه وسلم: (إنّ إبراهيم كذب ثلاث كذبات ما منها واحدة إلا وهو يماحل بها عن الإسلام) «١» .

  18. فسمّاها كذبات، لأنها شاكهت «٢» الكذب وضارعته.

  19. ولذلك قال بعض أهل السلف لابنه: (يا بني لا تكذبن ولا تشبّهن بالكذب) .

  20. فنهاه عن المعاريض، لئلا يجري على اعتيادها، فيتجاوزها إلى الكذب، وأحبّ أن يكون حاجزا من الحلال بينه وبين الحرام.

  21. ومن هذا الباب قول الله عز وجل: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [سبأ: ٢٤] . والمعنى: إنّا لضالّون أو مهتدون، وإنكم أيضا لضالون، أو

    ج ١ ص ١٦٧مهتدون، وهو جل وعز يعلم أن رسوله المهتدي وأن مخالفه الضالّ، وهذا كما تقول للرّجل يكذبك ويخالفك: إنّ أحدنا لكاذب. وأنت تعنيه، فكذّبته من وجه هو أحسن من التصريح، كذلك قال الفرّاء.

  22. وأما قوله سبحانه: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ [يونس: ٩٤] ففيه تأويلان:

    أحدهما: أن تكون المخاطبة لرسول الله، صلّى الله عليه وسلم، والمراد غيره من الشّكّاك، لأنّ القرآن نزل عليه بمذاهب العرب كلهم، وهم قد يخاطبون الرّجل بالشيء ويريدون غيره، ولذلك يقول متمثّلهم: «إيّاك أعني واسمعي يا جارة» «١» .

  23. ومثله قوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١) [الأحزاب: ١] .

  24. الخطاب للنبي، صلّى الله عليه وسلم، والمراد بالوصية والعظة المؤمنون، يدلك على ذلك أنه قال: وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٢) [الأحزاب: ٢] .

  25. ولم يقل بما تعمل خبيرا.

  26. ومثل هذه الآية قوله: وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥) [الزخرف: ٤٥] ، أي سل من أرسلنا إليه من قبلك رسلا من رسلنا، يعني أهل الكتاب، فالخطاب للنبي صلّى الله عليه وسلم والمراد المشركون.

  27. ومثل هذا قول الكميت في مدح رسول الله، صلّى الله عليه وسلم «٢» :

    إلى السّراج المنير أحمد لا ... يعدلني رغبة ولا رهب

    عنه إلى غيره ولو رفع النّ ... اس إليّ العيون وارتقبوا

    وقيل: أفرطت، بل قصدت ولو ... عنّفني القائلون أو ثلبوا

    لجّ بتفضيلك اللّسان ولو ... أكثر فيك اللّجاج واللّجب

    أنت المصفّى المحض المهذّب في النّس ... بة إن نصّ قومك النّسب

    ج ١ ص ١٦٨فالخطاب للنبي صلّى الله عليه وسلم، والمراد أهل بيته، فورّى عن ذكرهم به، وأراد بالعائبين واللائمين بني أمية.

  28. وليس يجوز أن يكون هذا للنبي، صلّى الله عليه وسلم، لأنه ليس أحد من المسلمين يسوءه مدح رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ولا يعنّف قائلا عليه، ومن ذا يساوى به، ويفضّل عليه، حتى يكثر في مدحه الضّجاج واللّجب؟.

  29. وإن الشعراء ليمدحون الرجل من أوساط الناس فيفرطون ويفرّطون فيغلون وما يرفع الناس إليهم العيون ولا يرتقبون، فكيف يلام هذا على الاقتصاد في مدح من الإفراط في مدحه غير تفريط، ولكنه أراد أهل بيته.

  30. والتأويل الآخر: أن الناس كانوا في عصر النبي صلّى الله عليه وسلم أصنافا:

    منهم كافر به مكذّب، لا يرى إلا أن ما جاء به الباطل.

  31. وآخر: مؤمن به مصدّق يعلم أن ما جاء به الحق.

  32. وشاك في الأمر لا يدري كيف هو، فهو يقدّم رجلا ويؤخّر أخرى.

  33. فخاطب الله سبحانه هذا الصّنف من الناس فقال: فإن كنت أيها الإنسان في شك مما أنزلنا إليك من الهدى على لسان محمد صلّى الله عليه وسلم فسل الأكابر من أهل الكتاب والعلماء الذين يقرؤون الكتاب من قبلك، مثل: عبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، وتميم الدّاري وأشباههم، ولم يرد المعاندين منهم فيشهدون على صدقه، ويخبرونك بنبوّته، وما قدّمه الله في الكتب من ذكره فقال: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ [الزمر: ٢] ، وهو يريد غير النبي، صلّى الله عليه وسلم.

  34. كما قال في موضع آخر: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ [الأنبياء: ١٠] .

  35. وحّد وهو يريد الجمع، كما قال: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) [الانفطار: ٦] .

  36. ويا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (٦) [الانشقاق: ٦] .

    وقال: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ [الزمر: ٨] .

  37. ولم يرد في جميع هذا إنسانا بعينه، إنما هو لجماعة الناس.

  38. ومثله قول الشاعر «١» :
  39. إذا كنت متّخذا صاحبا ... فلا تصحبنّ فتى دارميّا

    لم يرد بالخطاب رجلا بعينه، إنما أراد: من كان متّخذا صاحبا فلا يجعله من دارم.

    ج ١ ص ١٦٩
  40. وهذا، وإن كان جائزا حسنا، فإنّ المذهب الأول أعجب إليّ، لأنّ الكلام اتصل حتى قال: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس: ٩٩] .